النص المفهرس

صفحات 121-140

- الأحزاب -
الفتحُ فمِنْ وجهين، أحدهما: أنه أمرٌ من قَرِرْتُ - بكسرِ الراءِ الأولى - في
المكان أَقُّ به بالفتح. فاجتمع راءان في اقْرَرْنَ، فحُذِفت الثانيةُ تخفيفاً ونُقِلَتْ
حركةُ الراء الأولى إلى القاف، فحُذِفت همزةُ الوصلِ استغناءً عنها فصار قَرْن.
ووزنُه على هذا: فَعْن؛ فإنَّ المحذوفَ هو اللامُ لأنه حَصَلَ به الثقلُ. وقيل:
المحذوفُ الراءُ الأولى؛ لأنه لَمَّا نُقِلَتْ حركتُها بقيَتْ ساكنةً، وبعدها أخرى
ساكنةٌ فَحُذِفَتِ الأولى لالتقاءِ الساكنين، ووزنُه على هذا: فَلْنَ؛ فإنَّ المحذوفَ
هو العين. وقال أبو علي (١): ((أُبْدِلت الراءُ الأولى ياءً ونُقِلَتْ حركتُها إلى
القاف، فالتقى ساكنان، فَحُذِفَتْ الياءُ لالتقائِهما)). فهذه ثلاثةُ أوجهٍ في توجيهِ
أنها أمرٌ مِنْ قَرِرْت بالمكان.
والوجه الثاني: أنها أمرٌ مِنْ قارَ يَقارُ كخاف يخافُ إذا اجتمع. ومنه
((القارَةُ)) لاجتماعِها، فَحُذِفت العين لالتقاء الساكنين فقيل: قَرْنَ كخَفْنَ. ووزنُه
على هذا أيضاً فَلْن.
إلاّ أنَّ بعضَهم تكلّم في هذه القراءةِ مِنْ وجهين، أحدهما: قال
أبو حاتم: يقال: قَرَرْتُ بالمكان بالفتح أقِرُّ به بالكسر وقَرَّتْ عينُه بالكسر تَقْرُّ
بالفتح، فكيف يُقرأ ((وَقَرْنَ)) بالفتح (٢)؟ والجوابُ عن هذا: أنه قد جُمِعَ في كلٍ.
منهما الفتحُ والكسرُ، حكاه أبو عبيد. وقد تقدَّم ذلك في سورة مريم(٣).
الثاني (٤): سَلَّمْنا أنه يُقال: قَرِرْت بالمكان بالكسر أَقَرُّ به بالفتح، وأنَّ
(١) الحجة (خ) ١٥٦/٤.
(٢) هذا التفصيل من حكاية أبي عثمان نقلها أبو علي في الحجة (خ) ١٥٨/٤، حيث
أثبت لهذا الفعل معنيين مختلفين ولكلٍ ضبطُه عنده: فالمعنى الأول يقال فيه:
قَرِرْت به عيناً أقُرُّ. والمعنى الثاني: قَرَرْتُ في المكان فأنا أَقُّ فيه وأمْرُهُ قِرّي.
(٣) انظر: الدر المصون ٥٨٩/٧.
(٤) أي من كلام المعترضين على قراءة الفتح.
١٢١

- الأحزاب -
الأمرَ منه اقْرَرْنَ، إلَّ أنه لا مُسَوَّغَ للحذفِ؛ لأن الفتحةَ خفيفةٌ، ولا يجوز قياسُه
على قولِهم ((ظَلْتُ)) وبابِه؛ لأن هناك شيئَيْن ثقيلين: التضعيفَ والكسرةَ فحَسُنَ
الحذفُ، وأمَّا هنا فالتضعيفُ فقط.
والجوابُ: أنَّ المقتضِيَ للحذفِ إنما هو التكرارُ. ويؤيد هذا أنهم
لم يَحْذِفوا مع التكرارِ ووجودِ الضمةِ، وإنْ كانت أثقلَ نحو: أَغْضُضْنَ
أبصارَكنَّ، وكان أَوْلَى بالحذفِ فِيُقالُ: غُضْنَ. لكنَّ السماعَ خلافُه. قال
تعالى: ((وَقُلْ للمؤمناتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أبصارِ هِنَّ)(١). على أن الشيخ جمالَ
الدين بن مالك(٢) قال: ((إنه يُحْذَفُ في هذا بطريقِ الأَوْلِى)) أو تقولُ: إِنَّ هذه
القراءةً إنما هي مِنْ قَارَ يَقارُ بِمعنى اجتمع. وهو وجهٌ حسنٌ بريءٌ من التكلُّفِ،
فيندفع اعتراضُ أبي حاتمٍ وغيرِهِ، لولا أنَّ المعنى على الأمرِ بالاستقرار
لا بالاجتماع.
وأمَّا الكسرُ فمِنْ وجهين أيضاً أحدهما: أنه أمرُ من قَرَّ بالمكانِ بالفتح في
الماضي، والكسرِ في المضارع، وهي اللغةُ الفصيحةُ، ويجيءُ فيه التوجيهات
الثلاثةُ المذكورةُ أولاً: إمَّا حَذْفُ الراءِ الثانية أو الأولى، أو إبدالُها ياءً، وَحَذْفُها
كما قال الفارسيُّ. ولا اعتراض على هذه القراءة لمجيئها على مشهورِ اللغة
فيندفعُ اعتراضُ أبي حاتم، ولأنَّ الكسرَ ثقيلٌ، فيندفعُ الاعتراضُ الثاني،
ومعناها مطابقٌ لِما يُرادُ بها من الثبوتِ والاستقرار.
والوجه الثاني: أنها أمرٌ مِنْ وَقَرَ يَقِرُ أي: ثبتّ واستقرّ. ومنه الوقارُ ..
[٧٢٢/ب] وأصلُهُ إِوْقِرْن فحُذِفت الفاءُ وهي الواوُ، واسْتُغني عن / همزة الوصل فبقي
((قِرْن)) وهذا كالأمرٍ مِنْ وَعَد سواء. ووزنُه على هذا عِلْنَ. وهذه الأوجهُ المذكورةُ
إنما يَتَهَدَّى إليها مَنْ مَرِنَ في علم التصريف، وإلَّ ضاق بها ذَرْعاً.
(١) الآية ٣١ من النور.
(٢) انظر: شرح الكافية الشافية له ٢١٧١/٤.
١٢٢

