النص المفهرس
صفحات 221-240
- فاطر - لولا أنَّ المعنَى يَأْباه)). ورَدَّه الشيخُ(١): بأنَّ اللَّهَ عَلَمْ لا جنس فلا يُوْصَفُ به(٢). ورَدْ قولَه: ((إن المعنى يَأْباه)) قال: ((لأنه يكونُ قد أَخْبر عن المشارِ إليه بتلك الصفاتِ والأفعالِ أنَّه مالِكُكُمْ ومُصْلِحُكم)). قوله: ((والذين تَدْعُوْن)) العامَّةُ على الخطاب في ((تَدْعُون)) لقوله: (ربُّكم)). وعيسى(٣) وسلام ويعقوب - وتُرْوى عن أبي عمرٍو - بياءِ الغَيْبة: إمّا على الالتفاتِ، وإمّا على الانتقال إلى الإخبارِ. والفرقُ بينهما: أنه في الالتفاتِ يكون المرادُ بالضميرَيْن واحداً بخلافِ الثاني؛ فإنهما غَيْران. و ((ما يَمْلِكون)» هو خبرُ الموصولِ . و ((مِنْ قِطْمير)) مفعولٌ به، و ((مِنْ)) فيه مزيدةٌ. والقِطْميرُ: المشهورُ فيه أنَّه لُفافَةُ النَّواةِ. وهو مَثَلٌ في القِلَّة، كقوله (٤): ٣٧٦٤- وأبوكَ يَخْصِفُ نَعْلَه مُتَوَرَّكاً ما يَمْلك المِسْكِينُ مِنْ قِطْميرٍ وقيل: هو القُمْعُ. وقيل: ما بين القُمْعِ والنَّواةِ. وقد تقدَّم أنَّ في النّواةِ أربعةَ أشياءَ يُضْرَبُ بها المَثَلُ في القِلَّةِ: الفَتِيلُ، وهو ما في شِقِّ النَّواةِ، والقِطْمِيرُ: وهو اللُّفَافَةُ، والنَّقِيْرُ، وهو ما في ظهرها، والثّفْروقُ، وهو ما بين القُمْع والنَّواة. آ. (١٤) قوله: ﴿بِشِرْكِكُمْ﴾: مصدرٌ مضافٌ لفاعلِه. آ. (١٨) قوله: ﴿وازِرَةٌ﴾: أي: نفسٌ وازِرَةٌ، فحذف الموصوفَ للعِلْم [به]. ومعنى تَزِرُ: تَحْمِلُ أي: لا تحملُ نَفْسٌ حامِلَةٌ حِمْلَ نفسٍ أخرى. (١) البحر ٣٠٥/٧. (٢) ثم قال: ((وليس اسمَ جنس كالرجل فَتُتَخَّلُ فيه الصفةُ)). (٣) النشر ٣٥٢/٢، والإتحاف ٣٩٢/٢، والبحر ٣٥٠/٧، والمحتسب ٤٠٣/٨. (٤) لم أهتد إلى قائله. وهو في البحر ٣٠٥/٧. ٢٢١ - فاطر - قوله: ((وإن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ)) أي: نفسٌ مُثْقَلَةٌ بالذنوب نفساً إلى حِمْلِها. فحذف المفعولَ به للعِلْم به. والعامَّةُ (لا يُحْمَلُ)) مبنياً للمفعولِ و((شيءٌ)) قائمٌ مَقامَ فاعلِه. وأبو السَّمَّالَ(١) وطلحة - وتُرْوى عن الكسائي - بفتح التاءِ مِنْ فوقُ وكسر الميم. أَسْنَدَ الفعلَ إلى ضميرِ النفسِ المحذوفةِ التي جعلها مفعولةً لـ ((تَدْعُ)) أي: لا تَحْمِلِ تلكَ النفسُ المدعوَّةُ. ((شيئاً) مفعولٌ بـ((لا تَحْمِل)». قوله: ((ولو كان ذا قُرْبَى)) [أي: ] ولو كان المَدْعُوُّ ذا قُرْبى. وقيل: التقديرُ: ولو كان الداعِي ذا قُرْبى. والمعنيان حسنان. وقُرِىء(٢) ((ذو)) بالرفعِ، [٧٣٦/ب] على أنها التامَّةُ أي: ولو حَضَرَ / ذو قُرْبى نحو: ((قد كان مِنْ مْر))، ((وإنْ كان ذو عُسْرة))(٣). قال الزمخشري (٤): ((ونَظُمُ الكلامِ أحسن مُلاءمةً للناقصةٍ؛ لأنَّ المعنى: على أنَّ المُثْقَلَةَ إذا دَعَتْ أحداً إلى حِمْلِها لا يُحْمَلُ منه شيءٌ، ولو كان مَدْعُوُّها ذا قُرْبى، وهو مُلْيَئِمٌ. ولو قلت: ولو وُجِد ذو قُرْبى لِخَرَج عن التثامِه)). قال الشيخ(٥): ((وهو مُلْتَئِمٌ على المعنى الذي ذكَرْناه)). قلت: والذي قاله هو ((أي: ولو حَضَرَ إذ ذاك ذُوقربى)) ثم قال: ((وتفسيرُ الزمخشريِّ ((كان)» - وهو مبنيٌّ للفاعل ((يُؤْجَدُ)) وهو مبنيٌّ للمفعول - تفسيرُ معنى، والذي يفسِّر النحويُّ به ((كان)) التامَّةَ هو حَدَث وحَضَر ووقَعَ)) . قوله: بالغَيْب)) حالٌ من الفاعل أي: يَخْشَوْنه غائبين عنه، أو من المفعول أي: غائباً عنهم. قوله: ((ومَنْ تَزَكَّى)) قرأ العامَّةُ ((تَزَكَّى)) تَفَعَّل، ((فإنما يَتَزَكَّى)» يتفعَّل. وعن (١) البحر ٣٠٧/٧. (٢) البحر ٣٠٨/٧، والكشاف ٣٠٥/٣. (٣) الآية ٢٨٠ من البقرة. (٤) الكشاف ٣٠٥/٣. (٥). البحر ٣٠٨/٧. ٢٢٢ - فاطر - أبي عمروٍ (١) (ومَنْ يَزَّكِّىْ)) ((فإنما يَزَّكَّى)، والأصلُ فيهما: يَتَزَكَّى فَأُدْغِمَتْ التاءُ في الزاي. كما أُدْغِمت في الذال نحو: (يَذَّكَّرون)) في ((يتذكَّرُون)) وابنُ مَسْعود وطلحة ((ومَنْ ازَّكَّى)) والأصلُ: تَزَكَّىْ فَأُدْغِمَ باجتلابِ همزةِ الوصلِ، ((فإنما یژگَّى» أصلُه یتزگی فأُدْغِم، کأبي عمروٍ في غیرِ المشهورِ عنه. آ. (١٩) قوله: ﴿وما يَسْتَوي الأعمى والبصيرُ﴾: استوى من الأفعال التي لا يُكْتَفَى فيها بواحدٍ لو قلت: ((استوى زيدٌ)) لم يَصِحَّ، فمِنْ ثَمَّ لّزِمَ العطفُ على