النص المفهرس

صفحات 1-20

الدُّرُ المِصُونِ
في عُلُمْ الْكِتَابِ المَكْتُون
تأليف
أَحْمَد بْنِ يُوسُفْ المَعْرُوفِّ بِالسَّمِيْنِ الجَلَبِيّ
المتوفى سنة ٧٥٦ هـ
تحقیق
الدّكتور أحمد محَمّد الخّاط
الأسْنَاذُ المُشَارُكِ تَجَامِعَةِ الإِمَامْ مَّد بْن سُعُود الإِسِلَامَّة
المَعْهَد العَالِيُ لِدّعَوَة الإسلاميّة - المَدِيْنَة المُنُورَة
اعتمد فيه على نسخة بخط المؤلف
الجزءُ التّاسعُ
دار القلم
رش

- العنكبوت -
سورة العنكبوت
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (٢) قوله: ﴿أَنْ يُتْركوا﴾: سَدَّ مَسَدَّ مفعولَيْ حَسِب عند
الجمهور، ومَسَدَّ أحدِهما عند الأخفشِ .
قوله: ((أَنْ يقولوا)) فيه أوجهُ، أحدُها: أنه بدلٌ مِنْ ((أَنْ يُشْرَكوا))، أبدلَ
مصدراً مؤولاً مِنْ مثلِه. الثاني: أنها على إسقاط الخافض وهو الباءُ، أو اللام،
أي: بأَنْ يَقولوا، أو لأن يقولوا. قال ابن عطية(١) وأبو البقاء (٢): ((وإذا قُدِّرَتِ
الباءُ كان حالاً)). قال ابن عطية(٣): ((والمعنى في الباء واللام مختلفٌ؛ وذلك
أَنَّه في الباء كما تقول: ((تركْتُ زيداً بحالِه))/ وهي في اللام بمعنى مِنْ أجل [٧٠٧/ أ]
أي: أَحْسِبوا أنَّ إيمانَهم عِلةٌ للترك)) انتهى. وهذا تفسيرُ معنى، ولو فَسَّر
الإِعرابَ لقال: أَحُسْباتُهم التركَ لأجل تلفُّظِهم بالإِيمان .
وقال الزمخشري (٤): ((فإنْ قلتَ: فأين الكلامُ الدالُّ على المضمونِ
الذي يَقْتضيه الحُسبانُ؟ قلت: هو في قوله: ((أَنْ يُتركوا أَنْ يَقولوا: آمنًا، وهم
(١) المحرر ٢٠٠/١٢.
(٢) الإملاء ١٨١/٢.
(٣) المحرر ٢٠٠/١٢.
(٤) الكشاف ١٩٥/٣.

۔ العنكبوت ــ
لا يُفْتنون)). وذلك أنَّ تقديرَه: أَحَسِبُوا تَرْكَهم غيرَ مفتونين لقولهم: آمنًّاً، فالتركُ
أولُ مفعولَيْ ((حَسِب)» و «لقولهم آمنًّا» هو الخبر. وأمَّا غيرَ مفتونين فتتمةُ التركِ؛.
لأنه من الترك الذي هو بمعنى التصيير، كقوله(١):
٣٦٣٣- فَتَرَكْتُه جَزَرَ السِّبَاعِ يَنُشْنَه
ألا ترى أنك قبل المجيءِ بالحُسْبان تَقْدِرُ أَنْ تقولَ: تَرَكّهم غيرَ مفتونين
لقولهم: آمنًّا على [تقدير](٢): حاصل ومستقر قبل اللام. فإِنْ قلت: ((أَنْ
يَقُولوا)) هو علةٌ تَرْكِهم غيرَ مَفْتونين، فكيف يَصِحُّ أن يقعَ خبرَ مبتدأ؟ قلت: كما
تقول: خروجُه لمخافةِ الشرِّ وَضَرْبُه للتأديب، وقد كان التأديبُ والمخافةُ في
قولِك: خَرَجْتُ مخافةَ الشرِّ وضَرَبْتُه تأديباً تعليلين. وتقول أيضاً: حَسِبْتُ
خروجَه لمخافةِ الشَّرُّ، وَظَنْتُ ضربَه للتأديب، فتجعلهما مفعولين كما جعلتهما
مبتدأ وخبراً)).
قال الشيخ(٣) بعد هذا كلِّه: «وهو كلامٌ فيه اضطرابٌ؛ ذكر أولاً أنَّ تقديره
غيرَ مفتونين تتمةٌ، يعني أنه حالٌ لأنه سَبَكَ ذلك مِنْ قولِه ((وهم لا يُقْتَّنون)» وهي
جملةٌ حالية، ثم ذكر أَنَّ (يُتْركو) هنا من الترك الذي هو تَصْبِيرٌ. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ
مفعولَ ((صِيَّ)) الثاني لا يَسْتَقِيمُ أَنْ يكونَ ((لقولِهم))؛ إذا يصيرُ التقديرُ: أن يُصَيَّرُوا
(١) البيت لعنترة وعجزه
ما بين قُلَّةِ رأسِه والمِعْصَمِ
وهو في ديوانه ٢١٠، وشرح القصائد السبع ٣٤٧. والجزر: جمع جَزّرة وهي الشاة
والناقة تُذبح أي صار للسباع جزرة أي: لَحماً. وينشنه: يأكلنه. وقلة رأسه: أعلى
رأسه. والمعصم: موضع السوار.
(٢) من الكشاف.
(٣) البحر ١٣٩/٧.
٦