- الأحزاب -
قوله: (تَبَرُّجَ الجاهلية) مصدرٌ تشبيهيٌّ أي: مثلَ تبرُّجِ. والتبرُّجُ:
الظهورُ مِن الْبُرْجِ لظهورِه وقد تقدَّم(١). وقرأ(٢) البزي ((ولا تُبَرَّجْنَ)) بإدغامِ
التاء في التاء. والباقون بحذفٍ إحداهما. وتقدَّم تحقيقُه في البقرة في
(ولا تَيَمِّموا))(٣).
قوله: ((أهلَ البيتِ)) فيه أوجه: النداء والاختصاص، إلاّ أنه في
المخاطب أقلُّ منه في المتكلم. وسُمِعَ ((بك اللَّهَ نرجو الفضلَ)) والأكثر إنما
هو في المتكلم كقولها (٤):
طارِقْ
بنات
٣٦٩٧ - نحن
نَمْشِي على النمارِقْ
[وقوله](٥):
٣٦٩٨- نحن بني ضَبَّةَ أصحابُ الجملْ
الموتُ أَحْلَى عندنا من العَسَلْ
((نحن العربَ أَقْرَى الناسِ للضيف)) ((نحن معاشر الأنبياء لا نورث))(٦)
أو على المدح أي: أمدحُ أهلَ البيتِ.
(١) انظر إعرابه للآية ٦٠ من النور.
(٢) الإتحاف ٣٧٦/٢، والنشر ٢٢٢/٢، ٢٢٤.
(٣) انظر: الدر المصون ٦٠٠/٢ الآية ٢٦٧ من البقرة.
(٤) البيت لهند بنت عتبة أو هند بنت بياضة وهو في المغني ٥٠٧، والهمع ١٧١/١،
والدرر ١٤٧/١. وطارق هو النجم شبهت به أباها لشرفه وإن كان البيت للثانية فهو
أبوها نسباً.
(٥) البيت للحارث الضبي أو عمرو بن يثربى أو الأعرج المَعْنِيّ، وهو في الكامل ٦٥،
والهمع ١٧١/١، والدرر ١٤٦/١، واللسان بجل، والحماسة ١٦٩.
(٦) حديث شريف رواه البخاري. انظر: فتح الباري كتاب النفقات ٣: ٥٠٢/٩،
والنسائي قسم الفيء ١٣٦/٧، وأحمد في المسند ٤/١.
١٢٣٠

- الأحزاب -
آ. (٣٤) قوله: ﴿من آياتِ الله﴾: بيانٌ للموصول فيتعلّقُ
بـ أعني. ويجوز أن يكون حالاً: إمَّا من الموصول، وإمَّا من عائده المقدر
فیتعلقُ بمحذوفٍ أيضاً.
آ. (٣٥) قوله: ﴿والحافظاتِ﴾: حُذِفَ مفعولُه لتقدُّم ما يَدُلُّ
عليه. والتقديرُ: والحافظاتِها. وكذلك ((والذاكراتِ)). وحَسَّن الحذفَ رؤوسُ
الغواصِلِ وغَلَّبَ المذكرَ على المؤنثِ في ((لهم))(١) ولم يَقُلْ ((ولَهُنَّ)).
آ. (٣٦) قوله: ﴿أَنْ يكونَ﴾: هو اسمُ كان. والخبرُ الجارّ
متقدمٌ. وقوله: ((إذا قضى اللَّهُ)) يجوزُ أن يكونَ مَحْضَ ظَرْفٍ معمولُه الاستقرار
الذي تَعَلَّق به الخبرُ أي: وما كان مستقِرّاً لمؤمن ولا مؤمنةٍ وقتَ قضاءِ اللَّهِ كَوْنُ
خِيَرَةٍ، وأَنْ تكونَ شرطيةً، ويكونُ جوابُها مقدراً مدلولاً عليه بالنفيِ المتقدم.
وقرأ(٢) الكوفيون وهشام ((يكونَ)) بالياءِ من أسفلٍ؛ لأنَّ (الخِيَرَة)) مجازيُّ
التأنيثِ، وللفصلِ أيضاً. والباقون بالتاء من فوقُ مراعاةً للفظِها. وقد تقدَّم(٣)
أنَّ الخِيْرَةَ مصدرُ تَخَيَّر كالطَّيْرَة مِنْ تَطَيِّر. ونَقَل عيسى بن سليمان أنه قُرِىءَ(٤)
((الخِيْرَة)». بسكون الياء. و((مِنْ أمرِهم)) حالٌ من ((الخِيَرة)) وقيل: ((من)) بمعنى
في. وجَمَعَ الضمير في «أمرِهم)) وما بعده؛ لأنَّ المراد بالمؤمن والمؤمنة
الجنسُ. وغلَّب المذكرَ على المؤنث. وقال الزمخشري(٥): ((كانَ مِنْ حَقٌّ
(١) في قوله: ((أعدَّ الله لهم».
(٢) النشر ٣٤٨/٢، والسبعة ٥٢٢، والحجة ٥٧٨، والقرطبي ١٨٧/١٤، والتيسير
١٧٩، والبحر ٢٣٣/٧.
(٣) انظر إعرابه للآية ٦٨° من القصص.
(٤) وهي قراءة ابن السميفع. انظر: القرطبي ١٤ /١٨٧، والبحر ٢٣٣/٧، والشواذ
١١٩.
(٥). الكشاف ٢٦٢/٣.
١٢٤

- الأحزاب -
الضميرِ أن يُوَحَّد كما تقول: ما جاءني مِنْ رجلٍ ولا امرأة، إلَّ كان مِنْ شأنه
كذا))(١). قال الشيخ(٢): ((وليس بصحيحٍ ؛ لأنَّ العطفَ بالواوِ فلا يجوزُ ذلك إلاّ
بتأويلِ الحَذْفِ»(٣).
آ. (٣٧) قوله: ﴿أَمْسِكْ عليكَ﴾: نَصَّ بعضُ النَّحْويين على
أن ((على)) في مثلِ هذا التركيبِ اسمٌ. قال: ((لئلا يتعدَّى فعلُ المضمرِ
المتصلِ إلى ضميرِه المتصلِ في غير باب ظنَّ وفي لفظتَيْ: فَقَد وعَدِم. وجعل
مِنْ ذلك (٤) :
٣٦٩٩- هَوَّنْ عليكَ فإِنَّ الأمورَ
بكفِّ الإِلهِ مقاديرُها
وكذلك حَكْم على ((عَنْ)) في قوله(٥):
٣٧٠٠- دَعْ عنك نَهْباً صِيْحَ في حُجُراتِهِ
وقد تقدَّم لك ذلك(٦) مشبعاً في النحل في قوله: ((ولهم ما يشتهون))(٧)
(١) تتمة النص: ((ولكنهما وقعا تحت النفي فعمًّا كل مؤمن ومؤمنة فرجع الضمير على
المعنى لا على اللفظ».
(٢) البحر ٢٣٤/٧ .
(٣) قال: ((أي: ما جاءني من رجل إلاّ كان من شأنه كذا)).
(٤) تقدم برقم ٨٠.
(٥) تقدم برقم ٢١٧٧ .
(٦) قال أبو حيان: ((ولا يجوز أن يكونا حرفين لامتناع فكِّرْ فيك وأعني بك بل هذا مما
يكون فيه النفس أي: فكر في نفسك وأعني بنفسك)). انظر: البحر ٢٣٥/٧.
(٧) الآية ٥٧ من النحل. وانظر: الدر ٢٤٢/٧.
١٢٥

