النص المفهرس
صفحات 61-80
- لقمان - الزمخشري(١) هنا: ((فإنْ قلت: القراءةُ بالرفعِ بَيِّنَةٌ؛ لأنَّ النَّضِرَ كان غرضُه باشتراءِ اللَّهْوِ أن يَصُدَّ النّاسَ عن الدخولِ في الإِسلام واستماعِ القرآن ويُضِلَّهم عنه فما معنى القراءةِ بالفتح؟ قلت: معنيان، أحدُهما: لَيَثْبُتَ على ضلالِه الذي كان عليه ولا يَصْدِفَ عنه، ويَزِيدَ فيه ويَمُدَّه؛ فإن المخذولَ كان شديدَ الشَّكيمةِ في عداوةِ الدين، وصَدِّ الناسِ عنه. الثاني: أَنْ يُوْضَعَ (((لِيَضِلَّ)) موضعَ لَيُضِلَّ؛ مِنْ قِبَلِ أَنَّ مَنْ أَضَلَّ كان ضالاً لا محالةَ فِدَلَّ بالرَّديفِ على المَرْدُوف)). قوله: ((بغير عِلْمٍ)) حالٌ أي: يشتري بغيرِ علمٍ بأحوالِ التجارة حيث اشترىُ ما يَخْسَرُ فيه الدارَیْنِ. قوله: ((وَيَتَّخِذَها)) قرأ(٢) الأخوانَ وحفصٌ بالنصب عطفاً على ((لِيُضِلَّ)) فهو علةٌ كالذي قبلَه. والباقون بالرفع عطفاً على ((يَشْتري)) فهو صلةٌ. وقيل: الرفعُ على الاستئنافِ من غير عطفٍ على الصلةِ. والضميرُ المنصوبُ يعود على الآيات المتقدِّمةِ أو السبيلِ؛ لأنه يُؤَنَّثُ، أو الأحاديثِ الدال عليها ((الحديث)) لأنه اسمُ جنسٍ . قوله: ((أولئك لهم)) حُمِلَ أولاً على لفظ ((مَنْ)) فَأُفْرِدَ، ثم على معناها فُجُمِعَ، ثم على لفظِها فأُفْرِد في قوله: ((وإذا تُتْلَى عليه)). وله نظائرُ تقدَّمَ التنبيهُ عليها في المائدة، عند قولهِ تعالى: ((مَنْ لعنه اللهُ وَغَضِبَ عليه))(٣). وقال الشيخ (٤): ((ولا نعلم جاءَ في القرآن ما حُمِلَ على اللفظ ثم على المعنى ثم (١) الكشاف ٢٣٠/٣. (٢) السبعة ٥١٢، والنشر ٣٤٦/٢، والبحر ١٨٤/٧، والتيسير ١٧٦، والحجة ٥٦٣، والقرطبي ٥٧/١٤. (٣) الآية ٦٠ من المائدة. وانظر: الدر المصون ٣٢٦/٤. (٤) البحر ١٨٤/٧. ٦١ - لقمان - على اللفظ غيرَ هاتين الآيتين)». قلت: وُجِدَ غيرُهما كما قَدَّمْتُ التنبيه عليه في المائدة . آ. (٧) قوله: ﴿كأن لم يَسْمَعْها﴾: حالٌ مِنْ فاعل ((وَلَّى)) أو مِنْ ضمير ((مُسْتَكْبراً)). قوله: ((كأنَّ في أُذُنَيْهِ وَقْراً)) حالٌ ثالثةٌ أَو بدلٌ ممّا قبلها، أو حالٌ مِنْ فاعل (يَسْمَعْها))، أو تبيينٌ لِما قبلها. وجَوَّز الزمخشريُّ(١) أَنْ تكونَ جملتا (٢) التشبيهِ استئنافیتین . آ. (٩) قوله: ﴿خالِدين﴾: هو حالٌ. وخبرُ ((إِنَّ) الجملةُ مِنْ قوله: ((لهم جَنَّاتُ)). والأحسنُ أَنْ يُجْعَلَ ((لهم)) هو الخبرَ وحده، و ((جناتٌ)) فاعلٌ به. وقرأ(٣) زيدُ بن علي ((خالدون)) بالواو فيجوزُ أَنْ يكون هو الخبرَ، والجملة - أو الجارُّ وحده - حالٌ. ويجوز أَنْ يكونَ ((خالدون)) خبراً ثانياً لـ إنَّ. قوله: ((وَعْدَ اللَّهِ)) مصدرٌ مؤكّدٌ لنفسِه لأنَّ قوله: ((لهم جنات)) في معنى: وَعَدَهم اللَّهُ ذلك. و(حَقًّا)) مصدرٌ مؤكِّدٌ لغيره، أي: لمضمونِ تلك الجملةِ الأولى، وعاملُهما مختلفٌ: فتقديرُ الأولِ: وَعَدَ اللَّهُ ذلك وَعْداً، وتقديرُ الثاني : أحقُّ ذلك حقاً. أ. (١٠) قوله: ﴿بغير عَمَّدٍ تَرَوْنَها﴾: تقدَّم في الرعد (٤). (١) الكشاف ٢٣٠/٣. (٢) وهما: كأنْ لم يسمعها، كأنَّ في أذنيه وقرا. (٣) البحر ١٨٤/٧. (٤) انظر: الدر المصون ٨/٧. ٦٢ - لقمان - آ. (١١) قوله: ﴿ماذا خَلَقَ﴾: ((ما)) استفهامٌ. وقد تقدَّم تحقيقُ هذا في البقرة(١). آ. (١٢) ولقمان قيل: أعجميٌّ. وهو الظاهر. فمنعُه للتعريفِ والعُجْمةِ الشخصية. وقيل: عربيٍّ مشتقٌّ مِن اللَّقْمِ وهو حينئذٍ مرتجلٌ؛ لأنه لم يَسْبِقْ له وَضْعٌ في النكرات. ومَنْعُه حينئذٍ للتعريفِ وزيادةِ الألفِ والنون. آ. (١٣) والعاملُ في ((إذ» مضمرٌ. ((وهو يَعِظَهُ)) جملةٌ حاليةٌ. ((يا بُنِيِّ)» قد تقدَّم خلافُ القرَّاء(٢) فيه. وتقدَّم الكلامُ أيضاً على ((وَصَّيْنا الإِنسان)) في العنكبوت(٣) . آ. (١٤) قوله: ﴿وَهْناً على وَهْنِ﴾: يجوزُ أَنْ ينتصِبَ على الحال مِنْ ((أمُّه) أي: ضَعْفاً على ضَعْفٍ، أو مِنْ مفعولِ ((حَمَلَتْه)) أي: عَلَقَّةً ثم نطفة ثم مُضغة. وكلاهما جاء في التفسير. وقيل: منصوبٌ على إسقاطٍ الخافض أي: في وَهْنٍ. قاله أبو البقاء (٤). و((على وَهْن)) صفةٌ لـ ((وَهْناً)). وقرأ(٥) الثقفي وأبو عمروٍ في روايةٍ ((وَهَناً على وهَنٍ)) بفتحِ الهاءِ فيهما. فاحتمل أَنْ يكونا لغتين كالشَّعْرِ والشَّعَر، واحتمل أنْ يكونَ المفتوحُ مصدرَ وَهِنَ بالكسر يَوْهَنُ وَهَناً. وقرأ(٦) الجحدريُّ وقتادةُ وأبو رَجاءٍ / ((وفَصْلُه)) دونَ ألفٍ [٧١٤/ب] أي: وفِطامُه . (١) انظر: الدر المصون ٢٢٩/١. (٢) الدر المصون ٣٣٠/٦. (٣) انظر إعرابه للآية ٨ من العنكبوت. (٤) الإملاء ١٨٨/٢. (٥) المحتسب ١٦٧/٢، والقرطبي ٦٤/١٤، والبحر ١٨٧/٧. (٦) المحتسب ١٦٧/٢، والقرطبي ٦٤/١٤، والبحر ١٨٧/٧، والإتحاف ٣٦٢/٢. ٦٣ - لقمان - قوله: ((أن اشْكُرْ)) في ((أنْ)) وجهان، أحدهما: أنها مفسرة. والثاني: أنها مصدريةٌ في محلِّ نصبٍ بـ ((وَصَّيْنا)). وهو قولُ الزّجَّاج(١). آ. (١٥) قوله: ﴿مَعْروفاً﴾: صفةٌ لمصدرٍ محذوفٍ أي: صِحاباً معروفاً وقيل: الأصلُ: بمعروفٍ. قوله: ((إليَّ)) متعلَّقُ بـ أنابَ. ((ثم إليَّ)) متعلقٌ بمحذوفٍ لأنه خبرُ ((مَرْجِعُكم)). آ. (١٦) قوله: ﴿إِنَّا إِنْ تَكُ﴾: ضميرُ القصةِ. والجملةُ الشرطيةُ مفسّرةٌ للضميرِ. وتقدَّم أنَّ نافعاً(٢) يقرأُ((مثْقال)) بالرفع على أنَّ ((كان)) تامةٌ وهو فاعلُها. وعلى هذا فيُقال: لِمَ لَحِقَتْ فعلَه تاءُ التأنيث؟ قيل: لإِضافته إلى مؤنث، ولأنه بمعنى: زِنَةُ حَبَّة. وجَوَّز الزمخشري(٣) في ضمير (إنها)) أَنْ تكونَ للهِنَةِ من السَّيِّئَاتِ أو الإِحسان في قراءةٍ مَنْ نصب «مِثْقال» .. وقيل: الضميرُ يعودُ على ما يُفْهَمُ مِنْ سياقِ الكلامِ أي: إنَّ التي سألْتَ عنها إنْ تكُ. وفي التفسير: أنه سأل أباه: أرأيتَ الحبة تقع في مَغاصِ البحر: أيعلُمها اللَّه؟. وقرأ(٤) عبد الكريم الجَزَرِيُّ ((فَتَكِنَّ) بكسرِ الكاف وتشديد النونِ مفتوحةٌ أي: فتستقرَّ. وقرأ محمد بن أبي فجة البعلبكي (٥) ((فَتُكَنَّ)) كذلك إلَّ أنه مبنيٌّ 1 (١) معاني القرآن ١٩٥/٤. (٢) السبعة ٥١٣، والبحر ١٨٧/٧، والتيسير ١٥٥، والقرطبي ٦٧/١٤، والحجة ٥٦٥، والنشر ٣٢٤/٢. (٣) الكشاف ٢٣٠/٣ . (٤) انظر في قراءاتها: البحر ١٨٧/٧، والقرطبي ٦٧/١٤، والشواذ ١١٧. وعبد الكريم بن مالك الجزري أبو سعيد الحراني مولى عثمان. روى عن سعيد ابن المسيب توفي ١٢٧. روى له الجماعة. انظر: تهذيب الكمال ٨٤٨/٢. (٥) لم أقف على ترجمته. ٦٤ - لقمان - للمفعول. وقتادة ((فَتَكِنُ)) بكسرٍ الكاف وتخفيفِ النونِ مضارعَ ((وَكَنَ» أي: استقرَّ في وكْنِه ووْرِه. آ. (١٧) قوله: ﴿مِنْ عَزْمٍ﴾: عَزْم مصدرٌ. يجوزُ أَنْ يكونَ بمعنى مفعول أي: مِنْ معزوماتِ الأمورِ أو بمعنى عازِم كقولِه: ((فإذا عَزَمَ الأمرُ))(١) وهو مجازٌ بليغٌ. وزعَم المبرد(٢) أنَّ العينَ تُبْدَلُ حاءً فيقال: حَزْمٌ وعَزْمٌ. والصحيحُ أنهما مادِّتان مختلفتان اتَّفَقتا في المعنى. آ. (١٨) قوله: ﴿ولا تُصَعِّرْ﴾: قرأ(٣) نافعٌ وأبو عمرٍ والأخَوان (تَصاعَرَ)) بألفٍ وتخفيفِ العينِ. والباقون