النص المفهرس

صفحات 281-300

- يس -
أُدْغِم قُلب الثاني للأول، وهو عكسُ بابِ الإِدغامِ. وقد مضى تحقيقُه آخر
آل عمران. وقال ابن خالويه(١): ((وابن وثاب والهذيل ((أَلَمْ إِعْهَدْ)) بكسر الميم
والهمزة وفتح الهاء، وهي على لغةٍ مَنْ كسرَ أولَ المضارعِ سوى الياءِ. ورُوي
عن ابنٍ وثَّابِ ((اعْهِد)) بكسرِ الهاءِ. يُقال: عَهِد وعَهَد)) انتهى. يعني بكسر الميم
والهمزة أنَّ الأصلَ في هذه القراءةِ أَنْ يكونَ كسرَ حَرْفَ المضارعةِ ثم نَقَلَ حركتَه
إلى الميمِ فَكُسِرَتْ، لا أنَّ الكسرَ موجودٌ في الميمِ وفي الهمزةِ لفظاً، إذ يَلْزَمُ
من ذلك قُطْعُ همزةِ الوصلِ وتحريكُ الميمِ مِنْ غيرِ سبب. وأمَّا كَسْرُ الهاءِ فلِما
ذُكِرَ من أنه سُمِعَ في الماضي ((عَهَدَ)) بفتحها. وقولُه: ((سوى الياء)) وكذا قال
الزمخشريُّ(٢) هو المشهورُ. وقد نُقِل عن بعضٍ كُلْبٍ أنھم یکْسِرون الیاءَ
فيقولون: پِعْلَمُ.
وقال الزمخشري(٣) فيه: ((وقد جَوَّزَ الزّجَّاجُ(٤) أن يكون من باب: نَعِمَ
يُنْعِمُ، وضَرَب يَضْرِب)) يعني أنَّ تخريجَه على أحدٍ وجهين: إمّا الشذوذِ فيما
اَنَّحذ فيه فَعِلِ يَفْعِلُ بالكسر فيهما، كنَعِمَ يَنْعِمُ وحَسِب يَحْسِبُ وبَئِسَ يْئِسُ،
وهي ألفاظٌ عَدَدْتُها في البقرة(٥)، وإمَّا أنه سُمِعَ في ماضيه الفتحُ كضَرَبَ، كما
حكاه ابنُ خالَوَيْه. وحكى الزمخشري (٦) أنه قُرِىء ((أَحْهَدْ)) بإبدالِ العينِ حاءً،
وقد تقدَّم أنها لغةُ هُذَيْلٍ، وهذه تُقَوِّي أنَّ أصلَ ((أَحَّد)): أَحْهَد فأُدْغِمَ كما تقدَّم.
(١) عبارته في مختصر الشواذ ١٢٥ («ألم إعهد يحيى بن وثاب)).
(٢) الكشاف ٣٢٧/٣.
(٣) الكشاف ٣٢٧/٣.
(٤) معاني القرآن ٢٩٢/٤.
(٥) انظر: الدر ٦١٩/٢.
(٦) الكشاف ٣٢٧/٣.
٢٨١

بيس -
آ. (٦٢) قوله: ﴿جِيلًا﴾: قرأ(١) نافعٌ وعاصمٌ بكسر الجيم والباء
وتشديد اللام. وأبو عمروٍ وابن عامٍ بضمةٍ وسكونٍ. والباقون بضمتين، واللامُ
مخففةٌ في كلتيهما. وابنُ أبي إسحاق والزهري وابن هرمز بضمتين وتشديد
[٧٤٥/ب] اللام. والأعمش / بكسرتين وتخفيف اللام. والأشهب العقيلي واليماني
وحمادُ بن سلمة بكسرةٍ وسكون. وهذه لغاتٌ في هذه اللفظةِ. وقد تقدَّم معناها
آخرَ الشعراء(٢). وقُرِىء ((جِبَلًا)) بكسر الجيم وفتح الباء، جمع جِبْلَة كَفِطَر جمع
فِطْرَة. وقرأ أمير المؤمنين عليّ ((جِيْلاً)) بالياء، مِنْ أسفلَ ثنتان، وهي واضحةٌ.
وقرأ العامة: ((أفلَمْ تكونوا)» خطاباً لبني آدم. وطلحة(٣) وعيسى بياء
الغَيْبة. والضمير للجِبِلِّ. ومِنْ حَقِّهما أن يَقْرآَ ((التي كانوا يُوْعَدون))(٤) لولا أَنْ
يَعْتَذِرا بالالتفاتِ.
آ. (٦٥) قوله: ﴿اليومَ نَخْتِمُ﴾: ((اليومَ)) ظرفُ لِما بعدَهِ.
وقُرِىء(٥) (يُخْتَمُ)) مبنياً للمفعول، والجارُّ بعدَه قائمٌ مقام فاعِلِه.
وقُرىءٍ(٦) (تَتَكلَّمُ)) بتاءَيْنَ مِنْ فوقُ. وَقُرِىء ((وَلْتَتَكَلَّمْ وَلْتَشْهَدْ)) بلام.
الأمرِ. وقرأ طلحةُ ((ولِتُكَلِّمَنا ولِتَشهدَ)) بلامِ كي ناصبةً للفعل، ومتعلَّقُها
محذوفٌ أي: للتكلّمِ وللشهادةِ خَتَمْنا. و((بما كانوا)) أي: بالذي كانوا
أو بکونھم کاسبین.
(١) انظر في قراءاتها السبعة ٥٤٢، والنشر ٣٥٥/٢، والبحر ٣٤٤/٧، والتيسير ١٨٤،
والحجة ٦٠٢، والقرطبي ٤٧/١٥، والمحتسب ٢١٦/٢، والشواذ ١٢٥.
(٢) انظر إعرابه للآية ١٨٤ من الشعراء.
(٣) البحر ٣٤٤/٧.
(٤) في الآية التالية.
(٥) البحر ٣٤٤/٧.
(٦) انظر في قراءاتها: المحتسب ٢١٦/٢، والبحر ٣٤٤/٧.
٢٨٢.