- الأحزاب -
وفي قوله: ((وهُزِّي إليكِ بجِذْعٍ))(١) (واضمُمْ إليك جناحَك))(٢).
قوله: (وتُخْفِي)) فيه أوجهٌ، أحدها: أنه معطوفٌ على ((أَمْسِكْ)) أي:
وإذ تجمعُ بين قولك كذا وإخفاءِ كذا، وخشيةِ الناس. قاله الزمخشري(٣).
الثاني: أنها واوُ الحالِ أي: تقول كذا في هذه الحالةِ. قاله الزمخشري (٤)
أيضاً. وفيه نظرٌ من حيث إنه مضارعٌ مثبتٌ فكيف تباشِرُه الواوُ؟ وتخريجُه
كتخريج ((قمتُ وأَصُكُ عينه)) أعني على إضمارٍ مبتدأ. الثالث: أنه مستأنفٌ.
قاله الحوفي. وقوله: ((واللَّهُ أحَقُّ أَنْ تَخْشاه)) قد تقدَّم مثلُه في براءة(٥).
قوله: ((وَطَرًا) مفعولُ ((قَضَىْ)). والوَطَرُ: الشَّهْوَةُ والمحبةُ، قاله المبرد.
وأنشد (٦):
٣٧٠١ - وكيف ثَوائي بالمدينة بعدما
قَضَىْ وَطَراً منها جميلُ بنُ مَعْمَرٍ
وقال أبو عبيدة(٧): ((الوَطَرُ: الأَرَبُ والحاجةُ)). وأنشد للضُّبَيْعِ
الفزاري (٨):
٣٧٠٢ - ودَّعَنا قبلَ أَنْ نُوَدِّعَهْ
لَمَّا قضىْ مِنْ شبابِناً وَطَرَأ
(١) الآية ٢٥ من مريم.
(٢) الآية ٣٢ من القصص ..
(٣) الكشاف ٢٦٣/٣ .
الكشاف ٢٦٣/٣.
(٤)
(٥) الآية ١٣ من التوبة.
(٦) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٢١١/٧ .
(٧) مجاز القرآن ١٣٨/٢.
(٨) نسب في نوادر أبي زيد ١٥٩ إلى الربيع بن ضبع الفزاري، وهو في المجاز
١٣٨/٢.
١٢٦

- الأحزاب -
وقرأ العامَّةُ ((زوَّجْناكها)). وقرأ(١) عليّ وابناه الحسنان رضي الله عنهم
وأرضاهم ((زَوَجْتُكَها)) بتاءِ المتكلم.
و (لِكَيْلا)) متعلقٌ بـ ((زَوَّجْناكها)) وهي هنا ناصبةٌ فقط لدخولِ الجارّ
عليها. واتصل الضميران بالفعلِ لاختلافِهما رتبةً.
آ. (٣٨) قوله: ﴿سنةَ الله﴾: منصوبٌ على المصدر كـ ((صُنْعَ
اللَّهِ))(٢) / و((وَعْدَ الله))(٣) أو اسمٌ وُضِع مَوْضِعَ المصدرِ، أو منصوبٌ بـ جَعَل. [٧٢٣/ أ]
أو بالإِغراءِ أي: فعليه سنةً الله. قاله ابن عطية(٤). ورَدَّه الشيخ (٥) بأنَّ عاملَ
الإِغراءِ لا يُحْذَفُ، وبأنَّ فيه إغراءَ الغائبِ(٦). وما وَرَدَ منه مؤولٌ على ندورِه
نحو: ((عليه رجلاً لَيْسَنِي)). قلت: وقد وَرَدَ قولُه عليه السلام ((وإلّ فعليه
بالصوم)»(٧)، فقيل: هو إغراء. وقيل ليس به، وإنما هو مبتدأ وخبرٌ، والباءُ زائدةً
في المبتدأ. وهو تخريجٌ فاسدُ المعنى؛ لأن الصومَ ليس واجباً على ذلك.
آ. (٣٩) قوله: ﴿الذين يُبَلِّغُوْنَ﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ تابعاً للذين
خَلَوْا، وأَنْ يكونَ مقطوعاً عنه رفعاً ونصباً على إضمارٍ ((هم)) أو أعني أو أمدحُ.
(١) القرطبي ١٩٤/١٤، والبحر ٢٣٥/٧.
(٢) الآية ٨٨ من النمل.
(٣) الآية ١٢٢ من النساء.
(٤) المحرر ٧٩/١٣.
(٥) البحر ٢٣٦/٧.
(٦) لأن تقديره: فعليه سنة الله، بضمير الغيبة .
(٧) رواه البخاري. انظر: فتح الباري ١٤٢/٤، ٣٠ كتاب الصوم، ١٠ باب الصوم لمن
خاف على نفسه العزبة. أحمد ٥٧/١.
١٢٧

- الأحزاب -
آ. (٤٠) قوله: ﴿ولكنْ رسولَ اللَّهِ﴾: العامَّةُ على تخفيف
((لكن)) ونصبٍ رسول. ونصبُه: إمَّا على إضمارٍ ((كان)) لدلالة ((كان)) السابقة
عليها أي: ولكن كان، وإمَّا بالعطفِ على ((أبا أَحَدٍ)).
والأولُ أليقُ لأنَّ ((لكن)) ليست عاطفةً لأجلِ الواو، فالأليقُ بها أن تدخلّ
على الجملِ كمثل التّي لَيسَتْ بعاطفةٍ .
وقرأ(١) أبو عمروٍ في روايةٍ (٢) بتشديدها؛ على أنَّ ((رسولَ الله)) اسمُها،
وخبرُها محذوفٌ للدلالةِ أي: ولكن رسولَ الله هو أي: محمدٌ. وحَذْفُ خبرها
شائعٌ. وَأُنْشِد(٣):
٣٧٠٣- فلو كنتَ ضَبِيَّاً عَرَفْتَ قَرابتي
ولكنَّ زَنْجِيَّاً عظيمَ المَشافِرِ
أي: أنت. وهذا البيت يَرْؤُوْنِه أيضاً: ولكنَّ زَنْجِيٍّ بالرفع شاهداً على
حَذْفِ اسمِها أي: ولكنك.
وقرأ زيد بن علي وابن أبي عبلة بتخفيفها ورفع ((رسولُ)) على الابتداء،
والخبرُ مقدرٌ أي: هو .. أو بالعكس أي: ولكن هو رسول كقوله(٤):
٣٧٠٤- ولَسْتُ الشاعرَ السَّفْسافَ فيهمْ
ولكنْ مِدْرَهُ الحربِ العَوانِ
أي: ولكن أنا مِدْرَهُ.
(١) انظر في قراءاتها: المحتسب ١٨١/٢، والبحر ٢٣٦/٧، والقرطبي ١٩٦/١٤.
(٢) في رواية عبد الوارث كما في البحر.
(٣) تقدم برقم ٣١٦٥.
(٤) تقدم برقم ٢٥٩٧ .
١٢٨