الفاعلِ أو تعدُّدُه. آ. (٢٠) و ((لا)) في قوله: ((ولا الظلماتُ)) إلى آخره مكررةٌ لتأكيدِ النفيِ. وقال ابنُ عطية (٢): ((دخولُ ((لا)) إنما هو على نيةِ التَّكْرارِ، كأنه قال: ولا الظلماتُ والنورُ، ولا النورُ والظلماتُ، فاسْتُغْني بذِكْرِ الأوائل عن الثواني، ودَلَّ مذكورُ الكلامِ على مَتْروكِه)). قال الشيخ(٣): ((وهذا غير مُحْتاجٍ إليه؛ لأنه إذا نُفِي اسْتواؤهما أولاً فأيُّ فائدةٍ في نَفْي اسْتوائِهما ثانياً) وهو كلامٌ حَسَنٌ إلَّ أنَّ الشيخَ هنا قال: ((فدخولُ ((لا)) في النفيِ لتأكيدِ معناه، كقوله: ((ولا تَسْتوي الحسنةُ ولا السَّيْئَةُ))(٤). قلت: وللناسِ في هذه الآية قولان، أحدهما: ما ذُكر. الثاني: أنها غيرُ مؤكِّدة؛ إذ يُراد بالحسنةِ الجنسُ، وكذلك ((السيئة)) فكلُّ واحدٍ منهما متفاوتٌ في جنسِه؛ لأنَّ الحسناتِ درجاتٌ متفاوتةً، وكذلك السَّيئاتُ، وسيأتي لك تحقيقُ هذا إنْ شاء اللَّهُ تعالى. فعلى هذا يمكنُ أَنْ يُقالَ بهذا هنا: وهو أنَّ المرادَ نَفْيُ استواءِ الظلماتِ ونَفْيُ استواءِ جنسِ النورِ، إلَّ أنَّ هذا غيرُ (١) البحر من رواية العباس عنه. (٢) المحرر ١٦٧/١٣. (٣) البحر ٣٠٨/٧. (٤) الآية ٣٤ من فصلت. ٢٢٣ - فاطر- مُرادٍ هنا في الظاهر، إذ المرادُ مقابَلَةُ هذه الأجناسِ بعضِها ببعضٍ لا مقابلةٌ بعضٍ أفرادِ كلِّ جنسٍ على حِدَتِه. ويُرَجِّح هذا الظاهرَ التصريحُ بهذا في قوله أولاً: ((وما يَسْتوي الأعمى والبصيرُ)) حيث لم يُكرِّرْها. وهذا من المواضعِ الحسنةِ المفيدة . والحَرُوْرُ: شدةُ حَرِّ الشمس. وقال الزمخشري (١): ((الحَرورُ السَّمُوم، إلَّ أنَّ السَّمومَ بالنهارِ، والحَروِرَ فيه وفي الليل)). قلت: وهذا مذهبُ الفراءِ (٢) وغيرِه. وقيل: السَّمومُ بالنهار، والحَرورُ بالليل خاصةً، نقله ابنُ عطية(٣) عَن رؤبةً. وقال: ((ليس بصحيحٍ، بل الصحيحُ ما قاله الفراء)). وهذا عجيبٌ منه كيف يَرُدُّ على أصحاب اللسانِ بقولٍ مَنْ يأخذُ عنهم؟ وقرأ(٤) الكسائي في روايةِ زاذانَ(٥) عنه ((وما تَسْتَوي الأحياء)» بالتأنيث على معنى الجماعة. وهذه الأشياءُ جِيْءَ بها على سبيلِ الاستعارةِ والتمثيلِ ، فالأعمى والبصيرُ، الكافرُ والمؤمنُ، والظلماتُ والنورُ، الكفرُ والإِيمان، والظل والحَرورُ، الحقُّ والباطِلُ، والأحياء والأمواتُ، لَمَنْ دَخَل في الإِسلامِ ولِمَنْ لم يَدْخل فيه. وجاء ترتيب هذه المنفّيَّاتِ على أحسنِ الوجوهِ، فإنه تعالى لَّمَّا ضَرَبَ الأعمى والبصيرَ مَثَلَيْن للكافرِ والمؤمنِ عَقَّبَه بما كلُّ منها فيه، فالكافرُ في ظلمةٍ، والمؤمنُ في نورٍ؛ لأنَّ البصيرَ وإن كان حديدَ النظرُ لا بُدَّ له مِنْ ضوءٍ (١) الكشاف ٣٠٦/٣. (٢) عبارة الفراء في ((معاني القرآن)) ٣٦٩/٢: ((والحرور: النار)). (٣) المحرر ١٦٧/١٣. (٤) الشواذ ١٢٣، البحر ٣٠٨/٧. (٥) أبو عمرو الكندي المولى، الكوفي البزاز، الضرير وُلد في حياة النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وروى عن عمر وعلي، وعنه عطاء بن السائب، ثقة صادق. توفي سنة ٨٢. انظر: سير الأعلام ٤ /٢٨٠ . ٢٢٤ - فاطر - يُبْصِرُ به، وقَدَّم الأعمى لأنَّ البصيرَ فاصلةٌ فَحَسُنَ تأخيره، ولمَّا تقدَّم الأعمى في الذكر ناسَبَ تقديم ما هو فيه، فلذلك قُدِّمَتِ الظلمةُ على النور، ولأنَّ النورَ فاصلةٌ، ثم ذَكَر ما لكلِّ منهما فللمؤمنِ الظلُّ وللكافرِ الحَرورُ، وأَخَّر الحرورَ لأجلِ الفاصلةِ كما تقدَّم . وقولي ((لأجلِ الفاصلةِ)) هنا وفي غيرِهِ من الأماكنِ أحسنُ مِنْ قولِ بَعْضِهم لأجلِ السَّجْع؛ لأنَّ القرآن يُنَزَّه عن ذلكِ. وقد منع الجمهورُ/ أَنْ يُقال [٧٣٧/ أ] في القرآن سَجْعٌ، وإنما كرَّر الفعلَ في قوله: ((ومايَسْتوي الأحياءُ)) مبالغةً في ذلك؛ لأنَّ المنافاةَ بين الحياةِ والموتِ أتُمُّ من المنافاةِ المتقدمةِ، وقدَّم الإِحياءَ الشرفِ الحياةِ ولم يُعِدْ ((لا)) تأكيداً في قوله: ((الأعمى والبصير)» وكرَّرها في غيره؛ لأنَّ منافاةً ما بعدَه أتمُّ، فإن الشخصَ الواحدَ قد يكونُ بصيراً ثم يصيرُ أَعْمى، فلا منافاةَ إلَّ من حيث الوصفُ بخلافِ الظلِّ والحرورِ، والظلماتِ والنور، فإنها متنافيةٌ أبداً، لا يَجْتمع اثنان منها في محلّ، فالمنافاةُ بين الظلِّ والحرورِ وبين الظلمةِ والنورِ دائمةٌ . فإن قيل: الحياةُ والموتُ بمنزلةِ العمى والبصرِ، فإنَّ الجسمَ قد يكون مُتَّصفاً بالحياةِ ثم يتصفُ بالموت. فالجواب: أنَّ المنافاةَ بينهما أتمُّ من المنافاةِ بين الأعمى والبصيرِ؛ لأنَّ الأعمى والبصيرَ يشتركان في إدراكات كثيرةٍ، ولا كذلكَ الحيُّ والميت، فالمنافاةُ بينهما أتُّ، وأفردَ الأعمى والبصيرَ لأَنَّه قابلَ الجنسَ بالجنسِ ، إذ قد يُؤْجد في أفراد العُمْيان ما يُساوي بعضَ أفرادِ البُصَراءِ كأعمى ذكي له بصيرةٌ يُساوي بصيراً بليداً، فالتفاوتُ بين الجنسين مقطوعٌ به لا بین الأفراد. وجَمَعَ الظلماتِ لأنها عبارةٌ عن الكفرِ والضلالِ ، وطرقُهما كثيرةٌ متشعبةٌ، ووحَّد النورَ لأنه عبارةٌ عن التوحيدِ وهو واحدٌ، فالتفاوتُ بين كلِّ فردٍ مِنْ أفرادٍ الظلمة، وبين هذا الفردِ الواحد. والمعنى: الظلماتُ كلُّها لا تجدُ فيها ٢٢٥ - فاطر - ما يساوي هذا الواحدَ كذا قيل. وعندي أنه ينبغي أَنْ يُقال: إن هذا الجمعَ لا يُساوي هذا الواحدَ فُيُعْلَمُ انتفاءُ مساواةٍ فردٍ منه لهذا الواحدِ بطريقِ الأُوْلِى، وإنما جَمَعَ الأحياء والأمواتَ لأنَّ التفاوتَ بينهما أكثرُ؛ إذ ما من ميتٍ يُساوي في الإِدراك حيّاً، فذكّر أنَّ الأحياءَ لَا يُساوون الأموات سواءً قابَلْتَ الجنسَ بالجنسِ ، أم الفرد بالفرد. آ. (٢٤) قوله: ﴿بالحق﴾: يجوزُ فيه أوجهُ، أحدُها: أنه حالٌ من الفاعلِ أي: أَرْسلناك مُحِقِين، أو من المفعولِ أي: مُحِقًّا، أو نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ أي: إرسالاً مُلْتَبِساً بالحق، أو متعلقٌ بـ بشير ونذير. قال الزمخشري(١): ((على: بشيراً بالوعدِ الحقِّ، ونذيراً بالوعيد الحق)) قال الشيخ(٢): ((ولا يمكن أَنْ يتعلَّقَ ((بالحق)) هذا بـ((بشير ونذير)) معاً، بل ينبغي أَنْ يُتَأَوَّل كلامُه على أنه أراد أنَّ ثَمَّ محذوفاً. والتقدير: بشيراً بالوعد الحق، ونذيراً بالوعيد الحق)). قلت: وقد صرَّحَ الرجلُ بهذا. قوله: ((إلاَّ خَلا فيها نذيرٌ)) خبر ((مِنْ أمةٍ))، وحَذَفَ مِنْ هذا ما أثبته في الأول؛ إذ التقديرُ: إلَّ خَلا فيها نذير وبشير. آ. (٢٧) قوله: ﴿فَأَخْرَجْنا﴾: هذا التفاتٌ من الغَيْبةِ إِلى التكلم. وإنما كان ذلك لأنَّ المِنَّةَ بالإِخراج أبلغُ من إنزال الماءِ. و((مختلفاً)» نعتٌ لـ ((ثمرات))، و(«ألوانُها)) فاعلٌ به، ولولا ذلك لأَنَّث ((مختلفاً))، ولكنه لمّا أُسْند إلى جمعِ تكسيرٍ غيرِ عاقلٍ جاز تذكيرُه، ولو أنَّثَ فقيل: مختلفة، كما تقول: اختلفَتْ ألوانُها لجازَ، وبه قرأ(٣) زيد بن علي . (١) الكشاف ٣٠٦/٣. (٢) البحر ٣١٠/٧. (٣) البحر ٣١١/٧. ٢٢٦ . - فاطر - قوله: ((ومِن الجبالِ جُدَّدٌ» العامَّةُ على ضمَّ الجيمِ وفتح الدالِ، جمعَ (جُدَّة)) وهي الطريقةُ. قال ابن بحر (١): ((قِطَعٌ، مِنْ قولك: جَدَدْت الشيءَ قَطَعْتُه)). وقال أبو الفضل: ((هي ما تخالَفَ من الطرائق لونُ ما يليها، ومنه جُدَّة الحِمارِ للخَطِّ الذي في ظهرِهِ. وقرأ(٢) الزهري ((جُدُد)) بضم الجيم والدال جمع جَدِيْدة، يقال: جديدة وجُدُد وجَدائد. قال أبو ذُؤيب(٣): ٣٧٦٥_ جَوْنُ السَّراةِ له جَدائدُ أربعُ نحو: سفينة وسُفُن وسفائِن. وقال أبو الفضل: ((جمع جديد بمعنى آثار جديدة واضحة الألوان)). وعنه (٤) أيضاً جَدَد بفتحهما. وقد رَدَّ أبو حاتمٍ هذه القراءةَ من حيثُ الأثرُ والمعنى، وقد صَحَّحهما غيرُه. وقال: الجَدَدُ: الطريق الواضح البيّن، إلاّ أنه وضع المفرَد موضعَ الجمعِ؛ إذ المرادُ الطرائقُ والخطوطُ . قوله: ((مختلِفٌ ألوانُها)) ((مختلف)» صفةٌ لـ ((جُدَد)» أيضاً. و «ألوانُها)» فاعلٌ به كما تقدَّم في نظيره. ولا جائزٌ أَنْ يكونَ «مختلفٌ)) خبراً مقدماً، و ((ألوانُها)» مبتدأُ مؤخرً، والجملةُ صفةٌ؛ إذ كان يجبُ أَنْ يُقال: مختلفةٌ لتحمُّلِها ضميرٌ (١) انظر: البحر ٣١١/٧. (٢) انظر في قراءاتها: المحتسب ١٩٩/٢، والقرطبي ٣٤٢/١٤، والبحر ٣١١/٧. (٣) صدره: والدهرُ لا يَبْقى على حَدَثانِه وهو في ديوان الهذليين ٤، والكشاف ٣٠٧/٣، وجمهرة أشعار العرب ٦٨٦. والجون: الأسود. والسراة: الظهر. والجدائد هنا: الأتن القليلة اللبن، أو الخطوط على ظهر حمار الوحش. (٤) أي عن الزهري . ٢٢٧ - فاطر - [٧٣٧/ب] المبتدأ. وقوله: / ((ألوانُها)) يحتمل معنيين، أحدهما: أنَّ البياضَ والحمرة يتفاوتان بالشدة والضعفِ فرُبَّ أبيضَ أشدُّ من أبيضَ، وأحمرَ أشدُّ مِنْ أحمرَ، فنفسُ البياضِ مختلفٌ، وكذلك الحمرةُ، فلذلك جَمَع ((ألوانها)) فيكونُ من باب المُشَكَّل. الثاني: أن الجُدَدَ كلَّها على لونين: بياضٍ وحُمْرَةٍ، فَالبياضُ والحُمْرَةُ وإنْ كانا لونَيْنَ إلَّ أنهما جُمِعا باعتبارِ مَحالِّهما. وقوله: ((وغرابيبُ سُوْدٌ)) فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنه معطوفٌ على ((حمٌ) عَطْفَ ذي لون على ذي لون. الثاني: أنه معطوفُ على ((بِيضٌ)). الثالث: أنه معطوفٌ على ((جُدَدٌ)). قال الزمخشري(١): ((معطوف على ((بيض)) أو على (جُدَد)»، كأنه قيل: ومن الجبالِ مخططٌ ذو جُدَد، ومنها ما هو على لونٍ واحدٍ» ثم قال: ((ولا بُدَّ من تقديرِ حذفِ المضافِ في قوله: ((ومن الجبالِ جُدَدّ» بمعنى: ومن الجبالِ ذُو ◌ُجُدَدٍ بيضٍ وحمرٍ وسُوْدٍ، حتى يُؤُول إلى قولِك: ومن الجبالِ مختلفٌ ألوانها، كما قال: ((ثمراتٍ مختلفاً ألوانُها)». ولم يذْكُرْ بعد ((غرابيب سود)) ((مختلف ألوانُها)) كما ذكر ذلك بعد بيض وحُمْر؛ لأنَّ الغِرْبِيبَ هو المبالِغُ في السوادِ، فصار لوناً واحداً غيرَ متفاوتٍ بخلافٍ ما تقدَّم)». وغرابيب: جمعُ غِرْبيب وهو الأسودُ المتناهِي في السوادِ فهو تابعٌ للأسودِ كقانٍ وناصعٍ وناضِرٍ ويَقَق، فمِنْ ثَمَّ زعَم بعضُهم أنه في نيةِ التأخير، ومِنْ مذهبٍ هؤلاءِ يجوز تقديمُ الصفة على موصوفِها، وأنشدوا(٢): ٣٧٦٦- والمُؤْمِنِ العائذاتِ الطير (١) الكشاف ٣٠٧/٣. (٢) تقدم برقم ٢٨٦٥. ٢٢٨ - فاطر - يريد: والمؤمنِ الطيرَ العائذات، وقولَ الآخر(١): ٣٧٦٧ - وبالطويلِ العُمْرِ عُمْراً حَيْدَراً يريد: وبالعمر الطويل. والبصريُّون لا يَرَوْن ذلك(٢) ويُخَرِّجُون هذا وأمثالَه على أنَّ الثاني بدلٌ من الأول فـ سود والطير والعمر أبدالٌ مِمَّا قبلها. وخَرِّجه الزمخشريُّ(٣) وغيرُه على أنه حَذَفَ الموصوفَ وقامَتْ صفتُه مقامَه، وأن المذكورَ بعد الوصفِ دالَّ على الموصوفِ. قال الزمخشري (٤): ((الغِرْبيبُ: تأكيدٌ للََّسْوَدِ، ومِنْ حَقِّ التوكيدِ أَنْ يَتْبَعَ المؤكِّد كقولك: أصفَرُ فاقِعٌ وأبيضٌ يَقَقّ. ووجهه: أَنْ يُضْمَرَ المؤكَّدُ قبلَه، فيكون الذي بعده تفسيراً لِما أُضْمِر کقوله : والمؤمِنِ العائذاتِ الطيرِ وإنما يُفْعَلُ ذلك لزيادةِ التوكيدِ حيث يدلُّ على المعنى الواحد من طريقَيْ الإِظهار والإِضمار)) يعني فيكونُ الأصلُ: وسودٌ غرابيبُ سودٌ، والمؤمنُ الطيرَ العائذاتِ الطيرَ. قال الشيخ (٥): ((وهذا لا يَصِحُّ إلَّ على مذهب مَنْ يُجَوِّزِ حَذْفَ المؤكّد. ومن النحويين مَنْ مَنَعَه وهو اختيارُ ابنِ مالك))(٦). قلت: ليس هذا هو التوكيدَ المختلفَ في حَذْفٍ مؤكِّدِه؛ لأنَّ هذا من باب الصفة والموصوف. (١) تقدم برقم ٤٠٩. (٢) انظر: الدر المصون ٦٧/٧، وشرح الجمل لابن عصفور ٢١٨/١. (٣) الكشاف ٣٠٧/٣. (٤) الكشاف ٣٠٧/٣. (٥) البحر ٣١١/٧. (٦) شرح الكافية الشافية ١١٨٠/٣. ٢٢٩ - فاطر - ومعنى تسميةِ الزمخشريِّ لها تأكيداً من حيث إنها لا تفيد معنىً زائداً، إنما تفيدُ المبالغةَ والتوكيدَ في ذلك اللونِ، والنَّحْويون قد سَمِّوا الوصفَ إذا لم يُفِدْ غَيرَ الأولِ تأكيداً فقالوا: وقد يجيْءُ لمجرِد التوكيد نحو: نعجةً واحدةً، وإلهين اثنين، والتوكيدُ المختلفُ في حَذْف مؤكَّده، وإنما هو من باب التوكيدِ الصناعي، ومذهب سيبويه(١): جوازُه، أجاز ((مررت بأخويك أنفشهما)) بالنصب أو الرفع، على تقدير: أَعْنيهما أنفسَهما، أو هما أنفسُهما فأين هذا من ذاك؟ إلاَّ أنه يُشْكِلُ على الزمخشري هذا المذكورُ بعد ((غرابيب)» ونحوِه بالنسبة إلى أنه جعله مُفَسِّراً لذلك المحذوفِ، وهذا إنما عُهِد في الجملِ ، لا في المفرداتِ، إلَّ في باب البدل وعَطف البيانِ فبأيِّ شيءٍ يُسَمِّيه؟ والأَوْلَى فيه أن يُسَمَّى توكيداً لفظياً؛ إذ الأصلُ: سود غرابيب سود. آ. (٢٨) قوله: ﴿مختلفٌ ألوانُه﴾: مختلفٌ نعتُ لمُنعوتٍ محذوف هو مبتدأ، والجارُّ قبلَه خبرُه، أي: من الناسِ صِنْفٌ أو نوعٌ مختلفٌ؛ وكذلك عملُ اسمِ الفاعلِ كقول الشاعر(٢): ٣٧٦٨- كناطِحٍ ضَخْرَةً يوماً لِيَفْلِقَها وقرأ(٣) ابن السَّميفع («ألوانُها)» وهو ظاهرٌ. وقرأ(٤) الزهري ((والدوابُ» خفيفةَ الباءِ فِراراً مِنْ التقاء الساكنين، كما حُرُّك أولُهما في ((الضأَلِّين))(٥) و ((جَانٌ))(٦). (١) الكتاب ٢٤٧/١ . (٢) تقدم برقم ٣٠. (٣) البحر ٣١١/٧. (٤) المحتسب ٢٠٠/٢، والبحر ٣١٢/٧، والقرطبي ٣٤٢/١٤. (٥) الآية ٧ من الفاتحة وهي قراءة أيوب السختياني. انظر: البحر ٣٠/١. (٦) الآية ٣٩ من الرحمن، وهي قراءة الحسن. انظر: البحر ١٩٥/٨. ٢٣٠ - فاطر - قوله: ((كذلك)) فيه وجهان، أظهرهما: أنه متعلَّقٌ بما قبله أي: مختلفُ اختلافاً مثلَ الاختلافِ في الثمرات والجُدَدِ. والوقفُ على ((كذلك)». والثاني: أنه متعلُّقٌ بما بعده، والمعنى: مثلَ ذلك / المطرِ والاعتبارِ في مخلوقات الله [٧٣٨/أ] تعالى واختلافٍ ألوانِها يَخْشى اللَّهُ العلماءُ. وإلى هذا نحا ابن عطية(١) وهو فاسدٌ من حيث إنَّ ما بعد ((إنَّما)) مانِعٌ من العمل فيما قبلها، وقد نَصَّ أبو عُمر الداني (٢) على أنَّ الوقفَ على ((كذلك)) تامّ، ولم يَحْكِ فيه خِلافاً. قوله: ((إنما يَخْشى اللَّهَ) العامَّةُ على نصب الجلالة ورفع ((العلماءُ)) وهي واضحةٌ. وقرأ(٣) عمرُ بن عبد العزيز وأبو حنيفةً فيما نقل الزمخشريُّ (٤) وأبو حيوةَ - فيما نَقَلَ الهذليُّ (٥) في كامله ـ- بالعكس، وتُؤْوِّلت على معنى التعظيم، أي: إنما يُعَظِّمُ اللَّهُ مِنْ عبادِه العلماءَ. وهذه القراءة شبيهةٌ بقراءة ((وإذ ابتلى إبراهيمُ ربَّه))(٦) برفع ((إبراهيم)) ونصب («رَبَّه)) وقد تقدَّمَتْ. آ. (٢٩) قوله: ﴿إِنَّ الذين يَتْلُون﴾: في خبر ((إنَّ) وجهان، أحدهما: الجملةُ مِنْ قولِه ((يَرْجُون)) أي: إنَّ التالِين يُرْجُون و ((لن تبورَ)) صفةٌ ((تجارةً)) و((لِيُوَفِّيَّهُمْ) متعلقٌ بـ ((يَرْجُوْن)) أو بـ ((تُبُور)) أو بمحذوفٍ أي: فعلوا ذلك ليوفِيهم، وعلى الوجهين الأوَّلَيْن يجوزُ أَنْ تكونَ لام العاقبة. الثاني : أن الخبرَ ((إنه غفور شكورٌ)) جَوَّزه الزمخشري (٧) على حَذْفِ العائدِ أي: غفورٌ لهم. وعلى هذا فـ ((يَرْجُون)) حالٌ مِنْ ((أَنْفَقُوا)) أي: أَنْفَقوا ذلك راجين. (١) المحرر ١٧٢/١٣. (٢) المكتفى له ٤٦٩ - ٤٧٠. (٣) البحر ٣١٢/٧، والقرطبي ٣٤٤/١٤. (٤) الكشاف ٣٠٨/٣. (٥) نسيت في الكامل له (خ) إلى أبي حنيفة. انظر: الكامل ورقة ٢٣١. (٦) الآية ١٢٤ من البقرة، وهي قراءة ابن عباس. انظر: الدر المصون ٩٨/٢. (٧) الكشاف ٣٠٨/٣. ٢٣١ - فاطر ــ آ. (٣١) قوله: ﴿من الكتاب﴾: يجوزُ أَنْ تكونَ ((مِنْ)) للبيانِ، وأن تكونَ للجنسِ ، وأَنْ تكونَ للتبعيضِ، و((هو)) فصلٌ أو مبتدأٌ و ((مُصَدِّقاً) حالٌ مؤكدة. آ. (٣٢) قوله: ﴿الكتابَ الذين اصْطَّفَيْنا﴾: مفعولا (أَوْرَثْنَا)). و((الكتابَ)) هو الثاني قُدِّمَ لِشَرفِه، إذ لا لَبْسَ. قوله: ((من عبادِنا) يجوزُ أَنْ تكونَ للبيانِ على معنى: أنَّ المصطفَيْنِ هم عبادُنا، وأن تكونَ للتبعيضِ ، أي: إن المصطفَيْن بعضُ عبادِنا لا كلَّهم. وقرأ(١) أبو عمران الجوني ويعقوبُ وأبو عمروٍ (٢) في روايةٍ ((سَبَّاق)) مثالَ مبالغةٍ . آ. (٣٣) قوله: ﴿جناتُ عَدْنٍ﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ مبتدأً، والجملةُ بعدها الخبرُ، وأن يكونَ بدلاً مِن ((الفضلُ)) قاله الزمخشري(٣) وابنُ عطية (٤). إلاّ أنَّ الزمخشريَّ اعترض وأجاب فقال: ((فإن قلت: كيف جَعَلْتَ قوله: ((جنات عدنٍ)) بدلاً من ((الفضل)) الذي هو السَّبْقُ بالخيرات المشارُ إليه بـ ((ذلك))؟ قلت: لَّمّا كان السببَ في نيل الثواب نُزِّل منزلةَ المُسَبِّب، كأنه هو الثواب، فَأَبْدَل عنه (جناتُ عدن)). وقرأ(٥) رزين والزهري ((جَنَّةُ)) مفرداً. والجحدري ((جناتٍ)» بالنصب على (١) البحر ٣١٣/٧، الشواذ ١٢٤، وأبو عمران الجوني عبد الملك بن حبيب البصري. أخذ عن أنس بن مالك، وأخذ عنه شعبة، ثقة. توفي سنة ١٢٣. انظر: سير الأعلام ٢٥٥/٥. (٢) في رواية القزاز كما في الكامل للهذلي ٢٣١ (خ). (٣) الكشاف ٣٠٩/٣. (٤) المحرر ١٧٦/١٣ . (٥) انظر في قراءاتها: البحر ٣١٤/٧، والقرطبي ٣٥٠/١٤. ٢٣٢ - فاطر - الاشتغال، وهي تؤيِّدُ رَفْعَها بالابتداء. وجوَّز أبو البقاء(١) أن يكونَ ((جناتُ)) بالرفع خبراً ثانياً لاسم الإِشارة، وأن يكون خبرَ مبتدأ محذوفٍ. وتقدَّمت قراءةُ (يَدْخُلونها)) مبنياً للفاعل أو المفعول وباقي الآية في الحج(٢). آ. (٣٤) قوله: ﴿الحَزَنَ﴾: العامَّةُ بفتحتَيْن. وجناح(٣) ابن حبيش بضم وسكون. وتقدَّم معنى ذلك أولَ القصص (٤). آ. (٣٥) قوله: ﴿دار المُقَامَةِ﴾: مفعولٌ ثانٍ لـ ((أَحَلَّنا)) ولا يكونُ ظرفاً لأنه مختصُّ فلو كان ظرفاً لتعدَّى إليه الفعلُ بـ في. والمُقامةُ: الإِقامة. (من فضلِه)) متعلقٌ بـ ((أحَلَّنا)) و ((مِنْ)): إمَّا للعلةِ، وإمَّا لابتداءِ الغاية. قوله: ((لا يَمَسُّنا)) حالٌ مِنْ مفعولِ ((أَحَلَّنا)) الأول أو الثاني؛ لأن الجملةَ مشتملةٌ على ضميرٍ كل منهما، وإن كان الحالُ من الأول أظهرَ. والنَّصْبُ: التعب والمشقةُ. واللُّغوبُ: الفتورُ الناشِىءُ عنه، وعلى هذا فيقال(6): إذا انتفى السببُ نُفِي الْمُسَبَّب يقال: ((لم آكُلْ)) فيُعلمُ انتفاءُ الشَّبع، فلا حاجةً إلى قولِه ثانياً: ((فلم أشبَعْ)) بخلاف العكس ، ألا ترى أنه يجوز: لم أشبع ولم آكل، والآية الكريمة على ما قررتُ مِن نفي السبب ثم نفي المسبب فأي فائدة في ذلك؟ وقد أجيب بأنه بيّن مخالفةَ الجنة لدار الدنيا؛ فإنَّ أماكنها على قسمين: موضعٍ تَمَسُ فيه المشاق كالبراري، وموضعٍ يَمَسُّ فيه الإِعياءُ كالبيوتِ والمنازل التي فيها الأسفارُ. فَقيل: لا يَمَسُّنا فيها نَصَبٌ لأنها ليست مَظانً (١) الإِملاء ٢٠٠/٢. (٢) ليس في الحج مثل هذه الآية. (٣) البحر ٣١٤/٧، والكشاف ٣١٠/٣. (٤) انظر إعرابه للآية ٨ من القصص. (٥) انظر: البحر ٣١٥/٧. ٢٣٣ - فاطر :- المتاعب كدارِ الدنيا، ولا يَمَسُّنا فيها لُغوبٌ أي: ولا نَخْرُج منها إلى مواضعَ نْعَبُ ونَرْجِعُ إليها فيمسُّنا فيها الإِعياء. وهذا الجوابُ ليس بذلك، والذي يقال: إن النَّصَب هو تعبُ البدنِ واللُّغوبُ تعبُ النفسِ . وقيل: اللغوبُ الوَجْعُ وعلى هذين فلا يَرِدُ السؤالُ المتقدِّمُ. : وقرأ(١) عليٌّ والسُّلميُّ بفتح لام ((لَغُوْب)) وفيه أوجه، أحدها: أنَّه مصدرٌ [٧٣٨/ب] على فَعُوْل كالقَبول. / والثاني: أنه اسمٌ لِما يُلْغَبُ به كالفَطور والسِّحور. قاله الفراء(٢). الثالث: أنه صفةٌ لمصدرٍ مقدرٍ أي: لا يَمَسُّنا لُغوبٌ لَغوبٌ نحو: شعرٌ شاعرٌ ومَوْتٌ مائتٌ. وقيل: صفةٌ لشيءٍ غيرِ مصدرٍ أي: أمرٌ لَغوبٌ. آ. (٣٦) قوله: ﴿فيموتوا﴾: العامَّةُ على نصبِه بحذف النون جواباً للنفي. وهو على أحدٍ معنّيْ نَصْبٍ (ما تأتينا فتحدِّثَنا))، أي: ما يكون منك إتيانٌ فلا حديثٌ، انتفى السببُ وهو الإِتيانُ، فانتفى مُسَبُِّه وهو الحديثُ. والمعنى الثاني: إثباتُ الإِتيانِ ونفيُ الحديثِ أي: ما تأتينا محدُّثاً بل تأتينا غيز مُحَدِّثٍ. وهذا لا يجوزُ فِي الآيةِ البتّةً . وقرأ(٣) عيسى والحسن (فيموتون)) بإثباتِ النون. قال ابنُ عطية(٤). (هي ضعيفةٌ). قلت: وقد وَجَّهها المازنيُّ على العطفِ على ((لا يُقْضَى عليهم)) فلا يموتون. وهو أحدُ الوجهين في معنى الرفعِ في قولك: ((ما تأتينا فتحدِّثَنا)» أي: انتفاءُ الأمرَيْن معاً، كقولِه: ((ولا يُؤْذِّنُ لهم فَيَعْتذرون))(٥)، أي: (١) الشواذ ١٢٤، والبحر ٣١٥/٧. (٢) معاني القرآن له ٣٧٠/٢. (٣) المحتسب ٢٠١/٢، والقرطبي ٣٥٢/١٤، والبحر ٣١٦/٧. (٤) المحرر ١٧٨/١٣. (٥) الآية ٣٦ من المرسلات. ٢٣٤ - فاطر - فلا يعتذرون. و((عليهم)) قائمٌ مقامَ الفاعلِ، وكذلك ((عنهم)) بعد ((يُخَفَّفُ)). ويجوزُ أَنْ يكونَ القائمُ ((من عذابها)) و ((عنهم)) منصوبُ المحلِّ. ويجوز أنْ تكونَ ((مِنْ)) مزيدةً عند الأخفش(١)، فَتَعَيَّن لقيامِه مَقامَ الفاعلِ لأنه هو المفعولُ به . وقرأ(٢) أبو عمرٍو في رواية ((ولا يُخَفَّفْ)) بسكون الفاء، شبّه المنفصل بـ ((عَضْد)) كقوله(٣): ٣٧٦٩ - فاليومَ أَشْرَبْ غيرَ مُسْتَحْقِبٍ قوله: ((كذلك)) إمَّا مرفوعُ المحل أي: الأمرُ كذلك، وإمَّا منصوبُه أي: مثلَ ذلك الجزاءِ نَجْزي. وقرأ(٤) أبو عمرٍو ((يُجْزَىُ)) مبنيًّاً للمفعول، ((كلُّ)) رفع به. والباقون ((نَجْزِي)) بنونِ العظمة مبنيًّ للفاعل، ((كلَّ)) مفعول به. ٢. (٣٧) قوله: ﴿رَبَّنا﴾: على إضمارِ القولِ، وذلك القولُ إِنْ شئْتَ قَدَّرْتَه فعلاً مُفَسِّراً لـ ((يَصْطَرِ خون)) أي: يقولون في صُراخِهم: ربّنا أَخْرِجْنا، وإنْ شِئْتَ قَدَّرْتَه حالاً مِنْ فاعل ((يَصْطَرخون)) أي: قائلين ربَّنا. ويَصْطَرخون: يَفْتَعِلون مِن الصُّراخ وهو شدَّةُ رَفْعِ الصوتِ فَأُبْدِلت التاءُ صاداً لوقوعِها قبلَ الطاء. قوله: ((صالحاً غيرَ الذي كُنَّا نعملُ)) يجوزُ أَنْ يكونا بمعنى مصدرٍ محذوفٍ (١) انظر أمثلة على: مِنْ الزائدة عند الأخفش حيث لا يشترط دخولها على نكرة: ٩٨، ٢٠٩، ٢٥٤. (٢) من رواية عبد الوارث. انظر: البحر ٣١٦/٧. (٣) تقدم برقم ٤٧٠. أي شبّه القارىء المنفصل بالمتصل فخفف. (٤) السبعة ٥٣٥، والبحر ٣١٦/٧، والتيسير ١٨٢، والحجة ٥٩٣، والنشر ٣٥٢/٢. ٢٣٥ - فاطر - أي : عملاً صالحاً غير الذي كنا نعملُ، وأَنْ یکونا بمعنى مفعولٍ به محذوفٍ أي: نعمل شيئاً صالحاً غيرَ الذي كتَّا نعملُ، وأَنْ يكونَ ((صالحاً)) نعتاً لمصدرٍ، و ((غيرَ الذي كنا نعملُ)) هو المفعولُ به. وقال الزمخشري(١): ((فإنْ قلتَ: فَهَلا اكْتُفي بـ ((صالحاً)) كما اكْتُفِي به في قولِه: ((فارْجِعْنا نعملْ صالحاً»(٢)، وما فائدةُ زيادةِ ((غير الذي كنَّا نعمل)) على أنه يُوْهِمُ(٣) أنهم يعملون صالحاً آخر غيرَ الصالحِ الذي عملوه؟ قلت: فائدتُه زيادةُ التحسُّر على ما عَمِلوه من غيرٍ الصالح مع الاعترافِ به. وأمَّا الوهمُ فزائلٌ بظهورِ حالهم في الكفر وظهور المعاصي، ولأنَّهم كانوا يَحْسَبُون أنهم على سيرةٍ صالحةٍ، كما قال تعالى(٤): (وهم يَحْسَبُون أنهم يُحْسِنون صُنْعً)) فقالوا: أَخْرِجْنا نِعمَلْ صالحاً غيرَ الذِي كُنَّا نَحْسَبُه صالحاً فنعملُه)). قوله: ((ما يَتَذكَّر)» جوَّزوا في ((ما)» هذه، وجهين، أحدهما : - ولم يَحْكِ الشيخُ غيرَه - أنها مصدرِيةٌ ظرفية قال: أي مدةَ تَذَكُّرٍ. وهذا غَلَطُ؛ لأنَّ الضمير في ((فيه) يمنعُ مِنْ ذلك لعَوْدِهِ على ((ما))، ولم يَقُلْ باسميَّةِ ((ما)) المصدريةِ إلَّ الأخفشُ وابنُ السَّراج(٥). الثاني: أنها نكرةٌ موصوفةٌ أي تعمُّراً يتذكر فيه، أو زماناً يتذكَّر فيه. وقرأ(٦) الأعمشُ ((ما يَذَّكَّرُ)) بالإِدغام ((مَنِ اذَّكَّر)). قال الشيخُ (٧): ((بالإِدغامِ واجتلابِ همزة الوصلِ ملفوظاً بها في الدُّرْج)). وهذا (١) الكشاف ٣١٠/٣. (٢) الآية ١٢ من السجدة. (٣) الكشاف: ((يُؤُذن)). (٤) الآية ١٠٤ من الكهف. (٥) انظر: الأصول ١٦١/١. (٦) البحر ٣١٦/٧، والكشاف ٣١١/٣ .. (٧) البحر ٣١٦/٧. ٢٣٦ - فاطر - غريبٌ حيث أُتْبِتَتْ همزةُ الوصلِ مع الاستغناءِ عنها، إلَّ أَنْ يكونَ حافظَ على سکون «مَنْ» وبیانٍ ما بعدها. قوله: ((وجاءَكم)) عطفُ على ((أولم نُعَمِّرْكم)) لأَنَّه في معنى: قد عَمَّرْناكم، كقوله: ((ألم نُرَبِّكَ)) ثم قال: ((ولَبِشْتَ))(١)، ((ألم نَشْرَحْ لك)) ثم قال: ((وَوَضَعْنا))(٢) إذ هما في معنى: رَبِّناك، وشَرَحْنا. قوله: ((مِنْ نصير) يجوزُ أَنْ يكون فاعِلًا بالجارَّ لاعتمادِه، وأنْ يكونَ مبتدأً مُخْبَراً عنه بالجارِّ قبلَه. وقُرِىءٍ (٢) (النُّذُرُ)) جمعاً. آ. (٣٨) قوله: ﴿عالمٌ غيبٍ﴾: العامَّةُ على الإِضافةِ تخفيفاً. وجناح بن حبيش(٤) بتنوين ((عالمٌ)) ونصب ((غَيْبَ)). آ. (٤٠) قوله: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾: فيها / وجهان، أحدهما: أنها ألفُ [٧٣٩/أ] استفهامٍ على بابها، ولم تتضمَّنْ هذه الكلمةُ معنى أَخْبِروني، بل هو استفهامُ حقيقيٌّ. وقوله: (أَرُوْني)) أمرُ تَعْجيزٍ. والثاني: أنَّ الاستفهامَ غيرُ مُرادٍ، وأنها ضُمِّنَتْ معنى أَخْبروني. فعلى هذا تتعدَّى لاثنين، أحدُهما: ((شركاءَكم))، والثاني: الجملةُ الاستفهاميةُ مِنْ قولِه: ((ماذا خَلَقوا)). و(أَرُوْنِي)) يُحتمل أَنْ تكونَ جملةُ اعتراضيةً. الثاني: أَنْ تكونَ المسألةُ مِنْ بابِ الإِعمالِ، فإنّ (أَرَأَيْتُمْ)) يطلبُ ((ماذا خَلَقُوا)) مفعولاً ثانياً، و((أَرُوْنِي)) أيضاً يطلبُه مُعَلِّقاً له، وتكونُ المسألةُ مِنْ بابِ إعمال الثاني على مختار البصريين، و((أَروني)) هنا بَصَرِيَّةٌ تعدَّتْ للثاني بهمزةِ النقلِ، والبصَريةُ قبل النقلِ تُعَلَّقُ بالاستفهامِ (١) الآية ١٨ من الشعراء. (٢) الآية ١ - ٢ من الانشراح. (٣) البحر ٣١٦/٧. (٤) البحر ٣١٦/٧. ٢٣٧ - فاطر - كقولهم: ((أما ترى أيُّ بَرْقٍ ههنا))؟ وقد تقدَّم الكلامُ على ((أَرَأيْتُمْ)» هذه في الأنعامِ مشبعاً(١). وقال ابنُ عطية(٢) هنا: ((إنَّ أرأيتُمْ يَتَنَزَّلُ عند سيبويهِ(٣) مَنْزِلَةً أَخْبروني؛ ولذلك لا يَحْتاج إلى مَفْعولين)). وهو غَلَطْ بل يَحْتاجُ كما تقدَّم تقريرُه. وجَعَلَ الزمخشريُّ (٤) الجملةَ مِنْ قولِه: ((أَرُوْنِي)) بدلاً مِنْ قولِه ((أَرَأَيْتُمْ)) قال: ((لأنَّ معنى أَرَأَيْتُمْ أَخْبروني))(٥). وردَّه الشيخ (٦): بأنَّ البدلَ مِمَّا دَخَلَتْ عليه أداةُ الاستفهامِ يَلْزَم إِعادتُها في البدلِ(٧) ولم تُعَدْ هنا. وأيضاً فإبدالُ جملةٍ مِنْ جملةٍ لم يُعْهَدْ في لسانِهم. قلت: والجوابُ عن الأولِ: أنَّ الاستفهامَ فيه غيرُ مرادٍ قطعاً فلم تَعُدْ أداتُه لعدمِ إرادته. وأمَّا قولُه: ((لم يُوْجَد في لسانِهم)) فقد وُجِدَ. ومنه(٨): ٣٧٧٠- متى تَأْتِنَا تُلْمِمْ بنا البيت. [وقولُه: ](٩) (١) الآية ٤٠. وانظر: الدر المصون ٦١٥/٤. (٢) المحرر ١٨٠/١٣. (٣) انظر: الكتاب ١٢٢/١. (٤) الكشاف ٣١١/٣. (٥) ثم قال: ((وكأنه قال: أخبروني عن هؤلاء الشركاء وعما استحقوا به الإِلّهية والشركة، أروني أي جزء من أجزاء الأرض استبدوا بخلقه دون الله ... )). (٦) البحر ٣١٧/٧. (٧) عبارة البحر أوضح: ((إذا أبدل مما دخل عليه الاستفهام فلا بد من دخول الأداة على البدل)) ويعني بها نجو ((كم مالك أعشرون أم ثلاثون، مَنْ رأيت أزيداً أم عمراً)؟ (٨) تقدم برقم ١٧٣. (٩) تقدم برقم ١٧٢ . ٢٣٨ - فاطر - ٣٧٧١ - إنَّ عليَّ اللَّهَ أن تُبابِعا تُؤَخَذَ كَرْهاً . البيت. وقد نَصَّ النَّحْوِيون: على أنَّه متى كانت الجملةُ في معنى الأولِ ومُبَيِّنَةً لها أُبْدِلَتْ منها(١). قوله: ((فَهُمْ على بَيِّنَةٍ)) الضميرُ في ((آتَيْناهم)) و ((فهم)) الأحسنُ أَنْ يعودَ على الشركاء لتتناسَقَ الضمائرُ. وقيل: يعودُ على المشركين، فيكونُ التفاتاً مِنْ خطابٍ إلى غَيْبة . وقرأ(٢) أبو عمروٍ وحمزةُ وابن كثير وحفصٌ ((بَيِّنَةٍ)) بالإِفراد. والباقون (بيِّنَاتٍ)) بالجمع. و((إِنْ)) في ((إِنْ يَعِدُ)) نافيةٌ. آ. (٤١) قوله: ﴿أَنْ تَزُوْلا﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ مفعولاً من أجله. أي: كراهةَ أَنْ تَزُولا . وقيل: لئلا تَزُولا. ويجوزُ أَنْ يكونَ مفعولاً ثانياً على إسقاطِ الخافِضِ أي: يمنَعُهما مِنْ أَنْ تَزُوْلا. كذا قَدَّره أبو إسحاق(٣). ويجوزُ أَنْ يكونَ بدلَ اشتمالٍ أي: يمنعُ زوالَهما. قوله: ((إنْ أَمْسَكَهما)) جوابُ القسمِ الموظّأ له بلام القسمِ، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ يدلُّ عليه جوابُ القسمِ، ولذلك كانَ فعل الشرط ماضياً. وقولُ الزمخشري(٤): إنه يَسُدُّ مَسَدَّ الجوابَيْن، يعني أنه دالٌّ على جواب الشرطِ. قال الشيخ (٥): ((وإنْ أُخِذ كلامُه على ظاهرِه لم يَصِحَّ؛ لأنه لوسَدَّ مَسَدَّهما لكان له (١) انظر: المغني ٥٥٦ - ٥٥٧ . (٢) السبعة ٥٣٥، والتيسير ١٨٢، والقرطبي ٣٥٦/١٤، والحجة ٥٩٤، والنشر ٣٥٢/٢، والبحر ٣١٨/٧. (٣) معاني القرآن له ٢٧٣/٤. (٤) الكشاف ٣١٢/٣. (٥) البحر ٣١٨/٧. ٢٣٩ - فاطر - موضعٌ من الإعرابِ، من حيث إنه سَدَّ مَسَدَّ جواب الشرط، ولا موضعَ له من حيث إنه سَدَّ مَسَدَّ جوابٍ القسم، والشيءُ الواحدُ لا يكونُ معمولاً غيرَ معمولٍ)). و ((مِنْ أحدٍ)) ((مِنْ)) مزيدةٌ لتأكيدِ الاستغراق. و((مِنْ بعدِه)): ((مِنْ)) لابتداءِ الغاية . آ. (٤٢) قوله: ﴿لَيَكُوْنُنَّ﴾: جوابٌ للقسمِ المقدَّرِ. والكلامُ فيه كما تقدَّم وقوله: ((لَئِنْ جاءَهم)» حكايةً لمعنى كلامِهم لا للفظِه، إذ لو كان كذلك لكان التركيبُ: لَئِنْ جاءَنا لنكونُنَّ. قوله: ((من إحدى الأمم)) أي: من الأمَّةِ التي يُقال فيها: هي إحدى الأمم، تفضيلاً لها. كقولهم: هو أحدُ الأَحَدَيْن. قال(١): ٣٧٧٢ - حتى استثارُوا بيّ إحدى الإِحْدِ لَيْئاً هِزَبْراً ذا سلاحٍ مُعْتَدِيْ قوله: ((ما زادَهم)) جوابُ ((لَمًّا)). وفيه دليلٌ على أنها حرفٌ(٢) لا ظرفٌ؛ إذ لا يعملُ ما بعد ((ما)» النافيةِ فيما قبلها. وتقدَّمَتْ له نظائرُ. وإسنادُ الزيادةِ للنذير مجازٌ؛ لأنه سببٌ في ذلك، كقوله: ((فزادَتْهم رِجْساً إلى رِجْسهم))(٣). آ. (٤٣) قوله: ﴿استكباراً﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ مفعولاً له أي: لأجل الاستكبارِ، وأَنْ يكونَ بدلاً مِنْ ((نُفوراً))، وأنْ يكونَ حالاً أي : حالَ كونهم مُسْتكبرين. قاله الأخفش (٤). (١) تقدم برقم ١١٢٨. (٢) تقدم أن سيبويه يرى أنها حرف وجوب لوجوب، والفارسي يرى أنها ظرف. انظر: الكتاب ٣١٢/٢، والإيضاح للفارسي ٣١٩، والدر المصون ١٥٩/١. (٤) لم يشر إلى هذا الإعراب في كتابه ((المعاني)). (٣) الآية ١٢٥ من التوبة. ٢٤٠