النص المفهرس

صفحات 381-400

- ص -
قوله: ((بِنُصْبِ)) قرأ العامَّةُ بالضم والسكون. فقيل: هو جمعُ ((نَصَبٍ))
بفتحتين نحو: وَثَن وَوُثْن، وأَسَدٍ وأُسْدٍ. وقيل: هي لغةٌ فِي النَّصَبَ نحوُ: رُشْد
ورَشَد، وحُزْن وحَزَن، وعُدْمٍ وعَدَم. وأبو جعفر (١) وشيبة وحفص ونافع في
روايةٍ بضمتين وهو تثقيلُ نُصْب بضمة وسكون، قاله الزمخشري(٢). وفيه بُعْدٌ
لِمَا عَرَفْتَ أنَّ مقتضى اللغةِ تخفيفُ فُعُل كعُنُق لا تثقيل فُعْلِ كَقُفْل، وفيه
خلافٌ. وقد تقدَّم(٣) في العُسْر والْيُسْر في البقرة. وقرأ أبو حيوة ويعقوبُ
وحفصٌ في روايةٍ بفتحٍ وسكونٍ، وكلُّها بمعنىَّ واحدٍ: وهو التعبُ والمَشقةُ.
آ. (٤٣) قوله: ﴿رحمةً﴾: و((ذكرى)) مفعولٌ من أجله أي:
وهَبْناهم له لُأَجْلِ رحمتِنا إِيَّه وليتذكَّرَ بحالٍ أولو الألباب.
آ. (٤٤) قوله: ﴿ضِغْئاً﴾: الضِّغْتُ: الحُزْمَةُ الصغيرةُ من
الحشيشِ والقُضْبان. وقيل: الحُزْمَةُ الكبيرةُ من القُضْبان. وفي المثل (٤):
((ضِغْثُ على إِمَّالَة)) والإِّبَّالةُ: الحُزْمَةُ من الحطبِ. قال الشاعر(٥):
٣٨٧٣- وأثقلَ مني نَهْدَةً قد رَبَطْتُها
وَأَلْقَيْتُ ضِغْئاً مِن خَلَىِّ مُتَطَيِّبٍ
(١) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٤٢١/٢، والنشر ٣٦١/٢، والقرطبي ٢٠٧/١٥،
والبحر ٤٠٠/٧.
(٢) الكشاف ٣٧٦/٣.
(٣) انظر: الدر المصون ٢٨٥/٢.
(٤) مجمع الأمثال: ٤١٩/١.
(٥) البيت لَعَوْف بن الخَرع، وهو في مجاز القرآن ١٨٥/٢، والمحرر ٣٩/١٤.
والنهد: الضخم القوي. والخلاء: الرطب من الحشيش.
٣٨١

L
-
- ص
وأصلُ المادة يَدُلُّ [على](١) جَمْعِ المختلطاتِ. وقد تقدَّم هذا في سورة
يوسف في ((أضغاثُ أَحْلام))(٢) .
قوله: (ولا تَحْنَثْ)) الحِنْثُ: الإِثْمُ. ويُطْلَقُ على فِعْلِ ما حُلِفَ على تَرْكِه
أو تَرْكِ ما حُلِفَ على فِعْله لأنَّهما سِيَّن فيه غالباً.
آ. (٤٥) قوله: ﴿عبادَنا﴾: قرأ(٣) ابنُ كثير ((عَبْدَنا)) بالتوحيد.
والباقون ((عبادَنا)) بالجمعِ والرسمُ يحتملهما. فأمَّا قراءةُ ابنٍ كثير فـ ((إبراهيم))
بدلٌ أو بيانٌ، أو بإضمارٍ أَعْني، وما بعدَه عطفٌ على نفس ((عبدنا)) لا على.
إبراهيم؛ إِذْ يَلْزَمُ إبدالُ جمع مِنْ مفردٍ. ولقائلٍ أنْ يقولَ: لمَّا كان المرادُ بعبدنا.
الجنسَ جاز إبدالُ الجمعِ منه. وهذا كقراءةٍ ابنِ عباس ((وإله أبيك إبراهيم))(٤)
في البقرة في أحدِ القولين وقد تقدَّم. وأمَّا قراءةُ الجماعةِ فواضحةٌ لأنَّها موافقةٌ
للأول في الجمع .
قوله: ((الأيدي) العامَّةُ على ثبوتِ الياءِ، وهو جَمْعُ يدٍ: إمَّا الجَارِحَةِ،
.[٧٦٠/أ] وكَنَّى بذلك/ عن الأعمال؛ لأنَّ أكثرَ الأعمالِ إنما تُزاوَلُ باليدِ. وقيل: المرادُ
بالأيدي جمعُ ((يَدٍ)) المراد بها النعمةُ. وقرأ(٥) عبد الله والحسن وعيسى
والأعمش ((الأَيْد)) بغيرِ ياء فقيل: هي الأوْلى وإنَّما حُذِفَتِ الياءُ اجتزاءً عنها
بالكسرة ولأنَّ أل تعاقِبُ التنوينَ، والياءُ تُحْذَفُ مع التنوين، فأُجْرِيَتْ مع أل
(١) زيادة من ش.
(٢) الآية ٤٤ من يوسف وانظر: الدر المصون ٥٠٦/٦.
(٣) السبعة ٥٥٤، والتيشير ١٨٨، والبحر ٤٠١/٧، والحجة ٦١٣، والنشر ٣٦١/٢،
والقرطبي ٠٢١٧/١٥
(٤) الآية ١٣٣، من البقرة. وانظر: الدر ١٣٠/٢.
(٥) الإتحاف ٤٢٢/٢، والبحر ٤٠٢/٧، والقرطبي ٢١٧/١٥، والمحتسب ٢٣٣/٢.
٣٨٢

