النص المفهرس

صفحات 501-520

- الفرقان -
أَقْتَرَ. وعليه ((وعلى المُقْتِرٍ قَدَرُه))(١). وأنكر(٢) أبو حاتم / ((أقتر)) وقال: [٦٧٨/ب]
((لا يُناسِب هنا فإنَّ أَقْتَرَ بمعنى افتقر، ومنه «وعلى المُقْتِرِ قَدَرُه)). ورُدَّ عليه: بأن
الأصمعيَّ وغيرَه حَكَوْا أَقْتَرَ بمعنى ضَيَّق.
وقرأ العلاء بن سيابة واليزيدي بضم الياء وفتح القاف وكسرٍ التاء المشددةِ
فِي قَتَّر بمعنىْ ضَيَّق .
قوله: ((وكان بَيْنَ ذلك قَواماً)) في اسم كان وجهان، أشهرهما: أنه ضميرٌ
يعودُ على الإِنفاقِ المفهومِ مِنْ قوله: (أَنْفَقُوا)) أي: وكان إنفاقُهم مُسْتوياً قَصْداً
لا إسرافاً ولا تَقْتيراً. وفي خبرِها وجهان. أحدُهما: هو قَواماً و((بينَ ذلك)): إمّا
معمولٌ له، وإمَّا لـ((كان)» عند مَنْ يَرَىْ إعمالَها في الظرف، وإمَّا لمحذوفٍ على
أنه حالٌ مِنْ ((قَواما)). ويجوزُ أَنْ يكونَ ((بين ذلك قواماً) خبرَيْن لـ ((كان)» عند مَنْ
يَرَىْ ذلك، وهم الجمهور خلافاً لابن دُرُسْتَوَيْه. الثاني: أن الخبرَ ((بين ذلك))
و ((قَواماً) حالٌ مؤكدةٌ.
والثاني من الوجهين الأوَّلين: أَنْ يكونَ اسمُها ((بين ذلك)) ويُني لإِضافتِه
إلى غيرِ متمكّنٍ، و ((قوامً) خبرُها. قاله الفراء(٣). قال الزمخشري (٤): ((وهو
من جهةِ الإِعرابِ لا بأسَ به، ولكنه من جهةِ المعنى ليس بقويٍ، لأنَّ ما بينَ
الإِسْرافِ والتَّقْتِيرِ قَواٌ لا محالةَ، فليس في الخبر الذي هو معتمدُ الفائدةِ
فائدةٌ)). قلت: هو يُشْبِهُ قولَك ((كان سيدُ الجارية مالكَها)).
وقرأ(٥) حسان بن عبد الرحمن ((قواما)) بالكسرِ فقيل: هما بمعنىَّ. وقيل:
(١) الآية ٢٣٦ من البقرة.
(٢) انظر: البحر ٥١٤/٦.
(٣) معاني القرآن ٢٧٣/٢.
(٤) الكشاف ١٠٠/٣ واستشهد على ذلك بقوله: لم يمنعِ الشُّرْبَ منها غيرَ أَنْ نطقَتْ.
(٥) المحتسب ١٢٥/٢، والقرطبي ٧٤/١٣، والبحر ٥١٤/٦.
٥٠١

- الفرقان -
بالكسرِ اسمُ ما يُقام به الشيءُ. وقيل: بمعنى سَداداً ومِلاكاً.
آ. (٦٨) قوله: ﴿إِلَّ بالحقِّ﴾: يَجُوزُ أَنْ تتعلَّقَ البَاءُ بنَفْسٍ
(يَقْتُلُون)) أي: لا يَقْتُلُونها بسببٍ من الأسبابِ إلَّ بسببِ الحق، وأَنْ تتعلَّقَ
بمحذوفٍ على أنها صفةٌ للمصدرِ أي: قَتْلاً ملتبساً بالحقِّ، أو على أنها حالٌ
أي: إِلَّ مُلْتَبِسين بالحقِّ .
قوله: ((ذلك)) إشارةٌ إلى جميعٍ ما تقدَّم لأنه بمعنى: ما ذُكِر، فلذلك
وُحِّدَ. والعامَّةُ على ((يَلْقَ)) مجزوماً على جزاءِ الشرط بحذفٍ الألف.
وعبد الله (١) وأبو رجاء ((يَلْقَى)) بإثباتها كقوله: ((فلا تَنْسى))(٢) على أحد القولين،
وكقراءةٍ: ((لا تَخَفْ دَرَكاً ولا تَخْشَىْ))(٣) في أحدِ القولين أيضاً، وذلك بأَنْ نُقَدِّرَ
علامةَ الجزمِ حَذْفَ الضمة المقدِرة.
وقرأ بعضُهم (٤) (يُلَقَّ)) بضمِّ الياءِ وفتحِ اللامِ وتشديدِ القَافِ مِنْ لَقَّاه
كذا. والأئام مفعولٌ على قراءةِ الجمهورِ، ومفعولٌ ثانٍ على قراءةِ هؤلاء.
والأثام: العقوبةُ. قال الشاعر(٥):
٣٤٩٩- جزى اللَّهُ ابنَ عُرْوَةَ حيث أَمْسىْ
عَقُوقاً والعُقوقُ له أَثِامُ
أي: عقوبةٌ. وقيل: هو الإِثْمُ نفسُه. والمعنى: يَلْقَ جزاءَ إِثمٍ، فأطلقٌ
(١) انظر في قراءاتها: البحر ٥١٥/٦، والشواذ ١٠٥.
(٢) الآية ٦ من الأعلى ..
(٣) الآية ٧٧ من طه وهي قراءة حمزة كما في السبعة ٤٢١.
(٤) نسبها في الشواذ ١٠٥ إلى ابن مسعود وأبي رجاء.
(٥) البيت لشافع الليثي أو بلعاء بن قيس الكناني، وهو في اللسان (أثم)، ومجاز القرآن
٨١/٢، وتفسير الماوردي ١٦٥/٣.
٥٠٢
-----

- الفرقان -
اسمَ الشيءٍ على جزائِه. وقال الحسن: ((الأثامُ اسمٌ مِنْ أسماءِ جهنّم. وقيل:
بثر فيها. وقيل: وادٍ. وعبد الله (أيَّامً) جمعُ ((يوم)) يعني شدائدَ، والعرب تُعَبِّر
عن ذلك بالأيام.
آ. (٦٩) قوله: ﴿يُضاعَفْ﴾: قرأ(١) ابن عامر وأبو بكر برفع
(يُضاعَفُ)) و((يَخْلُدُ)) على أحدٍ وجهين: إِمَّا الحالِ، وإمَّا على الاستئنافِ.
والباقون بالجزمِ فيهما، بدلاً من الجزاء بدلَ اشتمال. ومثلُه قولُه(٢):
٣٥٠٠- متى تأتِنا تُلْمِمْ بنا في ديارِنا
تَجِدْ حَطَباً جَزْلاً وناراً تَأَجَّجا
فأبدلَ من الشرطِ كما أبدل هنا مِنَ الجزاءِ. وابنُ كثير وابنُ عامٍ على
ما تقدَّم لهما في البقرة(٣) من القَصْر والتضعيفِ في العين، ولم يذكرِ الشيخُ (٤)
ابنَ عامٍ مع ابنٍ كثير، وذكره مع الجماعة في قراءتهم.
وقرأ أبو جعفر وشيبة ((نُضَعِّفْ)) بالنون مضمومة وتشديدِ العين، ((العذابَ))
نصباً على المفعول به. وطلحة ((يُضاعِف)) مبنياً للفاعل أي اللَّهُ، ((العذابَ))
نصباً. وطلحة بن سليمان ((وتَخْلُدْ)) بتاءِ الخطابِ على الالتفاتِ. وأبو حيوةً
(ويُخَلِّد)) مشدداً مبنياً للمفعولِ. ورُوِي عن أبي عمروٍ كذلك، إلَّ أنه
بالتخفيف.
(١) السبعة ٤٦٧، والبحر ٥١٥/٦، والتيسير ١٦٤، والقرطبي ٧٦/١٣، والحجة
٥١٤، والنشر ٣٣٤/٢.
(٢)
تقدم برقم ١٧٣ .
انظر: الدر المصون ٥٠٩/٢.
(٣)
(٤) البحر ٥١٥/٦.
٥٠٣

- الفرقان -
قوله: ((مُهانً) حالٌ. وهو اسمُ مفعولٍ. مِنْ أَهانه يُهِيْنُه(١) أي: أذلَّه وأَذاقه
الهوان .
آ. (٧٠) قوله: ﴿إلاَّ مَنْ تاب﴾: فیه وجهان، أحدُهما : - وهو
الذي لم يَعْرِف الناسُ غيرَه - أَنَّه استثناءٌ متصلٌ لأنَّه من الجنسِ . الثاني: أنه
منقطع. قال الشيخ (٢): ((ولا يَظْهَرُ - يعني الاتصال - لأنَّ المستثنى منه مَحْكِومٌ
عليه بأنَّه يُضاعَفُ له العذابُ، فيصيرُ التقديرُ: إِلَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وعَمِلَ صالحاً
فلا يُضاعَفُ له. ولا يلزَمُ من انتفاءِ التضعيفِ انتفاءُ العذابِ غيرِ المضعَّفِ،
[٦٧٩/أ] فالأَوْلَى عندي أَنْ يكونَ استثناءً منقطعاً أي: لكن مَنْ / تاب وآمنَ وعَمِل عملاً
صالحاً فأولئك يُبَدِّلِ اللَّهُ سيئاتِهم حسناتٍ. وإذا كان كذلك فلا يَلْقَى عذاباً
البتّةَ)). قلت: والظاهرُ قولُ الجمهورِ. وأمَّا ما قاله فلا يَلْزَمُ؛ إذ المقصودُ الإخبارُ
بأنَّ مَنْ فعل كذا فإنه يَحُلُّ به ما ذَكَرَ، إلَّ أَنْ يتوبَ. وأمَّا إصابةُ أصل العذابِ
وعدمُها فلا تعرُّضَ في الآية له.
قوله: ((سيئاتِهم)) هو المفعولُ الثاني للتبديلِ، وهو المقيِّدُ بحرفِ الجر،
وإنما حُذِفَ لفهم المعنى وحَسَنات هو الأولُ المُسَرَّح وهو المأخوذُ، والمجرورُ
بالباءِ هو المتروكُ. وقد صَرَّح بهذا في قولِه تعالى: ((بَدَّلْناهم بجنْتيهم
جنّتين))(٣). وقال الراجز (٤):
(١) وتصريفه: أن أصله مُؤَهْوَن حذفت الهمزة قياساً على حذفها من المضارع المتكلم،
فصار مُهْوَن. نقلت فتحة الواو إلى الهاء فصار مُهَوْن. تحركت الواو في الأصل
وانفتح ما قبلها في اللفظ فقلبت ألفاً. انظر: معجم مفردات الإعلال والإبدال ٢٧٠ .
(٢) البحر ٥١٥/٦.
(٣) الآية ١٦ من سبأ.
(٤) لم أهتدٍ إلى قائله وهو في البحر ٥١٦/٦.
٥٠٤

- الفرقان -
٣٥٠١- تَضْحَكُ متِّي أختُ ذاتِ النِّحْيَيْنْ
أَبْدلكِ اللَّهُ بلونٍ لَوْنَيْنْ
سوادَ وجهٍ وبياضَ عَيْنَيْنُ
وقد تقدم تحقيقُ هذا في البقرةِ عند قوله: ((ومَنْ يُبَدِّلْ نعمةَ الله))(١).
آ. (٧٢) قوله: ﴿الزُّوْرَ﴾: فيه وجهان، أحدهما: أنه مفعولٌ به
أي: لا يَحْضُرون الزُّوْرَ. وفُسِّر بالصنمِ واللهوِ. الثاني: أنه مصدرٌ، والمرادُ
شهادةُ الُوْرِ.
قوله: ((باللُّغُوِ) أي بأهلِه.
آ. (٧٣) قوله: ﴿لم يَخِرُّوا عليها صُمَّأَ﴾: النفيُ مُتَسَلِّطٌ على
القيدِ، وهو الصَّمَمُ والعَمَى أي: إنهم يَخِرُّون عليها، لكنْ لا على هاتين
الصفتين. وفيه تعريض بالمنافقين.
آ. (٧٤) قوله: ﴿مِنْ أَزْوَاجِنا﴾ يجوزُ أَنْ تكونَ ((مِنْ)) لابتداءِ
الغاية، وأنْ تكونَ للبيانِ. قاله الزمخشري(٢)، وجعله من التجريدِ، أي: هَبْ
لنا قُرّةَ أَعْيُنٍ من أزواجِنا كقولك: ((رأيت منك أسداً)) وقرأ(٣) أبو عمروٍ والأخَوان
وأبو بكر (ذُرِّيَّتِنا)) بالتوحيدِ، والباقون بالجمعِ سلامةً. وقرأ(٤) أبو هريرة
وأبو الدرداء وابن مسعود ((قُرَّاتٍ)) بالجمعِ. وقال الزمخشري(٥): ((أتى هنا
بـ ((أَعْيُن)) صيغةِ القلةِ، دون ((عيون)) صيغةِ الكثرة، إيذاناً بأنَّ عيونَ المتقين
(١) الآية ٢١١ من البقرة. وانظر: الدر ٣٧٠/٢.
(٢) الكشاف ١٠٢/٣.
(٣) السبعة ٤٦٧، والتيسير ١٦٤، والبحر ٥١٧/٦، والحجة ٥١٥، والنشر ٣٣٥/٢.
(٤) البحر ٥١٧/٦، والشواذ ١٠٥.
(٥) الكشاف ١٠٢/٣.
٥٠٥

- الفرقان -
قليلةٌ بالنسبةِ إلى عُيون غيرهم)). ورَدَّه الشيخُ(١) بأنَّ أَعْيُناً يُطْلَقُ على العشرة فما
دونَها، وعيونُ المتقين كثيرةٌ فوق العَشرة)»، وهذا تَحَمُّل عليه؛ لأنه إنما أراد
القلةً بالنسبة إلى كثرةٍ غيرِهم، ولم يُرِدْ قَدْراً مخصوصاً.
قوله: ((إماماً)) فيه وجهان، أَحدُهما: أنَّه مفردٌ، وجاء به مفرداً إرادةً
للجنس، وحَسَّنَه كونُهُ رأسَ فاصلٍ. أو المراد: اجعَلْ كلَّ واحدٍ منا إماماً، وإمَّا
الاتّحادِهم واتفاقِ كلمتَّهم، وإمَّا لأنَّه مصدرٌ في الأصلِ كصيام وقيام. والثاني :
أنه جمعُ آمّ کحالٌ وحلال، أو جمعُ إِمامة کقلادة وقِلاد.
آ. (٧٥) قوله: ﴿الغُرْفَةَ﴾: مفعولٌ ثانٍ لـ((يُجْزَوْن)). والغُرْفَةُ
ما ارتفعَ من البناءِ، والجمعُ غُرَفٌ.
قوله: ((بما صبروا)) أي: بصَبْرِهم)) أي: بسبيه أو بسببِ الذي صبروه.
والأصلُ: صبروا عليه، ثم حُذِفَ بالتدريج. والباءُ للسببية كما تقدَّم. وقيل:
للبدل کقوله(٢):
٣٥٠٢- فليت لي بهمُ قَوْماً.
البيت. ولا حاجةً إلى ذلك.
قوله: ((ويُلَّقَّوْن)» قرأ(٣) الأخَوان وأبو بكر بفتح الياء، وسكونِ اللام، مِنْ
لَقِيَ يَلْقَى. والباقون بضمِّها (٤) وفتحِها وتشديد القافِ على بنائِه للمفعول.
(١) البحر ٥١٧/٦.
(٢) تقدم برقم ٨.
(٣). السبعة ٤٦٨، والنشر ٣٣٥/٢، والقرطبي ٨٤/١٣، والحجة ٥١٥، والبحر
٥١٧/٦، والتيسير ١٦٥.
(٤) أي بضم الياء وفتح اللام.
٥٠٦

- الفرقان -
آ. (٧٧) قوله: ﴿لولا دُعاؤُكم﴾: جوابُها محذوفٌ لدلالةِ
ما تقدَّم. أي: لولا دعاؤكم ما عَنَى بكم ولا اكترَثَ. و((ما)) يجوزُ أَنْ تكونَ
نافيةً. وهو الظاهرُ. وقيل: استفهاميةٌ بمعنى النفي، ولا حاجةً إلى التجوُّزِ في
شيءٍ يَصِحُّ أَنْ يكونَ حقيقةٌ بنفسه. و «دعاؤكم)»: يجوز أن يكونَ مضافاً للفاعلِ
أي: لولا تَضَرُّعُكم إليه. ويجوزُ أَنْ يكونَ مضافاً للمفعول أي: لولا دعاؤُه إِيَّاكم
إلى الهدى. ويقال: ما عَبَأْتُ بك أي: ما اهْتَمَمْتُ ولا اكتَرَنْتُ. ويقال: عَبَأْتُ
الجيشَ وعَبَّته أي: هَيَّتُه وأَعْدَدْتُه، والعِبْء: الثّقَلُ.
قوله: ((لزاماً) خبرُ ((يكون)) واسمُها مضمرٌ أي: يكون العذابُ ذا لِزام.
واللّزام: بالكسرِ مصدرٌ كقوله(١):
٣٥٠٣- فإمَّا يَنْجُوَا مِنْ حَتْفِ أرضٍ
فقد لَقِيا حُتوفَهما لِزاما
وقرأ(٢) المنهال وأبان بن تغلب وأبو السمَّال ((لزاماً)) بفتح اللامِ. وهو
مصدرٌ أيضاً نحو: البَيات. وقرأ أبو السمّالَ أيضاً ((لَزامِ)) بكسر الميم كأنه جَعَلَه
مصدراً معدولاً نحو: ((بَدادٍ» فبناه على لغةِ الحجاز فهو معدولٌ عن اللزّمةِ کفَجارِ
عن الفَجْرة قال(٣) :
٣٥٠٤- إنَّا اقْتَسَمْنَا خُطَّيْنا بِينَنا
فَحَمَلْتُ بَرَّةً واحْتَمَلْتَ فَجارٍ
[تمَّت بعونه تعالى سورة الفرقان]
(١) البيت لصخر الغي، وهو في ديوان الهذليين ١٠٢/١، ومجاز القرآن ٨٢/٢،
والقرطبي ٨٦/١٣، ومعاني القرآن للزجاج ٧٩/٤، واللسان والتاج (لزم).
والضمير في ينجوا لحمارين وحشيين.
(٢) انظر في قراءاتها: الشواذ ١٠٥، والقرطبي ٨٦/١٣، والبحر ٥١٨/٦.
(٣) البيت النابغة وهو في ديوانه (م الجزائر ١٠٥، واللسان فجر).
٥٠٧

- الشعراء -
سورة الشعراء
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (١) قوله: ﴿طسم﴾: أظهر (١) حمزةُ نونَ ((سين)) قبل الميمِ
كأنه ناوِي الوقفٍ / وإلّ فإدغامُ مثلِه واجبٌ. والباقون يُدغمون. وقد تقدَّم [٦٧٩/ب]
إعرابُ الحروفِ المقطعة(٢). وفي مصحفٍ عبد الله ط. س. م. مقطوعةً من
بعضها. قيل: وهي قراءةُ أبي جعفر، يَعْنُون أنه يقفُ على كلِّ حرفٍ وَقْفَةً يميز
بها كلَّ حرفٍ، وإلّ لم يُتَصَوَّرْ أَنْ يُلْفَظَ بها على صورتِها في هذا الرسمِ. وقرأ
عيسى - وتُرْوَى عن نافع - بكسر الميم هنا وفي القصص على البناء. وأمال
الطاء الأخوان وأبو بكر. وقد تقدّم ذلك.
آ. (٤) قوله: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ﴾: العامَّةُ على نونِ العظمةِ فيهما.
ورُوِي عن أبي عمروٍ(٣) بالياء فيهما أي: إنْ يَشَأْ اللَّهُ يُنَزَّلْ. و((إِنْ)) أصلُها أَنْ
تدخلَ على المشكوكِ أو المحقّقِ المبهمِ زمانُه، والآيةُ من هذا الثاني .
قوله: ((فَظَلَّتْ)) عطفٌ على ((نْتَزِّلْ)) فهو في محلِّ جزمٍ. ويجوز أن يكونَ
(١) انظر في قراءات طسم: النشر ٢٤١/١، والإتحاف ٣١٣/٢، والبحر ٥/٧،
والقرطبي ٨٨/١٣، والسبعة ٤٧٠، والتيسير ١٦٥ .
(٢) انظر: الدر المصون ٧٩/١.
(٣) البحر ٥/٧، والإتحاف ٣١٣/٢.
٥٠٩

- الشعراء -
مستأنفاً غيرَ معطوفٍ على الجزاءِ. ويؤيِّد الأولَ قراءةُ طلحة(١) (فَتَظْلِلْ))
بالمضارعِ مفكوكاً.
قوله: ((خاضعين) فيه وجهان، أحدُهما: أنه خبرٌ عن («أعناقُهم)).
واستُشْكِلَ جمعُه جمعَ سلامةٍ لأنه مختصّ بالعقلاءِ. وأُجيب عنه بأوجهٍ،
أحدُها: أنَّ المرادَ بالأعناق الرؤساءُ، كما قِيل: لهم وجوهُ وصدورٌ قال(٢):
٣٥٠٥-
في مَجْمَعٍ مِنْ نواصِي الخيلِ مَشْهودٍ
الثاني: أنه على حذفِ مضافٍ أي: فظلَّ أصحابُ الأعناقِ، ثم حُذِفَ
وبقي الخبرُ على ما كان عليه قبل حَذْفِ المُخْبَرِ عنه مراعاةً للمحذوفِ. وقد
تقدَّم ذلك قريباً عند قراءةٍ ((وقُمْراً منيراً))(٣). الثالث: أنه لَمَّا أُضيفَتْ إلى العقلاءِ
اكتسَبَ منهم هذا الحكمَ، كما يُكتسب التأنيثُ بالإِضافةِ لمؤنث في قوله(٤):
٣٥٠٦-
كما شَرِقَتْ صَدْرُ القناةِ من الدِمِ
(١) الشواذ ١٠٦ وأثبتها بالياء.
(٢) البيت لأم قيس الضبية أو لكبشة أخت عمرو بن معديكرب، وصدره:
ومشهدٍ قد كفّيْتَ الغائبين به
وهو في الحماسة ٥٢٢/١ برواية ((الناس)) بدل الخيل والبحر ٦/٧، والكشاف
١٠٤/٣.
(٣) الآية ٦١ من الفرقان وهي قراءة الحسن وآخرين. انظر: الدر المصون: الورقة
٦٧٧ ب.
(٤) تقدم برقم ٥٤٢.
٥١٠

- الشعراء -
الرابع: أنَّ الأعناقَ جمعُ عُنُق من الناس، وهم الجماعةُ، فليس المرادُ
الجارحةَ البتة. ومنه قولُه(١):
العراقَ
٣٥٠٧- أنّ
عُنُقٌ إليك فَهَبْتَ هَيْتا
وأهله
قلت: وهذا قريبٌ مِنْ معنى الأولِ. إلَّ أنَّ هذا القائلَ يُطْلِقُ الأعناقَ
على جماعةِ الناسِ مطلقاً، رؤساءَ كانوا أو غيرهم. الخامس: قال
الزمخشري(٢): ((أصلُ الكلامِ: فظلُوا لها خاضعين، فَأُقْحِمَتِ الأعناقُ لبيانٍ
موضع الخضوع، وتُرِكَ الكلامُ على أصله، كقولهم: ذهَبَتْ أهلُ اليمامة، فكأن
الأهلَ غيرُ مذكور)». قلت: وفي التنظير بقوله: ((ذهبَتْ أهلُ اليمامةِ)) نظرً؛ لأن
(أهل)) ليس مقحماً البتة؛ لأنه المقصودُ بالحكم. وأمَّا التأنيثُ فلاكتسابِه
التأنيثَ(٣). السادس: أنها عُوْمِلَتْ معاملةَ العقلاءِ لَمَّا أُسْند إليهم ما يكونُ فِعْلَ
العقلاءِ كقوله ((ساجِدِين))(٤) و ((طائعين))(٥) في يوسف والسجدة.
والثاني(٦): أنه منصوبٌ على الحالِ من الضميرِ في ((أعناقُهم))، قاله
(١) قبله:
أَبْلِغْ
المؤمنب
أمير
ـنَ أخا العِراقٍ إذا أَتَّبْتا
ونسبه صاحب اللسان (عنق) لشاعر يخاطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
رضي الله عنه. وهو في الصحاح (عنق) والمحرر ٥٠/١٢.
(٢) الكشاف ١٠٤/٣.
(٣) أي: من المضاف إليه.
(٤) الآية ٤ من يوسف.
(٥) الآية ١١ من السجدة.
(٦) في إعراب خاضعين.
٥١١

- الشعراء -
الكسائي، وضَعَّفه أبو البقاء(١) قال: ((لأنٌّ (خاضعين)) يكون جارياً على غيرِ
فاعلِ (ظَلَّتْ)) فَيَفْتَقِرُ إلى إبرازٍ ضميرِ الفاعل، فكان يجبُ أَنْ يكونَ ((خاضعين
هم). قلت: ولم يَجْرِ ((خاضعين)) في اللفظ والمعنى إلَّ على مَنْ هوله، وهو
الضمير في ((أعناقُهم))، والمسألة التي قالها: هي أَنْ يجريَ الوصفُ على غير
مَنْ هو له في اللفظِ دونَ المعنى، فكيف يلزمُ ما ألْزَمه به؟ على أنه لو كان
كذلك لم يَلْزَمْ ما قاله؛ لأنَّ الكسائيَّ والكوفيين(٢) لا يُؤْجِبون إبرازَ الضميرِ فِي
هذه المسألةِ إذا أُمِنَ اللَّبْسُ، فهو يَلْتَزِمُ ما ألزمه به، ولو ضَعَّفه بمجيءِ الحالِ
من المضاف إليه لكان أقربَ. على أنه لا يَضْعُفُ لأنَّ المضافَ جزءً من
المضافِ إليه كقوله: «ما في صدورهم مِنْ غِلِّ إخواناً» (٣).
آ. (٥) قوله: ﴿إِلَّ كانوا﴾: جملةٌ حاليةٌ، وقد تقدَّم تحقيقُ هذا
وما قبلَه في أول الأنبياء (٤).
آ. (٧) قوله: ﴿كم أَنْبَتْنَا﴾: ((كم)) للتكثيرِ فهي خبريةٌ، وهي
منصوبةٌ بما بعدَها على المفعولِ به أي: كثيراً من الأزواج أَنْبتنا. و ((من كلِّ
زوجٍ)) تمييزٌ. وجوّز أبو البقاء(٥) أن یکون حالاً ولا معنی له.
قال الزمخشري (٦): ((فإنْ قلتَ: ما معنى الجمع بين كم وكل؟ ولو قيل:
أنبتنا فيها مِنْ كل زوج (٧)؟ قلت: قد دَلَّ (كل)) على الإِحاطةِ بأزواجِ النباتِ
(١) الإملاء ١٦٦/٢.
(٢) انظر: الإنصاف ٥٧.
(٣) الآية ٤٧ من الحجر.
(٤) انظر إعرابه للآية ٢.
الإملاء ١٦٦/٢.
(٥)
(٦) الكشاف ١٠٥/٣.أ
(٧) الكشاف: ((ما معنى الجمع بين كم وكل قيل: كم أنبتنا فيها من زوجٍ كريم؟)).
٥١٢

- الشعراء -
على سبيلِ التفصيلِ، و((كم)) على أن هذا المحيطَ متكاثرٌ مُفْرِطٌ)).
آ. (١٠) قوله: ﴿وإذ نادَى﴾: العاملُ فيه مضمرٌ. فقدَّره
الزجَّاجِ(١): اتلُ، وغيرُه: اذكر.
قوله: ((أن اْتٍ)) يجوزُ أن تكونَ مفسِّرةً، وأن تكونَ مصدريةً أي بأن.
آ. (١١) قوله: ﴿قومَ فرعونَ﴾: بدلٌ أو عطفُ بيانٍ للقومِ
الظالمين. وقال أبو البقاء(٢): ((إنه مفعولُ (تَتَّقون)) على قراءةٍ مَنْ قرأ ((تتقون))
بالخطاب وفتح النون كما سيأتي. ويجوز على هذه القراءة أن يكونَ منادی)».
قوله: ((ألا يَتَّقون)) العامَّةُ على الياء في ((يَتَّقون)) وفتحِ النون، والمرادُ قومُ
فرعونَ. والمفعولُ محذوفٌ أي: يتقون عقابَ. وقرأ(٣) عبد الله بن مسلم ابن
يسار وحماد وشقيق بن سلمة بالتاء من فوق على الالتفات، خاطبهم بذلك
توبيخاً، والتقدير: يا قومَ فرعون/. وقرأ (٤) بعضُهم ((يتقونِ)) بالياءِ مِنْ تحتُ [٦٨٠/أ]
وكسرِ النونِ. وفيها تخريجان، أحدهما: أنَّ((يَتَّقونِ)) مضارعٌ، ومفعولُه ياءُ
المتكلم، اجتزِىءَ عنها بالكسرةِ. الثاني : - جَوَّزَه الزمخشري (٥) - أن تكونَ
(يا)» للنداء. و((اتقون)) فعلُ أمرٍ كقوله: ((ألا يا اسْجدوا))(٦) أي يا قومِ اتقون. أو
يا ناسُ اتقونِ. وسيأتي تحقيقُ مثلِ هذا في النمل. وهذا تخريجٌ بعيد.
(١) معاني القرآن ٨٤/٤.
(٢) الإملاء ١٦٦/٢.
(٣) المحتسب ١٢٧/٢، والبحر ٧/٧، وفي الشواذ ١٠٦ ضُبِطْت: تَتْقُوْن.
(٤) الشواذ ١٠٦، والبحر ٧/٧.
(٥) الكشاف ١٠٦/٣.
(٦) وهي قراءة الكسائي في الآية ٢٥ من النمل. وقرأ الباقون ألّ يَسْجُدوا. السبعة
٤٨٠.
٥١٣

- الشعراء -
وفي هذه الجملة وجهان، أحدُهما: أنها مستأنفةٌ لا محلَّ لها من
الإِعرابِ. وجوَّزَ الزمخشري (١) أن تكونَ حالاً من الضمير في الظالمين أي :
يَظْلِمون غيرَ متقين اللَّهَ وعقابَه. فأُدخلت همزةُ الإِنكارِ على الحالِ. وخطّأه
الشيخ(٢) من وجهين، أحدهما: أنه يلزَمُ منه الفصلُ بين الحالِ وعامِلها
بأجنبيّ منهم، فإنه أعربَ ((قومَ فرعون)) عطف بيانٍ للقوم الظالمين(٣).
والثاني: أنه على تقديرٍ تسليمِ ذلك لا يجوزُ أيضاً؛ لأنَّ ما بعد الهمزةِ لا يعمل
فيه ما قبلها. قال: ((وقولك: جئت أمسرعاً)) إن جعلت ((مسرعاً)) معمولاً لـ جئت
لم يَجُزْ فإنْ أضمرْتَ عاملاً جاز.
والظاهرُ أن ((ألا)) للعرض. وقال الزمخشري(٤): ((إنها لا النافيةُ دخلت
عليها همزةُ الإِنكار)). وقيل: هي للتنبيهِ.
آ. (١٢) قوله: ﴿أَنْ يُكَذِّبُون﴾: مفعولُ ((أخافُ)) أي: أخاف
تکذیبھم إيَّاي» .
آ. (١٣) قوله: ﴿ويَضيقُ صَدْري، ولا يَنْطَلِقُ﴾:
الجمهورُ على الرفع. وفيه وجهان، أحدُهما: أنه مستأنفُ، أخبر بذلك.
والثاني: أنه معطوفٌ على خبر ((إنَّ)). وقرأ(٥) زيد بن علي وطلحة وعيسى
والأعمش بالنصب فيهما. والأعرج بنصبِ الأولِ ورفعٍ الثاني. فالنصبُ
عطفُ على صلة ((أنْ))، فتكونُ الأفعالُ الثلاثة: يُكَذِّبُونِ، ويَضيقُ،
(١) الكشاف ١٠٦/٣
(٢) البحر ٧/٧.
(٣) قال: لأن قوم فرعون معمول لقوله: انت.
(٤) الكشاف ١٠٦/٣.
الإتحاف ٣١٤/٢، والقرطبي ٩٢/١٣، والنشر ٣٣٥/٢، والبحر ٧/٧ ..
(٥)
٥١٤

- الشعراء -
ولا يَنْطَلِقُ، داخلةً في خَيِّز الخوف. قال الزمخشري(١): ((والفرقُ بينهما - أي
الرفع والنصب - أن الرفعَ فيه يُفيد أن فيه ثلاثَ عللٍ : خوفَ التكذيبِ،
وضيقَ الصدر، وامتناعَ انطلاقِ اللسانِ. والنصبُ: على أنَّ خَوْفَه متعلقٌ بهذه
الثلاثة. فإنْ قلتَ: في النصبِ تعليقُ الخوفِ بالأمور الثلاثةِ. وفي جُملتها
نفيُ انطلاقِ اللسانِ، وحقيقةُ الخوف إنما هي غَمِّ يَلْحَقُ الإِنسانَ لأمرٍ سيقعُ،
وذلك كان واقعاً، فكيف جازّ تعليقُ الخوفِ به؟ قلت: قد عَلَّقَ الخوفَ
بتكذيبهم، وبما يَحْصُل له [بسببِهِ](٢) من ضيقِ الصدرِ، والحَبْسَةُ في اللسانِ
زائدةٌ على ما كان به. على أن تلك الحَبْسَةَ التي كانَتْ به زالَتْ بدعوتِه.
وقيل: بَقِيَتْ منها بقيةٌ يسيرةٌ. فإِنْ قلت: اعتذارُك هذا يَرُدُّه الرفعُ؛ لأن
المعنى: إني خائفٌ ضَيِّقُ الصدرِ غيرُ منطلقِ اللسانِ. قلت: يجوز أن يكونَ
هذا قبلَ الدعوةِ واستجابتِها. ويجوز أَنْ يريدَ القَدْرَ اليسيرَ الذي بقي)).
قوله: ((فَأَرْسِلْ)) أي: فَأَرْسِلْ جبريلَ أو المَلَكَ، فحذف المفعولَ به.
آ. (١٥) قوله: ﴿فاذْهَبا﴾: عطفٌ على ما دَلَّ عليه حرفُ الرَّدْعِ
من الفعل. كأنه قيل: ارتدِعْ عما تظنُّ فاذهَبْ أنت وأخوكَ .
آ. (١٦) قوله: ﴿إِنَّا رسولُ﴾: إنما أَفْرد رسولاً: إمَّا لأنه مصدرٌ
بمعنى رسالة، والمصدرُ يُوَحَّد. ومن مجيءٍ ((رسول)) بمعنى رسالة قوله (٣):
٣٥٠٨- لقد كَذَبَ الواشُون ما فُهْتُ عندهمْ
بِسِرِّ ولا أَرْسَلْتُهُمْ برسولٍ
(١) الكشاف ١٠٦/٣.
(٢) بياض في الأصل، وما أثبتناه من الكشاف.
(٣) تقدم برقم ٦٠٥.
٥١٥

- الشعراء-
أي: برسالة، وإمَّ لأنهما ذوا شريعةٍ واحدة فتُزَّلا منزلةَ رسول، وإمَّا لأنَّ
المعنى: أنَّ كلَّ واحدٍ منا رسولٌ، وإمَّا لأنه مِنْ وَضْعِ الواحدِ موضعَ التثنيةِ
لتلازُ مِهما، فصارا كالشيئين المتلازِمَيْن كالعينين واليدين، وحيث لم يقصِدْ هذه
المعانيَ طابَقَ في قوله: ((إِنَّا رسولا ربِّك))(١).
آ. (١٧) قوله: ﴿أَنْ أَرْسِلْ﴾: يجوزُ أَنْ تكونَ مفسِّرةً
لـ ((رسول)) إذا قيل: بأنَّه بمعنى الرسالة، شرحًا الرسالة بهذا، وبَيِّناها به.
ويجوز أَنْ تكونَ المصدريةَ أي: رسولٌ بكذا.
آ. (١٨) قوله: ﴿وَليداً﴾: حال من مفعول ((نُرَبِّكَ)) وهو فَعِيل
بمعنى مَفْعول. والوليد: الغلامُ تسميةً له بما كان عليه.
قوله: ((من عُمُرٍك)) حال من ((سنين)). وقرأ(٢) أبو عمروٍ في روايةٍ بسكونٍ
الميم تخفيفاً لـ فُعُل.
آ. (١٩) وقرأ(٣) ((فِعْلتَك)) بالكسرٍ على الهيئة: الشعبيُّ لأنها نوع من
القَتْلِ وهي الوَكْزَةُ، و((أنت من الكافرين)) يجوز أن تكونَ حالاً، وأَنْ تكونَ
مستأنفةً .
آ. (٢٠) قوله: ﴿إِذَنْ وأنا مِن الضالِّين﴾: إذن هنا حرفُ
جوابٍ فقط. وقال الزمخشري (٤): ((إنها جوابٌ وجزاءٌ معاً)) قال: ((فَإِنْ قلتَ:
(١) الآية ٤٧ من طه.
(٢) قال في السبعة ٤٧١ «وروى عبيد عن هارون والخفاف عن أبي عمرو، وعبيد عنه:
مِنْ عُمْرك خفيفاً. وقال هارون: كان أبو عمرو لا يرى بالأخرى بأساً يعني التثقيل.
وروى عبيد بن عَقيل عنه مثقلاً». وانظر: البحر ١٠/٧.
(٣) المحتسب ١٢٧/٢، والقرطبي ٩٤/١٣، والبحر ١٠/٧.
(٤) الكشاف ١٠٩/٣
٥١٦

- الشعراء -
إذَنْ حرفُ جوابٍ وجزاءٍ معاً، والكلامُ وقع جواباً لفرعون فكيف وقع جزاءً؟
قلت: قولُ فرعون ((وفَعَلْتَ فَعْلَتَك)) فيه معنى: أنك جازَيْتَ نعمتي بما فعلْتَ.
فقال له موسى: نعم: فعلتُها مُجازِياً لك تسليماً لقولِه، كأنَّ نعمتَه كانت عنده
جديرةً بأَنْ تُجازَىْ / بنحوِ ذلك الجزاءِ».
[٦٨٠/ب]
قال الشيخ (١): ((وهذا مذهبُ سيبويهِ(٢) يعني أنها للجزاءِ والجوابِ معاً.
قال: ولكنَّ شُرَّاح الكتابِ فهموا أنَّه قد تتخلَّفُ عن الجزاءِ، والجوابُ معنىً
لازمٌ لها».
آ. (٢١) قوله: ﴿َلمَّا خِفْتُكم﴾: العامَّةُ على تشديدِ الميم وهي
(لَمَّا)) التي هي حرف وجوبٍ عند سيبويه أو بمعنى حين عند الفارسي(٣).
وروي (٤) عن حمزةً بكسرِ اللام وتخفيف الميم أي: لتخَوُّفي منكم. و ((ما)»
مصدريةٌ. وهذه القراءةُ تُشْبِهُ قراءته في آل عمران(٥): ((لِمَا آتَيْتُكم)) وقد تقدَّمَتْ
مستوفاةً. وقرأ(٦) عيسى ((حُكُماً) بضمُّ الكاف إتباعاً.
آ. (٢٢) قوله: ﴿وتلك نِعْمَةٌ﴾: فيه وجهان أحدُهما: أنه خبرٌ
على سبيلِ التهكُّمِ أي: إن كانَ ثَمَّ نعمةٌ فليسَتْ إلاَّ أنَّك جَعَلْتَ قومي عبيداً
لك. وقيل: حرفُ الاستفهام محذوفٌ لفهمِ المعنى أي: أو تلك. وهذا مذهب
الأخفش (٧)، وجَعَلَ مِنْ ذلك قولَ الشاعر(٨):
(١) البحر ١١/٦.
(٢) الكتاب ٣١٢/٢.
(٣) انظر: الكتاب ٣١٢/٢، والإيضاح العضدي ٣١٩.
(٤)
البحر ١١/٧، ونسبها في الإتحاف ٣١٤/٢ للمطوعي.
(٥)
قرأ ((لما)) وهي الآية ٨١. والسبعة ٢١٣.
(٦)
البحر ١١/٧.
معاني القرآن له ٤٢٦/٢. غير أنه لم يستشهد بالبيت.
(٧)
تقدم برقم ٣٤٠.
(٨)
٥١٧

- الشعراء-
٣٥٠٩ - أفرحُ أَنْ أُرْزَأَ الكرامَ
وقد تقدَّم هذا مشبعاً في سورة النساء عند قوله تعالى: ((وما أصابَكَ مِنْ
سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِك))(١) وفي غيرِهِ.
قوله: ((أَنْ عَبَّدْت)) فيه أوجهٌ، أحدُها: أنها في محلّ رفعٍ عطف بيان
لـ ((تلك))، كقوله: ((وقَضَيْنا إليه ذلك الأمرَ أنَّ دابِرَ هؤلاءِ مقطوعٌ))(٢). الثاني:
أنها في محلِّ نصبٍ مفعولاً مِنْ أجله. والثالثَ: أنها بدلٌ من ((نعمةٌ)).
الرابع: أنها بدلٌ من (ها)) في ((تَمُنَّها)). الخامس: أنها مجرورةٌ بياءٍ مقدرةٍ
أي: بأَنْ عَبَّدْت. السادس: أنها خبرُ مبتدأ مضمرٍ أي: هي. السابعُ: أنها
منصوبةٌ بإضمار أعني. والجملة مِنْ ((تَمُنُّها)) صفةٌ لنعمة. و(«تَمُنُّ)) يتعدّى
بالباء فقيل: هي محذوفةٌ أي: تَمُنُّ بها، وقيل: ضَمَّنَ ((تَمُنُّ) معنى تَذْكُرُ.
آ. (٢٣) قوله: ﴿وما رَبُّ العالمين﴾: إنما أتى بـ ((ما)) دون
(مَنْ))؛ لأنها يُسْأل بها عن طلبِ الماهيةِ كقولك: ما العنقاء؟ ولَّمَّا كان جوابُ
هذا السؤالِ لا يمكنُ عَدَلُ موسى عليه الصلاة والسلام إلى جوابٍ ممكنٍ،
فأجاب بصفاتِه تعالى، وخَصَّ تلك الصفاتِ لأنه لا يشارِكُه تعالى فيها أحدٌ.
وفيه إبطالٌ لدعواه أنه إله. وقيل: جھِلَ السؤالَ، فأتی بـ ((ما)) دون (مَنْ)» وليسٍ
بشيءٍ. وقيل: إنما سأَلَ عن الصفاتِ. ذكره أبو البقاء (٣). وليس بشيءٍ؛ لأنَّ
أهلّ البيانِ نَصُّوا على أنها يُطْلَبُ بها الماهياتِ وقد جاء بـ ((مَنْ)) في قوله: ((فَمَنْ
ربكما يا موسى))(٤).
عدد
(١) الآية ٧٩ من النساء. وانظر: الدر المصون ٤٨/٤ .
(٢) الآية ٦٦ من الحجر.
(٣) الإملاء ١٦٧/٢.
(٤) الآية ٤٩ من طه.
٥١٨

- الشعراء -
آ. (٢٤) قوله: ﴿وما بينَهما﴾: عادَ ضميرُ التثنيةِ على جمعَيْن:
اعتباراً بالجنسَيْن كما فَعَلَ ذلك في الظاهر في قول الشاعرِ(١):
٣٥١٠-
بين رِماحَيْ مالِكٍ ونَهْشَلِ
آ. (٢٩) قوله: ﴿لَأَجْعَلَّك من المَسْجُونِين﴾: إنما عَدّل عن
لَأَسْجُنَّك وهو أَخَصُ منه؛ لأنَّ فيه مبالغةً ليسَتْ في ذاك، أو معناه: لأَجْعَلَنَّك
مِمِّنْ عَرَفْتَ حالَه في سُجوني .
آ. (٣٠) قوله: ﴿أَوَلَوْ جِئْتُك﴾: هذه واوُ الحالِ. وقال
الحوفي: ((للعطف)). وقد تقدَّم تحريرُ هذا عند قوله: ((أولو كان آباؤهم))(٢) في
البقرة. وغالبُ الجملِ هنا تقدَّم إعرابُها.
آ. (٣٤) قوله: ﴿حوله﴾: حالٌ من ((الملأ)). ومفعولُ القولِ
قولُه: ((إنَّ هذا لساحِرٌ عليمٌ))، وقيل: صلةٌ للملأ فإنه بمعنى الذي. وقيل:
الموصولُ محذوفُ، وهما قولان للكوفيين (٣).
آ. (٤٤) قوله: ