النص المفهرس

صفحات 241-260

- فاطر -
قوله: ((وَمَكْرَ السَّيِّيءٍ)) فيه وجهان، أظهرُهما: أنه عطفٌ على
(استكباراً). والثاني: أنه عطفُ على ((نُفوراً)) وهذا مِنْ إضافة الموصوفِ إلى
صفتّه في الأصلِ؛ إذ الأصلُ: والمكرَ السَِّىء. والبصريون يُؤُوَّلونه على حَذْفٍ
موصوفٍ / أي: العمل السَِّىء.
[٧٣٩/ب]
وقرأ العامَّةُ بخفضِ همزةِ ((السَّبِّىء))، وحمزةُ (١) والأعمش بسكونها
وَصْلاً. وقد تَجَرَّأَتِ النحاةُ(٢) وغيرُهم على هذه القراءةِ ونسبوها لِلَّحْنِ، ونَزَّهوا
الأعمشَ عَنْ أَنْ يكونَ قرأ بها. قالوا: وإنما وَقَفَ مُسَكِّناً، فظُنَّ أنه واصَلَ فَغُلِط
عليه. وقد احتجَّ لها قومُ آخرون: بأنه إجراءٌ للوَصْلِ مُجْرَى الوقفِ، أو أَجْرى
المنفصلَ مُجْرى المتصلِ. وحَسَّنه كونُ الكسرةِ على حَرْفٍ ثقيل بعد ياءٍ
مشددةٍ مكسورةٍ. وقد تقدَّم أنَّ أبا عمروٍ يَقْرأ ((إلى بارِثْكم))(٣) بسكون الهمزةِ.
فهذا أَوْلَىْ لزيادةِ الثقلِ ههنا. وقد تقدَّمَ هناك أمثلةٌ وشواهدُ فعليك باعتبارِها.
ورُوِيَ(٤) عن ابنٍ كثير ((ومَكْرَ السُّأْيِ)) بهمزةٍ ساكنةٍ بعد السينِ ثم ياءٍ مكسورةٍ.
وخُرِّجَتْ على أنها مقلوبةٌ من السَّيْءِ، والسَّيْءُ مخففٌ من السَّيِّىء كالميْت من
الميِّت قال الحماسي (٥):
٣٧٧٣ - ولا يَجْزُوْنَ مِنْ حَسَنٍ بِسَيْءٍ
ولا يَجْزُونِ مِنْ غِلَظٍ بِلِيْنِ
(١) السبعة ٥٣٥، والنشر ٣٥٢/٢، والتيسير ١٨٢ - ١٨٣، والقرطبي ٣٥٨/١٤،
والحجة ٥٩٤، والبحر ٣١٩/٧.
(٢) كالزجاج في معانيه ٢٧٥/٤ حيث لحَّنها، وقصر مثلها على الشعر اضطراراً.
(٣) الآية ٥٤ من البقرة. وانظر: الدر المصون ٣٦١/١.
(٤) الشواذ ١٢٤، والبحر ٣٢٠/٧.
(٥) البيت لأبي الغُول الطّهوي وهو في الحماسة ٦٢/١، والخزانة ١٠٦/٣.
٢٤١

- فاطر -
وقد كَثُر في قراءتِّه القلبُ نحو ((ضِئاء))(١) و ((تَأْيَسوا))(٢) و((لا يَأْيَسُ))(٣)
كما تقدم تحقيقه.
وقرأ(٤) عبد الله: ((ومَكْراً سَيِّئً)) بالتنكيرِ، وهو موافقٌ لما قبلَه. وقُرِىء (٥)
((ولا يُحيق)) بضمِّ الياءُ، ((المكْرَ السَّيِّىءَ)) بالنصب على أنَّ الفاعلَ ضميرُ الله
تعالى أي: لا يُحيط اللَّهُ المكرَ السيِّيءَ إلَّ بأهله ..
قوله: ((سُنَّةَ الأَوَّلِيْنِ)) مصدرٌ مضافٌ لمفعولِه، و((سنةِ الله)) مضافٌ
الفاعلِه؛ لأَنَّه تعالى سَنَّها بهم، فصَحَّتْ إضافتها إلى الفاعلِ والمفعولِ.
آ. (٤٤) قوله: ﴿وكانوا أشَدَّ﴾: جملةٌ في موضع نصبٍ على
الحال. ونظيرتُها في الروم(٦) («كانوا)) بلا واوٍ على أنها مستأنفةٌ فالمَقْصَدانِ
مختلفان .
آ. (٤٥) قوله: ﴿مَا تَرَك على ظهرها﴾: تقدَّم نظيرُها في
النحل (٧) إلَّ أنَّ هناك لم يَجْرِ للأرض ذِكْرٌ، بل عاد الضميرُ على مافُهِم من
السِّياق وهنا قد صَرَّح بها في قوله: ((في السموات ولا في الأرض)). وهنا ((على
ظهرها)) استعارةً مِنْ ظَهْرِ الدابَّةِ دَلالةٌ على التمكُّنِ والتقلُّب عليها. والمَقامُ هنا
يناسِبُ ذلك لأنَّه حَثٌّ على السَّيْرِ للنظر والاعتبار.
[تمّت بعونه تعالی سورة فاطر]
(١) الآية ٥ من يونس. وأنظر: الدر ١٥١/٦.
(٢) الآية ٨٧ من يوسف. وانظر: الدر ٥٣٧/٦.
(٣) الآية ٨٧ من يوسف. وانظر: الدر ٥٣٧/٦.
(٤) المحتسب ٢٠٢/٢، والقرطبي ٣٥٩/١٤، والبحر ٣٢٠/٧.
(٥) البحر ٣٢٠/٧.
(٦) الآية ٩.
(٧) ((ولو يُؤاخِذُ اللَّهُ الناسَ بظلمهم ما تَرَك عليها مِنْ دابة)» الآية ٦١ من النحل.
٢٤٢
۔۔

- يس =
سورة يس
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (١) قرأ العامَّةُ ((يَسِيْنْ)) بسكونِ النونِ. وأظهر (١) النونَ عند الواوِ
بعدَها ابنُ كثير وأبو عمرٍو وحمزةُ وحفصٌ وقالونُ وورشٌ بخلافٍ عنه، وكذلك
النونُ مِنْ ((نون والقلم))(٢) وأدغمهما الباقون. فَمَنْ أَدْغَمَ فللخِفَّةِ، ولأنّه لَمَّا
وَصَلَ والتقى متقاربان مِنْ كلمتين أوَّلُهما ساكنٌ وَجَبَ الإِدغامُ. ومَنْ أظهرَ
فللمبالغةِ في تفكيكِ هذه الحروفِ بعضِها من بعض لأنه بنيَّةِ الوَقْفِ، وهذا
أَجْرى على القياسِ في الحروفِ المقَطَّعَةِ ولذلك التقى فيها الساكنان وَصْلاً،
ونَقَل إليها حركةً همزة الوصلِ على رَأْيٍ نحو: ((ألف لام ميم(٣) الله)) كما تقدَّم
قریرُه.
وأمال الياءَ مِنْ ((يس)» الأخَوان وأبو بكر لأنها اسمُ من الأسماءِ كما تقدَّم
تقريرُه أولَ البقرةِ. قال الفارسيُّ(٤): ((وإذا أمالوا(٥) ((يا)) وهي حرفُ نداءٍ فلَأَنْ
(١) انظر في قراءاتها: السبعة ٥٣٨، والقرطبي ٣/١٥، والحجة ٥٩٥، والتيسير ١٨٣،
والنشر ١٧/٢ - ١٨، والمحتسب ٢٠٣/٢، والبحر ٣٢٣/٧.
(٢) الآية ١ من القلم.
(٣) الآية ١ من آل عمران.
الحجة ( خ) ٤ /١٨٢.
(٤)
(٥) عبارته في الحجة: ((فإذا كانوا قد أمالوا ما لا يُمال من الحروف من أجلِ الياء فأَنْ
يُميلوا الاسم الذي هو ((يا)) من يس أجدر)).
٢٤٣

- يس -
یُمیلوا «یا)» مِنْ یس أجدُ)».
وقرأ عيسى وابنُ أبي إسحاق بفتح النون: إمَّا على البناءِ على الفتح
تخفيفاً كَأَيْن وكيفَ، وإمَّ على أنَّه مفعولٌ بـ ((اتْلُ))، وإمَّا على أنَّه مجرورٌ بحرفِ
القسمِ. وهو على الوجهَيْن غيرُ منصرفٍ للعلّمَيَّةِ والتأنيث. ويجوز أَنْ يكونَ
منصوباً على إسقاطِ حرفِ القسمِ ، كقوله(١):
٣٧٧٤-
فذاك أمانةَ اللَّهِ الثَّرِيِدُ
وقرأ الكلبي بضم النون. فقيل: على أنها خبرُ مبتدأ مضمرٍ أي: هذه
يس، ومُنِعَتْ من الصرفِ لِما تقدَّم. وقيل: بل هي حركةُ بناءٍ كـ حيث فيجوز
أَنْ يكونَ خبراً كما تقدَّم، وأَنْ يكونَ مُقْسَماً بها نحو: ((عَهْدُ اللَّهِ لأفِعلََّّ)).
وقيل: لأنها منادىْ فُنِيَتْ على الضم؛ ولهذا فَسَّرها الكلبيُّ القارىءُ لها بـ ((يَا
إنسانُ)» قال: ((وهي لغةُ طيِّىء)). قال الزمخشري(٢): ((إنْ صَحِّ معناه فوجهُه أن
يكونَ أصلُه يا أُنَيْسِيْنُ فَكَثُر النداءُ به على ألسنتِهم، حتى اقتصروا على شَطْرِهِ،
كما قالوا في القسم: مُ الله في ((ايْمُنُ اللَّهِ))). قال الشيخ(٣): ((والذي نُقِل عن
[٧٤٠/ أ] العرب في تصغير إنْسان: أُنَيْسِيان بياءٍ بعدها ألفٌ فِدَلَّ على / أنَّ أصلَهُ
إنْسِيان (٤)؛ لأنَّ التصغيرَ يَرُدُّ الأشياءَ إلى أصولها، ولا نعلمُ أنَّهم قالوا في
تصغيره: أُنَيْسِين. وعلى تقدير أنه يُصَغَّر كذلك فلا يجوزُ ذلك، إلّا أَنْ يُبنى
(١) تقدم برقم ٩٣.
(٢) الكشاف ٣١٣/٣.
(٣) البحر ٣٢٣/٧.
(٤) هذا مذهب القراء كما في ((معاني القرآن)» ٢٦٩/٢ فاشتقه من النسيان، وكثر في
كلامهم فحذفوا منه اللام وردوا إليه الياء في التصغير فقالوا: أُنّيْسِيان. انظر: معجم
مفردات الإعلال والإبدال ٣٣.
٢٤٤

- يس -
على الضمِّ؛ لأنه منادى مُقْبَلٌ عليه(١) ومع ذلك فلا يجوزُ لأنه تحقيرٌ، ويمتنعُ
ذلك في حَقِّ النبوة)». قلت: أمَّا الاعتراضُ الأخيرُ فصحيحٌ نصُوا على أنَّ
التصغيرَ لا يَدْخُلُ في الأسماءِ المعظمةِ شَرْعاً. ولذلك يُحْكى أنَّ ابن قتيبةً لمّا
قال في المُهَيْمن: إنَّه مصغرٌ مِنْ مُؤْمِن (٢)، والأصل مُؤْمِن، فأُبْدِلَتِ الهمزةُ
هاءً. قيل له: هذا يقرُبُ من الكفرِ فليتّقِ اللَّهَ قائلُه. وقد تقدَّمَتْ هذه الحكايةُ
في المائدةِ مطوّلةً وما قيل فيها. وقد تقدَّم للزمخشريِّ في طه ما يَقْرُبُ من هذا
البحث، وتقدّم للشيخِ معه كلامٌ.
وقرأ ابنُ أبي إسحاق أيضاً وأبو السَّمِّال ((يَسنٍ)) بكسرِ النونِ، وذلك على
أصلِ التقاءِ الساكنين. ولا يجوزُ أَنْ تكونَ حركةَ إعرابٍ.
آ. (٢) قوله: ﴿والقرآنِ﴾: إمَّا قسمٌ مستأنفٌ، إنْ لم يُجْعَلْ
ما تقدَّم قَسَماً، وإمَّا عَطْفٌ على ما قبلَه إنْ كانَ مُقْسَماً به. وقد تقدَّم كلامٌ عن
الخليل(٣) في ذلك أولَ آياتِ البقرةِ فعليكَ باعتبارِهِ هنا، فإنَّ حَسَنٌ جداً. وتقدَّم
الكلامُ على ((الحكيم))(٤).
آ. (٣) قوله: ﴿إِنَّك﴾: جوابُ القسمِ و((على صِراط)) يجوزُ أَنْ
يكونَ متعلقاً بالمرسَلين. تقول: أَرْسَلْتُ عليه كذا. قال تعالى: ((وأَرْسَلَ عليهِم
طَيْرً))(٥)، وأنْ يكونَ متعلِّقاً بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ من الضمير المستكنّ في
(لَمِنَ المُرْسَلين)» لوقوعِه خبراً، وأنْ يكونَ حالاً من المرسلين، وأَنْ يكونَ خبراً
ثانياً لـ ((إنَّك)).
(١) أي نكرة مقصودة.
(٢) انظر: الدر المصون ٢٨٨/٤.
(٣) انظر: الدر المصون ٨٠/١.
(٤) انظر: الدر ٢٦٧/١.
(٥) الآية ٣ من الفيل.
٢٤٥

- يس -
آ. (٥) قوله: ﴿تَنْزِيْلَ﴾: قرأ(١) نافعٌ وابنُ كثير وأبو عمرو
وأبو بكر بالرفع على أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ أي: هو تنزيل. ويجوزُ أَنْ يكونَ خبراً
لمبتدأ إذا جَعَلْتَ يس اسماً للسورة أي: هذه السورة المسمّاة بـ يس تنزيلُ،
أو هذه الأحرفُ المقطعةُ تنزيلُ. والجملةُ القسميةُ على هذا اعتراضٌ. والباقون
بالنصبِ على المصدر، أو على المدح. وهو في المعنى كالرفع على خبر ابتداءٍ
مضمر. وتنزيل مصدرٌ مضافٌ لفاعلِه. وقيل: هو بمعنى مُنْزَل. وقرأ أبو حيوة
واليزيديُّ وأبو جعفر وشيبة ((تنزيلِ)) بالجرِّ على النعتِ للقرآنِ أو البدلِ منه.
آ. (٦) قوله: ﴿لَتُنْذِرَ﴾: يجوزُ أَنْ يتعلّقَ بِ تنزيل أو بمعنى
المرسلين، يعني بإضمارٍ فِعْلِ يَدُلُّ عليه هذا اللفظُ أي: أَرْسَلْنَاك لتنذِرَ.
قوله: ((ما أُنْذِرِ آبَاؤُهُمْ)) يجوزُ أَنْ تكونَ ((ما)» هذه بمعنى الذي، وأَنْ تكونَ
نكرةً موصوفةً. والعائدٌ على الوجهين مقدَّرٌ أي: ما أُنْذِرَه آباؤهم فتكونُ (ما)»
وصلتُها أو وَصْفُها في محلِّ نصب مفعولاً ثانياً لقوله: (لتُّنْذِرَ) كقوله: ((إنّا
أَنْذَرْنِكم عذاباً)(٢) والتقدير: لتنذرَ قوماً الذي أُنْذِرَه آباؤهم مِن العذابِ،
أو لتنذرَ قوماً عذاباً أُنْذِرَه آباؤهم. ويجوز أَنْ تكونَ مصدريةً أي: إنذارَ آبائهم
أي: مثلَه. ويجوزُ أَنْ تكونَ نافيةً، وتكونُ الجملةُ المنفيةُ صفةً لـ ((قوماً) أي:
قوماً غيرَ مُنْذَرٍ آباؤهم. ويجوزُ أَنْ تكونَ زائدةً أي: قوماً أُنْذِر آباؤهم، والجملةُ
المثبتةُ أيضاً صفةٌ لـ ((قوماً)) قاله أبو البقاء(٣) وهو مُنافٍ للوجهِ الذي قبلَه.
(١) انظر في قراءاتها: السبعة ٥٣٩، والنشر ٣٥٣/٢، والقرطبي ٦/١٥، والحجة
٥٩٥، والتيسير ١٨٣، والبحر ٣٢٣/٧.
(٢) الآية ٤٠ من النبأ.
(٣) الإملاء ٢٠٢/٢.
٢٤٦

- يس =
آ. (٨) قوله: ﴿فهي إلى الأذْقَانِ﴾: في هذا الضميرِ وجهان،
أحدهما : - وهو المشهورُ - أنه عائدٌ على الأَغْلال، لأنها هي المُحَدَّثُ عنها،
ومعنى هذا الترتيب بالفاءِ: أن الغِلُّ لِغِلَظِه وعَرْضِه يَصِلُ إلى الذِّقَنِ لأنه يَلْبَسُ
العُنُقّ جميعَه. الثاني: أن الضميرَ يعودُ على الأيدي؛ لأنَّ الغِلَّ لا يكونُ إلَّ في
العُنُقِ واليدين، ولذلك سُمِّي جامِعَةٌ. وَلَّ على الأيدي هذه الملازَمَةُ المفهومةُ
من هذه الآلةِ أعني الغِلَّ. وإليه ذهب الطبري(١). إلَّ أنَّ الزمخشريَّ(٢) قال:
((جعل الإِقْماحَ نتيجةَ قولِه: ((فهي إلى الأذقان)) ولو كان(٣) للأيدي لم يكن
معنى التَّسَبُّبِ في الإِقماحِ ظاهراً. على أنَّ هذا الإِضمارَ فيه ضَرْبٌ من التعسُّفِ
وتَرْكِ الظاهر)». /
[٧٤٠/ب]
وللناس في هذا الكلامِ قولان، أحدهما: أنَّ جَعْلَ الأغلالِ حقيقةٌ.
والثاني: أنه استعارةٌ. وعلى كلٍّ من القولين جماعةٌ من الصحابة والتابعين.
وقال الزمخشري (٤): (مَثَّل تصميمَهم على الكفر، وأنه لا سبيلَ إلى ارْعوائِهم
بأنْ جَعَلَهم كالمَغْلُوْلِينِ المُقْمَجِيْن في أنهم لا يَلْتَفِتون إلى الحق ولا يَعْطِفُون
أعناقهم نحوَه، ولا يُطَأْطِئُون رؤوسَهم له وكالحاصلين بين سَدِّيْن لا يُبْصِرون
ما قُدَّامَهم وما خَلْفَهم في أَنْ لا تأمُّلَ لهم ولا تَبَصُّرَ، وأنهم مُتَعامُوْن عن
آياتِ الله)). وقال غيره(٥): «هذه استعارةٌ لمَنْعِ اللَّهِ إياهم مِن الإِيمانِ وحَوْلِه
بينهم وبينه)). قال ابن عطية (٦): ((وهذا أَرْجَحُ الأقوالِ؛ لأنه تعالى لَّمَّا ذَكَرَ أنهم
(١) تفسير الطبري ١٥٠/٢٢ - ١٥١.
(٢) الكشاف ٣١٦/٣.
(٣) أي الضمير.
(٤) الكشاف ٣١٥/٣.
(٥) انظر: البحر ٣٢٤/٧.
(٦) المحرر ١٨٩/١٣ في تعليقه على القول السابق.
٢٤٧

- يس =
لا يُؤْمِنون لِما(١) سَبَقَ لهم في الأَزَلِ عَقَّبَ ذلك بأنْ جَعَلَ لهم من المُنْعِ
وإحاطةِ الشقاوةِ ما حالُهم معه حالُ المَغْلُوْلين)) انتهى. وتقدَّم تفسيرُ الأذقان(٢) .
قوله: ((فهم مُقْمَحُوْن)) هذه الفاءُ لأحسنٍ ترتيبٍ؛ لأنه لَمَّا وَصَلَتِ الأغلالُ
إلى الأَذْقَان لِعَرْضِها لَزِم عن ذلك ارتفاعُ رؤوسِهم إلى فوقُ، أو لَمَّا جُمِعَتْ
الأيدي إلى الأَذْقان وصارت تحتَها لَزِمٍ مِنْ ذلك رَفْعُها إلى فوقُ، فترتفعُ
رؤوسُهم. والإِقْماح: رَفْعُ الرأسِ إلى فوقُ كالإِقناع، وهو مِنْ قَمَحَ البعيرُ رَأْسَه
إذا رفَعُها بعد الشُّرْبِ : إمَّا لبرودةِ الماءِ وإمَّا لكراهةِ طَعْمِهِ قُموحاً وقِماحاً بكسرٍ
القافِ وضمِّها. وأَقْمَحْتُه أنا إقماحاً والجمع قِماح وأنشد(٣):
٣٧٧٥- ونحن على جوانبِها قُعـودٌ
نَغُضُّ الطَّرْفَ كالإِبِلِ القِماحِ
يصفُ نفسَه وجماعةً كانوا في سفينة فأصابهم المَيْدُ. قالَ الزجاج(٤):
((قيل للكانونَيْنِ شَهْرا قُماح؛ لأنَّ الإِبِلَ إذا وَرَدَتِ الماءَ رَفَعَتْ رؤوسَها لشدَّةِ
البردِ))(٥). وأنشد أبو زيد للهذلي(٦):
٣٧٧٦- فَتّىَّ ما ابنُ الأَغَرِّ إذا شَتَوْنا
وحُبَّ السزادُ في شَهْرَيْ قُماحِ
(١) المحرر: بما.
(٢) انظر: الدر المصونُ ٤٢٨/٧.
(٣) البيت لبشر بن أبي خازم وهو في اللسان (قمح)، ومجاز القرآن ١٥٧/٢،
والقرطبي ٨/١٥، وتفسير الماوردي ٣٨٤/٣.
(٤) معاني القرآن ٢٧٩/٤ .
(٥) الزجاج: ((برده).
(٦) البيت لمالك بن خالد الهذلي وهو في ديوان الهذليين ٥/٣، واللسان (قمح).
٢٤٨

- بس -
كذا رَواه بضمِّ القافِ، وابن السكيت بكسرِها. وهما لغتان في المصدر
كما تقدَّمَ. وقال الليث: القُموح: رَفْعُ البعيرِ رَأْسَه إذا شَرِبَ الماءَ الكريه ثم
يعودُ. وقال أبو عبيدة (١): ((إذا رَفَعَ رأسَه عن الحوض، ولم يشرَبْ)) والمشهورُ
أنه رَفْعُ الرأسِ إلى السماء كما تقدَّمَ تحريرُه. وقال الحسن(٢): ((القامِحُ:
الطامِحُ ببصرِه إلى مَوْضِعِ قَدَمِه)) وهذا يَنْبُو عنه اللفظُ والمعنى. وزاد بعضُهم
مَعَ رَفْعِ الرأس غَضَّ البصرِ مُسْتَدِلاً بالبيتِ المتقدم:
نَغُضُّ الطَّرْفَ كالإِبِلِ القِماحِ
وزاد مجاهدٌ مع ذلك وَضْعَ اليدِ على الفم. وسأل الناسُ أميرَ المؤمنين
علياً كرَّم اللَّهُ وجهَه عن هذه الآيةِ فجعل يديه تحت لِحْيِيْه وَرَفَعَ رأسَه ولعَمْري
إِنَّ هذه الكيفيةَ تُرَجِّح قولَ الطبريِّ في عَوْدِ ((فهي)) على الأيدي.
آ. (٩) قوله: ﴿وجَعَلْنا مِنْ بين أيديهم سَدًّاً﴾: تقدَّم خلافُ
القُرَّاء في فتح السين وضمِّها والفرقُ بينهما، مستوفى في آخر الكهف(٣).
قوله: ((فأَغْشَيْناهم) العامَّةُ على الغين المعجمة أي: غَطِيْنا أبصارَهم فهو
على خَذْفِ مضافٍ. وابن عباس(٤) وعمر بن عبد العزيز والحسن وابن يعمر
وأبو رجاء في آخرين بالعين المهملة، وهو ضَعْفُ البصَرِ. يُقال: عَشِي بَصَرُه
وأَعْشَيْتُه أنا، وقوله تعالى هذا يحتمل الحقيقةَ والاستعارةَ كما تقدَّم .
(١) عبارته في مجاز القرآن ١٥٧/٢: ((يجذب الذَّقَن حتى يصير في الصدر ثم يرفع
رأسه)».
(٢) انظر: البحر ٣٢٥/٧.
(٣) انظر: الدر المصون ٥٤٤/٧.
(٤) المحتسب ٢٠٤/٢، والبحر ٣٢٥/٧، والقرطبي ١٠/١٥.
٢٤٩

.- يس-
آ. (١٠) وقوله: ﴿وسواءٌ عليهم﴾: تقدَّم تحريرُه أولّ
البقرةٍ(١).
آ. (١٢) قوله: ﴿ونكتُبُ﴾: العامَّةُ على بنائه للفاعل، فيكونُ
(ما قَدَّموا)) مفعولاً به، و ((آثارهم)) عطفٌ عليه. وزر (٢) ومسروق مبنياً للمفعول،
و((آثارُهم)) بالرفعِ، عَطفُ على ((ما قَدَّموا)) لقيامِه مَقَامَ الفاعل.
قوله: ((وكلَّ شيءٍ أَحْصَيْناه)» العامَّةُ على نصبِه على الاشتغالِ.
وأبو السَّمَّال(٣) قرأه مرفوعاً بالابتداءِ. والأرجحُ قراءةُ العامَّةِ لعطفٍ جملةٍ
الاشتغالِ على جملةٍ فعلية. وقد تقدَّم الكلامُ على نحو ((واضْرِبْ لهم مَثَلاً» في
البقرة(٤)، والنحل(٥)
آ. (١٣) و: ﴿إِذ جاءها﴾: بدلُ اشتمالٍ تقدَّم نظيرُه(٦).
و ((إِذْ أَرْسَلْنا)) بدلٌ من ((إذ)) الأولى.
آ. (١٤) قوله: ﴿فَعَزَّزْنا﴾: قرأ(٧) / أبو بكر بتخفيف الزاي
[٧٤١/أ]
(١) انظر: الدر المصون ١٠٥/١.
(٢) البحر ٣٢٥/٧. وزر بن حبيش الأسدي الكوفي عرض على عبد الله بن مسعود
وعثمان وعلي رضي الله عنهم، وعرض عليه عاصم. توفي سنة ٨٢. انظر: طبقات
القراء ٢٩٤/١.
(٣) البحر ٣٢٥/٧.
(٤) انظر: الدر المصون ٢٢٣/١.
(٥) ورد ضرب المثل في النحل، آية ٧٤، ولكن المؤلف لم يشر إليها.
(٦) انظر: الدر المصون ٥٧٦/٧.
(٧) السبعة ٥٣٩، والنشر ٣٥٣/٢، والقرطبي ١٤/١٥، والحجة ٥٩٧، والبحر
٣٢٦/٧، والتيسير ١٨٣.
٢٥٠