- ص -
إجراءها معه. وهذا ضعيفٌ جداً. وقيل: الأَيْد: القوةُ. إلاّ أنَّ الزمخشريُّ(١)
قال: ((وتَفْسِيرُه بالأيد من التأييد قَلِقٌ غيرُ متمكنٍ)) انتهى. وكأنَّه إنما قَلِقَ عنده
لعطفِ الأبصارِ عليه، فهو مناسبٌ للأيدي لا للَّيْد من التأييد. وقد يقال: إنه
لا يُراد حقيقةُ الجوارح؛ إذ كلُّ أحدٍ كذلك، إنما المراد الكناية عن العمل
الصالحِ والتفكِّرٍ ببصيرته فلم يَقْلَقْ حينئذٍ؛ إذ لم يُرِدْ حقيقةَ الإِبصارِ. وكأنه
قيل: أُولي القوة والتفكّر بالبصيرةِ. وقد نحا الزمخشري(٢) إلى شيءٍ مِنْ هذا
قبل ذلك.
آ. (٤٦) قوله: ﴿بخالِصَةٍ ذِكْرَى﴾: قرأ(٣) نافعٌ وهشام
(بخالصة ذكرى)) بالإِضافة. وفيها أوجه، أحدُها: أَنْ يكونَ أضافَ ((خالصة)» إلى
((ذكرَى)) للبيانٍ؛ لأنَّ الخالصةَ تكونُ ذكرى وغيرَ ذكرى كما في قوله: ((بشهاب
قَبَسٍ))(٤) لأنَّ الشهابَ يكونُ قَبَساً وغيرَه. الثاني: أنَّ ((خالصةً)) مصدرٌ بمعنى
إخلاص، فيكون مصدراً مضافاً لمفعولِهِ، والفاعلُ محذوفٌ أي: بأَنْ أَخْلَصوا
ذکری الدار وتناسَوْا عندها ذِكْرَ الدنيا. وقد جاء المصدرُ على فاعلة كالعافية،
أو يكونُ المعنى: بأَنْ أَخْلَصْنا نحن لهم ذكرى الدار. الثالث: أنها مصدرً أيضاً
بمعنى الخلوص، فتكونُ مضافةً لفاعلها أي: بأنْ خَلَصَتْ لهم ذِكْری الدار.
وقرأ الباقون بالتنوينٍ وعَدَمِ الإِضافة. وفيها أوجهٌ، أحدها: أنها مصدرٌ
بمعنى الإِخْلاص فيكون «ذكرى» منصوباً به، وأنْ يكونَ بمعنى الخُلوص فيكون
(١) الكشاف ٣٧٨/٣.
(٢) الكشاف ٣٧٧/٣.
(٣) السبعة ٥٥٤، والتيسير ١٨٨، والبحر ٤٠٢/٧، والحجة ٦١٣، والنشر ٣٦١/٢،
والقرطبي ٢١٨/١٥.
(٤) الآية ٧ من النمل. وهي قراءة غير الكوفيين. انظر: السبعة ٤٧٨.
٣٨٣

- ص =
(ذكرى)) مرفوعاً به كما تقدَّم ذلك، والمصدرُ يعملُ منوَّناً كما يَعْمَلُ مضافاً،
أو يكونُ ((خالصة)) اسم فاعلٍ على بابِهِ، و ((ذکری)) بَدَلٌ أو بيانٌ لها، أو منصوبٌ
بإضمارٍ أَعْني، أو مرفوع على إضمار مبتدأ. و ((الدار)) يجوز أن يكون مفعولاً به
بذكرى، وأن يكونَ ظرفاً: إمَّا على الانّساعِ، وإمَّا على إسقاط الخافض،
ذكرهما أبو البقاء (١). وخالصة إذا كانَتْ صفةً فهي صفةٌ لمحذوفٍ أي : بسببٍ
خَصْلَةٍ خَالصةٍ.
آ. (٤٨) والأخيار جمعُ خَيِّر، أو خَيْر بالتثقيلِ والتخفيف كأموات
جمع مَيِّت أو مَّيْت.
آ. (٤٩) قوله: ﴿هذا ذِكْرٌ﴾: جملةٌ جيْءَ بها إيذاناً بأنَّ القصةَ
قد تَمَّتْ وأَخَذَ في أخرى، وهذا كما فَعَل الجاحظ في كتبِه يقول: ((فهذا بابٌ))
ثم يَشْرَعُ في آخرَ. ويَدُلُّ على ذلك: أنه لمَّا أراد أَنْ يُعَقِّبَ بذِكْر أهل النارِ ذَكْرَ
أهلَ الجنة. قال تعالى: ((هذا وإنَّ للطاغين))(٢).
آ. (٥٠) قوله: ﴿جناتٍ عَدْذٍ﴾: العامةُ على نصب ((جنات))
بدلاً من ((حُسْنَ مَآب)) سواءً كانَتْ جنات عدنٍ معرفةً أم نكرةً؛ لأنَّ المعرفةَ تُبْدَلُ
من النكرة وبالعَكْس. ويجوزُ أن تكونَ عطف بيان إنْ كانَتْ نكرةً ولا يجوزُ ذلك
فيها إنْ كانتْ معرفةً. وقد جوِّز الزمخشريُ(٣) ذلك بعد حُكْمِه واستدلاله على
أنها معرفةٌ، وهذا كما تقدَّم له في مواضِعَ يُجِيْزُ عطفَ البيان، وإنْ تَخالفا تعريفاً
وتنكيراً وقد تقدَّم هذا عند قولِه تعالى(٤): فيه آياتٌ بَيِّنَاتٌ مَقامُ إبراهيمَ)) ويجوزُ
(١) الإملاء ٢١١/٢.
(٢) الآية ٥٥.
(٣) الكشاف ٣٧٨/٣.
(٤) الآية ٩٧ من آل عمران.
٣٨٤

- ص -
أَنْ تَنْتَصِبَ ((جناتٍ عَدٍْ)) بإضمارٍ فِعْلٍ. و ((مُفْتَّحةً)) حالٌ مِنْ ((جنات عدن»
أو نعتٌ لها إن كانَتْ نكرةً. وقال الزمخشري(١): «حالٌ. والعاملُ فيها ما في
(للمتقين)) مِنْ معنى الفعلِ)) انتهى. وقد عَلَّلَ أبو البقاءِ(٢) بعلةٍ في قوله/: [٧٦٠/ب]
(مُتَّكئين)) تقتضي مَنْعَ ((مُفَتِّحة)) أَنْ تكونَ حالاً، وإنْ كانَتْ العلةُ غيرَ صحيحةٍ.
وقال(٢): ((ولا يجوزُ(٤) أَنْ يكونَ ((متكئين)) حالاً مِنْ ((للمتقين)) لأنه قد أخبر
عنهم قبلَ الحال)» وهذه العلةُ موجودةٌ في جَعْل ((مُفَتَّحةً)) حالاً من ((للمتقين)) كما
ذكره الزمخشري(٥). إلّ أنَّ هذه العلةَ ليسَتْ صحيحةً وهو نظيرُ قولك: ((إن
لهندٍ مالاً قائمةً)). وأيضاً في عبارتِه تجُوُّزٌ: فإنَّ (للمتقين)) لم يُخْبِرْ عنهم صناعةٌ
إنما أخبر عنهم معنىٍّ، وإلاّ فقد أخبر عن ((حُسْن مآب)) بأنَّه لهم. وجعل
الحوفيُّ العاملَ مقدراً أي: يَدْخلونها مفتحةً.
قوله: «الأبواب» في ارتفاعها وجهان، أحدهما : - وهو المشهور عند
الناسِ - أَنَّها مُرْتفعةً باسمِ المفعول كقوله: ((وفُتِحَتْ أبوابُها))(٦). واعْتُرِضَ
على هذا بأن ((مُفتَحةً)): إمّا حالٌ، وإمَّا نعتُ لـ ((جنات))، وعلى التقديرَيْن فلا
رابطٌ وأُجيب بوجهين، أحدهما: قولُ البصريين: وهو أنَّ ثَمَّ ضميراً مقدراً
تقديرُه: الأبوابُ منها. والثاني: أنَّ أل قامَتْ مقامَ الضمير؛ إذ الأصلُ: أبوابُها.
وهو قول الكوفيين (٧) وتقدَّم تحقيقُ هذا. والوجهان جاريان في قوله: ((فإنَّ
(١) الكشاف ٣٧٨/٣.
(٢) الإِملاء ٢١١/٢.
الإملاء ٢١١/٢.
(٣)
في المطبوعة: «ويجوز» وهو تحريف.
(٤)
(٥) الكشاف ٣٧٨/٣.
(٦) الآية ٧٣ من الزمر.
(٧) انظر: المغني ٧٧ .
٣٨٥