- الأحزاب -
قوله: ((وخاتم)) قرأ(١) عاصمٌ بفتح التاء، والباقون بكسرِها. فالفتح اسمٌ
للآلةِ التي يُخْتَمُ بها كالطابَعِ والقالَبِ لما يُطْبَعُ به ويُقْلَبُ فيه، هذا هو المشهور.
وذكر أبو البقاء(٢) فيه أوجهاً أُخَرَ منها: أنه في معنى المصدرِ قال: ((كذا ذُكِرَ في
بعض الأعاريب)). قلت: وهو غَلَطّ مَحْضٌ كيف وهو يُحْوِجُ إلى تجُّزٍ وإضمار؟
ولو حُكِي هذا في ((خاتِم)) بالكسر لكان أقربَ؛ لأنه قد يجيء المصدرُ على
فاعِل وفاعِلة. وسيأتي ذلك قريباً. ومنها: أنه اسمٌ بمعنى آخر. ومنها: أنه فعلٌ
ماضٍ مثل قاتّلَ فيكون ((النبيين)) مفعولاً به قلت: ويؤيِّد هذا قراءةُ عبد الله ((خْتَم
النبیین)).
والكسرُ على أنه اسمُ فاعلٍ ، ويؤيِّده قراءةُ عبد الله المتقدمة. وقال
بعضُهم: هو بمعنى المفتوح، يعني بمعنى آخرهم.
آ. (٤٣) قوله: ﴿وملائكته﴾: إمّا عطفٌ على فاعل ((يُصَلِّي)
وأغنى الفصلُ بالجارِّ عن التأكيد بالضمير. وهذا عند مَنْ يرى الاشتراكَ أو القَدْرَ
المشترك أو المجازَ، لأنَّ صلاةَ الله تعالى غيرُ صلاتِهم، وإمَّا مبتدأُ وخبرُه
محذوفٌ أي: وملائكتُهُ يُصَلُّون. وهذا عند مَنْ يرى شيئاً ممَّا تقدَّم جائزاً إلَّ أن
فيه بحثاً: وهو أنهم نَصُوا على أنه إذا اختلفَ مَدْلولا الخبرَيْن فلا يجوزُ حَذْفُ
أحدِهما لدلالةِ الآخرِ عليه، وإن كان بلفظٍ واحدٍ فلا تقول: «زيد ضاربٌ
وعمروٌ)) يعني : وعمروٌ ضاربٌ في الأرض أي: مسافرٌ.
آ. (٤٤) قوله: ﴿تحِيَّتُهم﴾: يجوزُ أن يكونَ مصدراً مضافاً
المفعوله، وأن يكون مضافاً لفاعلِه، ومفعولِه، على معنى: أنَّ بعضَهم يُحَبِّي
(١) السبعة ٥٢٢، والنشر ٣٤٨/٢، والبحر ٢٣٦/٧، والحجة ٥٧٨، والتيسير ١٧٩،
والقرطبي ١٩٦/١٤ .
(٢) الإملاء ١٩٣/٢.
١٢٩

- الأحزاب -
بعضاً. فَيَصِحُّ أَنْ يكونَ الضميرُ الفاعلِ والمفعول باعتبارَيْن، لا أنه يكون فاعلاً
ومفعولاً مِنْ وجهٍ واحدٍ كقول مَنْ قال: ((وكُنَّا لحُكْمِهم شاهدين»(١) إنه مضافٌ
الفاعلِ والمفعولِ .
آ. (٤٥) قوله: ﴿شاهداً﴾: حالٌ مقدرةٌ أو مقارنةٌ لقُرْبٍ الزمان.
آ. (٤٦) قوله: ﴿بإذنِه﴾: حالٌ أي: مُلْتَبِساً بتسهيله ولا يريدُ
حقيقةَ الإِذنِ لأنه مستفادٌ مِنْ ((أَرْسَلْناك)).
قوله: ((وسراجاً)) يجوزُ أَنْ يكونَ عطفاً على ما تقدم: إمَّا على التشبيه وإمَّا
على خَذْفِ مضافٍ أي: ذا سِراج. وجَوَّزَ الفراءِ (٢) أَنْ يكونَ الأصلُ: وتالياً
سِراجاً. ويعني بالسِّراج القرآنَ. وعلى هذا فيكونُ مِنْ عطفِ الصفات وهي
لذاتٍ واحدة: لأنَّ الثَاليَ هو المُرْسَل. وجَوَّزَ الزمخشريُّ(٣) أَنْ يُعْطَفَ على
مفعول ((أَرْسَلْناك)) وفيه نظرً؛ لأنَّ السِّراجَ هو القرآنُ، ولا يُوْصَفُ بالإِرسال بل
الإِنزال، إلاّ أنْ يُقالَ: إنه حُمِلَ على المعنى، كقوله (٤):
٣٧٠٥- عَلَفْتُها تِبْناً وماءً بارداً
وأيضاً فُغْتَفر في الثواني ما لا يُغْتفر في الأوائل.
آ. (٤٨) قوله: ﴿وَدَعْ أذاهم﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ ((أذاهم)) مضافاً
(١) الآية ٧٨ من الأنبياء.
(٢) لم يرد في كتابه ((معاني القرآن)). وورد هذا الإِعراب عن الفراء في البحر. وأجازه
الزمخشري في كشافه ٢٦٦/٣.
(٣) الكشاف ٢٦٦/٣.
(٤) تقدم برقم ١٥٠.
١٣٠

- الأحزاب -
لمفعوله أي: اتْرُْ أذاك لهم أي: عقابَك إياهم، وأن يكون مضافاً لفاعله أي :
اتركْ ما آذَوْك به فلا تؤاخِذْهم حتى تؤمرَ.
آ. (٤٩) قوله: ﴿ثم طَلَّقْتُموهُنَّ﴾: إنْ قيل: ما الفائدةُ بالإِتيان
بـ ((ثم))، وحُكْمُ مَنْ طُلِّقَتْ على الفورِ بعد العَقْد كذلك؟ / فالجوابُ: أنه جَرَىْ [٧٢٣/ب]
على الغالب. وقال الزمخشري(١): ((نَفْيُ التوهُّم عَمَّن عسىْ يَتَوَهَّمُ تفاوتَ
الحُكْمِ بين أَنْ يُطَلِّقَها قريبة العهدِ بالنكاح، وبين أن يَبْعُدَ عهدُها بالنكاح
وتتراخى بها المدةُ في حيالةِ الزوجِ ثم يُطَلِّقها)). قال الشيخ(٢) ((واستعمل عَسَى
صلةً لـ ((مَنْ)) وهو لا يجوز)). (٣) قلتُ: يُخَرَّجُ قولُه على ما خُرِّجَ عليه قولُ
الشاعر(٤):
٣٧٠٦- وإني لَرامٍ نَظْرَةً قِبَلَ التي
لَعَلِّي وإنْ شَطَّتْ نَواها أَزورها
وهو إضمارُ القول.
قوله: (تَعْتَدُّوْنَها)) صفةٌ لـ ((عِدَّة)) و ((تَعْتَدُّونها)) تَفْتَعِلُونها: إمّا مِن العَدَدِ،
وإمَّا مِن الاعتدادِ أي: تَحْتَسِبُونها أو تَسْتَوْفون عَدَدَها مِنْ قولِك: عَدَّ الدراهمَ
فاعتدَّها. أي: استوفىْ عَدَدها نحو: كِلْتُّه فاكتاله، ووَزَنْتُه فاتَّزَنه. وقرأ(٥)
(١) الكشاف ٢٦٧/٣، وبدأ بقوله: ((فائدته)).
(٢) البحر ٢٣٩/٧.
(٣) لأن الصلة يجب أن تكون خبرية و((عسى)) إنشاء.
(٤) البيت للفرزدق وشطره الثاني في الديوان ٦٦١ :
لعلي وإنْ شَمَّتْ عليَّ أنالُها
وهو في الخزانة ٢ / ٤٨١، والهمع ١ /٨٥، والدرر ٦٢/١.
(٥) السبعة ٥٢٢، والبحر ٢٤٠/٧. وهي رواية ابن أبي بَزَّة عن ابن كثير.
١٣١

- الأحزاب -
ابن كثير في روايةٍ وأهلُ مكةً بتخفيف الدال(١). وفيها وجهان، أحدهما: أنها
من الاعتدادِ، وإنما كَرِهوا تضعيفَه فَخَفَّفوه. قاله الرازي قال: ((ولو كانَ من
الاعتداءِ الذي هو الظلمُ لَضَعُفَ؛ لأنَّ الاعتداءَ يتعدَّى بـ على)). قيل: ويجوز
أَنْ يكونَ من الاعتداء وحَذَفَ حرفَ الجرِّ أي: تَعتَدُون عليها أي: على العِدَّة
مجازاً ثم تَعْتَدُوْنها كقوله(٢):
٣٧٠٧- تَحِنُّ فَتُبْدِيْ ما بها مِنْ صَبابةٍ
وأُخْفي الذي لولا الأسى لِقَضاني
أي: لقضى عليَّ. قال الزمخشري (٣): «وقُرِىء «تَعْتَدُونها)) مخففاً أي:
تعتدون فيها. کقوله(٤) :
٣٧٠٨۔ ویومٍ شَهِدْنا.
البيت. والمرادُ بالاعتداءِ ما في قوله: ((ولا تُمْسِكُوهِن ضِراراً لتعتّدوا))
يعني: أنه حَذَفَ الحرفَ كما حَذَّفَ في قوله :
- ويومٍ شَهِدْناه سُلَّيْمى وعامِراً
قليلٍ سوى الطَّعْنِ النُّهالِ نوافِلُهْ
وقيل: معنى تَعْتَّدُونها أي: تَعْتَدُوْن عليهنَّ فيها. وقد أنكر ابنُ عطية(٥)
القراءةَ عن ابن كثير وقال: ((غَلِطَ ابنُ أبي بَزَّة عنه)) وليس كما قال. والثاني:
(١) (تَعْتَدُوْنَها)).
(٢) تقدم برقم ١٨٣٥.
(٣) الكشاف ٣٦٧/٣.
(٤) تقدم برقم ٤٣٥.
(٥) المحرر ٨٣/١٣ وعبارته: (وَهْمٌّ من أبي بَزَّة)).
١٣٢

- الأحزاب -
أنها من العُدْوان والاعتداء، وقد تقدَّم شَرْحُه، واعتراضُ أبي الفضل(١) عليه:
بأنه كان ينبغي أَنْ يتعَدَّى بـ ((على))، وتقدَّم جوابُه. وقرأ الحسن («تَعْدُّونها))
بسكون العين وتشديدِ الدالٍ، وهو جمعٌ بين ساكنّيْن على غيرِ حَدَّيْهما.
آ. (٥٠) قوله: ﴿يُمَّا أفاء﴾: بيانٌ لِمَا مَلَكَتْ وليس هذا قَيْداً، بل
لو ملكَتْ يمينُه بالشراء كان الحكمُ كذا، وإنما خَرَجَ مَخَرَجَ الغالب.
قوله: ((وامرأةً)) العامَّةُ على النصب. وفيه وجهان، أحدهما: أنها عطفٌ
على مفعولٍ ((أَحْلَلْن)) أي: وأَحْلَلْنا لك امرأةً موصوفةً بهذين الشرطين. قال
أبو البقاء(٢): ((وقد رَدَّ هذا قومٌ وقالوا: ((أَحْلَلْنا)) ماضٍ و ((إِنْ وَهَبَتْ)) وهو صفةٌ
المرأة مستقبلٌ، فَأَحْلَلْنا في موضع جوابِهِ، وجوابُ الشرط لا يكونُ ماضياً في
المعنى)» قال: ((وهذا ليس بصحيحٍ لأنَّ معنى الإِحلالِ ههنا الإِعلامُ بالحِلِّ إذا
وقع الفعلُ على ذلك كما تقول: أَبَحْتُ لك أَنْ تُكلِّمَ فلاناً إنْ سَلَّم عليك)).
الثاني : أنه ينتصِبُ بمقدرٍ تقديرُه: ويُحِلُّ لك امرأةً.
قوله: ((إِنْ وَهَبَتْ ... إنْ أرادَ)) هذا من اعتراضِ الشرط على الشرطِ،
والثاني هو قيدٌ في الأولِ ، ولذلك نُعْرِبه حالاً، لأنَّ الحالَ قيدً. ولهذا اشترط
الفقهاءُ أن يتقدَّمَ الثاني على الأولِ في الوجود. فلو قال: ((إنْ أكلْتٍ إِنْ ركْبْتِ
فأنتِ طالقٌ)) فلا بُدُّ أنْ يتقدَّم الركوبُ على الأكلِ. وهذا لِتَتَحَقَّقَ الحاليةُ والتقييدُ
كما ذكرْتُ لك؛ إذ لو لم يتقدَّمْ لخلا جزءٌ من الأكل غيرُ مقيدٍ بركوبٍ، فلهذا
اشترطُوا تقدُّمَ الثاني. وقد مضى تحقيقُ هذا، وأنَّه بشرطِ أَنْ لا تكونَ ثَمَّ قرينةٌ
تمنعُ من تقدُّمِ الثاني على الأولِ. كقولك: ((إِنْ تَزَوَّجْتُكِ إِنْ طَلَّقْتُكِ فَعَبْدي
حُرِّ) لا يُتَصَوَّرُ هنا تقديمُ الطلاق على التزويج.
(١) وهو الرازي.
(٢) الإملاء ١٩٣/٢.
١٣٣