- يس -
بمعنى غَلَّبْنا، ومنه قولُه: ((وعَزَّني في الخِطاب))(١). ومنه قولُهم: ((مَنْ عَزَّ بَّ)(٢)
أي صار له بَزّ. والباقون بالتشديد بمعنى قَوَّيْنا. يقال: عزِّز المطرُ الأرضَ أي:
قَوَّاها ولِبِّدها. ويُقال لتلك الأرضِ: العَزازُ، وكذا كلُّ أرضٍ صُلْبةٍ. وتَعَزَّزَ
لحمُ الناقةِ أي: صَلُبَ وقَوِيَ. وعلى كلتا القراءتَيْن المفعولُ محذوفٌ أي:
فَقَوِّيناهما بثالثٍ أو فَغَلَّبْناهما بثالث.
وقرأ(٣) عبد الله ((بالثالث)) بألف ولام.
قوله: ((إِنَّا إليكم مُرْسَلون)) جَرَّد خبرَ ((إنَّ)) هذه من لام التوكيد، وأَدْخَلها
في خبر الثانيةِ (٤)، لأَنَّهم في الأولى استعملوا مجرَّدَ الإِنكارِ فقابلَتْهم الرسُلُ
بتوكيدٍ واحدٍ وهو الإِتيانُ بـ((إنَّ))، وفي الثانيةِ بالمبالغة في الإِنكار فقابَلَتّهم
بزيادة التوكيدِ فأتّوْا بـ إنّ وباللام.
قال أهل البيان: الأخبارُ ثلاثةُ أقسامٍ : ابتدائيّ وطلبيُّ وإنكاريٍّ، فالأولُ
يُقال لمن لم يتردّدْ في نسبةِ أحدِ الطرفين إلى الآخر نحو: زيد عارفٌ، والثاني
لِمَنْ هو متردّدٌ في ذلك، طالِبٌ له منكِرُ له بعضَ إنكارٍ، فيقال له: إنَّ زيداً
عارِفٌ، والثالثُ لِمَنْ يبالِغُ في إنكارِهِ، فيُقال له: إنَّ زيداً لعارِفٌ. ومِنْ أحسن
ما يُحْكى أن رجلاً جاء إلى أبي العباس الكِنْدِيِّ فقال: إني أجدُ في كلامِ
العربِ حَشْواً قال: وما ذاك؟ قال: يقولون: زيدٌ قائمٌ، وإنَّ زيداً قائمٌ، وإنَّ زيداً
لَقائمٌ. فقال: ((كلا بل المعاني مختلفةً، فزيد(٥) قائمٌ إخبارٌ بقيامِه، وإنَّ زيداً
(١) الآية ٢٣ من ص.
(٢) مجمع الأمثال ٣٠٧/٢، جمهرة الأمثال ٢٢٦/٢.
(٣) البحر ٣٢٦/٧ - ٣٢٧.
(٤) في الآية ١٦ .
(٥) في الأصل فعبد الله وهو سهو، والتصحيح من (ش).
٢٥١

- يس -
قائمٌ جوابٌ لسؤالٍ سائلٍ، وإنَّ زيداً لَقائمٌ جوابٌ عن إنكارٍ مُنْكٍِ)). قلت: هذا
هو الكنديُّ الذي سُئل أن يعارِضَ القرآنَ ففتح المصحفَ فرأى سورةً المائدةِ
فكعَّ(١) عن ذلك. والحكايةُ ذكرتُها أولَ المائدة.
وقال الشيخ (٢): ((وجاء أولاً ((مُرْسَلون)) بغير لام؛ لأنه ابتداءُ إخبارٍ
فلا یحتاجُ إلى توکیدٍ، وبعد المحاورة (لَمُرْسَلون)» بلام التوكيد؛ لأنه جواب
عن إنكار)) وهذا قصورٌ عن فَهْم ما قاله أهلُ البيان، فإنه جَعَلَ المقام الثاني وهو
الطلبيُّ مكانَ المقامِ الأولِ ، وهو الابتدائيُّ.
آ. (١٩) قوله: ﴿طائِرُكم﴾: العامَّةُ على ((طائر)» اسمَ فاعل أي:
ما طارَ لكم من الخيرِ والشّرِّ فعبّر عن الحَظِّ والنصيب. وقرأ(٣) الحسن - فيما
رَوَىُ عنه الزمخشري(٤) - ((اطَُّرُكم)) مصدرُ اطِّيَّر الذي أصلُه تطَّر فلمَّا أُرِيْدَ
إدغامُه أُبْدِلَتِ التاءُ طاءً، وسُكِّنَتْ واْتُلِيَتْ همزةُ الوصلِ فصار اطِّرَ فيكون
مصدره اطَّيُّرَاً. ولَمّا ذكر الشيخ(٥) هذا لم يَرُدَّ عليه، وكان هو في بعض ما رَدَّ به
على ابن مالك في ((شرح التسهيل)) في باب المصادر قال: ((إن مصدرَ تَطَيّر
وتدارَأ إذا أدغما وصاراً اطَّيَّرَ وادَّاراً لا يجيءُ مصدرُهما عليهما بل على أصلهما
فيقال: اطّر تَطَيُّراً، وأَدَّاراً تدارُؤاً، ولكنَّ هذه القراءةَ تَرُدُّه إنْ صَحَّتْ وهو بعيدٌ.
وقد رَوَىْ غيرُه عنه (٦) (طَيْرُكم)) بياء ساكنة وَيَغْلِبُ على الظنِّ أنَّها هذه، وإنما
تَصَحَّفَتْ على الرائي فَحَسِبها مصدراً، وظنَّ أنَّ ألف ((قالوا)) همزةُ وَصْلٍ .
(١) كَعَّ: ضَعُف وجَبُنَ
(٢) البحر ٣٢٧/٧.
انظر في قراءاتها: الإتحاف ٣٩٨/٢، والقرطبي ١٦/١٥ - ١٧، والبحر ٣٢٧/٧.
(٣)
(٤)
الكشاف ٣١٨/٣.
(٥) البحر ٣٢٧/٧.
(٦) أي عن الحسن كما في الإتحاف.
٢٥٢