- العنكبوت -
لقولِهم وهم لا يُفْتنون، وهذا كلامٌ لا يَصِحُ. وأمَّا ما مَثَّله به من البيت فإنه يَصِحُ
أن يكون «جَزَرَ السِّباع)» مفعولاً ثانياً لـ تَرَكَ بمعنی صَيَّر، بخلاف ما قَدَّر في
الآية. وأمَّا تقديرهُ تَرَكهم غيرَ مفتونين لقولهم [آمَنَّا](١) على تقديرٍ حاصل
ومستقر قبل اللام فلا يَصِحُّ إذا كان تركُهم بمعنى تصييرهم، وكان غيرَ مفتونين
حالاً؛ إذ لا يُنْعَقِد مِنْ تَرْكِهم بمعنى تصيرِهم وَتَقَوُّلِهِم مبتدأ وخبرٌ، لاحتياجٍ
تَرْكِهم بمعنى تصييرِهم إلى مفعولٍ ثانٍ لأنَّ غيرَ مفتونين عنده حالٌ لا مفعولٌ
ثانٍ. وأمَّ قولُه: فإنْ قلت: أَنْ يقولوا إلى آخره فيحتاج إلى فَضْلِ فَهْمٍ : وذلك
أنَّ قولَه: ((أَنْ يقولوا) هو علةُ تَرْكِهم فليس كذلك؛ لأنه لو كان علةً له لكان به
متعلقاً كما يتعلَّقُ بالفعلِ ، ولكنه علةٌ للخبرِ المحذوفِ الذي هو مستقر
أو كائن، والخبرُ غيرُ المبتدأ، ولو كان ((لقولِهم)) علةً للترك لكان مِنْ تمامِه فكان
يحتاج إلى خبرٍ. وأمّا قولُه كما تقول: خروجُه لمخافةِ الشرِّ فـ((لمخافة)) ليس
علةً للخروج بل للخبر المحذوف الذي هو مستقرًّ او کائن» انتهى.
قلت: وهذا الذي ذكره الشيخُ كلُّه جوابُه: أنَّ الزمخشريَّ إنما نظر إلى
جانب المعنى، وكلامُه عليه صحيحٌ. وأمَّا قولُه: ليس علةٌ للخروج ونحو ذلك
يعني في اللفظ. وأمَّا في المعنى فهو علةٌ له قطعاً، ولولا خَوْفُ الخروج عن
المقصود(٢) .
آ. (٣) قوله: ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الذين صَدَقوا﴾: العامَّةُ على
فتح الياء مضارعَ ((عَلِمِ)) المتعديةِ لواحد. كذا قالوا. وفيه إشكالٌ تقدَّمَ غيرَ مرةٍ:
وهو أنها إذا تَعَدَّتْ لمفعولٍ كانَتْ بمعنى عَرَفَ. وهذا المعنى لا يجوز إسنادُه
إلى الباري تعالى؛ لأنه يَسْتَدعي سَبْقَ جهلٍ ؛ ولأنه يتعلَّقُ بالذاتِ فقط دون
ما هي عليه من الأحوالِ .
(١) من البحر.
(٢) أي: لتابعت الردّ عليه.
٧

۔ العنكبوت -
وقرأ(١) عليٌّ وجعفرُ بن محمد بضمِّ الياءِ، مضارعَ أَعْلم. ويحتمل أَنْ
يكونَ مِنْ عَلِم بمعنى عَرَفَ، فلمَّا جِئْءَ بهمزةِ النقلِ أَكْسَبْها مفعولاً آخرَ
فَحُذِفَ. ثُم هذا المفعولُ يُحتمل أَنْ يكونَ هو الأولَ أي: لَيُعْلِمَنَّ اللَّهُ الناسَ
الصادقين، وليُعْلِمِنَّهم الكاذبين، أي: بشهرةٍ يُعْرَفُ بها هؤلاءٍ مِنْ هؤلاء. وأن
يكونَ الثاني أي: لِيُعْلِمَنَّ هؤلاء منازِلَهم، وهؤلاءِ منازلَهم في الآخرةِ. ويُحتمل
أَنْ يكونَ من العلامةِ وهي السِّيمِياءِ، فلا يتعدَّى إِلَّ لواحدٍ. أي: لنجعلَنَّ لهم
علامةٌ يُعرفون بها. وقرأ الزهريُّ الأولى كالمشهورةِ، والثانيةَ كالشاذة.
آ. (٤) قوله: ﴿أُم حَسِبَ﴾: ((أم)) هذه منقطعةٌ فتقدَّرُ بـ بل
والهمزةِ عند الجمهورِ، والإضرابُ انتقالٌ لا إبطال. وقال ابنُ عطية(٢): ((أم)).
[٧٠٧/ ب] معادٍلَةٌ / للألفِ في قولِه ((أَحَسِبَ))، وكأنَّه عَزَّ وجَلَّ قَرَّر الفريقين: قرر المؤمنين
على [ظَِّهم أنَّهم](٣) لا يُقْتَنُون، وقَرَّر الكافرين أنهم يَسْبِقُون عقابَ اللَّهِ». قال
الشيخ (٤): (ليسَتْ معادِلةً(٥)؛ إذ لو كانت كذلك لكانَتْ متصلةً. ولا جائزٌ أَنْ
تكونَ متصلةً لفَقْدٍ شرطَيْن، أحدهما: أنَّ ما بعدَها ليس مفرداً (٦)، ولا ما في
قوته(٧). والثاني: أنَّه لم يكن هنا ما يُجابُ به مِنْ أحد شيئين أو أشياء.
وجَوَّز الزمخشريُّ (٨) في ((حَسِبَ)) هذه أَنْ تتعدَّى لاثنين، وجعل ((أَنَّ)) وما
(١) المحتسب ١٥٩/٢، والبحر ١٤٠/٧، والشواذ ١١٤.
(٢) المحرر ٢٠١/٧ .
(٣) زيادة من المحرر.
(٤) البحر ٧ /١٤٠.
(٥) أي للألف في أحسب.
(٦) نحو: أزيد قائم أم عمرو.
(٧). نحو: أقام زید أم قعد.
(٨) الكشاف ١٩٦/٣.
٨

۔ العنكبوت -
في حَيِّزها سادةً مَسَدَّهما كقوله: ((أم حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجنةَ))(١)، وأَنْ تتعدّى
لواحدٍ على أنها تَضَمِّنَتْ معنى ((قَدَّر)). إلَّ أنَّ التضمينَ لا يَنْقَاسُ.
قوله: ((ساء ما يَحْكمون)): ((ساء)) يجوزُ أَنْ تكونَ بمعنى بِئْس، فتكونُ
((ما): إِمَّا موصولةً بمعنى الذي، و((يَحْكمون)) صلتُها. وهي فاعلُ ((ساء)».
والمخصوصُ بالذمِّ محذوفٌ أي: حُكْمُهم. ويجوز أَنْ تكونَ ((ما)) تمييزاً،
و ((يَحْكُمون)) صفتُها، والفاعلُ مضمرٌ يُفَسِّره ((ما))، والمخصوصُ أيضاً
محذوفُ. ويجوزُ أَنْ تكونَ ((ما)» مصدريةً، وهو قولُ ابنٍ كَيْسان(٢). فعلى هذا
يكونُ التمييزُ محذوفاً، والمصدرُ المؤولُ مخصوصٌ بالذمِّ أي: ساءَ حُكْماً
حكمُهم. وقد تقدَّمَ حكمُ ((ما)) إذا اتصلَتْ بـ ((بِشْسَ)) مُشْبعاً في البقرة(٣). ويجوزُ
أَنْ تكونَ («ساء)» بمعنى قَبُح، فيجوز في ((ما)) أَنْ تكونَ مصدريةً، وبمعنى الذي،
ونكرةً موصوفةً. وجيْءَ بـ ((يَحْكمون)) دونَ حُكْمِه: إِمَّا للتنبيهِ على أن هذا
دَيْدَنُهم، وإمَّا لوقوعِه مَوْقِعَ الماضي لأجلِ الفاصلة .
آ. (٥) قوله: ﴿مَنْ كان﴾: يجوزُ أَنْ تكونَ شرطيةً، وأَنْ تكونَ
موصولةً، والفاءُ: لشَبَهِها بالشرطيةِ. والظاهرُ أنَّ هذا ليس بجوابٍ؛ لأنَّ أجلَ
اللَّهِ آتٍ لا مَحالةَ من غيرِ تقييدٍ بشرطِ، بل الجوابُ محذوفٌ أي: فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا
صالحاً، ولا يُشْرِكْ بعبادةِ ربِّه أحداً، كما قد صَرَّح به(٤).
(١) الآية ٢١٤ من البقرة.
(٢) انظر: المحرر الوجيز ٢٠٢/١٢ .
(٣) انظر: الدر المصون ٥٠٧/١.
(٤) الآية ١١٠ من الكهف: ﴿فَمَنْ كان يَرْجو لقاءَ ربِّه فَلْيعمل عملاً صالحاً ولا يُشْرِكُ
بعبادة ربِّه أحدا﴾ .

۔ العنكبوت -
آ. (٧) قوله: ﴿والذين آمَنُوا﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ مرفوعاً
بالابتداءِ، والخبرُ جملةُ القسمِ المحذوفةُ وجوابُها، أي: واللَّهِ لِنُكَفِّرَنَّ. ويجوز
أَنْ يكونَ منصوباً بفعلٍ مضمرٍ على الاشتغال أي: ولَيُخَلَّصَنَّ الذين آمنُوا مِنْ
سیئاتھم .
قوله: ((أحسنَ الذي كانوا يَعْملون)» قيل(١): على حَذْفٍ مضافٍ أي:
ثوابَ أحسنٍ. والمرادُ بـ((أَحْسَن)) هنا مجردُ الوصفِ. قيل(٢): لئلا يَلْزَمَ أَنْ
يكونَ جزاؤهم بالحُسْن مسكوتاً عنه. وهذا ليس بشيءٍ؛ لأنه من بابِ الأولى إذا
جازاهم بالأحسنِ جازاهم بما دَوْنَه فهو من التنبيه على الأدنی بالأعلى.
آ. (٨) قوله: ﴿حُسْناً﴾: فيه أوجهٌ، أحدُها، أنه نعتُ مصدرٍ
محذوفٍ أي إيصاءً حُسْناً: إمَّا على المبالغةِ، جُعِل نفسَ الحُسْن، وإمَّا على
حَذْفٍ مضاف أي: ذا حُسْن. الثاني: أنه مفعولٌ به. قال ابنُ عطية (٣): ((وفي
ذلك تَجَوّزٌ. والأصلُ: وَوَصَّيْنا الإِنسانَ بالحُسْن في فِعْله مع والدَيْهِ. ونظيرُ هذا
قولُ الشاعر(٤):
(١) وهو مذهب ابن عطية في المحرر ٢٠٣/١٢.
(٢) كان ابن عطية قد قدَّر المضاف المحذوف: ((ثواب أحسن)) فاعترضه أبو حيان بقوله:
((وهذا التقدير لا يسوغ لأنه يقتضي أن أولئك يجزون ثواب أحسن أعمالهم وأما ثواب
حسنها فمسكوت عنه وهم يجزون ثواب الأحسن والحسن إلَّ إن أخرجْتَ أحسن عن
بابها من التفضيل فتكون بمعنى حسن فإنه يسوغ ذلك)).
(٣) المحرر ٢٠٤/١٢ .
(٤) لم أهتدٍ إلى قائله، وهو في المحرر ٢٠٤/١٢، وفيه ((خافونا)) والقرطبي ٣٢٩/١٣
وقدَّر البيت: يوصينا أن نفعل بها خيراً. وقدَّر الآية: ووصينا الإنسان أن يفعل حسناً، ..
فيقدَّر له فعلٌ.
١٠

