النص المفهرس

صفحات 101-120

- الأحزاب -
قوله: ((عَوْرَةٌ)) أي: ذاتُ عَوْرة. وقيل: منكشِفةٌ للسارقٍ. قال الشاعر(١):
٣٦٨٠- له الشَّدَّةُ الأوْلى إذا القِرْنُ أَعْورا
وقرأ(٢) ابن عباس وابن يعمر وقتادة وأبو رجاء وأبو حيوة وآخرون ((عَوِرة)»
بكسرِ الواو، وكذلك ((وما هي بعَوْرَة)» وهي اسمُ فاعلٍ يُقال: عَوِر المنزلُ يَعْوَر
عَوْراً وَعَوْرَة فهو عَوِر وبيوتُ عَوْرَةٌ. قال ابن جني (٣): ((تصحيحُ الواوِ شاذٌ) يعني
حيث تحرِّكَتْ وانفتح ما قبلها، ولم تُقْلَبْ ألفاً (٤). وفيه نظرٌ لأنَّ شرطَ ذاك في
الاسم الجاري على الفعلِ أَنْ يَعْتَلِّ فِعْلُه نحو: مَقام ومَقال. وأمَّا هذا ففعلُه
صحيحٌ نحوَ: عَوِر. وإنما صَحَّ الفعلُ وإنْ كان فيه مُقْتضى الإِعلال لِمَدْرَكٍ
آخرَ: وهو أنه في معنى ما لا يُعَلُّ وهو أَعْوَر، ولذلك لم يُتَعَجِّبْ مِنْ عَوِر وبابه.
وأَعْوَرَ المنزلُ: بَدَتْ عَوْرَتُه، وأَعْوَرَ الفارسُ: بدا منه خَلَلٌ للضرِب. قال
الشاعر (٥) :
٣٦٨١- متى تَلْقَهم لم تَلْقَ في البيتِ مُعْوِراً
ولا الضيفَ مَسْجوراً ولا الجارَ مُرْسَلاً
آ. (١٤) قوله: ﴿مِنْ أَقْطارها﴾: الأَقْطار جمع قُطْر بضمِّ
(١) لم أهتدٍ إلى تمامه وقائله، وهو في معاني القرآن للفراء ٣٣٧/٢، واللسان (عور)
وقال: إنه في وصف أسد، والمحرر ٥٦/١٣، والماوردي ٣١١/٣.
(٢) الإتحاف ٣٧٢/٢، والقرطبي ١٤٨/١٤، والمحتسب ١٧٦/٢، والبحر ٢١٨/٧.
(٣) المحتسب ١٧٦/٢ .
(٤) فيقال: عارَة.
(٥) لم أهتدٍ إلى قائله، وهو في القرطبي ١٤٨/١٤، ورواية شطره الثاني فيه:
ولا الضيفَ مفجوعاً ولا الجارَ مُرْمِلا
والبحر ٢١٨/٧. ومسجوراً: متروكاً بلا راعٍ.
١٠١

- الأحزاب -
القاف، وهي الناحيةُ. وفيه لغةٌ: قُتْرِ وأَقْتار بالتاء. والقُطْر: الجانب أيضاً. ومنه
قَطَرْتُه أي: أَلْقَيْتُه على قُطْرِهِ فَتَقَطّر أي: وقع عليه. قال الشاعر(١):
٣٦٨٢- قد عَلِمَتْ سَلْمى وجاراتُها
ما قَطَّر الفارسَ إلَّ أنَا
وفي المَثَل ((الانفضاض يقطر الحلب))(٢) تفسيرُه: أنَّ القومَ إذا انّفَضُّوا
أي: فَني زادُهم احتاجوا إلى حَلْبِ الإِبلِ. وسُمِّي القَطْرا قَطْراً لسقوطِه.
قوله: ((ثم سُئِلوا)) قرأ(٣) مجاهد ((سُوْيِلُوا)) بواوٍ ساكنة ثم ياءٍ مكسورةٍ
كقُوتلوا. حكى أبو زيد (٤) همَا يَتَاوَلان بالواو. والحسنُ ((سُوْلُوا)) بواوٍ ساكنةٍ
فقط، فاحتملت وجهين، [أحدهما]: أَنْ يكونَ أصلُها سُئِلوا كالعامَّةِ ثم خُفِّفَتٍ
الكسرةُ فسَكَنَتْ، كقولِهم في ((ضَرِب))(٥) بالكسر: ضَرْب بالسكون فَسَكَنت
الهمزةُ بعد ضمة فقُلِبتَ واواً نحو: بُوْس في بُوس. والثاني: أن تكونَ مِنْ لغةٍ
الواو. ونُقل عن أبي عمرو أنه قرأ ((سِيْلُوا)) بياءٍ ساكنةٍ بعد كسرةٍ نحو: مِيْلُوا.
قوله: (لَأَّوْها) قرأ(٦) نافعٌ وابن كثيرٍ بالقصر (٧) بمعنى لَجَأْوُوْها
(١) تقدم برقم ١٨١ .
(٢) نصُّه في مجمع الأمثال ٣٣٨/٢ ((النُّفاض يُقَطّر الجَلَب)) وقال: إن النفاض فناء
الزاد، والجلب: المجلوب للبيع، فإذا جاء الجَدْب جُلبت الإِبل للبيع قطاراً قطاراً
مخافة أن تهلك. ويُضرب لمن يؤمر بإصلاح حاله قبل أن يتطرق إليه الفساد.
(٣) انظر في قراءاتها: البحر ٢١٩/٧، والشواذ ١١٩، والإتحاف ٣٧٢/٢، والمحتسب
١٧٧/٢.
(٤) انظر: المحتسب ١٧٧/٢.
(٥) رجلٌ ضَرِب: جيد الضَّرْب.
(٦) السبعة ٥٢٠، والتيسير ١٧٨، والحجة ٥٧٤، والبحر ٢١٨/٧، والقرطبي
١٤٩/١٤، والنشر ٣٤٨/٢.
(٧) أي: لَأَتَوْها قصيرةً من أتيت.
١٠٢

- الأحزاب -
وغَشِيُوها(١). والباقون بالمدِّ بمعنى: لَأَعْطَوْها. ومفعولُه الثاني محذوفٌ تقديره:
لأَتَوْها السَّائلين. والمعنى: ولو دَخَلْتَ البيوتَ أو المدينة مِنْ جميع نواحيها، ثم
سُئِل أهلُها الفتنةَ لم يمتنعوا من إعطائِها. وقراءةُ المَدِّ تَسْتَلْزِمُ قراءةً القصرِ من
غيرِ عكسٍ بهذا المعنى الخاص.
قوله: ((إلَّ يَسِيراً)) أي: إلَّ تَلَبُّناً أو إلَّا زماناً يسيراً. وكذلك قولُه: ((إلاَّ
قليلاً))(٢) أي: إلا تَمَتُّعاً أو إلَّ زماناً قليلاً.
آ. (١٥) قوله: ﴿لا يُوَلَّون﴾: جوابٌ لقولِه ((عاهدوا)) لأنَّه في
معنى أَقْسَموا. وجاء على حكايةِ اللفظ فجاء بلفظِ الغَيْبة / ولو جاء على حكاية [٧١٩/ب]
المعنى لقيل: لا يُؤَلِّي. والمفعولُ الأولُ محذوفٌ أي: لا يُوَلُّونِ العَدُوِّ الأدبارَ.
وقال أبو البقاء (٣): ((ويُقرأ بتشديد النون وحَذْفِ الواوِ على تأكيدٍ جواب
القسم)). قلت: ولا أظنُّ هذا إِلَّ غلطاً منه، وذلك أنه: إمَّا أَنْ يُقْرأ مع ذلك
بـ ((لا)) النافية أو بلامِ التأكيد. الأولُ لا يجوزُ؛ لأنَّ المضارع المنفيَّ بـ((لا))
لا يؤكّد بالنون إلَّ ما نَدَر، مِمَّا لا يُقاس عليه. والثاني فاسدُ المعنى.
آ. (١٦) قوله: ﴿إِنْ فَرَرْتُمْ﴾: جوابُه محذوفٌ لدلالةِ النفيِ
قبله علیه، أو متقدّمُ عند من یری ذلك.
قوله: ((وإذَنْ لا تُمَتَّعُوْن)) ((إذن)» جوابٌ وجزاءٌ. ولمّا وقعَتْ بعد عاطفٍ
جاءَتْ على الأكثر، وهو عدمُ إعمالِها، ولم يَشِذَّ هنا ما شَذَّ في الإِسراءِ(٤) فلم
(١) كذا في الأصل، ولعله: وغَشُوها بإعلاله بالحذف.
(٢) الآية ١٦.
(٣) الإملاء ١٩١/٢.
(٤) الآية ٧٦. قرأ أبي بحذف النون. انظر: الدر المصون ٣٩٤/٧.
١٠٣

- الأحزاب -
يُقْرأ بالنصب(١). والعامَّةُ على الخطاب في ((تُمَتِّعون)). وقُرِىء بالغَيْبةِ(٦).
آ. (١٧) قوله: ﴿مَنْ ذا الذي﴾: قد تقدَّم في البقرة(٣). قال
الزمخشريُّ(٤): ((فإن قلتَ: كيف جُعِلَتِ الرحمةُ قرينةَ السوءِ في العِصْمةِ،
ولا عِصْمةً إلَّ من السوء؟ قلت: معناه أو يصيبكم بسوءٍ إنْ أرادَ بكم رحمةٌ،
فاختصر الكلامَ وأجري مُجْرى قولِه (٥):
٣٦٨٣-
مُتَقَدِّداً سَيْفاً ورُمْجِأَ
أو حُمِلَ الثاني على الأول، لِما في العِصْمة من معنى المُنْع)». قال
الشيخ (٦): ((أمَّا الوجهُ الأولُ ففيه حَذْفُ جملةٍ لا ضرورةَ تَدْعو إلی خَذْفِها،
والثاني هو الوجهُ، لا سيما إذا قُدَّر مضافٌ محذوفٌ أي: يَمْنَعُكم مِنْ مراد الله))
قلت: وأين الثاني مِن الأول ولو كان معه حَذْفُ جُمَلٍ؟
:
آ. (١٨) قوله: ﴿هَلُمَّ﴾: قد تقدَّم الكلامُ فيه آخرَ الأنعام(٧) .
وهو هنا لازمٌ وهناك متعدّ لنصبِه مفعولَه وهو (شُهداءَكم)) بمعنى: أَحْضِروهم
(١) بل قُرِئت كما نقل القرطبي ١٥١/١٤، والأخفش في معاني القرآن ٤٤٢/٢، قال:
((وهي في بعض القراءة نصب أعملوها كما يعملونها بغير فناء ولا واو)). وانظر:
الكتاب ٤١١/١.
(٢) وهي قراءة يعقوب الحضرمي برواية الساجي. انظر: القرطبي ١٥١/١٤، والبحر
٢١٩/٧.
(٣) انظر: الدر المصون ٥٠٨/٢.
(٤) الكشاف ٢٥٥/٣.
(٥) تقدم برقم ١٤٩ .
(٦) البحر ٢١٩/٧.
(٧) انظر: الدر المصون ٢١١/٥.
١٠٤

- الأحزاب -
وههنا بمعنى احْضَروا وتعالَوْا، وكلامُ الزمخشريِّ هنا مُؤْذِنٌ بأنه متعدٍّ أيضاً،
وحُذِفَ مفعولُه فإنه قال: وَهلمُّوا إلينا أي: قَرِّبوا أنفسكم إلينا قال: وهي صوتٌ
سُمِّي به فعلٌ متعدٍّ مثل: أحضِرْ وقَرِّب. وفي تسميته إياه صَوْتاً نظرً؛ إذ أسماءُ
الأصواتِ محصورةٌ ليس هذا منها.
آ. (١٩) قوله: ﴿أَشِحَّةً﴾: العامَّةُ على نصبه. وفيه وجهان،
أحدهما: أنَّه منصوبٌ على الشتم (١). والثاني: على الحال. وفي العاملِ فيه
أوجة، أحدها: ((ولا يأتون)) قاله الزجاج(٢). الثاني: ((هلمَّ إلينا)). قاله
الطبري (٣). الثالث: يُعَوِّقُون مضمراً. قاله الفراء(٤). الرابع: المُعَوِّقين.
الخامس: ((القائلين)). ورُدَّ هذان الوجهان الأخيران: بأنَّ فيهما الفصلَ بين
أبعاضِ الصلة بأجنبي. وفي الردِّ نظرٌ؛ لأنَّ الفاصلَ بين أبعاضِ الصلةِ مِنْ
متعلَّقاتها. وإنما يظهر الردّ على الوجه الرابعِ لأنه قد عُطِفَ على الموصولِ قبل
تمامٍ صلتِه فتأمُّلْه فإنه حَسَنٌ. وأمَّا ((ولا يأْتُون)) فمعترِضٌ، والمعترضُ لا يمنعُ
من ذلك.
وقرأ(٥) ابن أبي عبلة ((أَشِخَّةٌ)) بالرفع على خبرِ ابتداءٍ مضمرٍ أي: هم
أَشِحَّةٌ. وأشحَّة جَمْعُ شَحيح، وهو جمعٌ لا ينقاس؛ إذ قياسُ فَعِيل الوصفِ
الذي عينُهُ ولامُه مِنْ وادٍ واحدٍ أن يُجْمَعَ على أفْعِلاء نحو: خليل وأَخِلَّاء،
وظَنين وَظِنَّاء وضَنين وأَضِنَّاء. وقد سُمِعَ أشِخَّاء، وهو القياس. والشُّحُّ:
البخل. وقد تقدَّم في آل عمران(٦).
(١) في هذا اللفظ نظر. ولو قال: على الذم لكان أنسب في المقام القرآني.
(٢) معاني القرآن له ٢٢٠/٤.
(٣) تفسير الطبري ١٤٠/٢١.
(٤) معاني القرآن له ٣٣٨/٢.
(٥) البحر ٢٢٠/٧.
(٦) بل في النساء. انظر: الدر المصون ١١١/٤.
١٠٥