- الأحزاب .
إلَّ أني قد عَرَضَ لي إشكالٌ على ما قاله الفقهاء بهذه الآية: وذلك أن
الشرطَ الثاني هنا لا يمكِّنُ تقدُّمُهِ في الوجودِ بالنسبةِ إلى الحكمِ الخاص بالنبي
صلَّى الله عليه وسلّم، لا أنه لا يمكن عقلاً. وذلك أن المفسّرين فَسَّروا قولَه
تعالى: ((إِنْ أرادَ)) بمعنى قبِلَ الهِبَةَ؛ لأنَّ (١) بالقبول منه عليه السلام يَتِمُّ نكاحُه
وهذا لا يُتَصَوَّرُ تقدُّمه على الهِبة؛ إذ القبولُ متأخرٌ. وأيضاً فإنَّ القصةَ كانَتْ على
ما ذَكَّرْتُهُ مِنْ تأخّر إرادته عن هِبَتِها، وهو مذكورٌ في التفسيرِ. والشيخ(٢) لَمَّا جاء
إلى ههنا جعلَ الشرطَ الثاني متقدِّماً على الأول على القاعدة العامةِ
ولم يَسْتَشْكِلْ شيئاً مِمَّا ذكرته. وقد عَرَضْتُ هذا الإِشكالَ على جماعةٍ من أعيان
[٧٢٤/ أ] زمانِنا فاعترفوا به، ولم يُظهر عنه جوابٌ، إلَّ ما / قَدَّمْتُه مِنْ أنه ثَمَّ قرينةٌ مانعةٌ
من ذلك كما مثَّلْتُ لك أنفاً.
وأبو حيوةً(٣) ((وامرأة)) بالرفع على الابتداء، والخبرُ مقدرٌ أي: أَجْلَلْنَاهَا
لك أيضاً. وفي قوله: ((إنْ أراد النبيُّ)) التفاتٌ من الخطاب إلى الغَيْبة بلفظٍ
الظاهر تنبيهاً على أنَّ سْببَ ذلك النبوَّةُ، ثم رَجَعَ إلى الخطاب فقال: خالصةً
لك.
وقرأ(٤) أُبَيُّ والحسنُ وعيسى ((أَنْ)) بالفتح وفيه وجهان، أحدهما: أنه
بدلٌ مِنْ ((امرأة)) بدلُ اشتمالٍ، قاله أبو البقاء(٥). كأنه قيل: وأَحْلَلْنا لكِ هِبَةً
(١) اسم ((أنَّ)) هذه ضمير الشأن.
(٢) البحر ٢٤٢/٧ - ٢٤٣.
(٣) البحر ٢٤٢/٧.
(٤) انظر في قراءاتها: المحتسب ١٨٢/٢، والإتحاف ٣٧٦/٢، والبحر ٢٤٢/٧،
والقرطبي ٢٠٩/١٤.
(٥) الإِملاء ١٩٣/٢.
١٣٤

- الأحزاب -
المرأةِ نفسَها لك. الثاني: أنَّه على حَذْفٍ لامِ العلََّ أي: لَأَنْ وهبت.
وزيدُ بن علي ((إِذ وَهَبَتْ)) وفيه معنى العِلِيَّةِ.
قوله: ((خالصةً)) العامَّةُ على النصبِ. وفيه أوجهٌ، أحدها: أنَّه منصوبٌ
على الحالِ مِنْ فاعلِ ((وَهَبَتْ)). أي: حالَ كونِها خالصةً لك دونَ غيرك.
الثاني: أنها حالٌ من ((امرأةٌ)) لأنها وُصِفَتْ فتخصَّصَتْ وهو بمعنى الأول.
وإليه ذهب الزّجَّاج(١). الثالث: أنها نعتُ مصدرٍ مقدرٍ أي: هِبةً خالصةً.
فنصبَها بوَهَبَتْ. الرابع: أنها مصدرٌ مؤكدٌ كـ ((وَعْدَ الله))(٢). قال
الزمخشري (٣): ((والفاعلُ والفاعلةُ في المصادر غيرُ عزيزَيْن كالخارج والقاعِد
والكاذبة والعافية)). يريد بالخارج ما في قول الفرزدق(٤):
٣٧٠٩-
ولا خارِجاً مِنْ فِيَّ زُوْرُ كَلامٍ
وبالقاعدِ ما في قولهم: ((أقاعِداً وقد سار الرَّكْبُ)) وبالكاذبة ما في قوله
تعالى: ((ليس لوَقْعَتِها كاذِبَة)). وقد أنكر الشيخُ(٥) عليه قولَه ((غير عزيزيْن))
(١) معاني القرآن ٢٣٣/٤.
(٢) الآية ١٢٢ من النساء.
(٣) الكشاف ٢٦٨/٣.
(٤) صدره :
على جِلْفَةٍ لا أَشْتِمُ الدهرَ مسلماً
وهو في ديوانه ٧٦٩، والكتاب ١٧٣/١، والمقتضب ٢٦٩/٣، وابن يعيش ٥٩/٢،
والخزانة ١٠٨/١.
قال ابن يعيش: ((الشاهد فيه نصب خارجاً لوقوعه موقع المصدر الموضوع موضع
الفعل والتقدير: لا يخرج خروجاً».
(٥) البحر ٢٤٢/٧ ..
١٣٥