- العنكبوت -
٣٦٣٤- عَجِبْتُ مِنْ دَهْماءَ إذْ تَشْكُوْنا
ومِنْ أبي دَهْماءَ إذ يُوْصِيْنا
خيراً بنا كأنّنا جافُونا
ومثلُه قولُ الحطيئة (١):
٣٦٣٥- وَصَّيْتُ مِنْ بَرَّةَ قلباً حُرَّاً
بالكَلْبِ خيراً والحَماةِ شَرَّأَ
وعلى هذا فيكونُ الأصلُ: وصَّيْناه بحُسْنٍ فِي أَمْرِ والدَيْه ثم جُرَّ الوالدان
بالباء فانتصَبَ ((حُسْناً))، وكذلك البيتان. والباء في الآية والبيتين في هذه الحالةِ
للظرفية .
الثالث: أنَّ ((بوالديه)) هو المفعولُ الثاني، فينتصبُ ((حُسْناً)) بإضمار فعل
أي: يَحْسُن حُسْناً، فيكونُ مصدراً مؤكداً. كذا قيل. وفيه نظرٌ؛ لأنَّ عامل
المؤكِّد لا يُحْذَفُ. الرابع: أنَّه مفعولٌ به على التضمينِ أي: أَلْزَمْناه حُسْناً.
الخامس: أنَّه على إسقاطِ الخافض أي: بحُسْنِ. وعبّر صاحب ((التحرير)) عن
ذلك بالقطع. السادس: أنَّ بعضَ الكوفيين قَدَّره: ووصَّيْنَا الإِنسانَ أَنْ يَفْعَلَ
بوالديه حُسْناً. وفيه حَذْفُ ((أنْ)) وصلتِها وإبقاءُ معمولِها. ولا يجوزُ عند
البصريين. السابع: أنَّ التقديرَ: ووصَّيْناه بإيتاءٍ والدَيْه حُسناً. وفيه حَذْفُ
المصدرِ، وإبقاءُ معموله. ولا يجوزُ. الثامن: أنَّه منصوبٌ انتصابَ ((زيداً)) في
قولِك لَمَنْ رأيتَه مُتَهيِّئاً للضَرْب: زيداً أي: اضرِبْ زيداً. والتقديرُ هنا: أَوْلِهما
حُسْنَاً أو افعلْ بهما حُسْناً. قالهما الزمخشري(٢) .
(١) تقدم برقم ٢٥٨٦ .
(٢) الكشاف ١٩٧/٣ - ١٩٨.
١١

- العنكبوت -
[٧٠٨/أ]
وقرأ(١) عيسى والجحدري / ((حَسَناً)) بفتحتين، وهما لغتان كالبُخْلِ
والبَخَل، وقد تقدَّم ذلك أوائل البقرة(٢).
آ. (٧) قوله: ﴿والذين آمنُوا﴾: يجوز فيه الرفعُ على الابتداء،
والنصبُ على الاشتغالِ .
آ. (١٠) قوله: ﴿لَيَقُوْلُنَّ﴾: العامَّةُ على ضَمِّ اللامِ لُيُسْنِدَ الفعلَ
الضمير جماعةٍ حَمْلاً على معنى ((مَنْ)) بعد أَنْ حُمِل على لفظِها. ونقل أبو معاذ.
النحوي أنه قُرِىء (٣) ((لَيَقُوْلَنَّ)) بالفتح جَرْياً على مراعاةٍ لفظِها أيضاً. وقراءةُ
العامَّةِ أحسنُ لقولِه ((إنَّا كُنَّ)).
آ. (١٢) قوله: ﴿وَلْنَحْمِلْ﴾: أمرٌ في معنى الخبر. وقرأ(٤).
الحسن وعيسى بكسرٍ لامِ الأمرِ. وهو لغةُ الحجاز. وقال الزمخشري(٥): ((وهذا
قولُ صناديدٍ قريشٍ كانوا يقولون لمَنْ آمنَ منهم: لا نُبْعَثُ نحن ولا أنتم، فإنْ
عَسَى كان ذلك فإنَّا نَتَجَمَّلُ)). قال الشيخ (٦): ((هو تركيبٌ أعجميٌّ مِنْ جهةٍ
إدخالِ حرفِ الشرطِ على «عسى)»، وهي جامدةٌ، واستعمالِها مِنْ غيرِ اسمِ
ولا خبرٍ وإیلائھا کان».
وقرأ العامَّةُ ((خطاياكُمْ)) جمعَ تكسيرٍ. وداود (٧) بن أبي هند ((مِنْ
(١) القرطبي ٣٢٩/١٣، والبحر ١٤٢/٧.
(٢) انظر: الدر المصون ١ /٤٦٦.
(٣) البحر ١٤٣/٧، والشواذ ١١٤.
(٤) الإتحاف ٢ /٣٤٨، البحر ١٤٣/٧.
(٥) الكشاف ١٩٩/٣ .
(٦) البحر ١٤٣/٧.
(٧) البحر ١٤٤/٧، والشواذ ١١٤. وفيه داود بن هند، والمحرر ١٢ /٢٠٦ . وداود.
=
١٢