- يس -
قوله: ((أإِنْ ذُكِّرْتُمْ)) قرأ(١) السبعةُ بهمزةٍ استفهام بعدها ((إِنْ)) الشرطيةُ،
وهم على ما عَرَفْتَ مِنْ أصولهم: من التسهيلِ والتحقيق وإدخالِ ألفٍ بين
الهمزتين وعدمِه في سورة البقرة(٢). واختلف سيبويهِ(٣) ويونسُ إذ اجتمع
استفهامٌ وشرطٌ أيُّهما يُجابُ؟ فذهبَ سيبويهِ إلى إجابةِ الاستفهام، ويونسُ إلى
إجابة الشرطِ، فالتقديرُ عند سيبويهِ: ((أإن ذُكِّرْتُمْ تتطيّرون)) وعند يونسَ ((تطيِّرُوا))
مجزوماً، فالجوابُ للشرطِ على القولين محذوفٌ. وقد تقدَّم هذا في سورة
الأنبياء(٤).
وقرأ أبو جعفر وطلحة وزرَّ بهمزتين مفتوحتين إلَّ أن زرَّاً لم يُسَهِّلَ الثانيةَ
كقوله(٥) :
٣٧٧٧- أإِنْ كُنْتَ داودَ بنَ أحوی مُرَجَّلاً
فلستَ براعٍ لابنِ عَمِّك مَحْرَما
ورُوي عن أبي عمروٍ وزرٍّ أيضاً كذلك، إلاّ أنهما فَصَلا بألفٍ بين
الهمزتين. وقرأ الماجشون بهمزةٍ واحدةٍ مفتوحة. وتخريجُ هذه القراءاتِ
الثلاثِ على حَذْفِ لامِ العلةِ أي: ألَئِنْ ذُكِّرْتم تطيِّرْتُمْ، فـ تَطَيِّرْتُمْ هو المعلولُ،
وأنْ ذُكِّرتم علتُه، والاستفهامُ منسَجِبٌ عليهما في قراءةِ الاستفهامِ وفي غيرِها
یکونُ إخباراً بذلك.
(١) انظر في قراءاتها: السبعة ٥٤٤، والنشر ٣٦٩/١، والقرطبي ١٦/١٥، والبحر
٣٢٧/٧، والمحتسب ١٠٥/٢، والإتحاف ٣٩٨/٢.
(٢) انظر: الدر المصون ١١٠/١.
(٣) التحقيق في المسألة يوجب عكس ما ذكره المؤلف، فمذهب سيبويه إجابة الشرط.
انظر: الكتاب ٤٤٤/١، والدر المصون الورقة ٦٢٩ ب.
(٤) انظر: الورقة ٦٢٩ ب.
(٥) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ٣٢٧/٧، والمحرر ١٩٤/١٣ وسقطت الألف من
((داود)) من الأصل فيضطرب الوزن.
٢٥٣

ديس =
وقرأ الحسن بهمزةٍ واحدةٍ مكسورة وهي شرطٌ من غير استفهامٍ ، وجوابُه
محذوفٌ أيضاً.
[٧٤١/ب]
وقرأ الأعمشُ والهمدانيُّ (١) ((أَيْنَ)) بصيغةِ الظرفِ. وهي ((أين))/
الشرطيةُ، وجوابُها محذوفٌ عند جمهور البصريين أي: أين ذُكرتم فطائرُكم
معكم، أو صَحِبَكم طائرُكم، لدلالةِ ما تقدَّم مِنْ قولِه ((طائرُكُمْ معكم)) وَمَنْ
یُجوِّزُ تقدیم الجوابِ لا يَحْتاج إلی حَذْفٍ.
وقرأ(٢) الحسن وأبو جعفر وأبو رجاء والأصمعيُّ عن نافع ((ذُكِرْتُمْ))
بتخفيف الكاف.
آ. (٢١) قوله: ﴿مَنْ لا يَسْأَلُكم أجراً﴾: بدلٌ من
(المرسلين)) بإعادة العامل، إلَّ أنَّ الشيخَ(٣) قال: ((النحاةُ لا يقولون ذلك إلاّ إذا
كان العاملُ حرف جر(٤)، وإلَّ فلا يُسَمُّونه بدلاً بل تابعاً)) وكأنه يريد التوكيدَ
اللفظيَّ بالنسبة إلى العامل.
آ. (٢٢) قوله: ﴿وما ليَ لا أعبدُ﴾: أصلُ الكلامِ: ((ومالكم
لا تعبدون)» ولكنه صَرَفَ الكلامَ عنهم، ليكون الكلامُ أسرعَ قبولاً ولذلك جاء
قوله ((وإلیه تُرجعون)) دون ((وإلیه أرجعُ)).
(١) عيسى بن عمر أبو عمر الهمداني الكوفي أخذ عن الأعمش وطلحة وتلا عليه
الكسائي، ثقة توفي سنة ١٥٦. سير الأعلام ١٩٩/٧ .
(٢) الإتحاف ٣٩٨/٢، والبحر ٣٢٨/٧، والقرطبي ١٧/١٥، والمحتسب ٢٠٥/٢،
والنشر ٣٥٣/٢.
(٣) البحر ٣٢٨/٧.
(٤) نحو قوله تعالى: ((لَجَعَلْنَا لِمَنْ يكفرُ بالرحمنِ لبيوتهم).
٢٥٤

- يس =
آ. (٢٣) قوله: ﴿أأتخذُ﴾: مبنيٌّ على كلامِه الأول، وهذه
الطريقةُ أحسنُ من ادِّعاءِ الالتفاتِ.
قوله: ((مِنْ دونِه)) يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بـ ((أتخذُ)) على أنها متعديةٌ لواحدٍ وهو
((آلهةً)»، ويجوزُ أَنْ يكونَ متعلقاً بمحذوف على أنه حالٌ مِنْ ((آلهةً)»، وأنْ يكونَ
مفعولاً ثانياً قُدِّمَ على أنها المتعديةُ لاثنين.
قوله: ((إِنْ يُرِدْنِيْ)) شَرْطٌ، جوابُه ((لا تُغْنِ عني))، والجملةُ الشرطيةُ في
محلِّ نصبٍ صفةً لـ آلهةً. وفتح طلحة السلماني(١) - وقيل(٢): طلحةٌ
ابنُ مصرُّفٍ - ياء المتكلم. قال الزمخشري(٣): ((وقُرِىء ((إنْ يُرِدْني الرحمنُ
بضُرِّ) بمعنى: إِنْ يُوْردني ضَرَّاء، أي يجعله مَوْرِداً للضُرِّ). قال الشيخُ(٤):
(وهذا ــ واللَّهُ أعلم - رأى في كتب القراءات بفتح الياءِ فتوهمَّ أنها ياءُ
المضارعة فجعل الفعلَ متعدِّياً بالياء المعدِّية كالهمزةِ، فلذلك أَدْخَلَ همزةً
التعديةِ فنصَبَ به اثنين، والذي في كتبِ القراءات الشواذ أنها ياءُ الإِضافةِ
المحذوفةُ خَطَّاً ونطقاً لالتقاء الساكنين)). قلت: وهذا رجلٌ ثقةٌ قد نَقَل هذه
القراءةَ فَتُقْبل منه.
آ. (٢٥) قوله: ﴿فَاسْمعونٍ﴾: العامَّةُ على كسر النون، وهي
نونُ الوقايةِ حُذِفَتْ بعدها ياءُ الإِضافةِ مُجْتَزَاً عنها بكسرةِ النونِ، وهي اللغةُ
العاليةُ .
(١) انظر في قراءاتها: النشر ٣٥٦/٢، والإتحاف ٣٩٩/٢، والبحر ٣٢٩/٧، والشواذ
١٢٥، والمحرر ١٩٦/١٣.
(٢) في البحر طلحة السمان، وكذا في المحرر، وفي الشواذ طلحة بن مصرف. وقال
في البحر: ورويت عن نافع وعاصم وأبي عمرو. ونسب في الإتحاف فتحها وصلاً
إلى أبي جعفر . ولعله طلحة بن سليمان السمان الذي تقدمت ترجمته .
(٣) الكشاف ٣١٩/٣.
(٤) البحر ٣٢٩/٧.
٢٥٥