- يس -
آ. (٦٦) قوله: ﴿فَاسْتَبَقُوا﴾: عطفٌ على ((لَطَمَسْنا)) وهذا على
سبيل الفَرَضِ والتقديرِ. وقرأ عيسى(١) ((فاسْتَبِقوا)) أمراً، وهو على إضمارٍ القول
أي: فيُقال لهم: اسْتَبِقَوا. و((الصِّراطَ)) ظرفُ مكانٍ مختصٍ عند الجمهور؛
فلذلك تَأَوَّلوا وصولَ الفعل إليه: إمّا بأنّه مفعولٌ به مجازاً، جعله مسبوقاً
لا مسبوقاً إليه، وتَضَمَّنَ ((اسْتَبَقُوا)) معنى بادَرُوا، وإمّا على حَذفِ الجارِّ أي:
إلى الصِّراط. وقال الزمخشري(٢): ((منصوب على الظرف، وهو ماشٍ على
قولٍ ابن الطَّراوة؛ فإن الصراط والطريق ونحوَهما ليسَتْ عنده مختصَّةً. إلاّ أنَّ
سيبويهِ: على أن قوله(٣):
٣٧٨٧- لَذْنْ بِهَزِّ الكَفِّ يَعْسِلُ مَتْنُهُ
فيه كما عَسَلَ الطريقَ الثعلبُ
ضرورةٌ(٤) لنصبه الطريقَ)).
آ. (٦٧) وقرأ(٥) أبو بكر ((مَكاناتِهم)) جمعاً. وتَقَدَّم في الأنعام(٦).
والعامَّةُ على ((مُضِيَّاً)) بضم الميم، وهو مصدرٌ على فُعُوْل. أصلُه مُضُوْي(٧)
فَأُدْغِمَ وكُسِرَ ما قبل الياءِ لتصِحَّ نحو: لُقِيًّا.
(١) البحر ٣٢٨/٧.
(٢) الكشاف ٣٢٨/٣.
(٣) تقدم برقم ٢١٥٣ .
(٤) الكتاب ١٥/١ - ١٦ وحكم بشذوذه.
(٥) السبعة ٥٤٢، والتيسير ١٠٧، والقرطبي ٥٠/١٥، والحجة ٦٠٢، والنشر
٢٦٣/٢، ٣٥٥، والبحر ٣٤٤/٧.
(٦) انظر: الدر المصون ١٥٨/٥.
(٧) اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في
الياء فأصبحت مُضُيًّا ثم كسر ما قبل الضاد لتصحَّ الياء.
٢٨٣

بيس-
وقرأ(١) أبو حيوةَ ــ ورُوِيَتْ عن الكسائيِّ - بكسر الميم إتباعاً لحركة
العين نحو ((عتِيًّا))(٢) و((صِلِيًّاً))(٣) وقُرىء بفتحها (٤). وهو من المصادر التي
وَرَدَتْ على فَعيل كالرَّسِيمِ(٥) والذَّمِيْل(٦).
آ. (٦٨) قوله: ﴿نُنَكِّسْه﴾: قرأ(٧) عاصمٌ وحمزةُ بضم النون
الأولى وفتحِ الثانيةِ وكُسرِ الكافٍ مشددةً مِنْ نَكَّسَه مبالغةً. والباقون بفتح الأولى
وتسكين الثانيةِ وضمِّ الكافِ خفيفةً، مِنْ نَكَسَه، وهي محتملةٌ للمبالغة وعَدَمِها.
وقد تقدَّمَ في الأنعام(٨) أنَّ نافعاً وابنَ ذكوان قرآ ((تَعْقِلون)) بالخطابِ والباقون
بالغيبة .
آ. (٦٩) قوله: ﴿إِنْ هو﴾: أي: إنِ القرآن. دَلَّ عليه السِّياقُ
أو إن العِلْمُ إلَّ ذكرٌ، يَدُلُّ عليه: ((وما عَلَّمْناه)) والضمير في ((له)) للنبيِّ صلَّى الله
عليه وسلَّم. وقيل: للقرآن.
آ. (٧٠) قوله: ﴿لِيُنْذِرَ﴾: قرأ(٩) نافع وابن عامر هنا، في
(١) انظر في قراءاتها: البحر ٣٤٤/٧، والقرطبي ٥٠/١٥.
(٢) الآية ٨ من مريم.
(٣) الآية ٧٠ من مريم.
أي فتح الميم .
(٤)
(٥) ضَرْب من عَدْوِ الناقة.
(٦)
ضرب من عدوِها.
(٧) السبعة ٥٤٣، والنشر ٣٥٥/٢، والبحر ٣٤٥/٧، والتيسير ١٨٥، والقرطبي
٥١/١٥، والحجة ٦٠٣.
(٨) وكذلك حفص انظر: الدر المصون ٤ /٦٠١.
(٩) انظر في قراءاتها: السبعة ٥٤٤، والنشر ٣٥٥/٢، والحجة ٦٠٣، والتيسير ١٨٥،
والقرطبي ٥٥/١٥، والبحر ٣٤٦/٧، والإتحاف ٤٠٤/٢، والآية ١٢ من
الأحقاف، وانظر: السبعة ٥٩٦.
٢٨٤

- يس =
الأحقاف ((لتنذرَ)) خطاباً. والباقون بالغيبة بخلاف عن البزي في الأحقاف:
والغيبة تحتمل أن يكون الضمير فيها للنبي صلَّى الله عليه وسلّم. وأن تكونَ
للقرآن. وقرأ الجحدري واليماني (لِيُنْذِرَ)) مبنياً للمفعول. وأبو السَّمَّال واليمانيُّ
أيضاً (لَيْذَرَ)) بفتحِ الياءِ والذال، مِنْ نَذِر بكسر الدال أي: عَلِمَ، فتكون «مَنْ))
فاعلًا.
آ. (٧٢) قوله: ﴿رَكوبُهم﴾: أي: مَرْكوبهم كالحَلُوب والحَصُور
بمعنى المَفْعول وهو لا ينقاسُ. وقرأ(١) أَبيَّ وعائشة ((رَكوبْتُهم)) بالتاء. وقد عَدَّ
بعضُهم دخولَ التاءِ على هذه الزِّنَةِ شادًّا، وجعلهما الزمخشري(٢): في قولِ
بعضِهم جمعاً يعني اسمَ جمع، وإلّ فلم يَرِدْ في أبنيةِ التكسير هذه الزُّنَّةُ. وقد
عَدَّ ابنُ مالك (٣) أيضاً أبنيةَ أسماءِ الجموع، فلم يذكُرْ فيها فَعُولة. والحسن
وأبو البرهسم والأعمش ((رُكوبُهم)) بضم الراء، ولا بدَّ من حذف مضاف: إمّا من
الأولِ ، أي: فمِنْ منافعها رُكوبُهم، وإمّا من الثاني، أي: ذوركويهم. قال
ابن خالويه(٤): ((العربُ تقول: ناقَةٌ رَكُوْبٌ وَرَكُوْبَةٌ، وحَلُوب وحَلُوْبَة، ورَكْباةً
حَلْبَةٌ، وَرَكَبُوْتٌ حَلَبُوْت، وَرَكَبِىْ حَلَبِىُ، وَرَكَبُوْتا حَلَبُوْتا [وَرَكْبَانَةٌ حَلْبَانَةٍ](٥))
وأنشد (٦) :
(١) انظر في قراءاتها: المحتسب ٢١٦/٢، والقرطبي ٥٦/١٥، والبحر ٣٤٧/٧،
والإتحاف ٢/ ٤٠٤.
(٢) الكشاف ٣٣٠/٣.
انظر: شرح الكافية الشافية ٤ /١٨٨٥.
(٣)
(٤) الشواذ له ١٢٦ .
(٥) ما بين معقوفين لم يرد في نص الشواذ.
(٦) لم أهتد إلى قائله، وهو في الشواذ ١٢٦، واللسان (صوف). والصوف للغنم والوبر
للإبل وقد يقال: الصوف للواحدة. وفي اللسان: أي أنها تباع فيشترى بها غنم
وإبل، أو شبِّه رَجْعَ يَدَيْها بقوسٍ مَنْ يخلط الوبر والصوف. وزفوف: النعامة.
٢٨٥