- الأحزاب -
قوله: ((يُنْظُرون)) في محلِّ حالٍ مِنْ مفعول ((رَأيْتَهم)) لأن الرؤيةَ بَصَرية.
قوله: (تَدُورُ)) إمَّا حالٌ ثانية، وإمَّا حالٌ مِنْ ((يَنْظُرون)).
قوله: ((كالذي يُغْشَىْ)) يجوز فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أَنْ تكونَ حالاً مِنْ
(أعينُهم)) أي: تدورُ أَعِينُهم حالَ كونِها مُشْبِهَةً عينَ الذي يُغْشى عليه من
الموتِ. الثاني: أنه نعتُ مصدرٍ مقدٍَّ لقوله ((يَنْظُرون)» تقديرُه: ينظرون إليك
نَظَراً مثلَ نَظَرِ الذي يُغْشَى عليه من الموت، ويُؤَيِّدُهُ الآيَةُ الأخرى ((يَنْظُرُونَ إليكَ
نَظَرَ المَغْشِيِّ عليه من الموت))(١). الثالث: أنه نعتُ لمصدرٍ مقدَّرٍ أيضاً
لـ «تدورُ) أي: دَوَراناً(٢) مثلَ دَوَرانِ عَيْنِ الذي. وهو على الوجهين مصدرٌ
تشبيهيٌّ .
قوله: ((سَلَقوكم)) يقال: سَلَقَّه أي: اجترأ عليه في خِطابه، وخاطبه
مُخاطبةً بليغةً. وأصلُهِ البَسْطَ ومنه: سَلَقَ امرأته أي: بَسَطَها وجامَعَها. قال
[٧٢٠/أ] مسيلمةُ لسجاح لعنهما الله تعالى (٣): /
٣٦٨٤-
ألا هُبِّي إلى المضجَعْ
سَلَقْنَاك
شِئْتِ
فإنْ
وإن شِئْتِ عِلى: أربعْ
والسَّلِيقَةُ: الطبيعةُ المتأتَِّةُ. والسَّلِيقُ: المَطمئنُّ من الأرض. وخطيبٌ
مِسْلاق وسَلَّق. ويقال بالصاد قال الشاعر (٤):
(١) الآية ٢٠ من سورة محمد صلَّى الله عليه وسلَّم.
(٢) الأصل: دوراً.
(٣) البيت في عمدة الحفاظ (سلق) ٢٤٦.
(٤) البيت للبيد، وهو في ديوانه ١٩٣، واللسان (صقل). والثلل: الهلاك، وفيها لغة
بكسر الثاء وهي جمع ثلة من الغنم. ومراد وصداء قبائل.
١٠٦

- الأحزاب -
٣٦٨٥- فَصَلَقْنا في مُرادٍ صَلْقَةً
وصُداءٍ أَلْحَقَتْهُمْ بِالثَّلَلْ
و ((أشحةً)) نصب على الحال مِنْ فاعلِ ((سَلَّقُوكم)). وابن أبي عبلة(١)
على ما تقدَّم في أختها.
آ. (٢٠) قوله: ﴿يَحْسَبُون﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ مستأنفاً أي: هم
من الخوفِ بحيث إنهم لا يُصَدِّقُوْن أن الأحزابَ قد ذهبوا عنهم. ويجوزُ أَنْ
يكون حالاً مِنْ أحدِ الضمائر المتقدمةِ إذا صَحَّ المعنى بذلك، ولو بَعُدَ العاملُ،
كذا قال أبو البقاء (٢).
قوله: (بادُوْن)) هذه قراءةُ العامَّةِ جمعُ بادٍ. وهو المُقيمُ بالباديةِ. وقرأ(٣)
عبد الله وابن عباس وطلحة وابن يعمر ((بُدَّى)) بضم الباءِ وتشديدِ الدالِ مقصوراً
كغازٍ وغُزَّى، وسارٍ وسُرَّى. وليس بقياسٍ. وإنما قياسُه في التكسير ((بُداة)
كَقُضاة وقاضٍ . ولكنْ حُمِلَ على الصحيح كقولهم: ((ضُرَّب)). ورُوِي عن
ابن عباس أيضاً قراءةً ثانيةٌ (بَدِيْ)) بزنةٍ عَدِي، وثالثةٌ ((بَدَوْا)» فعلاً ماضياً.
قوله: ((يَسْألون)) يجوز أَنْ يكونَ مستأنفاً، وأن يكون حالاً مِنْ فاعِل
(يَحْسَبُون)). والعامَّةُ على سكونِ السين بعدها همزةٌ. ونَقَل ابن عطية (٤) عن
أبي عمرو وعاصم بنّقْلِ حركةِ الهمزة إلى السينِ كقولِه: ((سَلْ بني
إسرائيل)) (٥). وهذه ليسَتْ بالمشهورةِ عنهما، ولعلها نُقِلَتْ عنهما شاذَّةً، وإنما
(١) البحر ٢٢٠/٧ .
الإملاء ١٩١ - ١٩٢.
(٢) /
(٣) انظر في قراءاتها: الشواذ ١١٩، والقرطبي ١٥٤/١٤، والبحر ٢٢١/٧.
(٤) المحرر ٦٠/١٣.
(٥) الآية ٢١١ من البقرة.
١٠٧