- العنكبوت -
خَطِيْئاتهم)) جمعَ سلامةٍ. وعنه أيضاً ((خَطيئِهم)) بالتوحيد، والمرادُ الجنسُ.
وهذا شبيهٌ بقراءتَيْ ((وأحاطَتْ به خطيئْتُه)) و((خطيئاته))(١) وعنه أيضاً ((خَطَئِهم)).
قيل: بفتحِ الطاءِ وكسرِ الياءِ. يعني بكسرِ الهمزةِ القريبةِ من الياء لأجلِ
تسهيلِها بينَ بينَ .
و ((مِنْ شيء)) هو مفعولٌ بـ ((حاملِين))، و ((مِنْ خطاياهم)) حالٌ منه، لمَّا
تقدَّم عليه انتصبَ حالاً .
آ. (١٤) قوله: ﴿أَلِفَ سَنَّةٍ﴾: منصوبٌ على الظرفِ. ((إلَّ
خمسين عاماً)) منصوبٌ على الاستثناءِ، وفي وقوع الاستثناءِ مِنْ أسماءِ العددِ
خلافٌ. وللمانعين منه جوابٌ عن هذه الآيةِ. وقد رُوْعِيَتْ هنا نكتةٌ لطيفةٌ: وهو
أَنْ غايَرَ بين تمييزَيْ العددَيْن فقال في الأول: ((سَنَّة)) وفي الثاني: ((عاماً)) لئلا
يَثْقُلَ اللفظُ (٢). ثم إنه خَصَّ لفظَ العامِ بالخمسين إيذاناً بأنَّ نبيَّ اللَّهِ صلَّى الله
عليه وسلَّم لَمَّا استراح منهم بقيَ في زمنٍ حسنٍ، والعربُ تُعَبِّرُ عن الخِصْبِ
بالعام، وعن الجَدْبِ بالسَّنَّة.
آ. (١٥) قوله: ﴿وجَعَلْناها﴾: أي: العقوبةَ أو الطَّوْفَةَ، ونحو
ذلك.
ابن أبي هند، طهمان أبوبكر القشيري البصري رأى أنس بن مالك وسعيد ابن
=
المسيب توفي سنة ١٣٩. انظر: تهذيب الكمال ٣٩٢/١.
(١) الآية ٨١ من البقرة. قرأ نافع بجمع السلامة، وقرأ الجمهور بالإِفراد. انظر: الدر
المصون ٤٥٧/١.
(٢) قال الزمخشري: ((لأن تكرير اللفظ الواحد في الكلام الواحد حقيق بالاجتناب في
البلاغة إلاّ إذا وقع ذلك لأجل غرض ينتحيه المتكلم من تفخيم أو تهويل أو تنويه
أو نحو ذلك)» الكشاف ٢٠٠/٣.
١٣

۔۔ العنكبوت -
آ. (١٦) قوله: ﴿وإبراهيمَ﴾: العامَّةُ على نصبِهِ عَطفاً على
((نوحاً))، أو بإضمار اذْكُرْ، أو عطفاً على هاء ((أَنْجَيْناه)). والنخعي(١) وأبو جعفر
وأبو حنيفةً ((وإبراهيمُ)) رفعاً على الابتداءِ، والخبرُ مقدَّرٌ أي: ومن المرسلينَ
إبراهيمُ.
قوله: ((إذ قالَ)) بدلٌ مِنْ ((إبراهيمَ)) بدلُ اشتمالٍ.
آ. (١٧) قوله: ﴿وَتَخْلُقُوْن): العامَّةُ بفتحِ التَاءِ وسكونِ الخَاءِ
وسكونِ اللامِ، مضارعَ خَلَقَ، ((إفكاً)) بكسرِ الهمزةِ وسكون الفاء أي :
وَتَخْتَلِقُوْن كذباً أو تَنْحِتُون أصناماً. وعلي (٢) بن أبي طالب وزيدُ بن علي
والسُّلمي وقتادةُ بفتح الخاءِ واللامِ مشددةً(٣)، وهو مضارعُ ((تَخَلَّقَ)) والأصلُ:
تَتَخَلَّقُوْن بتاءَيْنِ، فَحُذِفَت إحداهما كـ تَنزَّلُ(٤) ونحوِهِ. ورُوي عن زيد بن علي
أيضاً ((تُخَلِّقُوْن)) بضم التاء وتشديد اللام مضارعَ خَلَّق مضعَّفاً.
١
وقرأ(٥) ابن الزُّبيز وفضيل بن زُرْقان(٦) ((أَفِكاً» بفتح الهمزة وكسر الفاء وهو
مصدرٌ كالكَذِبِ معنىً ووزناً. وجَوَّز الزمخشري (٧) في الإِفْك بالكسرِ والسكون
وجهين، أحدهما: أَنْ يكونَ مخففاً من الأُفِك بالفتح والكسر كالكِذْب واللَّعْب،
وأصلُهما الكَذِب واللَّعِب، وأن يكونَ صفةً على فِعْل أي خَلْقاً إفكاً أي :
(١) البحر ١٤٥/٧.
(٢) القرطبي ٣٣٥/١٣، والبحر ٠.١٤٥/٧
(٣) ((وَتَخَلَّقُوْن)).
(٤) الآية ٤ من سورة القدر.
(٥) القرطبي ٣٣٥/١٣، والبحر ١٤٥/٧.
(٦)
لم أقف على ترجمته:
(٧) الكشاف ٢٠١/٣.
١٤

- العنكبوت -
ذا إفك. قلتُ: وتقديرُه مضافاً قبلَ إنْك مع جَعْلِه له صفةً غيرُ محتاجٍ إليه،
وإنما كان يُحْتَاجُ إليه لو جَعَلَه مصدراً.
قوله: ((رِزْقًا) يجوزُ أن يكونَ منصوباً على المصدرِ، وناصبُه ((لا يَمْلِكون))
لأَنَّه في معناه. وعلى أصولِ الكوفيين يجوزُ أَنْ يكونَ الأصلُ: لا يملِكُون أن
يَرْزُقوكم رِزْقاً، فـ((أَنْ يَرْزُقوكم)) هو مفعولُ ((يَمْلكون)». ويجوزُ أَنْ يكونَ بمعنی
المَرْزوق، فينتصبَ مفعولاً به.
آ. (١٩) قوله: ﴿يَرَوْا كيفَ﴾: قرأ(١) الأخَوان وأبو بكر
بالخطاب، على خطابٍ إبراهيمَ لقومِه بذلك. والباقون بالغَيْبة ردًّاً على الأممِ
المكذِّبةِ.
قوله: ((كيف يُبْدِىءُ)) العامَّةُ على ضَمِّ الياءِ مِنْ أَبْدَاً. والزبيري(٢) وعيسى
وأبو عمرو بخلافٍ عنه ((يَبْدَأ)» مضارعَ بدأ. وقد صَرَّح بماضيه هنا حيث قال:
((كيف بدأ الخَلْقَ))(٣) وقرأ الزهري: ((كيف بَدا)) بألفٍ صريحةٍ، وهو تخفيفٌ
على غيرٍ قياسٍ . وقياسُه بين بينَ، وهو في الشذوذ كقولِه(٤):
٣٦٣٦-
فَارْعَيْ فَزارةُ لا هَناكِ المَرْتَعُ
(١) السبعة ٤٩٨، والنشر ٣٤٣/٢، والتيسير ١٧٣، والقرطبي ٣٣٦/١٣، والبحر
٠١٤٦/٧
(٢) البحر ١٤٦/٧ والزبيري هو الزبير بن عامر بن صالح الزبيري أخذ عن نافع وروى
عنه حمزة الأحول انظر: طبقات القراء ٢٩٣/١.
(٣) في الآية ٢٠ .
(٤) تقدم برقم ٥٠١ .
١٥

- العنكبوت :-
[٧٠٨/ب]
/ آ. (٢٠) قوله: ﴿النَّشْأَةَ﴾: قرأ(١) ابن كثير وأبو عمرو
((النَّشاءةَ)) بالمدّ هنا والنّجم (٢) والواقعة(٣). والباقون بالقصرِ مع سكونِ الشين،
وهما لغتان كالرَّأْفة والرَّآفة. وانتصابُهما على المصدرِ المحذوفِ الزوائدِ.
والأصلُ الإِنشاءة. أو على حَذْف العاملِ أي: يُنْشِىءِ فَيَنْشَؤون النشأةَ. وهي
مرسومةٌ بالألفِ وهو يُقَوِّيَ قراءةَ المدِّ.
آ. (٢٢) قوله: ﴿ولا في السَّماءِ﴾: على تقديرٍ أَنْ يكونوا فيها
كقوله: ((إِنْ اسْتَطَعْتُمْ أن تَنْفُذُوا مِنْ أقطارِ السموات))(٤) أي: على تقديرٍ أَنْ
يكونوا فيها. وقال ابن زيد والفراء(٥): «معناه ولا مَنْ في السماءِ أي: يُعْجِزُ إِنْ
عَصَىْ)) يعني: أنَّ مَنْ في السمواتِ عطفٌ على ((أنتم)) بتقدير: إنْ يَعْصِ. قال
الفراء: ((وهذا من غوامضِ العربيةِ)). قلت: وهذا على أصلِه حيث يُجَوِّز حَذْفَ
الموصولِ الاسميِّ وتَبْقِى صلته. وأنشد(٦):
٣٦٣٧ - أَمَنْ یھْجُو رسولَ الله منكُمْ
ويَنْصُرُهُ وَيَمْدَحُه. سَواءُ
وأبعدُ مِنْ ذلك مَنْ قدَّر موصولين محذوفين أي: وما أنتم بمعجِزِين مَنْ
في الأرض مِن الإِنسِ والجنِّ ولا مَنْ في السماء من الملائكة، فكيف تُعْجِزُون
خالقِها؟ وعلى قولِ الجمهورِ يكونُ المفعولُ محذوفاً أي: وما أنتم بمُعجِزين
أي: فائِتِينَ ما يريدُ اللَّهُ بِكم.
(١) السبعة ٤٩٨، والنشر ٣٤٣/٢، والبحر ١٤٦/٧، والتيسير ١٧٣.
(٢) الآية ٤٧.
(٣) الآية ٦٢.
(٤) الآية ٣٣ من الرحمن.
(٥) معاني القرآن ٣١٥/٢.
(٦) تقدم برقم ٧٩٠.
١٦