: - ص :-
الجنةَ هي المأوَىْ))(١). الثاني: أنها مرتفعةٌ على البدلِ من الضميرِ في ((مُفَتَّحَةً))
العائدِ على ((جنات)) وهو قولُ الفارسيِّ، لمَّا رأى خُلُوَّها من الرابطِ لفظاً ادَّعَىْ
ذلك. واعْتُرض على هذا: بأنَّ هذا مِنْ بدلِ البعض أو الاشتمالِ، وكلاهما
لا بُدَّ فيهما مِنْ ضميرٍ فيُضْطَرُّ إلى تقديره كما تقدَّم. ورَجَّح بعضُهم الأولَ: بأنَّ
فيه إضماراً واحداً، وفي هذا إضماران وتبعه الزمخشريُّ(٢) فقال: ((والأبواب
بدلٌ مِن الضمير في ((مُفَتَّحَةً)) أي: مفتحةً هي الأبواب كقولك: ضربَ زيدٌ اليدَ
والرِّجْلَ، وهو مِنْ بَدَّلِ الاشتمال)) فقوله: ((بدلُ الاشتمال)) إنما يعني به
الأبواب، لأنَّ الأبواب قد يُقال: إنها ليسَتْ بعضَ الجنات، و((أمَّا ضَرَّبَ زيدٌ
اليدَ والرِّجْلَ)) فهو بعضٌ مِنْ كَل ليسَ إلاَّ .
وقرأ(٣) زيد بن علي وأبو حيوةً ((جناتُ عَدْنٍ مفتحةٌ)) برفعهما: إمَّا على
أنهما جملةٌ مِنْ مبتدأ وخبرٍ، وإمَّا على أنَّ كلَّ واحدةٍ خبرُ مبتدأ مضمرٍ أي: هي
جناتٌ، هي مفتحةٌ.
آ. (٥١) قوله: ﴿مُتَّكئين): حالٌ مِنْ ((لهم)) العامِلُ فيهَا
((مفتحةً). وقيل: العاملُ ((تُوْعَدون)) تأخّر عنها، وقد تقدَّمَ مَنْعُ أبي البقاء أنها
حال مِنْ ((للمتقين)) وما فيه. و((يَدْعُون)) يجوزُ أَنْ يكونَ مستأنفاً، وأَنْ يكونَ
حالاً: إِمَّا مِنْ ضمير ((مُتَّكتين)) وإمَّا حالاً ثانية.
آ. (٥٣) قوله: ﴿تُوْعَدُون﴾: قرأ(٤) ابن كثير وأبو عمرو هنا
(١) الآية ٣٩ من النازعات.
(٢) الكشاف ٣٧٨/٢.
(٣) البحر ٤٠٥/٧، والكشاف ٣٧٨/٣.
(٤) السبعة ٥٥٥، والنشر ٣٦١/٢، والتيسير ١٨٨، والبحر ٤٠٥/٧، والحجة ٦١٤،
والقرطبي ٢٢٠/١٥.
٣٨٦
:

- ص -
(يُوْعَدون)) بالغَيْبة. وفي ق(١) ابنُ كثيرٍ وحدَه. والباقون بالخطاب فيهما ووجهُ
الغَيْبةِ هنا وفي ق تَقَدُّمُ ذِكْرِ المتقين. ووجْهُ الخطابِ الالتفاتُ إليهم والإِقبالُ
عليهم .
آ. (٥٤) قوله: ﴿ما له مِنْ نَفادٍ﴾: ((مِنْ نَفادٍ»: إمَّا مبتدأً وإمَّا
فاعلٌ، و((مِنْ)) مزيدةٌ. والجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحالِ من ((رزقنا)) أي:
غيرَ فانٍ. ويجوزُ أَنْ يكونَ خبراً ثانياً.
آ. (٥٥) قوله: ﴿هذا وإنَّ الطَّاغين﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ ((هذا))
مبتدأ والخبرُ مقدَّرٌ، فقدَّره الزمخشري (٢): ((هذا كما ذُكِر)). وقَدَّره أبو علي:
(هذا للمؤمنين)). ويجوزُ أَنْ يكونَ خبر مبتدأ مضمرٍ أي: الأمرُ هذا.
آ. (٥٦) قوله: ﴿جهنمَ﴾: يجوزُ أن تكون بدلاً مِنْ ((شرَّ مآبٍ))
أو منصوبةٌ بإضمار فعلٍ ، وقياسُ قولِ الزمخشري(٣) في ((جناتٍ عدن)) أن
تكون عطفَ بيانٍ، وأن تكونَ منصوبةً بفعل مقدرٍ على الاشتغالِ أي: يَصْلَّوْن
جهنّمَ يَصْلَوْنَها. والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ أي: هي .
آ. (٥٧) قوله: ﴿هذا فَلْيَذُوْقُوهِ﴾: في ((هذا)) أوجهٌ، أحدها:
أَنْ يكونَ مبتدأً، وخبرُه ((حميمٌ وغَسَّاقٌ)). وقد تقدَّم أنَّ اسم الإِشارة يُكْتَفَى
بواحدِه في المثنى كقوله(٤): ((عَوانٌ بين ذلك))، أو يكون المعنى: هذا جامِعٌ
بين الوصفَّيْن، ويكون قولُه: ((فَلْيَذُوْقوه)) جملةُ اعتراضيةً. الثاني: أَنْ يكونَ
((هذا)» منصوباً بمقدَّرٍ على الاشتغال أي: لِيَذُوقوا هذا.
(١) ((هذا ما توعدون لكل أوَّابٍ حفيظ)) من الآية ٢٢. وانظر: السبعة ٥٥٥.
(٢) الكشاف ٣٧٩/٣.
(٣) الكشاف ٣٧٨/٣.
(٤) الآية ٦٨ من البقرة.
٣٨٧

- ص -
وشبَّهه الزمخشريُّ(١) بقولِه تعالى(٢): ((وإيَّاي فارهبونٍ))، يعني على
الاشتغال. والكلامُ على مثلِ هذه الفائدةِ قد تقدَّم(٣). و((حميمٌ)) على هذا خبرُ
مبتدأ مضمرٍ، أو مبتدأً وخبره مضمرٌ أي: منه حميمٌ ومنه غَسَّاقٌ كقوله(٤):
٣٨٧٤- حتى إذا ما أضاءَ البرقُ في غَلَسٍ
وغُودِرَ البَقْلُ مَلْوِيٌّ ومَحْصُوْدُ
أي: منه مَلْوِيٌّ ومنه مَحْصود. الثالث: أَنْ يكونَ ((هذا)) مبتدأ، والخَبرُ
محذوفٌ أي: هذا كما ذُكِر، أو هذا للطاغين. الرابع: أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ
أي: الأمرُ هذا، ثم استأنف أمراً فقال: فَلْيذوقوه. الخامس: أن يكونَ مبتدأٌ،
وخبرُه ((فَلْيذوقوه)) وهو رأيُ الأخفشِ (٥). ومنه(٦):
٣٨٧٥ - وقائلةٍ خَوْلانُ فانْكِحْ فتاتَهُمْ
وقد تقدَّم تحقيقُ هذا في المائدة عند ((والسَّارقُ والسارقة)) (٧)/ وقرأ(٨)
[٧٦١/أ]
(١) الكشاف ٣٧٩/٣.
(٢) الآية ٤٠ من البقرة
(٣) انظر: الدر المصون ٣١٤/١.
(٤) تقدم برقم ١١٨٩ . :
(٥) لم يُشر الأخفش في معانيه إلى هذه الآية، ولكن التحقيق في مذهبه أنه في مثل هذا
يقدر الخبر مضمراً: وممَّا نَقُصُ عليكم، وتقدير الشعر عنده: هؤلاء خولان،
وقولهم: ((الهلال، فانظر إليه)) يقدره هذا الهلال وليست جملة الخبر عنده خبراً. هكذا
بنصه في المعاني ٨٠.
(٦)
تقدم برقم ٠١٧٢٥
الآية ٣٨. وانظر: الدر المصون ٢٥٧/٤.
(٧)
السبعة ٥٥٥، والحجة ٦١٥، والتيسر ١٨٨، والنشر ٣٦١/٢، والبحر ٤٠٦/٧،
(٨)
والقرطبي ٥٢١/١٥.
٣٨٨

- ص -
الأخَوان وحفصَ ((غَسَّاقٌ)) بتشديد السينِ هنا وفي عمَّ يتساءلون(١)، وخَفَّفه
الباقون فيهما. فأمَّ المثقلُ فهو صفةٌ كالجَبَّار والضَّرَّاب مثالَ مبالغةٍ، وذلك أنَّ
فَعَّالاً في الصفاتِ أغلبُ منه في الأسماء. ومِنْ ورودِه في الأسماء: الكَلَّء(٢)
والجَبَّان(٣) والفَيَّاد لذَكَرِ الْبُوْمِ، والعَقَّارُ (٤) والخَطَّارُ (٥) وأمَّا المخففُ فهو اسمٌ
لا صفةٌ؛ لأنَّ فَعَالاً بالتخفيفِ في الأسماءِ كالعذاب والنّکال أغلبُ منه في
الصفاتِ، على أن منهم مَنْ جَعَله صفةٌ بمعنى ذي كذا أي: ذي غَسَقٍ. وقال
أبو البقاء(٦): ((أو يكون فعَّال بمعنى فاعِل)). قلت: وهذا غيرُ مَعْروفٍ.
والغَسَقُ: السِّيَلانُ. يقال: غَسَقَتْ عينُه أي: سالَتْ. وفي التفسير: أنه ماءً
يَسيل مِنْ صَدِيدِهم. وقيل: غَسَق أي امتلأ. ومنه: غَسَقَتْ عينُه أي: امتلأت
بالدمع ومنه الغاسقُ للقمرِ لامتلائِه وكمالِه. وقيل: الغَسَّاق ما قَتَّل ببردِه. ومنه
قيل لليلِ : غاسِق؛ لأنه أبردُ من النهار. وقيل: الغَسَق شدَّةُ الظُّلْمة، ومنه قيل
لليل: ((غاسِق)). ويقال للقمر: غاسِقٌ إذا كُسِفَ لاسْوِداده، ونُقِل القولان في
تفسير قوله تعالى: ((ومن شَرِّ غاسِقٍ)»(٧) .
آ. (٥٨) قوله: ﴿وآخرُ﴾: قرأ(٨) أبو عمروٍ بضمُّ الهمزة على أنه
(١) الآية ٢٥ من النبأ.
(٢) الكَلَّء: مرفأ السفن.
(٣) الجَبَّان: الصحراء.
(٤) العَقَّار: أصل الدواء.
(٥) الخطّار: المِقُلاعِ.
(٦) الإِملاء ٢/ ٢١٢.
الآية ٣ من الفلق.
(٧)
(٨) السبعة ٥٥٥، والنشر ٣٦١/٢، والحجة ٦١٥، والقرطبي ٢٢٢/١٥، والبحر
٤٠٦/٧، والتيسير ١٨٨ .
٣٨٩

- ص -
جمع(١). وارتفاعُه من أوجهٍ، أحدها: أنه مبتدأٌ، و((من شَكْلِه)) خبرُهُ،
و ((أزواجٌ)) فاعلٌ به. الثاني: أنْ يكونَ مبتدأ أيضاً، و((مِنْ شكلِه)) خبرٌ مقدَّمٌ،
و ((أزواج)) مبتدأٌ والجملةُ خبرُه، وعلى هذين فيقال: كيف يَصِحُ مِنْ غيرِ ضميٍ
يعودُ على أُخَرِ، فإن الضميرَ في ((شكله)) يعودُ على ما تقدَّم أي: مِنْ شكل
المَذُوق؟ والجوابُ: أن الضميرَ عائدٌ على المبتدأ، وإنما أُفْرد وِذُكِّر لأنَّ
المعنى: مِنْ شكلٍ ما ذَكَرْنا. ذكر هذا التأويلَ أبو البقاءِ(٢). وقد منع مكي(٣)
ذلك لأجل الخُلُوِّ من الضمير، وجوابُه ما ذكرته لك. الثالث: أن يكون ((مِنْ
شكله)) نعتاً لـ أُخَر، وأزواج خبر المبتدأ أي: وأُخر من شكل المذوق أزواج.
الرابع: أن يكون ((من شكله)) نعتً أيضاً، وأزواجٌ فاعل به، والضميرُ عائدٌ على
أُخَر بالتأويل المتقدم، وعلى هذا فيرتفعُ ((أُخَرُ)) على الابتداء، والخبرُ مقدرٌ
أي: ولهم أنواعْ أُخَرُ، استقرَّ مِنْ شكلها أزواجٌ. الخامس: أنْ يكونَ الخبر
مقدراً كما تقدَّم أي: ولهم أُخَرُ، ومِنْ شكلِه وأزواج صفتان لـ أُخَر.
وقرأ العامَّةُ ((مِنْ شَكْلِه)) بفتح الشين، وقرأ(٤) مجاهد بكسرِها، وهما
لغتان بمعنى المِثْلِ والضرب. تقولُ: هذا على شَكْلِه أي: مِثْلِه وضَرْبه. وأما
الشِّكْلُ بمعنى الغُنْج فبالكسر لا غير، قاله الزمخشري (٥).
وقرأ الباقون ((وآخَرُ)) بفتح الهمزة وبعدها ألفٌ بصيغةِ أَفْعَل التفضيل،
والإِعرابُ فيه كما تقدَّمٍ. والضمير في أحدِ الأوجه يعودُ عليه مِنْ غيرٍ تأويل لأنه
مفردٌ. إلَّ أنَّ في أحد الأوجه يَلْزَمُ الإِخبارُ عن المفردِ بالجمع أو وَصْفُ المفردِ
(١) ((وأُخَرُ)).
(٢) الإِملاء ٢١٢/٢.
(٣) المشكل ٢٥٣/٢.
(٤) البحر ٤٠٦/٧.
(٥) الكشاف ٣٧٩/٣.
٣٩٠

- ص -
بالجمع؛ لأنَّ مِنْ جملة الأوجهِ المتقدمةِ أنْ يكونَ ((أزواج)) خبراً عن ((آخر))
أو نعتاً له كما تقدَّم. وعنه جوابان، أحدُهما: أن التقديرَ: وعذابٌ آخرُ
أو مَذُوْقٌ، وهو ضُروب ودرجاتٌ فكان في قوةِ الجمع. أو يُجْعَلُ كلُّ جزءٍ من
ذلك الآخرِ مثلَ الكلِّ، وسمّه باسمِه وهو شائعٌ كثيرٌ نحو: غليظ الحواجب،
وشابَتْ مفارِقُه. على أنَّ لقائلٍ أنْ يقولَ: إنَّ أزواجاً صفةٌ لثلاثةِ الأشياءِ
المتقدِّمة، أعني الحميم والغَسَّاق وآخرُ مِنْ شكلِه فيُلْغِى السؤالُ.
آ. (٥٩) قوله: ﴿مُقْتَحِمٌ﴾: مفعولُه محذوفٌ أي: مقتحِمُ النارَ.
والاقتحام: الدخولُ في الشيء بشدَّة، والقُحْمَةُ: الشدةُ. وقال الراغب(١):
(الاقتحام توسُّطُ شِدَّةٍ مُخيفةٍ. ومنه فَحَمَ الفرسُ فارسَه أي: توغَّل به ما يُخافُ
منه/. والمقاحيم: الذين يَتَقَحَّمون في الأمر الذي يُتْجَنَّب)».
[٧٦١/ب]
قوله: ((معكم)) يجوزُ أَنْ يكونَ نعتاً ثانياً لـ فَوْج، وأَنْ يكونَ حالاً منه لأنه
قد وُصِفَ، وأَنْ يكونَ حالاً من الضمير المستتر في ((مُقْتَحِم)). قال
أبو البقاء(٢): (ولا يجوزُ أَنْ يكونَ ظرفاً لفسادِ المعنى))، ولم أَدْرِ مِنْ أَيِّ أوجهٍ
يَفْسُدُ، والحاليةُ والصفةُ في المعنى كالظرفية؟
وقوله: ((هذا فَوْجٌ)) إلى قوله: ((النار)) يجوز أَنْ يكونَ مِنْ كلامِ الرؤساء
بعضِهم لبعضٍ ، وأَنْ يكونَ مِنْ كلامِ الخَزّنَةِ، ويجوز أَنْ يكونَ ((هذا فَوْجٌ)) مِنْ
كلامِ الملائكة، والباقي من كلام الرؤساء، وكان القياسُ على هذا أَنْ يُقال: بل
هم لا مَرْحباً بهم لأنهم لا يقولون للملائكة ذلك، إلاّ أنهم عَدَلُوا عن خطاب
الملائكةِ إلى خطابٍ أعدائِهم تَشَفِّياً منهم .
(١) المفردات ٣٩٤.
(٢) الإملاء ٢١٢/٢.
٣٩١

- ص =
قوله: ((لا مَرْحَباً) في ((مَرْحباً)) وجهان، أظهرُهما: أنه مفعولٌ بفعل مقدٍ
أي: لا أَتَيْتُمْ مَرْحباً أو لَا سَمِعتم مرحباً. والثاني: أنه منصوبٌ على المصدرِ.
قاله أبو البقاء(١) أي: لا رَحِبَتْكم دارُكم مَرْحباً بَلْ ضَيِّقاً. ثم في الجملةِ المنفيةِ
وجهان، أحدهما: أنها مستأنفةٌ سِيْقَتْ للدعاءِ عليهم، وقوله: ((بهم)) بيانٌ
للمدعُوِّ عليه. والثاني: أنها حاليةٌ. وقد يُعْتَرَضُ عليه: بأنه دعاءً، والدعاءُ طلبٌ
والطلبُ لا يَقَعُ حالاً. والجوابُ أنه على إضمارِ القولِ أي: مَقُولاً لهم
لا مَرْحباً.
آ. (٦١) قوله: ﴿مَنْ قَدَّمَ﴾: يجوزُ أَنْ تكونَ ((مَنْ)) شرطيةٌ،
و ((فَزِدْه)) جوابَها، وأنْ تكونَ استفهاميَّة، و((قَدَّم)) خبرُها. أي: أيُّ شخصٍ قَدَّم
لنا هذا، ثم استأنفوا دُعاءً بقولِهم ((فَزِدْه))، وأنْ تكونَ موصولةً بمعنى الذي،
وحينئذٍ يجوزُ فيها وجهان: الرفعُ بالابتداء، والخبر «فَزِدْه)) والفاءُ زائدةٌ تَشْبيهاً له
بالشرطِ. والثاني : أنها منصوبةٌ بفعلٍ مقدرٍ على الاشتغالِ ، والكلامُ في مثلُ.
هذه الفاءِ قد تقدَّم، وهذا الوجهُ يجوزُ عند بعضِهم حالَ كونِها شرطيةٌ
أو استفهاميةً أعني الاشتغالَ، إِلَّ أنَّه لا يُقَذَّرُ الفعلُ إِلَّ بعدها؛ لأنَّ لها صدرَ
الكلامِ و((ضِعْفاً)) نعتُ لعذاب أي: مضاعفاً.
۔۔
قوله: ((في النارِ)) يجوزُ أَنْ يكونَ ظرفاً لـ ((زِدْه))، أو نعتاً لـ ((عذاب))،
أو حالاً منه لتخصيصِه، أو حالاً من المفعول «زِدْه)).
آ. (٦٣) قوله: ﴿أَخَذْناهم﴾: قرأ(٢) الأخوان وأبو عمروٍ بَوَصْلٍ
(١) الإملاء ٢١٢/٢.
(٢) السبعة ٥٥٦، والنشر ٣٦١/٢، والبحر ٤٠٧/٧، والتيسير ١٨٨، والقرطبي
٢٢٥/١٥، والحجة ٦١٦.
٣٩٢