-يس -
حَلْبَانَةٍ زَفُوْفٍ
٣٧٨٨- رَکْبانّةٍ ؛
تَخْلِطُ بينَ وَيَرٍ موْصُوْفٍ
والمشارِبُ: جمع مَشْرَب بالفتح مصدراً أو مكاناً. والضمير فيّ
[٧٤٦/ أ] ((لا يَسْتَطِيعون)) إمّا للآلهةِ، وإمَّا لعابديها. وكذلك / الضمائرُ بعده. وتقدَّم قراءةٌ
(يَحْزُن)» و «يُحزن)»(١). وقرأ(٢) زيد بن علي («ونسي خالقَه)» بزنةِ اسمِ الفاعل.
آ. (٧٨) قوله: ﴿وهي رَمِيمٌ﴾: قيل: بمعنى فاعِل. وقيل:
بمعنى مَفْعول، فعلى الأولِ عَدَمُ التاءِ غيرُ مَقيسٍ . وقال الزمخشري(٣):
((الرَّميمُ اسمُ لما بَلِيَ مِن العِظامِ غيرُ صفةٍ كالرِّمَّةِ وَالرُّفَاتِ فلا يُقال: لِمَ لَمْ يُؤَنَّثْ
وقد وقع خبراً لمؤنث؟ ولا هو فعيل بمعنى فاعِل أو مفعول)».
آ. (٨٠) قوله: ﴿الأخضر﴾: هذه قراءةُ العامَّةُ. وقُرِىء(٤)
((الخضراء)) اعتباراً بالمعنى. وقد تقدَّم أنه يجوزُ تذكيرُ اسم الجنسِ وتأنيثِه.
قال تعالى: (نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ))(٥) و((نَخْلٍ خاوِية))(٦) وقد تقدَّم أنَّ بني تميمٍ ونجداً
يُذَكِّرونه، والحجازَ يؤنِّثونه إلاَّ ألفاظاً اسْتُخْنَيَتْ.
آ. (٨١) قوله: ﴿بقادِرٍ﴾: هذه قراءةُ العامَّةِ، دخلتِ الباءُ زائدةً
على اسم الفاعلِ. والجحدريُّ (٧) وابن أبي إسحاق والأعرج ((يَقْدِرُ)) فعلاً
(١) في الآية ٧٦ وهي قراءة نافع. انظر: النشر ٢٤٤/٢، والإتحاف ٤٠٥/٢.
(٢) في الآية ٧٨. انظر البحر ٣٤٨/٧.
(٣) الكشاف ٣٣١/٣.
(٤) البحر ٣٤٨/٧.
(٥) الآية ٢٠ من القمر.
(٦) الآية ٧ من الحاقة .
الإتحاف ٤٠٥/٢، والبحر ٣٤٨/٧، والقرطبي ٦٠/١٥، والنشر ٣٥٥/٢.
(٧)
٢٨٦

- يس -
مضارعاً. والضميرُ في ((مِثْلهم)) قيل: عائدٌ على الناسِ ؛ لأنهم هم
المخاطبونَ. وقيل: على السمواتِ والأرض لتضمَّنِهِم مَنْ يَعْقِلُ. و(بَلَىْ))
جوابٌ لـ ((ليس)) وإنْ دَخُل عليها الاستفهامُ المصيِّرُ لها إيجاباً. والعامَّة على
((الخَلَّق)) صيغة مبالغةٍ. والجحدري(١) والحسن ومالك بن دينار ((الخالق)) اسم
فاعِل. وتقدَّم الخلافُ(٢) في ((قُيكون)) نصباً ورفعاً وتوجيهُ ذلك في البقرة.
آ. (٨٣) وقرأ (٣) طلحة والأعمش ((مَلَكَة)) بزنةٍ شجرَة. وَقُرِىء ((مَمْلَكَةُ»
بزنة مَفْعَلة وقُرِىء ((ملك))(٤). والمَلَّكُوْتُ أبلغُ الجميع. والعامَّةُ على ((تُرْجَعون)»
مبنياً للمفعول وزيدُ بن علي (٥) مبنيٌّ للفاعلِ.
[تَمَّت بعونه تعالی سورة يُس]
(١) الإتحاف ٤٠٥/٢، والبحر ٣٤٩/٧، والقرطبي ٦٠/١٥.
(٢) انظر: الدر المصون ٨٨/٢.
(٣) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٤٠٥/٢، والبحر ٣٤٩/٧، والمحتسب ٢١٧/٢،
والقرطبي ٦٠/١٥.
(٤) وردت بدون ضبط.
(٥) الإتحاف ٤٠٥/٢، والبحر ٣٤٩/٧، والنشر ٢٠٨/٢.
٢٨٧

- الصافات -
سورة والصافات
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (١) قوله: ﴿والصَّافَّاتِ صَفَّاً﴾: قرأ(١) أبو عمرو وحمزة
بإدغامِ التاء من الصافَّاتِ، والزَّاجراتِ والتاليات، في صاد ((صَفَّ)) وزاي ((زَجْراً))
وذال ((ذِكْرًا))، وكذلك فَعَلا في ((الذَّارِياتِ ذَرْوا)(٢) وفي ((فالمُلْقِيَات ذِكْراً)(٣)
وفي ((العادياتِ ضَبْحاً)(٤) بخلافٍ عن خلَّ في الأخيرين. وأبو عمروٍ جارٍ على
أصلِه في إدغام المتقاربَيْن كما هو المعروفُ مِنْ أصلِه. وحمزةُ خارجٌ عن
أصلِه، والفرقُ بين مَذْهَبَيْهما أنَّ أبا عمٍو يُجيز الرَّوْمَ، وحمزةً لا يُجيزه. وهذا
كما اتفقا في إدغام ((بَيَّت طائفةٌ)) في سورة النساء(٥)، وإن كان ليس من أصلٍ
حمزةً إدغامُ مثله. وقرأ الباقون بإظهار جميع ذلك.
ومفعولُ ((الصَّافَّات)) و((الزَّاجراتِ)) غيرُ مرادٍ؛ إذ المعنى: الفاعلات
لذلك. وأعرب أبو البقاء(٦) ((صَفّاً)) مَفْعولاً به على أنه قد يَقَعُ على المصفوفِ.
(١) السبعة ٥٤٦، والنشر ٣٠٠/١، والتيسير ١٨٥، والقرطبي ٦١/١٥، والبحر
٣٥٢/٧.
(٢) الآية ١ من الذاريات.
(٣) الآية ٥ من المرسلات.
(٤) الآية ١ من العاديات.
(٥) الآية ٨١ من النساء.
(٦) الإِملاء ٢٠٥/٢.
٢٨٩

- الصافات ـ
قلت: وهذا ضعيفٌ. وقيل: هو مرادٌ. والمعنى: والصافاتِ أُنفسَها وهم
الملائكةُ أو المجاهدونِ أو المُصَلُّون، أو الصافَّاتِ أجنحتها وهي الطيرُ، كقوله:
((والطيرُ صافَّاتٍ))(١)، والزاجراتِ السحابَ أو العُصاةَ إِنْ أُريد بهم العلماءُ.
والزَّجْرُ: الدُّفْعُ بقوةٍ وهو قوةُ التصويتِ. وأنشد(٢):
٣٧٨٩ - زَجْرَ أَبِي عُرْوَةَ السِّباعَ إذا
أَشْفَقَ أَنْ يَخْتَلِطْنَ بالغَنَّمْ
وزَجَرْتُ الإِبِلَ والغنمَ: إذا فَزِعَتْ مِنْ صوتِك. وأمَّا ((والتالياتِ)) فَيجوز أَنْ
يكونَ ((ذِكْراً) مفعولَه. والمرادُ بالذِّكْر: القرآنُ وغيرُهُ مِنْ تسبيحٍ وتحميدٍ.
ويجوز أَنْ يكونَ ((ذِكْراً) مصدراً أيضاً مِنْ معنى التاليات. وهذا أوفقُ لِما قبلَه.
قال الزمخشري(٣): ((الفاءُ في ((فالزَّجراتِ)) ((فالتالياتِ)): إمَّا أَنْ تدلَّ على ترتُبِ
معانيها في الوجودِ كقولِه(٤):
٣٧٩٠ أ- يا لَهْفَ زِيَّابةَ للحارثِ الصَّا
بحٍ فالغانِمِ فالآيب
كأنه قال: الذي صَبَحَ فَغَنِمَ فَآبَ، وإِمَّا على ترتّبهما في التفاوتِ من
بعضِ الوجوه، كقوله: خُذِ الأفضلَ فالأكملَ، واعمل الأحسنَ فالأجملَ، وإِمًّا
على ترتّبٍ موصوفاتِها في ذلك كقولك: ((رَحِمَ اللَّهُ المُحَلِّقين فالمقصِّرين)) فأمَّا
هنا فإنْ وحَّدْتَ الموصوفَ كانت للدلالةِ على ترتُّبِ الصفات في التفاضُل. فإذا
كان الموحَّدُ الملائكةَ فيكون الفضلُ للصفِّ ثم للزَّجْرِ ثم للتلاوةِ، وإِمَّا على
(١) الآية ٤١ من النور.
(٢) البيت للنابغة الجعدي وهو في ديوانه ١٥٨، والبحر ٣٥٠/٧. والكشاف ٣٣٨/٣.
(٣) الكشاف ٣٣٤/٣.
(٤) تقدم برقم ١٢٢.
٢٩٠

- الصافات -
العكس. وإنْ ثَلَّئْتَ الموصوفَ فترتَّبَ في الفضل، فتكون الصافّاتُ ذواتَ
فضلٍ، والزاجراتُ أفضلَ، والتالياتُ أَبْهَرَ فضلاً، أو على العكس)) يعني
بالعكس في الموضعين أنك ترتقي من أفضلَ إلى فاضلٍ إلى مَفْضولٍ، أو يّْدَأُ
بالأدنی ثم بالفاضل ثم بالأفضل.
والواوُ في هذه للقسمِ، والجوابُ / قولُه: ((إنَّ إلهكم لواحِدٌ)). وقد [٧٤٦/ب]
عَرَفْتَ الكلامَ في الواوِ الثانيةِ والثالثةِ: هل هي للقسمِ أو للعطف؟
آ. (٥) قوله: ﴿رَبُّ السمواتِ﴾: يجوز أَنْ يكونَ خبراً ثانياً،
وأن يكون بدلاً مِنْ ((لَواحدٌ))، وأن يكونَ خبرَ مبتدأ مضمر. وجَمْعُ المشارقِ
والمغارِبِ باعتبارٍ جميع السنة، فإنَّ للشمسِ ثلاثمئةٍ وستين مشرقاً، وثلاثمئة
وستين مَغْرباً. وأمَّا قولُه: ((المَشْرِقَيْن والمغربين))(١) فباعتبار الصيف والشتاء.
آ. (٦) قوله: ﴿بزينةٍ الكواكبِ﴾: قرأ(٢) أبو بكر بتنوين ((زينة))
ونصب ((الكواكب)) وفيه وجهان، أحدهما: أَنْ تكونَ الزينةُ مصدراً، وفاعلُه
محذوفٌ، تقديره: بأنْ زَيَّنَ اللَّهُ الكواكبَ، في كونِها مضيئةً حَسَنةً في أنفسها.
والثاني: أنَّ الزينةَ اسمٌ لِما يُزان به كاللّيْقَةِ (٣): اسمٌ لِما تُلاقُ به الدَّواةُ، فتكون
(الکواکب)» على هذا منصوبةٌ بإضمارٍ («آعني)»، أو تكون بدلاً مِنْ سماء الدنيا
بدلَ اشتمالٍ أي: كواكبها، أو من محل ((بزينة)).
وحمزةُ وحفصٌ كذلك، إلّ أنهما خَفَضا الكواكب على أنْ يُرادَ بزينة:
ما يُزان به، والكواكب بدلٌ أو بيانٌ للزينة .
(١) الآية ١٧ من الرحمن (ربُّ المشرقين وربُّ المغربَيْن)).
(٢) السبعة ٥٤٧، والنشر ٣٥٦/٢، والقرطبي ٦٥/١٥، والتيسير ١٨٦، والحجة
٦٠٤٠، والبحر ٣٥٢/٧.
(٣) لاقت الدَّواةُ لَيْقاً: لصق المداد بصوفها.
٢٩١