- الأحزاب
هي معروفةٌ بالحَسَنِ والأعمش. وقرأ(١) زيد بن علي والجحدري وقتادة
والحسن «يَسَّاءَلُون)» بتشديدِ السين والأصلُ: يتساءلون فأدغم أي: يَسْأَلُ
بعضُهم بعضاً.
آ. (٢١) قوله: ﴿أَسْوَةِ﴾: قرأ(٢) عاصم بضمِّ الهمزة حيث
وقعَتْ هذه اللفظةُ. والباقون بالكسر. وهما لغتان كالعِدْوَة والعُذْوَة، والقِدوة
والقُدْوَةِ.
والأسْوة بمعنى الاقتداء. وهي اسمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ المصدرِ وهو الأْتِساءِ،
فالأُسْوَةُ من الائتساء كالقُدْوة من الاقتداء. واقْتَسَى فلانٌ بفلانٍ أي اقتدى به .
و ((أسوةً) اسمُ ((كان)). وفي الخبرِ وجهان، أحدهما: هو ((لكم)) فيجوزُ في الجارِّ
الآخرِ وجوهٌ: التعلُّقُ بِما يتعلَّقُ به الخبرُ، أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ مِنْ
((أُسْوَة))، إذ لو تأخّر لكان صفةً، أو بـ((كان)) على مذهبٍ مَنْ يراه. والثاني: أنَّ
الخبرَ هو ((في رسول الله))، و((لكم)) على ما تَقَدَّم في ((في رسولِ الله)»،
أو تتعلَّقُ بمحذوفٍ على التبيين أي : أَعْني لكم.
قوله: ((لِمَنْ کان یَرْجُو)» فیه أوجهٌ، أحدها: أنه بدلٌ من الکافِ في
((لكم))، قاله الزمخشري(٣). وقد منعه أبو البقاء (٤). وتابعه الشيخُ(٥). قال
أبو البقاء: ((وقيل: هو بدلٌ مِنْ ضمير المخاطبِ بإعادةِ الجارِّ. ومَنَّعَ منه
(١) انظر في قراءاتها: النشر ٢٤٨/٢، والإتحاف ٣٧٣/٢، والقرطبي ١٥٥/١٤،
والبحر ٢٢١/٧.
(٢) السبعة ٥٢١، والنشر ٢٤٨/٢، والتيسير ١٧٨، والبحر ٢٢٢/٧، والقرطبي.
١٤/ ١٥٥، والحجة ٥٧٥.
(٣) الكشاف ٢٥٦/٣.
(٤) الإملاء ١٩٢/٢.
(٥) البحر ٢٢٢/٧. وانظر: الارتشاف ٦٢٢/٢.
١٠٨

- الأحزاب -
الأكثرون؛ لأنَّ ضميرَ المخاطبِ لا يُبْدَلُ مِنْه)). وقال الشيخُ: ((قال الزمخشريُّ:
بدلٌ من ((لكم)) كقولِه: ((للذين اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمن مِنْهم (١)) قال: ((ولا يجوزُ
على مذهب جمهورِ البصريين أن يُبْدَلَ من ضمير المتكلم ولا من ضمير
المخاطب(٢) بدلُ شيءٍ مِنْ شيءٍ، وهما لعينٍ واحدةٍ. وأجاز ذلك الكوفيون
والأخفش. وأنشد(٣):
٣٦٨٦- بكم قُرَيْشٍ كُفِيْنا كلِّ مُعْضِلَةٍ
وأَمَّ نَهْجَ الهُدىْ مَنْ كان ضِلِّيلا
قلت: لا نُسَلَّمُ أنَّ هذا بدلُ شيءٍ مِنْ شيءٍ وهما لعينٍ واحدة، بل بدلُ
بعضٍ مِنْ كل باعتبارِ الواقع؛ لأنَّ الخطابَ في قولِه ((لكم)) أَعَمُّ مِنْ ((مَنْ كان
يَرْجُو اللَّهَ)) وغيرِه، ثم خَصَّصَ ذلك العمومَ لأنَّ المتأسِّيَ به عليه السلام في
الواقعِ إنما هم المؤمنون. ويَدُلُّك على ما قلتُّه ظاهرُ تشبيهِ الزمخشريِّ هذه
الآيةَ بآيةِ الأعراف، وآيةُ الأعرافِ البدلُ فيها بدلُ كل مِنْ كل. ويُجاب: بأنَّه
إنما قَصَد التشبيهَ في مجردِ إعادةِ العاملِ .
والثاني: أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه صفةٌ لـ ((حَسَنةٌ)). الثالث: أَنْ
يتعلَّقَ بنفس ((حَسَنة)) قالهما أبو البقاء(٤). ومَنْعَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بـ((أُسْوَة)) قال: ((لأنها
قد وُصِفَتْ)). و((كثيراً)) أي: ذِكْراً كثيراً.
آ. (٢٢) قوله: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ ورسولُه﴾: مِنْ تكريرِ الظاهرِ
تعظيماً كقوله(٥):
(١) الآية ٧٥ من الأعراف.
(٢) البحر: ((من ضمير المخاطب اسم ظاهر في ... )).
(٣) تقدم برقم ١٥١٧. وانظر: المسألة في الارتشاف ٦٢٢/٢.
(٤) الإِملاء ١٩٢/٢.
(٥) تقدم برقم ٤٩٠. وحُرُّف البيت في الأصل بما يضطرب به الوزن العروضي.
١٠٩

- الأحزاب -
٣٦٨٧- لا أرى الموتَ يَسْبِقُ الموتّ شيءٌ
ولأنه لو أعادَهمَا مُضْمَرَيْنِ لجَمَعَ بين اسمِ الباري تعالى واسمِ رسولِه
في لفظةٍ واحدةٍ، فكان يُقال: وصدقا، والنبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم قد كَرِه
[٧٢٠/ب] ذلك، / وردَّ على مَنْ قَاله حيث قال: ((مَنْ يطعِ اللَّهَ ورسولَه فقد رَشَدَ، ومَنْ
يَعْصِهما فقد غَوَىْ))(١). وقال له: ((بِئْسَ خطيبُ القومِ أنت. قل: ومن يَعْصِ
الله ورسوله)) قصداً إلى تعظيمِ اللَّهِ. وقيل: إنما رَدَّ عليه لأنه وقف على
(يَعْصِهما)». وعلى الأولِ استشكل بعضُهم قوله (عليه السلام)](٢): ((حتى يكونَ
اللَّهُ ورسولُه أحَبَّ إليه مِمَّا سِواهما))(٣) فقد جَمَعَ بينهما في ضميرٍ واحدٍ .
وأُجيبَ: بأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أعرفُ بقَدْرِ اللَّهِ تعالى مِنَّا فليسٍ لنا أَنْ
نقولَ كما يقول.
قوله: ((وما زادَهُمْ)) فاعلُ ((زادهم)) ضميرُ الوَعْدِ أي: وما زادهم وَعْدُ اللَّهِ
أو الصدقُ. وقال مكي (٤): ((ضميرُ النظر؛ لأنَّ قوله: ((لَمَّا رأى)) بمعنى: لَّمَّا
نظر)). وقال أيضاً: ((وقيل: ضمير الرؤية. وإنما ذُكِّر لأن تأنيثها غيرُ حقيقي))
ولم يَذْكُرْ غيرَهما. وهذا عجيبٌ منه؛ حيث حَجِّر واسعاً مع الغُنْيَةِ عنه.
وقرأ ابنُ أبي عبلة(٥) ((وما زادُوهم)) بضمير الجمع. ويعود للأحزابِ؛
(١) رواه مسلم، برقم ٨٧٠، ٧ كتاب الجمعة ٥٩٤/٢، وأبو داود كتاب الصلاة ٢٢٩،
باب الرجل يخطب على قوس ٦٦٠/١.
(٢) زيادة للتوضيح من ش.
(٣) رواه ابن ماجه، ٣٦ كتاب الفتن باب ٢٣، الصبر على البلاء، ١٣٣٩/٢.
(٤) مشكل الإعراب ١٩٥/٢.
(٥) البحر ٢٢٣/٧.
١١٠