- يس . =
وقرأ(١) عصمة عن عاصمٍ بفتحِها، وليسَتْ هذه إلاَّ غَلَطاً على عاصم،
إذ لا وجهَ. وقد وقع لابنٍ عطيةً وهمّ فاحشٌّ في ذلك فقال(٢): ((وقرأ الجمهورُ
(( فاسمعونَ)) بفتح النون، قال أبو حاتم: هذا خطأً، فلا يجوزُ لأنه أمْرٌ: فإمَّا
حَذْفُ النون، وإمَّا كَسْرُها على جهةِ الياءِ)» يعني ياءَ المتكلم، وقد يكونُ قولُه
((الجمهور)) سَبْقَ قَلَمٍ منه أو من النُّسَّاخِ وكأنَّ الأصلَ: ((وقرأ غيرُ الجمهور))
فسقط لفظةُ ((غير)). وقال ابن عطية(٣): ((حُذِفَ من الكلام ما تواتّرَتِ الأخبارُ
والرواياتُ به وهو أنهم قَتَلوه فقيل له عند مَوْتِه: ادْخُلِ الجنةَ)).
آ. (٢٧) قوله: ﴿بما غَفّر لي﴾: يجوز في ((ما)) هذه ثلاثةُ أوجهٍ،
أحدها: المصدريةُ أي: يعلمون بغُقْرانِ ربي. والثاني: أنها بمعنى الذي،
والعائدُ محذوفٌ، أي: بالذي غَفَرَه لي ربي. واسْتُضعِفَ هذا: من حيثُ إنه
يَبْقى معناه أنه تمنى أَنْ يعلمَ قومُه بذنوبِه المغفورةِ. وليس المعنى على ذلك،
إنما المعنى على تَمَنِّي عِلْمِهِم بغفرانِ رَبِّه ذنوبَه. والثالث: أنها استفهاميةٌ،
وإليه ذهب الفراء(٤)، ورَدَّه الكسائيُّ: بأنه كان ينبغي حَذْفُ ألفِها لكونِها
مجرورةً وهو رَدٌّ صحيحٌ. وقال الزمخشري (٥): ((الأجودُ طَرْحُ الألفِ))(٦)
(١) البحر ٣٢٩/٧: ((فاسمعونَ)).
(٢) نص المحرر ١٩٦/١٣: ((وقرأ الجمهور بكسر النون على نية الياء بعدها. وروى
أبو بكر عن عاصم فاسمعون بفتح النون ... )).
(٣) المحرر ١٣ /١٩٦ .
(٤) معاني القرآن له ٣٧٤/٢ ثم قال: ((وقد أتمَّها الشاعر وهي استفهام فقال:
إِنَّا قتلنا بقتلانا سرائّكُمُ
(٥) الكشاف ٣٢٠/٣ ..
(٦) ثم قال: ((وإن كان إثباتها جائزاً)).
أهلَ اللواء ففيما يكثرُ القِيلُ
٢٥٦

- يس =
والمشهورُ مِنْ مذهبِ البصريين وجوبُ حَذْفٍ ألفِها كقوله(١):
٣٧٧٨- عَلامَ تقولُ الرُّمْحَ يُثْقِلُ عاتقي
إذا أنا لم أَطْعَنْ إذا الخيلُ كَرَّتٍ
إلاّ في ضرورةٍ، كقولِ الآخر(٢):
٣٧٧٩ - على ما قام يَشْتِمُنِي لَئِيمٌ
كخِنْزيرٍ تَمَرَّغَ فِي رَمادِ
وقُرِىءٍ(٣) (من المُكَرِّمين)) بتشديدِ الراء.
آ. (٢٨) قوله: ﴿وما كُتّا مُنْزِلِين﴾: في ((ما)» هذه ثلاثةُ أوجهٍ،
أحدها: أنها نافيةٌ كالتي قبلَها فتكون الجملةُ الثانيةُ جاريةً مَجْرى التأكيد
للأولى. والثاني: أنها مزيدةٌ. قال أبو البقاء (٤): ((أي: وقد كنَّا مُنْزِلِين)). وهذا
لا يجوزُ البتةَ لفسادِه لفظاً ومعنىَّ. الثالث: أنها اسمٌ معطوفُ على ((جند)). قال
ابن عطية(٥): ((أي: مِنْ جندٍ ومن الذي كنَّا مُنْزِلِين)». ورَدَّه الشيخُ(٦): بأنَّ ((مِنْ))
مزيدةٌ. وهذا التقديرُ يُؤدِّي إلى زيادتِها في الموجَبِ جارَّةٌ لمعرفةٍ، ومذهبُ
البصريين - غيرَ الأخفشِ - أن يكونَ الكلامُ غيرَ موجَبٍ، وأَنْ يكونَ المجرورُ
(١) البيت لعمرو بن معد يكرب، وهو في المغني ١٩١، والعيني ٤٣٦/٢، والهمع
١٥٧/١، والدرر ١٣٩/١.
-٠٠
(٢) تقدم برقم ٦١٦.
القرطبي ٢٠/١٥، والبحر ٣٣٠/٧.
(٣)
(٤)
الإملاء ٢٠٢/٢.
(٥) المحرر ١٩٧/١٣.
(٦) البحر ٣٣٢/٧.
٢٥٧

- يس =
[٧٤٢/ أ] نكرةً(١). قلت: فالذي يُنْبغي عند مَنْ يقولُ بذلك أَنْ يُقَدِّرَها / بنكرةٍ أي: ومِنْ
عذابٍ كنا مُنْزِلِيه. والجملةُ بعدها صفةٌ لها. وأمَّا قولُه: إنَّ هذا التقديرَ يؤدِّي
إلى زيادتها في الموجّبِ فليس بصحيحٍ البتةً. وتَعَجِّبْتُ كيف يُلْزِمُ ذلك(٢)؟
آ. (٢٩) قوله: ﴿إِنْ كانَتْ إلَّ صيحةً﴾: العامّةُ على النصبِ
على أنَّ((كان)) ناقصةٌ. واسمُها ضميرُ الأُخْذَةِ، لدلالةِ السياقِ عليها. و ((صيحةً))
خبرُها. وقرأ(٣) أبو جعفر وشيبةُ ومعاذّ القارىءُ برفعِها، على أنها التامةُ أي: وقع
وحَدَثَ وكان ينبغي أَنْ لا تلْحق تاءُ التأنيث للفصلِ بـ (إلّ)) بل الواجبُ في غير
نُدورٍ واضطرارٍ حَذْفُ التاءِ نحو: «ما قام إلاّ هند)» وقد شَذَّ الحسنُ وجماعةٌ
فقرؤوا ((لاتُرَى إلَّ مساكنُهم))(٤) كما سأبيِّنه في موضعه إن شاء الله وقال
الشاعر(٥) :
٣٧٨٠-
وما بَقِيَتْ إلَّ الضُّلوعُ الجرائِعُ
وقال آخرٍ (٦):
(١) ثم قال: ((لا يجوز: ما ضربت من رجلٍ ولا زيدٍ، ولا من زيد، وهو قدر المعطوف
بالذي، وهو معرفة، فلا يعطف على النكرة المجرورة بـ من الزائدة)).
(٢) لأن ابن عطية نفسه قدَّر هذه المعرفة ولم يقدر المعطوف بنكرة، كما صنع السمين،
فاعتراض أبي حیان له وجه .
(٣) الإتحاف ٣٩٩/٢، والنشر ٣٥٣/٢، والبحر ٣٣٢/٧، والقرطبي ٢١/١٥؛
والمحتسب ٢٠٦/٢ .
(٤) الآية ٢٥ من الأحقاف. وانظر: القرطبي ٢٠٦/١٦، والمحتسب ٢٦٥/٢.
(٥) تقدم برقم ٣٤٣٣.
(٦) لم أهتد إلى قائله، وهو في العيني ٤٧١/٢، وشرح التصريح ٢٧٩/١، والهمع
١٧١/٢، والدرر ٢٢٦/٢.
٢٥٨

- يس -
٣٧٨١ - ما بَرِثَتْ مِنْ رِيْبَةٍ وَذَمِّ
في حَرْبِنا إلاّ بناتُ العَمِّ
آ. (٣٠) قوله: ﴿يَا حَسْرَةً﴾: العامَّةُ على نصبها. وفيه وجهان،
أحدهما: أنها منصوبةٌ على المصدرِ، والمنادى محذوف تقديره: يا هؤلاء
تَحَسَّروا حسرةً. والثاني: أنها منونةٌ لأنها منادى منكورٌ(١) فنُصِبت على أصلها
کقوله(٢):
٣٧٨٢- أيا راكباً إِمَّا عَرَضْتَ فبَلِّغَنْ
نداماي مِنْ نّجْرانَ أنْ لا تَلاقِيا
ومعنى النداءِ هنا على المجازِ، كأنه قيل: هذا أوانُكِ فاحْضُرِي. وقرأ(٣)
قتادةُ وأُبَيُّ في أحدٍ وجهَيْهِ ((يا حَسْرَةٌ)) بالضم، جعلها مُقْبِلاً عليها، وأُبَيِّ أيضاً
وابن عباس وعلي بن الحسين ((يا حَسْرَةَ العبادِ)» بالإِضافة. فيجوزُ أَنْ تكونَ
الحَسْرةُ مصدراً مضافاً لفاعلِه أي: يتحسَّرون على غيرهم لِما يَرَوْنَ مِنْ
عذابهم، وأَنْ يكونَ مضافاً لمفعوله أي: يَتَحَسَّر عليهم غيرُهم. وقرأ
أبو الزّناد (٤) وابن هرمز. وابن جندب ((يا حَسْرَهْ)) بالهاءِ المبدلةِ مِنْ تاء التأنيث
وَصْلاً، وكأنَّهم أَجْرَوْا الوصلَ مُجْرِى الوقفِ وله نظائرُ مَرَّتْ. وقال صاحب
(١) وهو النكرة غير المقصودة.
(٢) تقدم برقم ٣٥٢.
(٣) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٤٠٠/٢، والقرطبي ٢٤/١٥، والبحر ٣٣٤/٧،
والمحتسب ٢٠٧/٢، والشواذ ١٢٥.
(٤) عبد الله بن ذكوان الحافظ أبو عبد الرحمن القرشي المدني حدَّث عن أنس
ابن مالك، وحدَّث عنه ابنه عبد الرحمن، وثّقه أحمد وابن معين. توفي سنة ١٣٠.
انظر: سير الأعلام ٤٤٥/٥ .
٢٥٩

- يس -
(اللوامح))(١): ((وقفوا بالهاء مبالغةً في التحسُّر، لِما في الهاءِ من التَّأَهُّنه بمعنى
التأوُّه، ثم وصلوا على تلك الحال)). وقرأ ابن عباس أيضاً((يا حَسْرَةَ)) بفتح التاء
من غير تنوين. ووجْهُها أنَّ الأصل: يا حَسْرتا فاجْتُزِىء بالفتحة عن الألف كما
اجتزِىءُ بالكسرةِ عن الياء. ومنه(٢):
٣٧٨٣- ولَسْتُ براجعٍ ما فاتَ مِنِّي
بَلَهْفَ ولا بلَيْتَ ولا لو آني
أي: بلهفا بمعنى لَهْفي .
وقُرىء ((يا حَسْرتا)) بالألف كالتي في الزمر(٣)، وهي شاهدةٌ لقراءةٍ
ابنِ عباس، وتكون التاءُ لله تعالى، وذلك على سبيل المجاز دلالةً على فَرْطِ
هذه الحَسْرةِ. وإلّ فاللَّهُ تعالى لا يُوْصَفُ بذلك.
قوله: ((ما يَأْتِيْهم)) هذه الجملةُ لا مَحَلَّ لها؛ لأنَّها مُفَسِّرةٌ لسبب الحسرةِ
علیهم.
قوله: ((إلاَّ كانوا)) جملةٌ حاليةٌ مِنْ مفعولٍ ((يأتيهم)).
آ. (٣١) قوله: ﴿كم أهلكنا﴾: ((كم)) هنا خبرِيةٌ فهي مفعولٌ
بـ ((أَهْلكنا)) تقديرُه: كثيراً من القرونِ أهلَكْنا. وهي معلِّقَةٌ لـ ((يَرَوْا)) ذهاباً
بالخبريَّة مذهبَ الاستفهاميةِ. وقيل: بل ((يَرَوْ)) عِلْمية، و ((كم)) استفهاميةٌ كما
سیأتی بیانُه.
و((أنهم إليه لا يُرْجِعون)) فيه أوجهُ، أحدُها: أنه بدلٌ مِنْ ((كم)) قال
(١) انظر: البحر ٣٣٢/٧.
(٢) تقدم برقم ٤٦٨.
(٣) الآية ٥٦ ((يا حسرتا على ما فرَّظْتُ)).
٢٦٠