- الصافات :-
والباقون بإضافةِ («زينة)) إلى ((الكواكب)). وهي تحتملُ ثلاثةَ أوجهٍ،
أحدها: أَنْ تكونَ إضافةً أعمَّ إلى أخصَّ فتكونَ للبيان نحو: ثوبُ خَزّ. الثاني:
أنها مصدرٌ مضافٌ لفاعلِه أي: بأن زَيَّنْتِ الكواكبُ السماءَ بضوئها. والثالث:
أنه مضافٌ لمفعولِه أي: بأَنْ زَيَّنها اللَّهُ بأَنْ جَعَلها مشرِقةً مضيئةً في نفسِها.
وقرأ ابن عباس وابن مسعود بتنوينها، ورفعِ الكواكب. فإِنْ جَعَلْتَها
مصدراً ارتفع ((الكواكب)» به، وإنْ جَعَلْتَها اسماً لِما يُزان به فعلى هذا ترتفع
((الكواكبُ)) بإضمار مبتدأ أي: هي الكواكبُ، وهي في قوة البدلِ . ومنع
!
الفراءُ(١) إعمالَ المصدرِ المنوَّن. وزعمَ أنه لم يُسْمَعْ. وهو غلَطْ لقولِه تعالى:
((أو إطعامٌ في يومٍ))(٢) كما سيأتي إن شاء الله.
آ. (٧) قوله: ﴿وحِفْظً﴾: منصوبٌ على المصدر بإضمارٍ فعلٍ
أي: حَفِظْناها حِفْظً، وإمَّا على المفعولِ مِنْ أجله على زيادة الواوٍ. والعاملُ
فيه ((زيَّنَّا))، أو على أَنْ يكونَ العاملُ مقدراً أي: لحِفْظِها زَيَّنَّاها، أو على
الحَمْلِ على المعنى المتقدم أي: إنَّا خَلَقْنا السماء الدنيا زينةً وحِفظاً. و(من
كلِّ)) متعلقٌ بـ ((حِفْظً)) إنْ لم يكنْ مصدراً مؤكّداً، وبالمحذوفِ إنْ جُعِل مصدراً
مؤكداً. ويجوز أَنْ يكونَ صفةً لـ ((حِفْظً)) .
آ. (٨) قوله: ﴿لا يَسَّمَّعون): قرأ(٣) الأخَوان وحفصُ بتشديد
(١) هذا المنع هو المنقول عنه في الارتشاف ١٧٦/٣ ولكنه قال في معاني القرآن
٣٨٢/٢: ((ولو نصبت ((الكواكب)) إذا نونت في الزينة كان وجهاً صواباً تريد: بتزيينها
الكواكب. ولو رفعت الكواكب تريد: زيَّناها بتزيينها الكواكبُ تجعل الكواكب هي
التي زيَّنت السماء)).
(٢) ((أو إطعامٌ في يوم ذي مَسْغَبَة يتيماً) الآية ١٤ من البلد.
(٣) السبعة ٥٤٧، والحجة ٦٠٥، والنشر ٣٥٦/٢، والبحر ٣٥٣/٧، والقرطبي
٦٥/١٥، والتيسير ١٨٦.
٢٩٢

- الصافات -
السين والميم. والأصل: يَتَسَمِّعون فأدغم(١). والباقون بالتخفيف فيهما (٢).
واختار أبو عبيد الأولى وقال: ((لو كان مخففاً لم يتعَدَّ بـ((إلى)). وأُجيب عنه: بأنَّ
معنى الكلامِ: لا يُصْغُون إلى الملأ. وقال مكي (٣): ((لأنه جرىْ مَجْرِىْ مُطاوِعِه
وهو يَتَسَمِّعُون، فكما كان تَسَمَّع يتعدَّى بـ ((إلى) تَعَدَّى سَمِع بـ ((إِلى)) وفَعِلْتُ
وافتعلْتُ في التعدِّي سواءٌ، فَتَسَمِّع مطاوع سمعَ، واستمع أيضاً مطاوع سَمِع
فتعدَّى سَمِعَ تعدِّيَ مطاوعِه)».
وهذه الجملةُ منقطعةٌ عَمَّا قبلها، ولا يجوزُ فيها أَنْ تكونَ صفةً لشيطان
على المعنى؛ إذ يصير التقدير: مِنْ كلِّ شيطانٍ ماردٍ غيرِ سامعٍ أو مستمعٍ . وهو
فاسدٌ. ولا يجوزُ أيضاً أَنْ تكونَ جواباً لسؤال سائلٍ : لِمَ تُحْفَظُ من الشياطين؟
إذ يَفْسُد معنى ذلك. وقال بعضهم: أصلُ الكلامِ: لئلا يَسْمَعوا، فَحُذِفت
اللامُ، وأَنْ، فارتفع الفعلُ. وفيه تَعَسُّفٌ. وقد وَهِم أبو البقاء (٤) فجوُّزَ أَنْ تكون
صفةٌ، وأنْ تكونَ حالاً، وأنْ تكونَ مستأنفةٌ، فالأولان ظاهرا الفسادِ، والثالثُ إن
عنى به الاستئنافَ البيانيّ فهو فاسدٌ أيضاً، وإنْ أرادَ الانقطاعَ على ما قَدَّمْتُه فهو
صحيحٌ .
آ. (٩) قوله: ﴿دُحُورا﴾: العامَّةُ على ضم الدال. وفيه أوجهٌ،
المفعولُ له، أي: لأجلِ الطَّرْد. الثاني: أنه مصدرٌ لـ ((يُقْذَفُون)) أي: يُدْحَرون
دُحوراً أو يُقْذَفون قَذْفاً. فالتجُّزُ: إمَّا في الأول، وإمَّا في الثاني. الثالث: أنه
مصدرٌ لمقدرٍ أي: يُدْحَرون دُحوراً. الرابع: أنه في موضع الحال أي ذَوي
(١) أي أبدلت التاء سيناً وأدغمت السين في السين.
(٢) لا يَسْمَعُون.
(٣) المشكل له ٢٣٤/٢.
(٤) الإملاء ٢٠٥/٢.
٢٩٣

۔ الصافات ـ
دُحورٍ أو مَذْحورين. وقيل: هو جمعُ داخِر نحو: قاعِد وقُعود. فيكون حالاً
بنفسه من غيرِ تأويلٍ . ورُوِي عن أبي عمرٍ و(١) أنه قرأ ((وَيَقْذِفُون)) مبنياً لفاعل.
وقرأ(٢) علي والسلمي وابن أبي عبلة ((دَحورا)) بفتح الدال، وفيها
وجهان، أحدهما: أنها صفةٌ لمصدرٍ مقدرٍ، أي: قذفاً دَحُورا، وهو كالصَّبور
والشَّكور. والثاني : أنه مصدرٌ كالقَبول والوَلوع. وقد تقدَّم أنه محصورٌ في
أُلَيْفاظ .
آ. (١٠) قوله: ﴿إِلَّ مَنْ خَطِفَ﴾: فيه وجهان، أحدُهما: أنه
[٧٤٧/أ] مرفوعٌ / المحلّ بدلاً مِنْ ضميرٍ ((لا يَسَّمَّعون)» وهو أحسنُ؛ لأنه غيرُ موجّب.
والثاني: أنه منصوبٌ على أصلِ الاستثناء. والمعنى: أنَّ الشياطينَ لا يَسْمعون
الملائكةَ إلَّ مَنْ خَطِف. قلت: ويجوز أَنْ تكون (مَنْ)) شرطيةً، وجوابُها
((فَتْبَعَه))، أو موصولةً وخبرُها ((فَأَتْبَعَه)) وهو استثناءٌ منقطعٌ. وقد نَصُوا على أنَّ
مثلَ هذه الجملةِ تكونُ استثناءً منقطعاً كقوله: ((لستَ عليهم بمسَيْطِرٍ، إِلَّ مَنْ
تَوَلَّى))(٣). والخَطْفَةُ مصدرٌ معرفٌ بأل الجنسية أو العهدية.
وقرأ العامَّةُ ((خَطِفَ) بفتح الخاء وكسرِ الطاءِ مخففةً. وقتادة(٤) والحسن
بكسرهما(٥) وتشديد الطاء، وهي لغةُ تميمِ بنِ مُرّ وبكرٍ بن وائل. وعنهما أيضاً
وعن عيسى بفتح الخاء وكسر الطاء مشددةً. وعن الحسن أيضاً خَطِفَ كالعامّة.
وأصل القراءَتَيْن: اخْتَطَفَ، فلمَّا أُريد الإِدغامُ سَكَنت التاءُ وقبلها الخاءُ ساكنةٌ،
(١) من رواية محبوب كما في البحر ٣٥٣/٧.
(٢) القرطبي ٦٥/١٥، والمحتسب ٢١٩/٢، والبحر ٣٥٣/٧.
(٣) الآية ٢٢ من الغاشية.
(٤) انظر في قراءاتها: الشواذ ١٢٧، والإتحاف ٤٠٨/٢، والبحر ٣٥٣/٧.
(٥) أي بكسر الخاء والطاء .
٢٩٤

- الصافات -
فكُسِرت الخاءُ لالتقاء الساكنين، ثم كُسِرت الطاءُ إنْباعاً لحركةِ الخاء. وهذه
واضحةٌ. وأمَّا الثانية(١) فمُشْكِلَةٌ جداً؛ لأنَّ كَسْرَ الطاء إنما كان لكسرِ الخاء وهو
مفقودٌ. وقد وُجِّه على التوهُّم. وذلك أنهم لَمَّا أرادوا الإِدغام نقلوا حركة التاء
إلى الخاء ففُتِحَتْ وهم يتوهَّمون أنها مكسورةٌ لالتقاء الساكنين كما تقدَّم
تقريرُه، فأتبعوا الطاءَ لحركةِ الخاءِ المتوهُّمة. وإذا كانوا قد فَعَلوا ذلك في
مقتضياتِ الإِعرابِ فَلَّأَنْ يَفْعلوه في غيرِهِ أَوْلَى. وبالجملة فهو تعليلُ شذوذٍ.
وقرأ ابن عباس ((خِطِفَ)) بكسر الخاء والطاء خفيفةً، وهو إتْباعٌ كقولهم:
نعم بكسر النون والعين. وقُریء(٢) «فاَّبعه)) بالتشديد.
آ. (١١) قوله: ﴿أَمَّن خَلَقْنَا﴾: العامَّةُ على تشديدِ الميم،
الأصلُ: أم مَنْ وهي أم المتصلةُ، عُطِفَتُ ((مَنْ)) على ((هم)). وقرأ(٣) الأعمش
بتخفيفها، وهو استفهامٌ ثانٍ. فالهمزةُ للاستفهام أيضاً و((مَنْ)) مبتدأ، وخبره
محذوفٌ أي: الذين خَلَقْناهم أشدُّ؟ فهما جملتان مستقلتان وغَلَّبَ مَنْ يَعْقل
على غيره فلذلك أتى بـ ((مَنْ)). ولازِبٌ ولازِمٌ بمعنىً. وقد قُرىء(٤) ((لازم)).
آ. (١٢) قوله: ﴿بل عَجِبْتَ﴾: قرأ(٥) الأخَوان بضمِّ التاء،
والباقون بفتحها. فالفتحُ ظاهرٌ. وهو ضميرُ الرسولِ أو كلِّ مَنْ يَصِحُّ منه ذلك.
وأمَّا الضمُّ فعلى صَرْفِه للمخاطب أي: قُلْ يا محمدُ بل عَجِبْتُ أنا، أو على
(١) خَطّفَ.
(٢) البحر ٣٥٣/٧، والكشاف ٣٣٦/٣.
(٣) البحر ٣٥٤/٧.
(٤) الكشاف ٣٣٧/٣.
(٥) السبعة ٥٤٧، والنشر ٣٥٦/٢، والقرطبي ٦٩/١٥، والتيسير ١٨٦، والبحر
٣٥٤/٧.
٢٩٥

- الصافات -
إسنادِه للباري تعالى على ما يَليقُ به، وقد تقدَّم تحريرُ هذا في البقرة، وما وَرَدَ
منه في الكتاب والسنَّة، وعن شُرَيْحٍ (١) أنه أنكرها، وقال: ((إنَّ الله لا يَعْجَبُ))
فبلغَتْ إبراهيمَ النخعي فقال: ((إن شريحاً كان مُعْجَباً برأيه، قرأها مَنْ هو أعلمُ
منه» یعني عبد الله بن مسعود.
قوله: ((ويَسْخَرون)) يجوزُ أَنْ يكونَ استئنافاً وهو الأظهرُ، وأن يكون حالا
وقرأ(٢) جناح بن حبيش ((ذُكِروا)) مخففاً.
آ. (١٧) قوله: ﴿أَوَآباؤنا﴾: قرأ(٣) ابن عامر وقالون بسكونٍ
الواوٍ على أنَّها ((أو)) العاطفةُ المقتضيةُ للشكِّ. والباقون بفتحِها على أنها همزةٌ
استفهامٍ دخلَتْ على واوِ العطفِ. وهذا الخلافُ جارٍ أيضاً في الواقعة (٤). وقد
تقدَّم مثلُ هذا في الأعراف في قوله: ((أو أَمِنَ أهلُ القُرى))(٥) فمَنْ فتحِ الواوَ
جاز(٦) ((في آباؤنا)) وجهان، أحدهما: أَنْ يكونَ معطوفاً على مَحَلُ ((إِنَّ))
واسمِها. والثاني: أَنْ يكونَ معطوفاً على الضمير المستترِ في ((لَمُبْعوثونَ))
واستغنى بالفصلِ بهمزةِ الاستفهامِ. ومَنْ سَكَّنها تعيّن فيه الأولُ دون الثاني
على قولِ الجمهور لعَدَمِ الفاصل.
(١) شريح بن يزيد أبو خيوة الحضرمي مقرىء الشام وصاحب قراءة شاذة، ثقة روى عن
الكسائي. توفي في صفر سنة ٢٠٣. انظر: طبقات القراء ٣٢٥/١.
(٢) في الآية ١٣. البحر ٣٥٥/٧.
(٣) النشر ٣٥٧/٢، والحجة ٦٠٨، والتيسير ١٨٦، والقرطبي ٧١/١٥، والبحر
٣٥٥/٧.
(٤) الآية ٤٨ .
(٥) الآية ٩٧.
(٦) أي: جاز عنده.
٢٩٦

- الصافات -
وقد أوضح هذا الزمخشريُّ(١) حيث قال: ((آباؤنا)) معطوفٌ على محل
(إنَّ)) واسمِها، أو على الضميرِ في ((مَبْعوثون)). والذي جَوَّز العطفَ عليه الفصلُ
بهمزةِ الاستفهام)). قال الشيخُ(٢): أمَّا قولُه: ((معطوفٌ على محلِّ إنَّ واسمها)»
فمذهبُ سيبويه (٣) خلافُه؛ فإنَّ قولَك ((إن زيداً قائمٌ وعمروٌ)) ((عمرو)) فيه مرفوعٌ
بالابتداء وخبرُه محذوفٌ. وأمَّا قولُه: ((أو على الضميرِ في ((مبعوثون)) إلى آخره
فلا يجوزُ (٤) أيضاً لأنَّ همزةَ الاستفهامِ لا تدخلُ إلَّا على الجملِ لا على
المفرد؛ لأنه إذا عُطِف / على المفردِ كان الفعلُ عاملاً في المفرد بوساطة حرفٍ [٧٤٧/ب]
العطفِ، وهمزةُ الاستفهام لا يَعْمَلُ ما قبلها فيما بعدها. فقوله: ((أو آباؤنا)) مبتدأٌ
محذوفُ الخَبرِ، تقديرُه: أو آباؤنا مبعوثون، يَدُلُّ عليه ما قبله. فإذا قلتَ: ((أقام
زيدٌ أو عمرُو)) فعمرو مبتدأ محذوفُ الخبر لما ذكرنا».
قلت: أمَّ الردُّ الأولُ فلا يَلْزَمُ؛ لأنه لا يلتزمُ مذهبَ سيبويه. وأمَّا الثاني
فإنَّ الهمزةَ مؤكِّدة للأولى فهي داخلةٌ في الحقيقةِ على الجملةِ، إلاّ أنه فَصَلَ
بين الهمزتين بـ ((إنَّ» واسمها وخبرها. يَدُلُّ على هذا ما قاله هو في سورةٍ
الواقعة، فإنه قال(٥): ((دَخَلَتْ همزَةُ الاستفهامِ على حَرْفِ العطفِ. فإنْ قلت:
كيف حَسُنَ العطفُ على المضمر في (لَمبعوثون)) من غيرٍ تأكيدٍ بـ ((نحن)»؟
قلتُ: حَسُنَ للفاصلِ الذي هو الهمزةُ كما حَسُنَ في قوله: ((ما أشرَكْنا
ولا آباؤنا))(٦) لفَصْلِ المؤكَّدة للنفي)). انتهى. فلم يَذْكُرْ هنا غيرَ هذا الوجهِ،
(١) الكشاف ٣٣٧/٣.
(٢) البحر ٣٥٥/٧.
(٣) الكتاب ٢٨٥/١.
أي: عطفه على الضمير.
(٤)
(٥) الكشاف ٥٥/٤ .
(٦) الآية ١٤٨ من الأنعام.
٢٩٧

- الصافات -
وتشبيهَه بقوله: لفَصْلِ المؤكَّدةِ للنفي، لأنَّ (((لا)) مؤكدةً للنفي المتقدِّم بـ((ما)).
إلاّ أنَّ هذا مُشْكِلٌ: بأنَّ الحرفَ إذا كُرِّر للتوكيد لم يُعَدْ في الأمر العام إلّ بإعادة
ما اتصل به أولاً أو بضميرِهِ. وقد مضى القولُ فيه. وتحصِّل في رفع ((آباؤنا)».
ثلاثةُ أوجهٍ: العطفُ على محلِّ ((إن)) واسمِها، العطفُ على الضمير المستكنّ
في (لَمبعوثون))، الرفعُ على الابتداء، والخبرُ مضمرٌ. والعامل في ((إذا))
محذوفٌ أي: أَنْبْعَثُ إِذَا مِنْنا. هذا إذا جَعَلْتَها ظرفاً غيرَ متضمنٍ لمعنى الشرطِ .
فإِنْ جَعَلْتَها شرطيةً كان جوابُها عاملاً فيها أي: أإذا مِتْنَا بُعِثْنا أو حُشِرْنا.
وقُرِىء (إذا)» دون استفهامٍ. وقد مضى القولُ فيه في الرعد (١).
آ. (١٨) قوله: ﴿وأنتم داخِرُون﴾: جملةٌ حاليةٌ. العامِلُ فيها
الجملةُ القائمةُ مَقامَها (نعم)) أي: تُبْعَثون وأنتم صاغرون أذلاَءُ. قال الشيخ(٢):
((وقرأ ابنُ وثاب(٣) (نَعِمْ)) بكسر العين. قلت: وقد تقدم في الأعراف(٤) أنَّ
الكسائيَّ قرأها كذلك حيث وقعَتْ، وكلامُه هنا مُوْهِمٌ أنَّ ابنَ وثَّب منفردٌ بها.
آ. (١٩) قوله: ﴿فإنما هي): قال الزمخشري(٥): ((فإنما هي
جوابُ شرطٍ مقدرٍ تقديرُه: إذا كان ذلك فما هي إلَّ زَجْرَةٌ واحدةٌ)). قال
الشيخ (٦): ((وكثيراً ما تُضْمَرُ جملةُ الشرطِ قبل فاءٍ إذا ساغ تقديرُه، ولا ضرورةً
(١) انظر: الدر المصون ١٧/٧ .
(٢) البحر ٣٥٥/٧.
(٣) التيسير ١١٠، والنشر ٣٥٧/٢، والبحر ٣٥٥/٧.
(٤) انظر: الدر المصون ٣٢٦/٥.
(٥) الكشاف ٣٣٨/٣.
(٦) البحر ٣٥٥/٧ - ٠.٣٥٦
٢٩٨

- الصافات -
تَدْعُوْ إلى ذلك، ولا يُحْذَف الشرطُ ويبقى جوابُه، إلاّ إذا انجزم الفعلُ في الذي
يُطْلَقُ عليه أنه جوابٌ للأمرِ والنهي وما ذُكِر معهما. أمَّا ابتداءً فلا يجوزُ حَذْفُه)).
قوله: ((هي)) ضميرُ البعثةِ المدلولِ عليها بالسِّياق لَمَّا كانَتْ بعثتُهم ناشئةً
عن الزَّجْرَةِ جُعِلَتْ إياها مجازاً. وقال الزمخشري (١): ((هي مبهمةٌ يُوَضُّحها
خبرُها)). قال الشيخ (٢): ((وكثيراً ما يقول هو وابنُ مالك: إن الضميرَ يُفَسِّره
خبرُه)».
آ. (٢٠) ووقف أبو حاتمٍ على ((وَيْلَنا)» وجعل ما بعده من قول الباري
تعالى. وبعضُهم جَعَلَ ((هذا يومُ الدين)) مِنْ كلامِ الكفرة فيقف عليه. وقوله:
(«هذا يومُ الفَصْلِ) مِنْ قولِ الباري تعالى. وقيل: الجميعُ مِنْ كلامهم، وعلى
هذا فيكونُ قولُه ((تُكَذِّبون)»: إمَّا التفاتاً من التكلم إلى الخطاب، وإمَّا مخاطبةٌ
بعضهم لبعض.
آ. (٢٢) قوله: ﴿وأَزْواجَهم﴾: العامَّةُ على نصبِه، وفيه
وجهان، أحدهما: العطفُ على الموصول. والثاني: أنه مفعولٌ معه. قال
أبو البقاء (٣): ((وهو في المعنى أقوى)). قلت: إنما قال في المعنى لأنَّه في
الصناعةِ ضعيفٌ؛ لأنه أمكن العطفُ فلا يُعْدَلُ عنه. وقرأ(٤) عيسى بن سليمان .
الحجازي بالرفعِ عَطْفاً على ضمير ((ظَلموا)) وهو ضعيفٌ لعدمِ العاملِ. وقوله:
((وما كانوا يَعْبُدون)) لا يجوزُ فيه هذا لأنه لا يُنْسَبُ إليهم ظلمٌ، إنْ لم يُرَدْ بهم
الشياطينُ: وإن أُريد بهم ذلك جاز فيه الرفعُ أيضاً على ما تقدَّم.
(١) الكشاف ٣٣٨/٣.
(٢) البحر ٣٥٥/٧.
(٣) الإملاء ٢٠٦/٢.
(٤) البحر ٣٥٦/٧.
٢٩٩

- الصافات -
آ. (٢٤) قوله: ﴿إِنَّهم مَسْؤُوْلون﴾: العامَّةُ على الكسر على
الاستئناف المفيد للعلة. وقُرِىءٍ(١) بفتحها على حَذْفِ لامِ العلةِ أي: قِفُوهم
لأجل سؤالِ اللَّهِ إياهم
آ. (٢٥) قوله: ﴿ما لكم﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ منقطعاً عَمًّا قبله
والمسؤولُ عنه غيرُ مذكورٍ، ولذلك قَدَّره بعضُهم: عن أعمالهم. ويجوزُ أَنْ
يكونَ هو المسؤولَ عنه في المعنى، فيكونَ معلِّقاً للسؤال. و ((لا تَنَاصَرون»
جملةٌ حاليةٌ. العاملُ فيها الاستقرارُ في ((لكم)). وقيل: بل هي على حَذْفٍ
حرفِ الجرّ، و((أنْ)) الناصبةِ، فلمَّا حُذِفَتُ ((أن)) ارتفع الفعلُ. والأصل: في أنْ
لا ، وتقدَّمَتْ قراءةُ البزي(٢) ((لا تَّناصرون)) بتشديد التاء. وقُرِىء(٣)
(تَتَنَاصرون)) على الأصلِ.
آ. (٢٨) قوله: ﴿عن اليمين﴾: حالٌ من فاعل ((تَأَبُّونَنا)).
واليمينُ: إِمَّ الجارحَةُ عَبَّر بها عن القوةِ، وإمََّ الحَلْفُ؛ لأنَّ المتعاقِدَيْنَ بِالحَلْفِ
يَمْسَحِ كَلِّ منهما يمينَ الآخرِ، فالتقديرُ على الأول: تأتوننا أقوياء، وعلى الثاني
[٧٤٨/أ] مُقْسِمينَ حالفین. /
آ. (٣١) قوله: ﴿إِنَّا لَذائِقون﴾: الظاهر أنه مِنْ إخبارِ الكَفَرَةِ
المتبوعين أو الجنِّ بأنَّهم ذائِقون العذابَ. ولا عدُولَ في هذا الكلامِ. وقال
الزمخشري (٤): ((فَلَزِمَنَا قولُ ربِّنا إنَّا لَذائقون. يعني وعيدَ اللَّهِ بأنَّا لِذائقون
(١) وهي قراءة عيسى بن عمر انظر: القرطبي ٧٣/١٥.
(٢) النشر ٢٣٣/٢ - ٢٣٤، والبحر ٣٥٧/٧، والقرطبي ٧٤/١٥.
(٣) البحر ٣٥٧/٧، والكشاف ٣٣٨/٣.
(٤) الكشاف ٣٣٩/٣.
٣٠٠