- الأحزاب -
لأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم أخبرهم أنَّ الأحزابَ تأتيهم بعد عشرٍ أو تسعٍ .
آ. (٢٣) قوله: ﴿صَدَقوا): ((صَدَقَ)) يتعدّى لاثنین لثانيهما
بحرفِ الجرِّ، ويجوز حَذْفُه. ومنه المثل: ((صَدَقني سِنَّ بَكْرِهِ))(١) أي في ◌ِنَّ .
والآيةُ يجوزُ أَنْ تكونَ مِنْ هذا، والأولُ محذوفٌ أي: صدقوا الله فيما عاهدوا
اللَّهَ عليه. ويجوز أَنْ يتعدَّى لواحدٍ كقولك: صَدَقَني زيدٌ وكَذَبني عمرو أي:
قال لي الصدقَ، وقال لي الكذبَ. ويكون المعاهَدُ عليه مصدوقاً مجازاً. كأنهم
قالوا للشيءٍ المُعاهَد عليه: لِنُوْفِيَنَّ بك وقد فعلوا. و(ما)) بمعنى الذي؛ ولذلك
عاد عليها الضميرُ في عليه. وقال مكي(٢): ((ما) في موضعِ نصبٍ بـ صَدَقوا.
وهي والفعلُ مصدرٌ تقديرُه: صَدَقوا العهدَ أي: وَفَوْا بِه)) وهذا يَرُدُّه عَوْدُ الضميرِ.
إلَّ أنَّ الأخفشَ وابنَ السراج(٣) يذهبان إلى اسميةِ ((ما)) المصدريةِ.
قوله: ((قضىْ نَحْبَه)) النَّحْبُ: ما التزمه الإِنسانُ، واعتقد الوفاء به.
قال(٤) :
٣٦٨٨- عَشِيَّةَ فَرَّ الحارِثُّون بعدَما
قضى نَحْبَه في مُلْتَقَى القومِ هَوْبَرُ
(١) مجمع الأمثال ٣٩٢/١، جمهرة الأمثال ٥٦٧/١. البكر: الفتي من الإِبل. وأصله
أن رجلاً ساوم رجلًا في بَكْر. فقال: ما سنّه فقال صاحبه: بازل - أي في تسع
سنيه - ثم نفر البكر فسكّنه صاحبه بلفظة يُسَكن بها الصغار من الإِبل فقال المشتري
المثلَ.
(٢) مشكل الإعراب ١٩٥/٢ .
(٣) الأصول ١٦١/١ - ١٦٢، وانظر: المقتضب ٢٠٠/٣، والكتاب ٣٦٧/١، ٤١٠.
(٤) البيت الذي الرمَّة وهو في ديوانه ٦٤٧/٢، والقرطبي ١٦٠/١٤، ومجاز القرآن
١٣٦/٢، والخزانة ٢٣٢/٢.
١١١

...
- الأحزاب -
وقال آخر(١):
٣٦٨٩- بطَخْفَةَ جالَدْنا الملوكَ وَخَيْلُنا
عَشِيَّةَ بِسْطَامٍ جَرَيْنَ على نَحْبٍ
أي: على أَمْرٍ عظيمٍ؛ ولهذا يُقال: نَحَبَ فلانٌ أي: نَذَرَ نَذْراً التزمه،
ويُعَبَّر به عن الموتِ كقولهم: ((قَضَىْ أجله)) لَمَّا كان الموتُ لا بُدَّ منه جُعِل
كالشيءٍ الملتزمِ. والنَّحِيْبُ: البكاءُ معه صَوْتٌ. والنُّحاب: السُّعالُ.
آ. (٢٤) قوله: ﴿لَيَجْزِيَ اللَّهُ﴾: في اللام وجهان، أحدهما:
أنها لامُ العلة. الثاني: أنها لامُ الصيرورةِ. وفي ما تتعلَّقُ به أوجهُ: إِمَّا
بـ ((صَدَقوا))، وإمَّا بـ ((زادهم))، وإما بـ ((ما بَدَّلُوا)) وعلى هذا قال الزمخشري(٢):
((جُعِل المنافقون كأنهم قَصَدوا عاقبةً السوءِ، وأرادُوها بتبديلهم، كما قَصَدَ
الصادقون عاقبةَ الصدقِ بوفائهم؛ لأنَّ كلا الفريقَيْنِ مَسُوْقٌ إلى عاقبتِه من الثوابِ
والعقاب، فكأنَّهما اسْتَوَيا في طلبهما والسَّعْيِ لتحصيلِهما)).
قوله: ((إنْ شاءَ)) جوابُه مقدَّرُ. وكذلك مفعول ((شاء». أي: إنْ شاءَ
تعذيبَهم عَذَّبهم. فإنْ قيل: عذابُهم مُتَحَتِّمْ فكيف يَصِحُ تعليقُه على المشيئةِ
وهو قد شاءَ تعذيبّهم إذا ماتوا على النفاق؟ فأجاب ابنُ عطية(٣): بأنَّ تعذيبَ
المنافقين ثمرةُ إدامتِهم الإِقامةَ على النفاقِ إلى موتِهم، والتوبةُ موازِيَّةٌ لتلك
الإِقامةِ، وثمرةُ التوبةِ تَرْكُهم دونَ عذاب فهما درجتان: إقامةٌ على نفاقٍ،
أو توبةٌ منه، وعنهما ثمرتان: تعذيبٌ أو رحمة. فذكر تعالى على جهةِ الإِيجازِ
(١) البيت لجرير وهو في ديوانه ٥٨، واللسان والتاج (نحب)، ومجاز القرآن ١٣٥/٢.
(٢) الكشاف ٢٥٧/٣.
(٣) المحرر ٦٣/١٣.
۔۔
١١٢