دون ألفٍ وتشديد العين، والرسمُ يَحْتِمِلُهما؛ فإنَّ الرسمَ بغيرِ ألفٍ. وهما لغتان: لغةُ الحجازِ التخفيفُ، وتميمٌ التثقيلُ. فمِن التثقيل قوله(٤): ٣٦٥٧- وكُنَّا إذا الجبارُ صَغَّر خَذَّه أَقَمْنا له مِنْ مَيْلِه فَيُقَوَّمُ ويقال أيضاً: تَصَعَّر. قال(٥): أَقَمْنا له مِنْ خَدِّه المُتَصَعِّرِ ٣٦٥٨- (١) الآية ٢١ من سورة محمد صلَّى الله عليه وسلّم. (٢) انظر: البحر ١٨٨/٧. (٣) السبعة ٥١٣، والنشر ٣٤٦/٢، والتيسير ١٧٦، والقرطبي ٦٩/١٤، والحجة ٥٦٥، والبحر ١٨٨/٧. (٤) البيت للمتلمس في ديوانه ٢٤، أو عمرو بن حُنَّيّ التغلبي. وهو في المجاز ١٢٧/٢ واللسان صعر، والبحر ١٨٢/٧، والمحرر ١٨/١٣. ورواية الديوان فتقوَّما. (٥) لم أهتد إلى تمامه وقائله، وهو في المحرر ١٨/١٣، والبحر ١٨٢/٧، والقرطبي ٠٦٩/١٤ ٦٥ - لقمان - وهو من المَيْل؛ وذلك أنَّ المتكبِّر يَميل بخَدِّه تكبُّراً كقولِه («ثاني عِطْفِهِ))(١). قال أبو عبيدة(٢): ((أصلُه من الصَّعَر، داءٌ يأخُذُ الإِبِلَ في أعناقِها فتميلُ وتَلْتوي)). وتفسيرُ اليزيديِّ له بأنَه التَّشَدُّقُ في الكلامِ لا يوافِقُ الآية هنا. آ. (١٩) قوله: ﴿واقْصِدْ﴾: هذا قاصِرٌ بمعنى اقتصِدْ واسْلُكْ الطريقةَ الوُسْطَى بين ذلك قواما. وقُرِىء(٣) «وأَقْصِدْ)) بهمزةٍ قطعٍ، مِنْ أَقْصَدَ إذا سَدَّدَ سهمَه للرَّمْيَةِ .. قوله: ((مِنْ صَوْتِك)) تبعيضيّةٌ. وعند الأخفش(٤) يجوزُ أَنْ تكونَ مزيدةٌ. ويؤيِّدُه ((يَغُضُّون أَصْواتهم))(٥) وقيل: ((مِنْ صوتِك)) صفةٌ لموصوفٍ محذوفٍ أي: شيئاً مِنْ صوتِك، وكانت الجاهليةُ يتمدَّحون برفعِ الصوتِ قال(٦): ٣٦٥٩ - جَهيرُ الكلامِ جَهیرُ العُطاس جَهِيرُ الرُّواءِ جَهِيرُ النِّعَمْ قوله: ((إنَّ أَنْكَرَ)) قيل: ((أَنْكَر)) مبنيٌّ من مبنيٌ للمفعولِ نحو: ((أَشْغَلُ مِنْ ذاتِ النَّحْيَيْن))(٧). وهو مختلف فيه. ووُحِّد(٨) («صوت)) لأنه يُرادُ به الجنسُ ولإِضافته لجمع. (١) الآية ٩ من الحج. (٢) مجاز القرآن ١٢٧/٢. (٣) نسبها ابن خالويه في الشواذ ١١٧ إلى الحجازي. وانظر: البحر ١٨٩/٧ . (٤) لم يشر الأخفش إلى زيادتها في هذا الموضع. انظر أمثلة على مذهب الأخفش في زيادة ((مِنْ)) معاني القرآن ٩٨، ٢٠٩، ٢٥٤. (٥) الآية ٣ من الحجرات. (٦) لم أهتد إلى قائله. وهو في القرطبي ٧٢/١٤، والمحرر ١٩/١٣، والبحر ١٨٩/٧. (٧) مجمع الأمثال ٣٧٦/١ وهي امرأة من بني تيم الله كانت تبيع السمن. والنحي: وعاء (٨) انظر: الكشاف ٢٣٤/٣. السمن. ٦٦ - لقمان - آ. (٢٠) قوله: ﴿نِعَمَه﴾: قرأ(١) نافعٌ وأبو عمروٍ وحفص «نِعَمَه» جمعَ نِعْمة مضافاً لهاءِ الضمير، فـ (ظاهرةُ)) حالٌ منها. والباقون ((يَعْمةً)) بسكون العين، وتنوينٍ تاء التأنيث، اسمَ جنسٍ يُراد به الجمعُ فـ ((ظاهرة)» نعتٌ لها. وقرأ(٢) ابنُ عباس ويحيى بن عمارة ((وَأَصْبَغَ)) بإبدال السينِ صاداً. وهي لغةُ كلبٍ يفعلون ذلك مع الغينِ والخاء والقاف. وتقدَّم نظيرُ هذه الجملِ كلِّها في البقرة(٣)، والكلامُ على ((أَوَلَوْ)(٤) ونحوِهِ. آ. (٢٢) وقرأ(٥) عليٍّ والسلميُّ ((يُسَلِّم)) بالتشديد. آ. (٢٧) قوله: ﴿والبحر﴾: قرأ أبو عمرو(٦) بالنصب، والباقون بالرفع. فالنصبُ من وجهين، أحدُهما: العطفُ على اسمِ ((أنَّ)). أي: ولو أنَّ البحرَ، و «يَمُدُّه» الخبرُ. والثاني: النصبُ بفعلٍ مضمرٍ يُفَسِّره ((يمدُّه)) والواوُ حينئذٍ للحال. والجملةُ حاليةٌ، ولم يُحْتَجْ إلى ضميرٍ رابطٍ بين الحالِ وصاحبها، للاستغناءِ عنه بالواوِ. والتقديرُ: ولو أنَّ الذي في الأرضِ حَالَ كونٍ البحرِ ممدوداً بكذا . وأمَّا الرفعُ فِمِنْ وجهين، أحدُهما: العطفُ على أنَّ وما في حَيِّزها. وقد (١) السبعة ٥١٣، والنشر ٣٤٧/٢، والحجة ٥٦٦، والتيسير ١٧٧، والبحر ١٩٠/٧، والقرطبي ٧٣/١٤. (٢) المحتسب ١٦٨/٢، والقرطبي ٧٣/١٤. (٣) انظر: الدر المصون ٥٤٨/٢. (٤) انظر: الدر المصون ٢٢٧/٢. (٥) الإتحاف ٣٦٣/٢، والقرطبي ٧٤/١٤، والبحر ١٩٠/٧. (٦) السبعة ٥١٣، والنشر ٣٤٧/٢، والبحر ١٩١/٧، والقرطبي ٧٧/١٤، والتيسير ١٧٧ ، والحجة ٥٦٦. ٦٧ - لقمان - [٧١٥/أ] تقدَّم لك في ((أنَّ)) الواقعةِ / بعد ((لو)) مذهبان(١): مذهبُ سيبويهِ(٢) الرفعُ على الابتداء، ومذهبُ المبردِ (٣) على الفاعليةِ بفعلٍ مقدر، وهما عائدان هنا. فعلى مذهبٍ سيبويه يكون تقديرُ العطفِ: ولو البحر. إلَّ أَنَّ الشيخَ (٤) قال: إنه لا يلي (لو) المبتدأُ اسماً صريحاً إلاّ في ضرورةٍ، كقوله(٥): ٣٦٦٠ - لو بغير الماءِ حَلْقي شَرِقٌ وهذا القولُ يُؤَدِّيْ إلى ذلك. ثم أجابَ بأنه يُغْتَفَرُ في المعطوفِ ما لا يُغْتَفَرُ في المعطوفِ عليه كقولهم: ((رُبَّ رجلٍ وأخيه يقولان ذلك)). وعلى مذهبِ المبرد يكون تقديرُه: ولو ثَبَتِ البحرُ، وعلى التقديرَيْن يكون ((يمدُّه)) جملةً حالية من البحر. والثاني: أنَّ ((البحر)) مبتدأٌ، و((يَمُدُّه)) الخبر، والجملةُ حالية كما تقدَّم في جملةِ الاشتغال، والرابطُ الواو. وقد جَعَله الزمخشرِيُّ(٦) سؤالاً وجواباً. وأنشد (٧) : (١) انظر: الدر المصون ٤١٨/٧. (٢) انظر: الكتاب ١ /٤٦٢. (٣) المقتضب ٧٧/٣، والكامل ١٤٠/٣، وانظر: شرح الأبيات المشكلة للفارسي ٥٨٢. (٤) البحر ١٩١/٧ . (٥) تقدم برقم ٢٨٠١. (٦) الكشاف ٢٣٦/٣. (٧) البيت لامرىء القيس في معلقته وعجزه: . بمنجَرِدٍ قيدِ الأوابدِ هيكل وهو في ديوانه ١٩ والوكنات: مواضع الطير. والمنجرد: الفرس القصير الشعر. ٦٨ - لقمان - ٣٦٦١- وقد أَغْتَدِيْ والطيرُ في وُكُناتِها و ((مِنْ شجرة)) حالٌ: إمَّا من الموصولِ، أو من الضميرِ المستترِ في الجارِّ الواقعِ صلةً، و((أقلامٌ)) خبرُ ((أنَّ)). قال الشيخُ(١): ((وفيه دليلٌ على مَنْ(٢) يَقولُ - كالزمخشريٍّ ومُنْ يتعصَّب له من العجم - على أنَّ خبر ((أنَّ) الواقعة بعد ((لو)) لا يكونُ اسماً البتة(٣) لا جامداً ولا مشتقاً، بل يتعيَّنُ أَنْ يكونَ فعلاً)) قال: ((وهو باطِلٌ)) وأنشد (٤): ٣٦٦٢- ولو أنها عُصْفورَةٌ لَحَسِبْنُها مُسَوَّمَةً تَدْعو عبيداً وأَزْنَما وقال(٥): ٣٦٦٣- ما أطيبَ العَيْشَ لو أنَّ الفتى حَجَرٌ تَنْبُو الحوادِثُ عنه وهُو مَلْمُومُ والأوابد: الوحش، وهو قيد لها لأنه يسبقها فيمنعها من أن تفوت. والهيكل: الضخم. (١) البحر ١٩٠/٧ - ١٩١. (٢) البحر: ((على بطلان دعوى الزمخشري وبعض العجم ممن ينصر قوله)). (٣) انظر رد ابن الناظم على الزمخشري في شرح الألفية ٢٧٨ . (٤) البيت لجرير وهو في ديوانه ٥٦٦، أو العوام بن شوذب، وأورده في المغني ٣٥٧، والعيني ٤ /٤٦٧. والمسومة: الخيل المعلمة. (٥) البيت لتميم بن مقبل وهو في ديوانه ٢٧٣ والخصائص ١/ ٣١٨، وابن يعيش ٨٦/١ والمغني ٣٥٦. ٦٩ - لقدمان - وقال(١): ٣٦٦٤- ولو أنَّ حياً فائتُ الموتِ فاته. أخو الحربِ فوقَ القَارِحِ العَدَوانِ. قال: ((وهو كثيرٌ في كلامِهم)). قلت: وقد تقدمَ أولَ هذا الموضوع (٢) أنَّ هذه الآيةَ ونحوَها تُبْطِلُ ظاهرَ قولِ المتقدمين في ((لو)» أنها حرفُ امتناع لامتناعٍ ؛ إذ يَلْزَمُ محذورٌ عظيمٌ: وهو أنَّ ما بعدها إذا كان منفيًّا لفظاً فهو مُثْبَتٌ. معنىً، وبالعكس. وقوله: ((ما نَفِدَتْ)) منفيٌّ لفظاً، فلو كان مثبتاً معنيّ فَسَدَ المعنى، فعليك بالالتفات إلى أولِ البقرةِ. وقرأ(٣) عبد الله ((وَبَحْرٌ)) بالتنكير وفيه وجهاه معرَّفاً. وسَوَّغ الابتداءَ بالنكرةِ وقوعُها بعد واوِ الحال، وهو معدودٌ من مسوِّغات الابتداء بالنكرةِ. وأنشدوا (٤): ٣٦٦٥- سَرَيْنا ونجمُ قد أضاء فَمُذْ بَسدا مُحَيَّاك أخفى ضَوْءُه كلَّ شارِقٍ وبهذا يظهرُ فسادُ قولِ مَنْ قال: إنَّ(٥) في هذه القراءةِ يتعيَّنُ القولُ بالعطفِ على ((أنَّ))، كأنه تَوَهَّم أنه ليس ثَمَّ مُسَوِّغٌ. (١) البيت لصخر بن عمرو بن الشريد، وهو في الأصمعيات ١٤٧، الأصمعية ٤٧، والعيني ٤٥٩/٤، وشرح ابن الناظم ٢٧٨. والقارح من الخيل: ما تمت أسنانه. وذلك في الخامسة من عمره، والعدوان: الشديد العدو. (٢) انظر: الدر المصون ١٨٢/١. (٣) المحتسب ١٦٩/٢، والبحر ١٩١/٧. (٤) تقدم برقم ١٤٧٣. (٥) اسم ((إن)) هنا ضمير الشأن. ٧٠ - لقمان - وقرأ(١) عبد الله وأُبَيِّ ((تَمُدُّه)) بالتأنيثِ لأجل ((سبعة)). والحسن وابن هرمز وابن مصرف «يُمِدُّه) بالياء من تحتُ مضمومةً وكسر الميم مِنْ أمَدَّه. وقد تقدَّم اللغتان في آخر الأعراف(٢) وأوائل البقرة(٣). قال الزمخشري (٤): ((فإنْ قلتَ: لِمَ قيل: ((مِنْ شجرة)) بالتوحيد؟ قلت: أُريد تفصيلُ الشجرِ وتَقَصِّيها شجرةً شجرةً حتى لا يَبْقَى من جنس الشجرِ واحدةٌ إِلَّ قد بُرِيَتْ أقلاماً). قال الشيخ(٥): وهو مِنْ وقوعِ المفردِ موقعَ الجمع والنكرةِ موقعَ المعرفةِ، كقوله: ((ما نَنْسَخْ مِنْ آيَة)»(٦) قلت: وهذا يَذْهبُ بالمعنى الذي أبداه الزمخشري. وقال (٧) أيضاً: ((فإنْ قلت: ((الكلماتُ)) جمع قلةٍ، والموضعُ موضعُ تكثيرٍ، فهلا قيل: كَلِم. قلت: معناه أنَّ كلماتِهِ لا تَفي بكَتْبَتِها البحارُ، فكيف بكَلمِهِ))؟ قلت: يعني أنه من بابِ التثنية بطريق الأوْلى. ورَدَّه الشيخُ (٨): بأنَّ جَمْعَ السلامة(٩) متى عُرِّف بأل غيرِ العَهْدية أو أُضيف عَمَّ. قلت للناسِ خلافٌ في ((أل)) هل تعُمُّ أو لا؟ وقد يكونُ الزمخشريُّ ممِّنْ لا يَرَىُ العمومَ، ولم يَزَلِ الناسُ يسألونَ في بيت حَسَّان رضي الله عنه (١٠): (١) انظر في قراءاتها: المحتسب ١٦٩/٢، والبحر ١٩١/٧، والقرطبي ٧٧/١٤، والإتحاف ٣٦٤/٢. (٢) الدر ٥٤٩/٥. (٣) الدر ١٤٩/١. (٤) الكشاف ٢٣٦/٣. (٥) البحر ١٩٢/٧. (٦) الآية ١٠٦ من البقرة. (٧) الكشاف ٢٣٦/٣. (٨) البحر ١٩٢/٧. (٩) وهو هنا كلمات. (١٠) تقدم برقم ٢٦٥. ٧١ - لقمان - ٣٦٦٦- لنا الجَفَنَاتُ الغُرُّ يَلْمَعْنَ بالضُّحى ويقولون: كيف أتى بجمع القِلَّة في مقام المدح؟ ولِمَ لم يَقُلْ الجِفَانِ؟ وهو تقريرٌ لِما قاله الزمخشريُّ واعترافٌ بأنَّ أل لا تؤثِّر في جمع القلةِ تكثيراً. آ. (٢٨) قوله: ﴿إِلَّ كَنَفْسٍ﴾: خبرُ («ما خَلْقُكم)) والتقدير: إلّ كَخَلْقِ نَفْسٍ واحدةٍ وبَعْثِها. وهنا ((إلى أَجْلَ)) وفي الزمر(١) ((لأجل)) لأنَّ المعنيين. لائقان بالحرفْن فلا عليك في أيُّهما وقع . آ. (٢٩) وقرأ أبو عمروٍ (٢) في روايةٍ: ((وأنَّ اللَّهَ بما يَعْملون)) بياءٍ الغَيْبة. والباقون بالتاء خطاباً . [٧١٥/ب] آ. (٣١) قوله: ﴿بنعمة الله﴾: يجوز/ أَنْ يتعلَّقَ بـ ((تَجْري)) أو بمحذوفٍ على أنها حالٌ: ملتبسةً بنعمةِ اللَّهِ. والأعمش(٣) والأعرج ((بنِعْمات)) جمعاً. وابنُ أبي عبلة كذلك إلاّ أنه فتح النونَ وكسر العَيْن. وموسى بن الزبير(٤) ((الفُلُك)) بضمتين. آ. (٣٢) قوله: ﴿خَتَّار﴾: مثالُ مبالغةٍ مِن الخَتْرِ، وهو أشدُّ الغَدْرِ. قال الأعشى(٥): (١) ((كلَّ يجري لأجل مسمى)) الزمر، الآية ٥. (٢) قال في السبعة ٥١٤: ((روى عباس عن أبي عمرو بالياء)) وانظر: القرطبي ٧٩/١٤، والبحر ١٩٣/٧. (٣) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٣٦٤/٢، والمحتسب ١٧٠/٢، والقرطبي ٧٩/١٤، والبحر ١٩٣/٧. (٤) المحتسب ١٧٠/٢، والبحر ١٩٣/٧. وموسى لم أقف على ترجمته. (٥) ديوانه ١٧٩ برواية (غير غَدَّار)) والقرطبي ٨٠/١٤. والأبلق: حصن الممدوح. والفرد: لا نظير له. ٧٢ - لقمان - ٣٦٦٧- بأبلقِ الفَرْدِ مِنْ تَيْماءَ مَنْزِلُه حِصْنْ حَصينٌ وجارٌ غيرُ خَتَّار وقال عمرو بن معد یکرب(١): ٣٦٦٨- فإنّك لو رَأَيْتَ أبا عُمَيْرٍ مَلُاتَ يَدَيْكَ مِنْ غَدْرٍ وخَتْرٍ وقالوا(٢): ((إِنْ مَدَدْتَ لنا شِبْراً من غَدْرِ مَدَدْنا لك باعاً مِنْ خَتْرِ». آ. (٣٣) قوله: ﴿وَلا مَوْلودٌ﴾: جوَّزوا فيه وجهين، أحدهما: أنه مبتدأٌ، وما بعدَه الخبرُ. والثاني: أنه معطوفٌ على ((والدٌ))، وتكون الجملةُ صفةً له. وفيه إشكالٌ: وهو أنه نَفَى عنه أن يَجْزِيَ، ثم وَصَفَه بأنه جازٍ. وقد يُجاب عنه: بأنه وإن كان جازياً عنه في الدنيا فليس جازياً عنه يوم القيامة فالحالان باعتبار زمنين. وقد منع المهدويُّ أَنْ يكونَ مبتدأَ قال: ((لأنَّ الجملةَ بعده صفةً له فيبقى بلا خبرٍ، ولا مُسَوِّغَ غيرُ الوصف)). وهو سهوٌ. لأنَّ النكرةَ متى اعتمدَتْ على نفيٍ ساغ الابتداءُ بها. وهذا مِنْ أشهرٍ مُسَوِّغاتِه. وقال الزمخشري (٣): ((فإن قلت: قوله: ((ولا مولودٌ هو جازٍ عن والده شيئاً) وارِدٌ على طريقٍ من التوكيد لم يَرِدْ عليه ما هو معطوفٌ عليه. قلت: الأمر كذلك لأنَّ الجملةَ الاسميَّةَ آكدُ من الفعلية، وقد انضَمَّ إلى ذلك قولُه: (هو)) وقوله: ((مولودٌ)). قال: ((ومعنى التوكيدِ في لفظِ المولود: أنَّ الواحدَ منهم لو شَفَعَ للوالدِ الأَدْنَى الذي وُلِد منه (١) القرطبي ٨٠/١٤، والبحر ١٨٢/٧، والكشاف ٢٣٨/٣. (٢) انظر: البحر ١٨٢/٧. (٣) الكشاف ٢٣٨/٣ . ٧٣ - لقمان - لم تُقْبَلْ منه(١) فضلًا أَنْ يَشْفَعَ لِمَنْ فوقَه مِنْ أجدادِه لأنَّ ((الولدَ)) يقع على الولد وولدِ الولدِ، بخلاف المولودِ فإنه للذي وُلِد منك)) قال: ((والسببُ في مجيئِهِ على هذا السَّنَنِ أنَّ الخطابَ للمؤمنين، وعِلُيِّتُهم (٢) قُبِضَ آباؤهم على الكفر، فأريد حَسْمُ أطماعِهم وأطماعِ الناسِ فيهم)). والجملةُ مِنْ قولِه: ((لا يَجْزِي)) صفةٌ لـ ((يومٍ))، والعائدُ محذوفٌ أي: فيه، فحُذِف برُمَّتِه أو على التدريج . وقرأ(٣) عكرمة ((لا يُجْزَىْ)) مبنياً للمفعول. وأبو السَّمَّال وأبو السِّوار (لا يُجْزِىء)) بالهمز، مِنْ أَجْزأ عنه أي: أغنى. قوله: ((شيئاً) منصوبٌ على المصدر وهو من الإِعمال؛ لأنَّ ((يَجْزِي)) و(جازٍ) يَطْلبانِه. والعاملُ جازٍ، على ما هو المختارُ للحذفِ من الأول. قوله: ((فلا تَغُرَّنَّكُمْ)) العامَّةُ على تشديد النون. وابنُ أبي إسحاق(٤) وابنُ أبي عبلة ويعقوبُ بالخفيفة، وسماك بن حرب(٥) ويعقوب ((الغُرور)) بالضمّ وهو مصدرٌ. والعامَّةُ بالفتح صفةُ مبالغةٍ كشَكُور. وفُسِّر بالشيطان. على أنَّه يجوزُ أَنْ يكونَ المضمومُ مصدراً واقعاً وصفاً للشيطان. آ. (٣٤) قوله: ﴿ماذا تَكْسِبُ﴾: يجوزُ أَنْ تكونَ ((ما)). (١) أي شفاعته . (٢) كذا في الأصل والكشاف. وفي البحر: (١٩٤/٧) ((وغالبهم)). (٣) انظر في قراءاتها: الشواذ ١١٧، والبحر ١٩٤/٧. (٤) البحر ١٩٤/٧. (٥) المحتسب ١٧٢/٢، والقرطبي ٨١/١٤، والبحر ١٩٤/٧، وسماك بن حرب الذهلي البكري الكوفي، فصيح، عالم بالشعر، وثّقه الكثيرون. توفي سنة ١٢٣. انظر: تهذيب الكمال ١/ ٥٥٠ . ٧٤ - لقمان - استفهاميةً فتُعَلَّقَ الدِّراية، وأن تكونَ موصولةً فتنتصِبَ بها، وقد عُرِفَ حكمُ ((ماذا)) أولَ الكتابَ(١)، وتكرَّر في غُضُونِه. قوله: ((بأيّ أرضٍ)) متعلقٌ بـ ((تموتُ)) وهو مُعَلُّقٌ للدِّراية، فهو في محلِّ نصبٍ. وقرأ(٢) موسى الأسواري ((بأية أرضٍ)) على تأنيثها. وهي لغة ضعيفة(٣)، كتأنيث ((كل)) حيث قالوا: كلتهن، فعلَّق ذلك. والباءُ ظرفيةٌ بمعنى : في، أيْ: في أرض نحو: زيد بمكة أي: فيها. [تمَّت بعونه تعالى سورة لقمان] (١) انظر: الدر المصون ٢٢٩/١. (٢) القرطبي ٨٣/١٤، والبحر ١٩٤/٧. والأصل الأهوازي وهو تحريف. وتقدمت ترجمته . (٣) في ذلك نظر فتأنيث ((أي)) كثيرٌ في لغة العرب. ومنه قول الكميت: بأيِّ كتابٍ أم بأية سُنَّة ٧٥ - السجدة - سورة السجدة بسم الله الرحمن الرحيم آ. (٢) قوله: ﴿تنزيلُ﴾: فيه أوجهٌ، أحدها: أنه خبرُ ((ألم)) لأنَّ ((ألم)) يُرادُ به السورةُ وبعضُ القرآنِ. وتنزيلُ بمعنى مُنزِّل. والجملةُ مِنْ قوله: (لا ريب فيه)) حالٌ من ((الكتاب)). والعاملُ فيها (تنزيلُ)) لأنه مصدرٌ. و((مِنْ رَبِّ)) متعلَّقٌ به أيضاً. ويجوزُ أن يكون حالاً(١) من الضمير في ((فيه)) لوقوعِه خبراً. والعاملُ فيه الظرفُ أو الاستقرارُ. الثاني: أَنْ يكونَ ((تَنْزِيْل)) مبتدأٌ، ولا ((ريبَ فيه)) خبرُه. و ((مِنْ ربِّ العالمين)) حالٌ من الضمير في ((فيه)). ولا يجوزُ حينئذٍ أَنْ يتعلَّقَ بـ تنزيل؛ لأنَّ المصدرَ قد أُخْبِرِ عنه فلا يَعْمَلُ. ومَنْ يَتَّبِعُ في الجارِّ لا يبالي بذلك. الثالث: أَنْ يكونَ ((تنزيلُ)) مبتدأ أيضاً. و((مِنْ رَبِّ)) خبرُهُ و((لا/ ريبَ)) [٧١٦/أ] حالٌ أو معترضٌ. الرابع: أن يكون ((لا ريب)) و ((مِنْ رب العالمين)) خبرين(٢) لـ ((تنزيلُ)). الخامس: أن يكون خبرَ مبتدأ مضمرٍ، وكذلك ((لا ريبَ))، وكذلك ((مِنْ ربّ))، فتكونُ كلّ جملةٍ مستقلةً برأسِها. ويجوزُ أَنْ يكونا حالَيْن من (١) تكرر قوله: ((حالاً) في الأصل. (٢) الأصل «خبران» وهو سهو. ٧٧ - السجدة - (تنزيلُ))، وأن يكونَ ((مِنْ رب)) هو الحالَ، و ((لا ريبَ)) معترضُ. وأولُ البقرةِ (١) مُرْشِدَ لهذا، وإنما أَعَدْتُه تَطْرِيَّةً. وجَوَّز ابنُ عطيةٍ(٢) أَنْ يكونَ (مِنْ رب العالمين)) متعلُّقاً بـ ((تنزيل)) قال: ((على التقديم والتأخير)). ورَدَّه الشيخ(٣): بأنّا إذا قُلنا: ((لا ريبَ فيه)) اعتراضٌ لم يكنْ تقديماً وتأخيراً، بل لو تأخّر لم يكنْ اعتراضاً. وجَوَّز(٤) أيضاً أَنْ يكونّ متعلِّقاً بـ ((لا ريبَ)) أي: لا ريبَ فيه مِنْ جِهةِ ربِّ العالمين، وإنْ وَقَعَ شَكُّ للكفرة فذلك لا يُراعَى(٥). آ. (٣) قوله: ﴿أم يقولون﴾: هي المنقطعةُ، والإضرابُ انتقالٌ لا إبطالٌ. قوله: ((بل هو الحقُّ)) إضرابٌ ثانٍ. ولو قيل بأنَّه إضرابُ إبطالٍ لنفسٍِ. (افتراه) وحدّه لكان صواباً، وعلى هذا يُقال: كلُّ ما في القرآنِ إضرابُ فهو انتقالٌ إلَّ هذا، فإنه يجوزُ أَنْ يكونَ إبطالاً؛ لأنه إبطالٌ لقولِهم أي: ليس هو كما قالوا مفترى بل هو الحقُّ. وفي كلامِ الزمخشريِّ(٦) ما يُرْشِدُ إلى هذا فإنه قال: ((والضميرُ في ((فيه)) راجعٌ إلى مضمونِ الجملة. كأنه قيل: لا ريبَ في ذلك، أي: في كونه مِنْ رب العالمين. ويَشْهَدُ لِوجاهَتِه قولُه: ((أم يقولون: افتراه))؛ لأنَّ قولهم ((هذا مفترى)) إنكار لأنْ یکونَ مِنْ ربِّ العالمين، وكذلك قوله: «بل (١) انظر: الدر المصون ٧٩/١. (٢) المحرر ٢٩/١٣. (٣) البحر ١٩٧/٧. (٤) أي ابن عطية في المحرر ٢٩/١٣. (٥) ((تعقّبه أبو حيان بقوله: ((فليس بالجيد لأن نفي الريب عنه مطلقاً هو المقصود، لأن المعنى، لا مدخل للريب فيه ... )). (٦) الكشاف ٢٤٠/٣. ٧٨ - السجدة - هو الحقُّ مِنْ ربِّك)) وما فيه تقريرٌ أنه من عندِ الله. وهذا أسلوبٌ صحيحٌ مُحْكَمْ)). قوله: ((مِنْ ربِّك)) حالٌ من ((الحقّ)) والعاملُ فيه محذوفٌ على القاعدة، وهو العاملُ في ((لِتُنْذِرَ)) أيضاً، ويجوزُ أَنْ يكونَ العاملُ في ((لتنذر)» غيرَه أي: أنزله لِتنذر. قوله: ((قوماً ما أتاهم)) الظاهرُ أنَّ المفعولَ الثاني للإنذار محذوفٌ. و ((قوماً)) هو الأولُ؛ إذ التقديرُ: لتنذِرَ قوماً العقابَ، و ((ما أتاهم)) جملةٌ منفيَّةٌ في محلّ نصبٍ صفةً لـ ((قوماً) يريد: الذين في الفترة بين عيسى ومحمدٍ عليهما السلام. وجعله الزمخشري(١) كقوله: ((لِتُنْذِرَ قوماً ما أُنْذِرَ آباؤهم))(٢) فعلى هذا يكونُ ((مِنْ نذير)» هو فاعلَ ((أتاهم)) و ((مِنْ)) مزيدةٌ فيه. و ((مِنْ قبلِك)) صفةٌ لنذير. ويجوزُ أَنْ تتعلَّقَ ((مِنْ قبلك)) بـ((أَتاهم)). وجَوَّزَ الشيخُ(٣) أَنْ تكونَ ((ما)) موصولةً في الموضعين، والتقدير: لتنذِرَ قوماً العقابَ الذي أتاهم مِنْ نذيرٍ مِنْ قبلك. و((مِنْ نذير)) متعلقٌ بـ ((أَتاهم)) أي: أتاهم على لسانِ نذيرٍ مِنْ قبلِك، وكذلك ((لَتُنْذِرَ قوماً ما أُنْذِرَ آباؤهم)) أي: العقابَ الذي أُنْذِرَه آباؤهم. فـ ((ما)) مفعولةٌ في الموضعين، و((لِتْذِرَ)) يتعدّى إلى اثنين. قال تعالى: ((فَقُلْ أَنْذَرْتُكم صاعِقةً))(٤). وهذا القولُ جارٍ على ظواهر القرآن. قال تعالى: ((وإنْ مِنْ أُمَّة إلاّ خلا فيها نذيرٌ))(٥) ((أَنْ تقولوا ما جاءنا مِنْ (١) الكشاف ٢٤٠/٣. (٢) الآية ٦ من يُس. (٣) البحر ١٩٧/٧. (٤) الآية ١٣ من فصلت. (٥) الآية ٢٤ من فاطر. ٧٩ - السجدة - بشيرٍ ولا نذيرٍ، فقد جاءَّكُمْ بشيرٌ ونذير))(١). قلت: وهذا الذي قاله ظاهرٌ. ويظهر أنَّ في الآية الأخرى وجهاً (٢) آخرَ: وهو أَنْ تكونَ ((ما)) مصدريةً تقديرُه: لتنذِرَ قوماً إنذاراً مثلَ إنذارٍ آبائهم؛ لأنَّ الرسلَ كلَّهم متفقون على كلمة الحق . آ. (٥) قوله: ﴿ثم يَعْرُجُ﴾: العامَّةُ على بنائِه للفاعل. وابنُ أبي عبلة (٣) على بنائه للمفعول. والأصلُ: يُعْرَجُ به، ثم حُذِفَ الجارُّ فارتفع الضميرُ واستتر. وهو شاذٌّ يَصْلُحُ لتوجيهِ مثلِها. قوله: ((مِمَّا تَعُدُّون)) العامَّةُ على الخطاب. والحسن (٤) والسلميُّ وابنُ وثَّاب والأعمش بالغَيْبة. وهذا الجارّ صفةٌ لـ ((أَلْف)) أو لـ ((سَنة)). آ. (٦) قوله: ﴿ذلك عالمٌ﴾: العامَّةُ على رفع ((عالمٌ)) و ((العزيز)) و ((الرحيم)) على أَنْ يكونَ ((ذلك)) مبتدأُ، و((عالمٌ)) خبرَه. و((العزيز الرحيم)» خبران أو نعتان، أو العزيز الرحيم مبتدأٌ وصفتُه، و((الذي أَحْسَنَ)) خبرُهُ، أو ((العزيزُ الرحيم» خبرُ مبتدأ مضمرٍ. وقرأ(٥) زيد بن علي بجرِّ الثلاثة. وتخريجُها على إشكالها: أن يكونَ ((ذلك)) إشارةً إلى الأمر المدبَّر، ويكونَ فاعلًا لـ ((يَعْرُجُ))، والأوصافُ الثلاثة بدلٌ من الضمير في ((إليه)). كأنه قيل: ثم يعرُج الأمرُ المدبّرُ إليه عالم الغيب أي: إلى عالم الغيب. وأبو زيد برفع (عالمٌ)) وخفض ((العزيزِ الرحيم)) على أن يكونَ ((ذلك (١) الآية ١٩ من المائدة. (٢) الأصل: وجه . القرطبي ٨٨/١٤، والبحر ١٩٨/٧. (٣) (٤) الإتحاف ٣٦٦/٢، والقرطبي ٨٨/١٤، والبحر ١٩٩/٧. (٥) البحر ١٩٩/٧. ٨٠