- ص -
الهمزة، وهي تحتملُ وجهين، أحدهما، أَنْ يكونَ خبراً مَحْضاً، وتكون الجملةُ
في محلِّ نصبٍ صفةً ثانيةً لـ ((رجالاً) كما وقع ((كنا نَعُدُّهم)) صفةً، وأَنْ يكونَ
المرادُ الاستفهامَ وحُذِفَتْ أداتُه لدلالةِ أم عليه كقوله(١):
٣٨٧٦- تَرُوْحُ من الحيِّ أَمْ تَبْتَكِرْ
وماذا عليك بأَنْ تَنْتَظِرْ
فـ أم متصلةً على هذا، وعلى الأول منقطعة بمعنى بل والهمزة لأنها
لم تتقدَّمْها همزةُ استفهامٍ ولا تسويةٍ. والباقون بهمزةٍ استفهامٍ سَقَّطَتْ لأجلِها
همزةُ الوصلِ . والظاهر أنه لا محلَّ للجملةِ حينئذٍ لأنها طلبيةً. وجَوَّزَ بعضُهم
فيها أَنْ تكونَ صفةٌ لكنْ على إضمارِ القولِ أي: رجالاً مَقُولًا فيهم: أتخذناهم
كقوله(٢):
٣٨٧٧ - جاؤُوْا بمَذْقٍ هل رَأَيْتَ الذئبَ قَطْ
إلاّ أنَّ الصفةَ في الحقيقةِ ذلك القولُ المضمرُ. وقد تقدَّم الخلافُ في
((سِخْرِيًَّ)) في ((قد أفلح المؤمنون))(٣). والمشهورُ أن المكسورَ في الهُزْء كقولِ
الشاعر(٤):
٣٧٧٨- إني أتاني لِسانٌ لا أُسَرُّ بها
مِنْ عَلْوَ لا كَذِبٌ فيها ولا سِخْرُ
وتقدَّم معنى لَحاقِ الياءِ المشدَّّةِ في ذلك. وأم مع الخبرِ منقطعةٌ فقط كما
(١) البيت لامرىء القيس، وهو في ديوانه ١٥٤.
(٢) تقدم برقم ٢٤٠١.
(٣) انظر إعرابه للآية ١١٠.
(٤) البيت لأعشى باهلة، وهو في اللسان (سخر) وفيه روايتان سُخْرُ وسَخَرُ، والبحر
٤٠٧/٧، والمحرر ٤٧/١٤.
٣٩٣

- ص =
تقدَّم، ومع الاستفهام يجوزُ أَنْ تكونَ متصلةً، وأن تكونَ منقطعةً كقولك: ((أزيدٌ
عندك أم عندك عمروٌ))، ويجوزُ أنْ يكونَ ((أم زاغَتْ)) متصلاً بقوله: ((ما لنا)) لأنه
استفهامٌ، إلاّ أنه يَتْعَيِّنُ انقطاعُها لعَدَمِ الهمزةِ، ويكون ما بينهما معترضاً على
قراءةِ((أَتَّخَذْناهم)) بالاستفهام إنْ لم نجعَلْه صفةً على إضمارِ القولِ كما تقدَّمَ .
آ. (٦٤) قوله: ﴿تخاصُمُ﴾: العامَّةُ على رَفْعِ ((تَخاصُمُ)) مضافاً
لأهل. وفيه أوجه، أحدها: أنَّه بدلٌ مِنْ ((لَحَقٌّ)). الثاني: أنه عطفُ بيانٍ.
الثالث: أنه بدلٌ مِنْ ((ذلك)) على الموضعِ، حكاه مكي(١)، وهذا يُوافِقُ قولَ
بعض الكوفيين. الرابع: أنه خبرٌ ثانٍ لـ((إنَّ)). الخامس: أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ
أي: هو تخاصُمُ. السادس: أنه مرفوعٌ بقولِه ((لَحَقُّ)). إلَّ أنَّ أبا البقاء قال(٢):
[٧٦٢/أ] ((ولو قيل: هو مرفوعٌ بـ (حَقٌّ)» لكان بعیداً لأنه یصیرُ جملةً / ولا ضمیر فیها يعود
على اسم ((إن). وهذا ردٌّ صحيحٌ. وقد يُجابُ عنه: بأنَّ الضميرَ مقدرٌ أي :
لحقُّ تخاصُمُ أهلِ النار فيه كقوله(٣): ((ولَمَنْ صَبْر وغَفَر إنَّ ذلك لَمِنْ عَزْمُ.
الأمور) أي: منه. وقرأ(٤) ابن محيصن بتنوين ((تخاصمٌ)) ورفع (أهلُ)) فَرَفْعُ
((تخاصُمٌ)) على ما تقدَّم. وأمَّا رَفْعُ ((أهلُ)) فعلى الفاعلية بالمصدرِ المنون
كقولك: (يُعْجبني تخاصمُ الزيدون)) أي: أنْ تخاصَموا. وهذا قولُ البصريين
وبعضِ الكوفيين خلا الفراءَ (٥).
(١) المشكل ٢٥٥/٢.
(٢) الإملاء ٢١٣/٢.
(٣) الآية ٤٣ من الشورى.
(٤) انظر في قراءاتها: البحر ٤٠٧/٧، والتقريب للصفراوي ٥٧٨/٢، والمحرر
٤٨/١٤.
(٥) أي: إن الفراء يمنع إعمال المصدر المنون. وهذا المنع هو الذي نقله عنه في
الارتشاف ١٧٦/٣. بيد أن الفراء في معاني القرآن ٣٨٢/٢ يثبت إعمال المصدر
المنون .
٣٩٤

- ص -
وقرأ ابنُ أبي عبلة ((تخاصُمَ)) بالنصب مضافاً لأهل. وفيه أوجه، أحدها:
أنه صفةٌ لـ ((ذلك)) على اللفظِ. قال الزمخشري(١): ((لأنَّ أسماءَ الإِشارة تُوْصَفُ
بأسماءِ الأجناس)). وهذا فيه نظرً؛ لأنهم نَصُّوا على أنَّ أسماء الإِشارة لا تُوْصَفُ
إلَّ بما فيه أل نحو: ((يا هذا الرجلُ))، ولا يجوز ((يا هذا غلامَ الرجل)) فهذا
أبعدُ، ولأن الصحيحَ أنَّ الواقع بعد اسمِ الإِشارة المقارِنِ لـ أل إنْ كان مشتقاً
كان صفةً، وإلَّ كان بدَلَا و «تخاصُم)) ليس مشتقاً. الثاني: أنه بدلٌ من ذلك.
الثالث: أنه عطفُ بيانٍ. الرابع: على إضمارِ ((أعني). وقال أبو الفضل: ((ولو
نُصِبَ ((تخاصم)) على أنَّه بدلٌ من ((ذلك)) لجاز)) انتهى. وكأنه لم يَطَّلِعْ عليها
قراءةً. وقرأ ابن السَّمَيْفع ((تخاصَمَ)) فعلاً ماضياً ((أهل)) فاعلٌ به. وهي جملةٌ
استئنافيةٌ.
آ. (٦٥) قوله: ﴿الواحدُ القَهَّارُ﴾: إلى آخرها صفاتٌ للَّهِ
تعالى. ويجوزُ أَنْ يكونَ (ربُّ السمواتِ)) خبرَ مبتدأ مضمٍ، وفيه معنى المدح.
آ. (٦٧) قوله: ﴿هو نبأ﴾: ((هو)) يعودُ على القرآن وما فيه من
القَصصِ والأخبارِ. وقيل: على (تخاصُمُ أهلِ النار)). وقيل: على ما تقدَّمَ مِنْ
أخبارِه عليه السلام: بأنَّه نذيرٌ مبينٌ، وبأنَّ اللَّهَ إلهٌ واحدٌ متصفٌ بتلك الصفاتِ
الحسنى .
آ. (٦٨) قوله: ﴿وأنتم عنه مُعْرِضُون﴾: صفةً لـ ((نْبَأ)) أو
مستأنفةٌ .
آ. (٦٩) قوله: ﴿بالملأ﴾: متعلَّقُ بقوله: ((مِنْ عِلْم)) وضُمِّن معنى
الإِحاطة، فلذلك تَعَدَّى بالباء، وتقدَّم تحقيقُه.
(١) الكشاف ٣٨٠/٣.
٣٩٥

- ص =
وقوله: ((إِذْ يَخْتَصِمُون)) فيه وجهان، أحدهما: هو منصوبٌ بالمصدرِ
أيضاً. والثاني: بمضافٍ مقدر أي: بكلامِ الملأ الأعلى إذ، قاله
الزمخشري(١). والضمير في ((يَخْتَصِمُون)) للمَلأ الأعلى. هذا هو الظاهرُ.
وقيل: لقريش أي: يختصمون في الملأ الأعلى. فبعضُهم يقول: بناتُ الله
وبعضهم يقولُ غيرَ ذلك. فالتقدير: إذ يختصمون فيهم.
آ. (٧٠) قوله: ﴿إِلَّ أنما أنا﴾: العامَّةُ على فتح الهمزة ((أنما).
وفيها وجهان، أحدهما: أنها مع ما في حَيِّزها في محلُّ رفع لقيامِها مقامَ الفاعلِ.
أي: ما يُؤْحَى إليَّ إلَّ الإِنذارُ، أو إلَّ كَوْني نذيراً مبيناً. والثاني: أنها في محلٌ
نصب أو جرٍ بعد إسقاطٍ لامِ العلةِ. والقائم مقامَ الفاعلِ على هذا الجارّ
والمجرورُ أي: ما يُوحى إليَّ إلَّ للإنذارِ أو لكَوْني نذيراً. ويجوز أَنْ يكونَ القائمُ
مقامَ الفاعلِ على هذا ضميرَ ما يَدُلُّ عليه السِّياقُ أي: ما يُوْحِى إليَّ ذلك الشيءُ
إلّ للإنذار.
وقرأ(٢) أبو جعفر بالكسر، وهي القائمةُ مقامَ الفاعلِ على سبيلٍ
الحكاية، كأنه قيل: ما يُوْحى إليَّ إلَّ هذه الجملةُ المتضمنةُ لهذا الإخبارِ. وقال
الزمخشري (٣): ((على الحكاية أي: إلّ هذا القولُ وهو أنْ أقول لكم: إنما أنا
نذير مبين ولا أدَّعي شيئاً آخرَ). قال الشيخ(٤): ((وفي تخريجه تعارُضِ لأنه
قال: إلّ هذا القولُ، فظاهرُه الجملةُ التي هي: ((إنما أنا نذير مبين)». ثم قال:"
وهو أَنْ أقولَ لكم إني نذِيرٌ فالمقامُ مقامُ الفاعلِ هو أَنْ أقولَ لكم، وإِنِّي (٥) وما
(١) الكشاف ٣٨١/٣.
(٢) النشر ٣٦٢/٢.
(٣) الكشاف ٣٨١/٣.
(٤) البحر ٧ /٤٠٩.
(٥) البحر: ((وإنَّ وما بعده).
٣٩٦

- ص -
بعده في موضعِ نصبٍ، وعلى قولِه: ((إلاَّ هذا القولُ)) يكون في موضع رفع
فتعارضا)). قلت: ولا تعارُضَ البتةَ؛ لأنَّه تفسيرُ معنىً في التقدير الثاني، وفي
الأول تفسير إعرابٍ، فلا تعارُضَ.
آ. (٧١) قوله: ﴿إِذ قال﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ بدلاً مِنْ ((إذ» الأولى
وأَنْ يكونَ منصوباً بـ اذْكُرْ مقدَّراً، قال الأولَ الزمخشري(١) وأطلق، وذكر
أبو البقاءِ(٢) الثاني وأطلقٌ. وأمَّا الشيخُ(٣) ففَصَّل فقال: ((بدلٌ مِنْ
((إذ يَخْتصمون)) هذا إذَا كَانَتِ الخصومَةُ فِي شَأْنٍ مَنْ يَسْتَخْلِفُ في الأرضِ،
وعلى غيرِه من الأقوال يكون منصوباً بـ اذكرْ)). انتهى قلت: وتلك الأقوالُ: أنَّ
التخاصُمَ: إِمَّا بين الملأ الأعلى أو بين قُرَيْشٍ وفي ماذا كان المخاصمة،
خلافٌ یطول / الکتابُ بذكره .
[٧٦٢/ب]
قوله: ((مِنْ طينٍ)) يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ صفةٌ لـ ((بَشْرا))، وأَنْ يتعلَّقَ
بنفسِ ((خالِقٌ)).
آ. (٧٣) قوله: ﴿كلَّهم أجمعون﴾: تأكيدان. وقال
الزمخشري (٤): ((كل)) للإِحاطةِ و((أجمعون)) للاجتماع، فأفادا معاً أنهم سَجَدوا
عن آخِرِهم، ما بقي منهم مَلَكٌ إلَّ سَجَدَ، وأنهم سجدوا جميعاً في وقتٍ واحدٍ
غيرَ متفرقين)). قلت: قد تقدَّم الكلامُ معه في ذلك في سورة الحجر. (٥).
(١) الكشاف ٣٨١/٣.
(٢) الإِملاء ٢١٣/٢.
(٣) البحر ٤٠٩/٧.
(٤) الكشاف ٣٨٢/٣.
(٥) انظر: الدر المصون ٢٩٨/١، ١٥٨/٧.
٣٩٧

= ص =
آ. (٧٥) قوله: ﴿أَنْ تَسْجُدَ﴾: قدِ يَسْتَدِلُّ بِهِ مَنْ يَرَىُ أنَّ ((لا))
في ((أن لا تَسْجُدَ)) في السورةِ الأخرى(١) زائدةٌ؛ حيث سقِطَتْ هنا والقصةُ
واحدةٌ. وقوله: ((لما خَلَقْتُ)) قد يَسْتَدِلُّ به مَنْ يرى جوازَ وقوع ((ما)) على
العاقل؛ لأنَّ المرادَ به آدمُ .. وقيل: لا دليلَ فيه؛ لأنه كان فَخَّاراً غيرَ جسمٍ
حَسَّاسٍ فأشير إليه في تلك الحال. وقيل : ((ما)) مصدريةٌ والمصدرُ غيرُ مُرادٍ،
فيكون واقعاً موقعَ المفعول به أي : لمخلوقي .
وقرأ(٢) الجحدري ((لَمَّا) بتشديدِ الميمِ وفتحِ اللامِ، وهي (لَمَّ) الظرفيةُ
عند الفارِسيِّ (٣)، وحرفُ وجوبٍ لوجوبٍ عند سيبويه(٤). والمسجود له على
هذا غيرُ مذكورٍ أي: ما مَنَعَكَ من السجود لَمَّا خلقْتُ أي: حين خَلَقْتُ لِمَنْ
أَمَرْتُك بالسجود له. وقُرِىء (٥) (بَيَدَيِّ)) بكسرِ الياءِ كقراءةِ حمزةَ ((بُمُصْرِخِيٍّ))(٦)
وقد تقدَّم ما فيها. وقُرِىء «بيدي) بالإِفرادِ.
قوله: ((أُسْتَكْبَرْت)) قرأ العامَّةُ بهمزةِ الاستفهام وهو استفهامُ توبيخٍ
وإنكارٍ. و((أم)) متصلةٌ هنا. هذا قولُ جمهورِ النحويين. ونقل ابنُ عطيةً(٧) عن
بعضِ النحويين أنها لا تكونُ معادِلَةً للألفِ مع اختلافِ الفعلَيْن، وإنما تكونُ
معادِلةً إذا دَخَلَتا على فِعْلٍ واحد كقولك: أقامَ زيدٌ أم عمروٌ، وأزيدٌ قام
أم عمروٌ؟ وإذا اختلف الفعلان كهذه الآيةِ فليسَتْ معادلةً. وهذا الذي حكاه عن
(١) الآية ١٢ من الأعراف: ((قال ما منعك أن لا تسجد)).
(٢) البحر ٤١٠/٧، والمحرر ٥١/١٤.
(٣). الإيضاح العضدي ٣١٩.
(٤) الكتاب ٣١٢/٢ وعبارته («للأمر الذي قد وقع لوقوع غيره).
(٥) انظر في قراءاتها: البحر ٤١٠/٧، والكشاف ٣٨٣/٣، والمحرر ٥٢/١٤.
(٦) الآية ٢٢ من إبراهيم، وانظر: الدر ٨٨/٧.
(٧) المحرر ٥٢/١٤.
٣٩٨

- ص -
بعض النحويين مَذْهَبٌ فاسِدٌ، بل جمهورُ النحاةِ على خلافِه قال سيبويه(١):
((وتقول: ((أضرَبْتَ زيداً أمْ قَتَلْتَه؟)) فالبَدْءُ هنا بالفعل أحسنُ؛ لأنك إنما تَسْأل
عن أحدهما لا تدري أيهما کان؟ ولا تَسْأَلُ عن موضع أحدهما كأنك قلت: أُّ
ذلك كان)) انتهى. فعادل بها الألف مع اختلافِ الفعلين.
وقرأ(٢) جماعةٌ - منهم ابنُ كثير(٣)، وليسَتْ مشهورةً عنه ــ ((استكبَرْتْ))
بألف الوصلِ ، فاحتملَتْ وجهين، أحدهما: أنْ يكونَ الاستفهامُ مُراداً يَدُلُّ عليه
((أم)) كقوله(٤):
٣٨٧٩-
بسَبْعٍ رَمَيْنَ الجَمْرَ أم بثمانِ
وقول الآخر(٥):
٣٨٨٠- ترُوْحُ من الحَيِّ أُم تَبْتَكِرْ
فتتفق القراءتان في المعنى، واحتمل أَنْ يكونَ خبراً مَحْضاً، وعلى هذا
فأم منقطعةٌ لعدمٍ شَرْطِها .
آ. (٧٧) قوله: ﴿منها﴾: أي: من الجنةِ أو من الخِلْقة؛ لأنه كان
حسناً فَرَجَعَ قبيحاً ونُوْرانياً فعاد مظلماً. وقيل: من السموات. وقال هنا:
(١) الكتاب ٤٨٣/١.
(٢) السبعة ٥٥٦، والقرطبي ٢٢٨/١٥، والبحر ٤١٠/٧، والإتحاف ٤٢٤/٢.
(٣) وهي رواية الصوفي عن روح عن محمد بن صالح عن شبل عن ابن كثير.
(٤) تقدم برقم ٣٤١.
(٥) تقدم برقم ٣٨٧٥.
٣٩٩

- ص .=
(لَعْنتي)) وفي غيرها (١) ((اللعنةَ))، وهما وإنْ كانا في اللفظ عاماً وخاصاً، إلاّ أنهما
من حيث المعنى عامَّانِ بطريق اللازم؛ لأنَّ مَنْ كانت عليه لعنة الله كانَتْ عليه
[لعنة](٢) كلِّ أحدٍ لا محالةَ. وقال تعالى: ((أولئك عليهم لَعْنَةُ اللَّهِ والملائكةِ
والناسِ أجمعين))(٣). وباقي الجمل تقدَّم نظيرُه.
آ. (٨٤) قوله: ﴿فالحقُّ والحقَّ﴾: قرأهما العامَّةُ منصوبَيْن.
وفي نصب الأول أوجهٌ، أحدُها: أنه مُقْسَمٌ به حُذِفَ منه حرفُ القسمِ فَانتصَبَ
کقوله(٤).
٣٨٨١_
فذاكَ أمانةَ اللَّهِ الثَّرِيْدُ
آ. (٨٥) وقوله: ﴿لَأَمْلَانَ﴾: جوابُ القسم. قال أبو البقاء(٥):
((إلَّ أَنَّ سيبويهِ يَدْفَعُه لأنه لا يُجَوِّزُ حَذْف حرفِ القسمِ إلَّ مع اسم الله، ويكون
قولُه: ((والحقَّ أقولُ)) معترضاً بين القسم وجوابِه)). قال الزمخشري (٦): ((كأنه
قيل: ولا أقولُ إلَّ الحقَّ)) يعني أن تقديمَه المفعولَ أفاد الحصرَ. والمرادُ
بالحق: إمّا الباري تعالى كقوله: ((ويَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ هو الحقُّ المبين)) (٧) وإمَّا
نقيضُ الباطل. والثاني: أنه منصوبٌ على الإغراءِ أي: الزموا الحقَّ. والثالث:
(١) ((وإنَّ عليك اللعنةَ)) الآية ٣٥ من الحجر.
(٢) زيادة من ش.
(٣) الآية ١٦١ من البقرة،
(٤) تقدم برقم ٩٣.
(٥) الإملاء ٢١٣/٢.
(٦) الكشاف ٣٨٤/٣.
(٧) الآية ٢٥ من النور.
٤٠٠