- الأحزاب -
واحدةٌ من هاتين، وواحدةً مِنْ هاتين ودَلَّ ما ذكر على ما تَرَكَ ذِكْرَه. ويَدُلُّ
على أنَّ معنى قولِه: ((لِيُعَذِّب)) لِيُديمَ على النفاقِ قولُه: ((إن شاء)) ومعادلتُه
بالتوبة وحرفٍ أو».
قال الشيخ(١): ((وكأنَّ ما ذَكَر يَؤُوْلُ إلى أنَّ التقديرَ: لِيُقيموا على النفاقِ
فيموتُوا عليه إنْ شاء فُيُعَذِّبَهم، أو يتوبَ عليهم فيرحمَهم. فحذف سببَ
التعذيب وأثبت المسبّب وهو التعذيبُ، وأثبت سببَ الرحمةِ والغفرانِ وحَذَفَ
المُسَبَّبَ وهو الرحمةُ والغُفْران)).
آ. (٢٥) قوله: ﴿بِغَيْظِهِم﴾: يجوزُ أَنْ تكونَ سببيةً، وهو الذي
عَبَّر عنه أبو البقاء(٢) بالمفعولِ أي: إنها مُعَدِّية. والثاني: أَنْ تكونَ للمصاحبة،
فتكونَ حالاً أي / مُغيظین.
[٧٢١/أ]
قوله: ((لم ينالُوا خيراً) حالٌ ثانيةٌ أو حالٌ من الحال الأولى فهي متداخِلَةٌ .
ويجوز أَنْ تكونَ حالاً من الضمير المجرور بالإِضافة. وجَوَّز الزمخشري (٣) فيها
أَنْ تكونَ بياناً للحالِ الأولى أو مستأنفةً. ولا يظهر البيانُ إلَّ على البدل،
والاستئنافُ بعید.
آ. (٢٦) قوله: ﴿وأَنْزَل الذين﴾: أي وأنزل اللَّهُ. و((من أهلِ
الكتاب)) بيانٌ للموصولِ فيتعلَّقُ بمحذوفٍ. ويجوز أن يكونَ حالاً. و((مِنْ
صَياصِيْهِم)) متعلَّقٌ بـ((أَنْزل)) و((مِنْ)) لابتداءِ الغاية. والصَّياصِي جمعُ ((صِيْصِيّة))
وهي الحصونُ. ويقال لكل ما يُمتنع به ويُتْحَصَّن: صِيْصِيَة. ومنه قيل لقَّرْنٍ
(١) البحر ٢٢٣/٧.
(٢) الإِملاء ١٩٢/٢.
(٣) الكشاف ٢٥٧/٣.
١١٣

- الأحزاب -
الثور ولشوكة الديك: صِيْصِيَة. والصَّياصِي أيضاً: شَوْك الحاكَةِ(١) ويُتَّخَذُ مِنْ
حديد قال دُرَيْد بن الصِّمَّة (٢):
٣٦٩٠-
كوَقْعِ الصَّياصِيْ في النسيجِ المُمَدَّدِ
قوله: ((فريقاً تَقْتُلون)) ((فريقً)) منصوبٌ بما بعده. وكذلك (فريقاً)(٣)
منصوب بما قبله. والجملةُ مبِّنَةٌ ومقررةٌ لقَذْفِ الله الرعبَ في قلوبهم. والعامَّةُ
على الخطابٍ في الفعلين. وابن ذكوان(٤) في روايةٍ بالغَيْبةِ فيهما. واليمانِيُّ
بالغَيْبة في الأول فقط. وأبو حيوة(٥) (تَأْسُرون)) بضم السين.
قوله: ((لم تطَوُّوْه)) الجملةُ صفةٌ لـ ((أرضاً)). والعامَّةُ على همزةٍ مضمومةٍ
ثم واوٍ ساكنةٍ مضارعَ وَطِىء. وزيد بن علي (٦) (تَطُوْها)) بواٍ بعد طاءٍ مفتوحةٍ.
ووجهُها: أنها أَبْدَلَ الهمزةَ ألفاً على غيرِ قياسٍ كقولِه(٧):
(١) الحاكَةُ: ج حائك.
(٢) صدره :
فَجِئْتُ إليه والرماحُ تَنُوْشُه
وهو في الحماسة ٣٩٧، والأصمعيات ١٠٩.
وصدره فيها :
غداةٌ دَعاني والرِّماحُ يَنُشْنَه
والخزانة ٥١٣/٤. وتنوشه: تتناوله فالرماح تتناوله ولها خشخشة ووقْعٌ كوقع صياصي
الحاکّةِ في ثوب يُنْسج .
(٣) الثانية .
(٤) البحر ٢٢٥/٧ .
(٥) القرطبي ١٦٢/١٤، والبحر ٢٢٥/٧.
(٦) النشر ٣٩٧/١، والإتحاف ٣٧٤/٢، والبحر ٢٢٥/٧. وهي قراءة أبي جعفر.
(٧) البيت لابن هَرْمة. وعجزه:
١١٤

- الأحزاب -
٣٦٩١- إنَّ الأسودَ لَتَهْدا في مَرابِضِها
فلمَّا أَسْنده للواو التقى ساكنان فَحُذِف أولهما نحو: لم يَرَوْها. وهذا
أحسنُ مِنْ أَنْ تقول: ثم أجرى الألفَ المبدَلَةَ مِنْ الهمزةِ مُجْرَىْ الألفِ المتأصِّلةِ
فَحَذَفها جزماً؛ لأنَّ الأحسنَ هناك أَنْ لا تُحْذَفَ اعتداداً بأصلها. واستشهد
بعضُهم على الحَذْفِ بقولِ زهير (١):
٣٦٩٢ - جَرِيْءٍ متى يُظْلَمْ يعاقِبْ بظلمِه
سريعاً وإن لا يُبْدَ بالظُّلمِ يَظْلِمِ
آ. (٢٨) قوله: ﴿أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ﴾: العامَّةُ على
جَزْمِهِما. وفيه وجهان، أحدهما: أنَّه مجزومٌ على جواب الشرط. وما بين
الشرط وجوابِه معترضٌ، ولا يَضُرُّ دخولُ الفاءِ على جملة الاعتراضِ . ومثلُه في
دخول الفاء قولُه(٢) :
٣٦٩٣ - واعلَمْ فَعِلْمُ المَرْءِ يَنْفَعُه
أَنْ سَوْفَ يَأْتَيْ كلُّ ما قُدِرا
يريد: واعلَمْ أَنْ سوفَ يأتي. والثاني: أنَّ الجوابَ قولُه: «فَتَعالَيْنَ،
وَأُمَتِّعْكن» جوابٌ لهذا الأمرِ.
والناسُ ليسَ بهادٍ شَرُّهم أبداً
=
وهو في ديوانه ٩٦، واللسان هدأ، والبحر ٢٢٥/٧ .
(١) تقدم برقم ٣٥٣. وانظر المسألة في: الدر المصون ٢٦٩/١.
(٢) لم أهتدٍ إلى قائله. وهو في المغني ٥٢٠، والعيني ٣١٣/٢، والهمع ١٤٨/١،
والدرر ٢٠٧/١.
١١٥