- الأحزاب -
وقال: ((بل هما عزيزان، وما وَرَدَ متأوَّلٌ)). وقُرِىء(١) ((خالِصَةٌ)) بالرفع. فإنْ
كانَتْ ((خالصةً)) حالاً قُدِّرَ المبتدأُ ((هي)) أي: المرأةُ الواهبةُ. وإن كانَتْ
مصدراً قُدِّر: فتلك الحالةُ خالصة. وَ((لك)) على البيان أي: أعني لكِ نحو:
سَقْياً لك.
قوله: ((لكيلا)) متعلَّقٌ بـ ((خالصةً) وما بينهما اعتراضٌ و((مِنْ دون))
متعلَّقٌ بـ((خالصةً)) كما تقول: خَلَصَ مِنْ كذا.
آ. (٥١) قوله: ﴿ومَنِ ابْتَغَيْتَ﴾: يجوزُ في ((مَنْ)) وجهانٍ.
أحدهما: أنها شرطيةٌ في محلِّ نصبٍ بما بعدها.
وقوله: ((فلا جُناحَ عليك)) جوابُها. والمعنى: مَنْ طَلَبْتَها من النسوةِ اللاتي
عَزَلْتَهُنَّ فليس عليك في ذلك جُناحٌ. الثاني: أَنْ تكونَ مبتدأةً. والعائدُ
محذوفُ. وعلى هذا فيجوزُ في ((مَنْ)) أَنْ تكونَ موصولةً، وأنْ تكونَ شرطيةً
و((فلا جُناح عليك)) خبرٌ أو جوابُ أي: والتي ابْتَغَيْتَها. ولا بُدَّ حينئذٍ مِنْ ضميرٍ
راجعٍ إلى اسم الشرط من الجوابِ أي: في ابتغائِها وطَلّبها. وقيل: في
الكلامِ حذفُ معطوفٍ تقديرُه: ومَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ ومَنْ لم تَعْزِلْ سواءٌ
لا جُناح عليك كما تقول: مَنْ لَقِيَكَ مِمَّن لم يَلْقَكُ جميعُهم لك شاكرٌ. تريد:
مَنْ لَقِيَكَ ومَنْ لم يَلْقَكَ. وهذا فيه إلغازٌ.
قوله: ((ذلك)) أي: التفويضُ إلى مَشيئِك أقربُ إلى قرَّة أعينهنَّ.
والعامَّةُ (تَقَرَّ) مبنياً للفاعل مُسْنداً لـ((أَعْيُنُهُنَّ)). وابنُ محيصن(٢) (تُقِرَّ) مِنْ
أَقَرَّ رباعياً. وفاعلُه ضمير المخاطب. ((أعينَهُنَّ)) نصبٌ على المفعولِ به.
(١) البحر ٢٤٢/٧.
(٢) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٣٧٧/٢، والقرطبي ٢١٦/١٤، والبحر ٢٤٣/٧.
١٣٦

- الأحزاب -
وقُرِىء ((تُقَرَّ) مبنياً للمفعول. ((أعينُهُنَّ)) رفعٌ لقيامِه مَقَامَ الفاعل. وقد تَقَدَّم معنى
((قُرَّة العين)) في مريم(١).
قوله: ((كلُّهن)) العامةُ على رفعِه توكيداً لفاعلِ ((يَرْضَيْن)). وأبو أناس(٢)
بالنصب توكيداً لمفعولِ ((آتیتهُنَّ».
آ. (٥٢) قوله: ﴿لا يحلُّ﴾: قرأ أبو عمرٍو(٣) ((تَحِلُّ)) بالتأنيث
اعتباراً باللفظ. والباقون بالياء؛ لأنه جنسٌ وللفصل أيضاً.
قوله: ((مِنْ بَعْدُ)) أي: مِنْ بعدِ اللاتي نَصَصْنا لك على إحْلالِهِنَّ. وقد
تقدَّم. وقيل: مِنْ بعدِ إباحةِ النساءِ المسلماتِ دونَ الكتابيات.
قوله: ((مِنْ أزواجٍ )) مفعولٌ به. و ((مِنْ)) مزيدةٌ فيه لاستغراق الجنس .
قوله: ((ولو أعجبكَ)) كقوله: ((أَعْطُوا السائل ولو على فَرَس)) (٤) أي: في
كل حال، ولو على هذه الحالِ المنافية.
قوله: ((إلاَّ ما مَلَكَتْ)) فيه أوجه، أحدها: أنه مستثنى من ((النساء)»، فيجوز
فيه وجهان: النصبُ على أصل الاستثناء، والرفعُ على البدل. وهو المختار.
الثاني (٥): أنه مستثنى من أزواج. قاله أبو البقاء(٦). فيجوزُ أَنْ يكونَ في موضعٍ
(١) انظر: الدر المصون ٧ /٥٩٠.
(٢) المحتسب ١٨٢/٢، والبحر ٢٤٤/٧. والأصل أبو إياس. والقارىء هو جُوَيَّة
ابن عائذ أو ابن عاتك الأسدي الكوفي. روى عن عاصم، وله اختيار في القراءة
روى عنه نعيم بن يحيى. ولم تذكر وفاته. انظر: طبقات القراء ١٩٩/١.
(٣) السبعة ٥٢٣، والتيسير ١٧٩، والنشر ٣٤٩/٢، والقرطبي ٢٢١/١٤، والحجة
٥٧٩.
(٤) رواه أبو داود: الزكاة ٣٠٦/٢، ابن حنبل ٢٠١/١.
(٥) الأصل: ((والثالث)) وهو سهوّ. والتصحيح من (ش).
(٦) الإملاء ١٩٤/٢.
١٣٧

- الأحزاب -
[٧٢٤/ ب] نصبٍ على أصل الاستثناء، وأنْ يكونَ / في موضع جَرّ بدلاً مِنْ ((هنَّ))(١) على
اللفظِ، وأن يكونَ في موضع نصبٍ بدلاً مِنْ ((هُنَّ) على المحلِّ.
وقال ابن عطية(٢): ((إنْ كانَتْ ((ما)) مصدريةً فهي في موضعِ نصبٍ لأنه
مِنْ غير الجنس. وليس بجيد؛ لأنه قال بعد ذلك: والتقديرُ: إِلَّ مِلْك اليمين ..
ومِلْك بمعنى مَمْلوك)). انتهى. وإذا كان بمعنى مَمْلوك صار من الجنس، وإذا
صار من الجنس لم يكن منقطعاً. على أنه على تقدير انقطاعه لا يَتَحَتَّمُ نصبُه
بل يجوزُ عند تميم الرفعُ بدلاً، والنصبُ على الأصلِ كالمتصل، بشرط صحةٍ
توجُّهِ العاملِ إليه كما حَقِّقْتُه غيرَ مرة. وهذا يمكنُ توجُّهُ العاملِ إليهِ ولكنَّ اللغةً
المشهورةَ لغةُ الحجازِ: وهو لزومُ النصبِ في المنقطعِ مطلقاً كما ذكره
أبو محمدٍ آنفاً.
آ. (٥٣) قوله: ﴿إِلَّ أَنْ يُؤْذَنَ﴾: فيه أوجهٌ، أحدها: أنها في
موضعِ نصبٍ على الحالِ تقديرُه: إلَّ مَصْحوبين بالإِذن. الثاني: أنها على
إسقاطٍ باءِ السببِ تقديرُه: إلَّ بسببٍ الإذن لکم کقوله: فاخْرُجْ به أي بسببه
الثالث: أنه منصوبٌ على الظرف. قال الزمخشري (٣): ((إلَّ أَنْ يُؤْذَنَ: في معنى
الظرف تقديره: إلَّ وقتَ أَنْ يُؤْذَنَ لكم. و((غيرَ ناظرين)) حالٌ مِنْ ((لا تَدْخُلوا))،
وقع الاستثناء على الحالِ والوقتِ معاً، كأنه قيل: لا تَدْخُلوا بيوتَ النبيِّ إلَّ
وقتَ الإِذن، ولا تَدْخُلوا إلَّ غير ناظرين إناه)).
وردًّ الشيخُ (٤) الأولَ: بأنَّ النحاةَ نَصُّوا على أنَّ ((أنْ)) المصدريةَ لا تقعُ
(١) من قوله: ((بهن).
(٢) المحرر ٩٢/١٣.
(٣) الكشاف ٢٧٠/٣ .
(٤) البحر ٢٤٦/٧ .
١٣٨

- الأحزاب -
موقعَ الظرفِ. لا يجوز: ((آتيكَ أَنْ يصيحَ الديك)) وإن جاز ذلك في المصدر
الصريح نحو: آتيك صياح الديك. ورَدَّ الثاني: بأنه لا يقعُ بعد ((إلَّ) في
الاستثناء إلّ المستثنى أو المستثنى منه أو صفتُه. ولا يجوز في ما عدا هذا عند
الجمهور. وأجاز ذلك الكسائيُّ والأخفش(١). وأجازا «ما قام القومُ إلَّ يومَ
الجمعة ضاحِکین».
و ((إلى طعامٍ)) متعلقٌ بـ (يُؤْذَنَ))؛ لأنه بمعنى: إلّ أن تُدْعَوا إلى طعام.
وقرأ العامةُ ((غيرَ ناظرين)» بالنصب على الحال كما تقدم، فعند الزمخشري(٢)
ومَنْ تابعه: العاملُ فيه ((يُؤْذَنَ)) وعند غيرِهم العاملُ فيه مقدرٌ تقديره: ادْخُلوا غير
ناظرين. وقرأ(٣) ابن أبي عبلة ((غيرِ)) بالجرِّ صفةً لـ طعام. واستضعفها الناسُ
مِنْ أجل عدمِ بروزِ الضميرِ لجريانِه على غيرٍ مَنْ هُو له، فكان مِنْ حَقِّ أَنْ
يُقال: غيرَ ناظرين إناه أنتم. وهذا رأيُ البصريين (٤). والكوفيون يُجيزون ذلك
إن لم يُلْبَسْ كهذه الآيةِ. وقد تقدَّمَتْ هذه المسألةُ وفروعُها وما قيل فيها. وهل
ذلك مختصِّ بالاسمِ أو يَجْري في الفعل؟ خلافٌ مشهور قَلَّ مَنْ يَضْبِطُه.
وقرأ العامّةُ ((إناه) مفرداً أي: نُضْجَه. يقال: أَنَى الطعامُ إنَّّ نحو: قَلاه
قِلَىٌ. وقرأ(٥) الأعمشُ ((آناءه)» جمعاً على أفْعال فأُبْدِلَتْ الهمزةُ الثانية (٦) ألفاً،
والياءُ همزةً لتطُرُّفها بعد ألفٍ زائدةٍ، فصار في اللفظ كآناء من قوله: ((ومِنْ آناءِ
الليل))(٧) وإن كان المعنى مختلفاً.
(١) في الحال، كما في البحر.
(٢) الكشاف ٢٧٠/٣.
(٣) القرطبي ٢٢٦/١٤، والبحر ٢٤٦/٧.
(٤) انظر: الإنصاف ٥٧/١.
(٥) البحر ٢٤٦/٧ .
(٦) لأن أصله: أَأْناي.
(٧) الآية ١٣٠ من طه.
١٣٩

- الأحزاب -
قوله: ((ولا مُسْتَأْنِسِين)) يجوز أَنْ يكونَ منصوباً عطفاً على ((غيرَ)) أي:
لا تَدْخُلوها غيرَ ناظرين(١) ولا مستأنِسين. وقيل: هذا معطوفٌ على حالٍ مقدرة
أي: لا تدخُلوا هاجمين ولا مستأنِسين، وأنْ يكونَ مجروراً عطفاً [على]
((ناظرين)) أي: غيرَ ناظرين وغيرَ مُسْتَأْنسين.
قوله: ((لحديثٍ) يُحتمل أَنْ تكونَ لامَ العلةِ أي: مستأنسين لأجل أَنْ
يُحَدِّثَ بعضكم بعضاً، وأن تكونَ المقوّيةَ للعامل لأنه فرعٌ أي: ولا مُسْتأنسينَ
حديثَ أهلِ البيت أو غيرِهم(٢).
قوله: ((إنَّ ذلكم) أي: إنَّ انتظارَكم واستئناسَكم فأُشير إليهما إشارةً
الواحدِ كقوله: ((عَوانٌ بين ذلك))(٣). أي: إنَّ المذكور. وقُرىء (٤) (لا يَسْتَجِي))
بياءٍ واحدةٍ، والأخرى محذوفةٌ. واخْتُلِفَ فيها: هل هي الأولى أو الثانية؟ وتقدَّم
ذلك في البقرة، وأنها روايةٌ عن ابن كثير(٥). وهي لغةُ تميمٍ. يقولون: إِسْتَحى
يَسْتَحِي، مثل: اسْتَقَى يُسْتقي. وأنشدْتُ عليه هناك ما سُمِع فيه.
:
قوله: ((أَنْ تُؤْذُوا)) هي اسمُ كان. و ((لكم)) الخبرُ. و(«لا أَنْ تَنْكِحُوا)»
عطفٌ على اسم كان. و ((أبداً)) ظرف.
آ. (٥٥) [قوله]: ﴿واتّقِينَ﴾: عطف على محذوفٍ أي: امْتَعِلْن
ما أُمِرْتُنَّ به واتَّقين.
(١) الأصل ((ناظر)) والتصحيح من (ش).
(٢) قال ابن هشام: ((وهي المزيدة لتقوية عاملٍ ضَعُف إما بتأخره، أو بكونه فرعاً في.
العمل نحو: ((مصدِّقاً لما معهم)). انظر: المغني ٢٨٦.
(٣) الآية ٦٨ من البقرة.
(٤) البحر ٢٤٧/٧.
(٥) انظر: الدر المصون ٢٢١/١، الشواذ ٤. في رواية شبل عن ابن كثير،
وابن محيصن ويعقوب .
١٤٠