- العنكبوت -
وقوله(١): ((ثم يُعيدُه) ((ثم اللَّهُ يُنْشِىءُ)) مُسْتأنفان، من إخبارِ الله تعالى،
فليس الأولُ داخلاً في حَيِّزِ الرؤيةِ، ولا في (٢) الثاني في حَيِّرِ النظَر.
آ. (٢٤) قوله: ﴿فما كان جوابَ قومِه﴾: العامَّةُ على نصبِه.
والحسن(٣) وسالمُ الأفطسُ برفعِه. وقد تقدَّم تحقيقُ هذا(٤).
آ. (٢٥) قوله: ﴿إِنَّ ما الَّخَذْتُمْ﴾: في ((ما)» هذه ثلاثةُ أوجهٍ،
أحدها: أنها موصولةٌ بمعنى الذي، والعائدُ محذوفٌ، وهو المفعولُ الأول.
و ((أَوْثاناً)) مفعولٌ ثانٍ. والخبرُ ((مَوَدَّةُ) في قراءةِ مَنْ رفع كما سيأتي. والتقدير:
إنَّ الذي اتَّخذ تموه أوثاناً مودةُ، أي: ذو مودةٍ، أو جُعلِ نفسَ المودةِ، ومحذوفٌ
على قراءةٍ مَنْ نَصَبَ ((مَوَدَّةَ)) أي: إنَّ الذي اتخذتموه أوثاناً لأجلِ المودةِ
لا يَنْفَعُكم، أو ((يكونُ عليكم))، لدلالةِ قولِه: ((ثم يومَ القيامةِ يكفُرُ بعضُكم
ببعض».
الثاني: أن تُجْعَلَ ((ما)) كافةً، و((أوثاناً)) مفعولٌ به. والاتّخاذ هنا متعدٍ
لواحدٍ، أو لاثنين، والثاني، هو (من دونِ الله)) فَمَنْ رفع ((مودةُ)» كانَتْ خبرَ مبتدأ
مضمرٍ. أي: هي مودة، أي: ذاتُ مودة، أو جُعِلت نفسَ المودةِ مبالغةً.
والجملةُ حينئذٍ صفةٌ لـ((أَوْثان)) أو مستأنفةٌ. ومَنْ نصبُ كانَتْ مفعولاً له،
أو بإضمار أَعْني .
الثالث: أَنْ تُجْعَلَ ((ما) مصدريةً، وحينئذٍ يجوز أن يُقَدَّر مضافاً من الأول
أي: إنَّ سببَ اتِّخاذِكم أوثاناً مودةً، فيمَنْ رفَعَ ((مودةُ)). ويجوز أَنْ لا يُقَدَّرَ، بل
(١) عاد إلى الآية ١٩.
(٢) لعل ((في)) هذه مقحمة.
(٣) القرطبي ٣٣٨/١٣، والبحر ١٤٨/٧.
(٤) انظر: الدر المصون ٣٧٣/٥.
١٧

- العنكبوت -
يُجْعَلُ نفسُ الاتخاذِ هو المودةَ مبالغةً. وفي قراءةٍ مَنْ نَصَبَ يكونُ الخبرُ
محذوفاً، على ما مَرَّ في الوجه الأول.
وقرأ(١) ابن كثيرٍ وأبو عمروٍ والكسائيُّ برفع ((مودةُ» غيرَ منونة وجَرِّ
(بَيْنِكم)). ونافع وابن عامر وأبو بكر بنصب ((مودةً)) منونةً ونصبٍ ((بينكم)). وحمزةُ
وحفص بنصب ((مودة)» غيرَ منونةٍ وجرِّ ((بَيْنِكم)). فالرفعُ قد تقدَّم. والنصبُ أيضاً
تقدَّم فيه وجهان، ويجوزُ وجهٌ ثالثٌ، وهو أن تُجْعَلَ مفعولاً ثانياً على المبالغةِ،
والإِضافةُ للأنِّساعِ في الظرف كقولهم(٢) :
٣٦٣٨- يسا سارِقَ الليلةِ أهلَ الدارِ
ومَنْ نصبَه فعلى أصلِه. ونُقِل عن عاصمٍ أنه رَفَعِ «مودةُ» غيرَ منونةٍ
ونَصَبَ ((بينكم)). وخُرِّجَتْ على إضافة ((مودةُ)) للظرف، وإنما بُني لإِضافتِه إلى
غيرِ متمكنٍ كقراءةِ ((لقد تَقَطَّعَ بينكم))(٣) بالفتح إذا جعلنا ((بينكم)) فاعلًا.
وأمَّا ((في الحياة)) ففيه [أوجهٌ] أحدها: أنه هو و ((بينكم)) متعلقان بـ «مودَّةٌ))
إذا نُوِّنَتْ. وجازَ تعلُّقُهما بعاملٍ واحدٍ لاختلافِهما. الثاني: أَنْ يتعلَّقا بمحذوفٍ
على أنهما صفتان لـ («مودَّة)). الثالث: أن يتعلَّقَ ((بَيْنَكم)) بموَدَّة. و ((في الحياة)»
صفةٌ لـ ((مودة). ولا يجوزُ العكسُ لئلا يلْزَم إعمالُ المصدرِ الموصوفِ. والفرقُ
بينَه وبين الأول أنَّ الأولَ عَمِلَ فيه المصدرُ قبل أَنْ يُوْصَفَ، وهذا عَمِلَ فیه بعد
(١) السبعة ٤٩٩، والبحر ١٤٨/٧، والتيسير ١٧٣، والحجة ٥٥٠، والنشر ٣٤٣/٢،
والقرطبي ١٣ /٣٣٨.
(٢) تقدم برقم ٢٩١٢.
(٣) الآية ٩٤ من الأنعام. وهي قراءة نافع والكسائي وعاضم. انظر: الدر ٤٨/٥.
١٨

- العنكبوت -
أَنْ وُصِفَ. على أنَّ ابنَ عطية(١) جَوَّز ذلك هو وغيرُه وكأنهم اتَّسَعوا في
الظرف. فهذا وجه رابعٌ .
الخامس: أَنْ يتعلَّقَ ((في الحياة)) بنفس ((بينكم)) لأنه بمعنى الفعل،
إذ التقديرُ: اجتماعُكم ووَصْلُكم. السادس: أَنْ يكونَ حالاً مِنْ نفسٍ ((بينكم)».
السابع: أن يكونَ ((بينكم)) صفةً لـ((مودة)). و ((في الحياة)) حالٌ من الضميرِ
المستكنُّ فيه. الثامن: أَنْ يتعلَّقَ ((في الحياة)) بـ (اتّخذتُمْ)) على أَنْ تكون ((ما))
كافةً و ((مودة)» منصوبةٌ. قال أبو البقاء (٢): ((لئلا يؤدِّي إلى الفصلِ / بين [٧٠٩/أ]
الموصول وما في الصلة بالخبر» .
آ. (٢٨) قوله: ﴿وَلُوْطاً﴾: كقوله: ((وإبراهيمَ إذ قال))(٣).
قوله: ((ما سَبَقكم)) يجوز أَنْ تكونَ استئنافيةً جواباً لمَنْ سأل عن ذلك،
وأَنْ تكونَ حاليةً، أي: مُبْتَدِعين لها.
آ. (٣٣) قوله: ﴿وَلَّا أَنْ جاءَتْ﴾: تقدَّم نظيرُها. إلَّ أَنَّ هنا
زِيْدَتْ ((أَنْ)) وهو مطردٌ تأكيداً.
قوله: ((إنَّا مُنَجُوك)) في الكافِ وما أشبهها مذهبان: مذهبُ سيبويهِ (٤):
أنها في محلُّ جٍ. فعلى هذا في نَصْبٍ ((وأهلَكَ)) وجهان: إضمارُ فعلٍ ،
(١) المحرر ٢١٤/١٢.
(٢) الإملاء ١٨٢/٢.
(٣) الآية ١٦ .
(٤) الكتاب ٨٦/١، قال: ((وتقول هذا ضاربُ زيدٍ وعمروٍ وإن شئت نصبت على المعنى
وتُضمر له ناصباً».
١٩

۔ العنكبوت -
أو العطفُ على المحلّ. ومذهبُ الأخفشِ (١) وهشام أنها في محلَّ نصبٍ،
وحُذِفَ التنوينُ والنونُ لشدةِ اتصالِ الضميرِ.
وقد تقدَّمَتْ قراءتا التخفيفِ والتثقيلِ في ((لنُنَجِّيَنَّه)) و((مُنَّجُوك)) في
الحجر(٢) .
آ. (٣٤) وقُرِىء «مُنْزِلون)» مخففاً ومشدداً(٣). وقرأ ابن محيصن (٤)
(رُجْزً)) بضم الراء. والأعمش(٥) وأبو حيوة ((يَفْسِقون)) بالكسر.
آ. (٣٥) قوله: ﴿تَرَكْنا منها آيةً﴾: فيه وجهان، أحدُهما: أنَّ
بعضَها باقٍ وهو آيةٌ باقيةٌ إلى اليوم. الثاني: أنَّ ((مِنْ)) مزيدةٌ. وإليه نحا الفراءِ(٦)
أي: تَرَكْناها آيَةً، كقوله(٧):
٣٦٣٩- أَمْهَرْت مِنْها جُبَّة وَتَيْسا
(١) معاني القرآن له ٤٣٦/٢ قال: ((لأن الأول كان في معنى التنوين لأنه لم يقع فلذلك
انتصب الثاني».
(٢) الآية ٥٩ من الحجر: ((إلَّ آلَ لوط إنَّا لمُنَجُوهم أجمعين)) قرأ الأخوان بالتخفيف في
الحجر والعنكبوت وخففا أيضاً الفعل في العنكبوت. وافقهما ابن كثير وأبو بكر على
تخفيف (منجوك)) والباقي بالتشديد. الدر ١٧٠/٧.
(٣) قرأ ابن عامر والكسائي والأعشى عن أبي بكر عن عاصم بالتشديد والباقبون
بالتخفيف، انظر: السبعة ٥٠٠.
(٤) البحر ١٥١/٧، والمحرر ٢١٩/١٢.
(٥) البحر ١٥١/٧، والمحرر ٢١٩/١٢.
(٦) لم يشر إلى زيادتها في إعرابه، في هذا الموضع، وانظر مثالاً على زيادة ((مِنْ)) عند
الفراء ٢٥٦/٢ .
(٧) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ١٥١/٧.
٢٠