- ٠
- الأحزاب -
وقرأ(١) زيد بن علي ((أُمْتِعْكُنَّ)) بتخفيف التاء من أَمْتَعَه. وقرأ حميد
الخزاز (٢) (أُمَتِّعُكُن وأُسَرِّحْكُن)) بالرفع فيهما على الاستئنافِ. و((سَراحاً) قائمٌ
مقامَ التَّسْرِيحِ .
آ. (٣٠) قوله: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ﴾: العامّةُ على ((يَأْتِ)) بالياءُ
من تحتُ حَمْلًا على لفظ ((مَنْ)). وزيد بن علي (٣) والجحدري ويعقوب بالتاءِ
مِنْ فوقُ حَمْلًا على معناها؛ لأنه تَرَشَّح بقولِه: ((منكُنَّ)، و ((منكنَّ)) حالٌ من
فاعل ((يَأْتِ)). وتقدَّم القراءةُ في ((مُبينة)) بالنسبة لكسرِ الياء وفتحها في النساء(٤).
قوله: ((يُضاعَفْ)) قرأ(٥) أبو عمرو ((يُضَعَّفْ)) بالياء من تحت وتشديد العين
مفتوحةً على البناء للمفعول. ((العذابُ)) بالرفع لقيامِه مقامَ الفاعل. وقرأ
ابن كثير وابن عامر ((نَضَعَّفْ)) بنونِ العظمةِ، وتشديد العين مكسورةً، على البناءِ
للفاعل. قوله: ((العذابَ)) بالنصب على المفعول به. وقرأ الباقون ((يُضاعَفْ))
من المفاعلة مبنياً للمفعول. ((العذابُ)) بالرفعِ لقيامِه مَقامَ الفاعل. وقد تقدَّم
توجيهُ التضعيف والمضاعفة في سورة البقرة (٦) فأغنى عن إعادته.
(١) انظر في قراءاتها: البحر ٢٢٧/٧، والشواذ ١١٩، والقرطبي ١٤ / ١٧٠ .
(٢) حميد بن الربيع أبو القاسم السابوري الخزاز. روى عن الكسائي وهو في المكثرين
عنه. وروى عنه محمد بن إسحاق السراج. انظر: طبقات القراء ٢٦٥/١.
(٣) المحتسب ٢٧٩/٢، والبحر ٢٢٧/٧، والقرطبي ١٧٦/١٤.
(٤) قرأ ابن كثير وأبو بكر بفتح الياء في جميع القرآن. والباقون بكسرها اسم فاعل.
انظر: الدر المصون ٦٣١/٣.
(٥) التيسير ١٧٩، والسبعة ٥٢١، والنشر ٢٤٨/٢، والحجة ٥٧٥، والبحر ٢٢٨/٧،
والقرطبي ١٧٦/١٤ .
(٦) انظر: الدر المصون ٥٠٩/٢.
١١٦

- الأحزاب -
آ. (٣١) قوله: ﴿وَتَعْمَلْ صالحاً نُوتِها﴾: قرأ(١) الأخَوان
((وَيَعْمَلْ ويُوْتٍ)) بالياءِ مِنْ تحتُ فيهما. والباقون ((وتَعْمل)) بالتاء من فوق، «نُوتِها))
بالنون. فأمَّا الياءُ في ((ويَعْمَلْ)) فلأجل الحَمْلِ على لفظ ((مَنْ)) وهو الأصلُ.
والتاءُ مِنْ فوقُ على معناها؛ إذ المرادُ بها مؤنثٌ، وَتَرَشَّح هذا بتقدُّمِ لفظٍ
المؤنث وهو ((مِنْكُنَّ)) ومثلُه قولُه(٢):
٣٦٩٤- وإنَّ مِن النِّسْوان مَنْ هي روضةٌ
/ لَمَّا تقدَّم قولُه: ((مِن النسوانِ)) تَرَجَّح المعنى فَحَمَل عليه. وأمَّا ((يُوتِها)) [٧٢١ /ب]
بالياء مِنْ تحتُ فالضمير لله تعالى لتقدُّمِه في (الله ورسوله)). وبالنون فهي نونُ
العظمة. وفيه انتقالٌ من الغَيْبة إلى التكلُّم.
وقرأ(٣) الجحدريُّ ويعقوب وابن عامر في رواية وأبو جعفر وشيبةُ (تَقْنُتْ))
بالتاءِ مِنْ فوقُ حَمْلاً على المعنى وكذلك ((وتَعْمَل)). وقال أبو البقاء(٤): ((إنَّ
بعضَهم قرأ ((ومَنْ تَقْنُتْ)) بالتأنيث حَمْلاً على المعنى و ((يَعْمَلْ)) بالتذكير حملاً
على اللفظ)). قال: ((فقال بعض النحويين: هذا ضعيفٌ؛ لأنَّ التذكيرَ أصلٌ
فلا يُجْعَلُ تَبَعاً للتأنيث. وما عَلَّلوه به قد جاء مثلُه في القرآن. قال تعالى:
((خالِصَةٌ لِذُكورِنا ومُحَرَّمٌ على أزواجِنا))(٥)).
آ. (٣٢) قوله: ﴿كأحَدٍ من النِّساء﴾: قال الزمخشري(٦):
(١) السبعة ٥٢١، والنشر ٣٤٨/٢، والبحر ٢٢٨/٧، والتيسير ١٧٩، والحجة ٥٧٦.
(٢) تقدم برقم ٣٣٥٦.
(٣) القرطبي ١٧٦/١٤، والبحر ٢٢٨/٧.
(٤) الإملاء ١٩٢/٢.
(٥) الآية ١٣٩ من الأنعام.
(٦) الكشاف ٢٥٩/٣.
١١٧

- الأحزاب-
((أَحَد)) في الأصل بمعنى وَحَد. وهو الواحد، ثم وُضِع في النفي العام مستوياً
فيه المذكرُ والمؤنثُ والواحدُ وما وراءَه. والمعنى: لَسْتُنَّ كجماعةٍ واحدةٍ من
جماعات النساء أي: إذا تَقَصَّيْتَ جماعةَ النساءِ واحدةٌ واحدةٌ لم توجَدْ منهنَّ
جماعةٌ واحدة تُساويكُنَّ في الفضل والسابقةِ. ومنه قوله: ((والذين آمنوا بالله
ورُسُلِه ولم يُفَرِّقوا بين أحدٍ منهم))(١) يريد بين جماعة واحدةٍ منهم تسويةً بين
جميعهم في أنهم على الحقِّ المُبين. قال الشيخ(٢): ((أمَّا قولُه ((أحد)» في
الأصل بمعنى وَحَد وهو الواحد فصحيح. وأمَّا قوله: ((وُضِع)) إلى قوله:
((وما وراءه)» فليس بصحيحٍ ؛ لأنَّ الذي يُسْتعمل في النفي العامِّ مدلولُه غيرُ
مدلولٍ واحد؛ لأنَّ واحداً ينطلقُ على كلِّ شيءٍ اتصفَ بالوحدةِ، وأحداً
المستعمل في النفي العامّ مختصٌ بمَنْ يَعْقِل. وذكر النحويون أنَّ مادتَه همزة
وحاء ودال، ومادة ((أجد)) بمعنى واحد(٣): واو وحاء ودال، فقد اختلفا مادةً
ومدلولاً. وأمَّا قولُه: لَسْتُنَّ كجماعة واحدة، فقد قُلنا: إن معناه ليسَتْ كلُّ واحدةٍ
منكنَّ. فهو حَكَمَ على كلِّ واحدة(٤) لا على المجموع من حيث هو
مجموعٌ (٥). وأمَّا (ولم يُفَرِّقوا بين أحدٍ منهم))(٦) فاحتمل أَنْ يكونَ الذي يُستعمل
في النفي العام؛ ولذلك جاء في سياقٍ النفي فعَمَّ. وصلَحَت البَيْنيّة للعموم.
ويحتمل أَنْ يكونَ ((أحد)) بمعنى واحد، وحُذِفَ معطوف، أي : بين أحدٍ واحدٍ .
(١) الآية ١٥٢ من النساء.
(٢) البحر ٢٢٩/٧.
(٣) أي أصله.
(٤) البحر: «واحدة واحدة)).
(٥) زاد في البحر: ((وقلنا إن معنى كأحد كشخص واحد فأبقَيْنا أحداً على موضوعه من
التذكير ولم نتأوَّلْه بجماعة واحدة».
(٦) الآية ١٥٢ من النساء.
١١٨

- الأحزاب -
كما قال(١):
٣٦٩٥- فما كان بينَ الخيرِ لوجاء سالماً
أبو حُجُرٍ إلاّ ليالٍ قَلائِلُ
أي: بين الخير وبيني)». انتهى. قلت: أمَّا قولُه فإنهما مختلفان مدلولاً
ومادة فَمُسَلَّمٌ. ولكن الزمخشريَّ لم يجعلْ أحداً الذي أصله واحد بمعنى أَحَد
المختصِّ بالنفي، ولا يمنع أن أحداً الذي أصلُه واحد أن يقعَ في سياقِ النفيِ .
وإنما الفارقُ بينهما: أنَّ الذي همزته أصلٌ لا يُستعمل إلَّ في النفي كأخواته من
عَرِيْب (٢) وكَتْع (٣) ووابِر (٤) وتامِر(٥). والذي أصله واحد يجوز أن يُستعمل إثباتاً
ونفياً. والفرقُ أيضاً بينهما: أنَّ المختصّ بالنفي جامدٌ، وهذا وصْفٌ. وأيضاً
المختصُّ بالنفي مختصّ بالعقلاء وهذا لا يختصُّ. وأمَّا معنى النفي فإنه ظاهرٌ
على ما قاله الزمخشريُّ من الحكم على المجموعِ ، ولكنَّ المعنى على ما قاله
الشيخ أوضحُ وإن كان خلافَ الظاهر.
قوله: ((إنِ اتَّقْتُنَّ)) في جوابه وجهان، أحدهما: أنه محذوفٌ لدلالةٍ
ما تقدَّم عليه أي: إنْ اتَّقْتُنَّ اللَّهَ فَلَسْتُنَّ كأحدٍ. فالشرط قيدٌ فِي نفي أَنْ يُشَبَّهْنَ
بأحدٍ من النساء. الثاني: أنَّ جوابَه قولُه: ((فلا تَخْضَعْنَ)) والتقوى على بابها.
وجَوَّزَ الشيخُ(٦) على هذا أن يكونَ اتَّقى بمعنى استقبل أي: استَقْبَلْتُنَّ أحداً
(١) تقدم برقم ٧٤٦.
(٢) ما بالدار عَرِيْبٌ أي : أحد.
(٣) ما بالدار کَتْع أي: أحد.
(٤) ما بالدار وابِرٌ أي: أحد.
(٥) كذا في الأصل والذي في كتب اللغة ((وما بها تُومُّرِيٍّ)) أي ليس بها أحد. ولم أقف
على تامر بالمعنى الذي ذكره السمين.
(٦) البحر ٢٢٩/٧.
١١٩

- الأحزاب -
فلا تَلِنَّ له القولَ. واتقى بمعنى استقبل معروفٌ في اللغة. وأنشد(١):
٣٦٩٦- سَقَطَ النَّصِيفُ ولم تُرِدْ إسقاطَه
فتناوَلَتْهُ واتَّقْتْنا باليَدِ
أي: واستقبَلَتْنا باليد. قال: ((ويكون هذا المعنى أبلغَ في مدحِهنَّ
إذ لم يُعَلِّقْ فضيلتَهنَّ على التقوى ولا على نَهْيه عن الخضوع بها؛ إذ هنَّ
مُتَّقِياتٌ لله تعالى في أنفسهنَّ. والتعليقُ يقتضي ظاهرُه أنهنَّ لَسْنَ متحلِّاتٍ
بالتقوى)».
قلت: هذا خروجٌ عن الظاهرِ من غير ضرورةٍ. وأمَّا البيتُ فالاتِّقاءُ أيضاً
[٧٢٢/أ] على بابِه / أي صانَتْ وجهَها بيدِها عنا.
:
قوله: ((فَيَطْمَعَ)) العامَّةُ على نصبه جواباً للنهي. والأعرج(٢) بالجزم فیکسِرُ
العينَ لالتقاء الساكنين. ورُوي عنه وعن أبي السَّمَّال وابن عمر وابن محيصن
بفتح الياء وكسر الميم وهذا شاذٌّ؛ حيث تَوافَقَ الماضي والمضارعُ فِي حَرَكَةٍ .
ورُوي عن الأعرج أيضاً أنه قرأ بضمِّ الياء وكسر الميم مِنْ أطمع. وهي تحتمل
وجهين، أحدهما: أَنْ يكونَ الفاعلُ ضميراً مستتراً عائداً على الخضوع
المفهومِ من الفعلِ. و((الذي)) مفعولُه أي: لا تَخْضَعْنَ فُيُطْمِعُ الخضوعُ
المريضَ القلبٍ. ويحتمل أن يكون ((الذي)) فاعلاً، ومفعوله محذوف أي:
فيُطْمِع المريضُ نفسَه.
قوله: ((وَقَرْنَ)) قرأ(٣) نافع وعاصم بفتح القاف. والباقون بكسرها. فأمَّا
(١) تقدم برقم ١١٠.
(٢) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٣٧٥/٢، والبخر ٢٣٠/٧، والقرطبي ١٤ /١٧٧ .
(٣) السبعة ٥٢٢، والنشر ٣٤٨/٢، والبحر ٢٣٠/٧، والتيسير ١٧٩، والقرطبي
١٧٨/١٤، والحجة : ٥٧٧ .
١٢٠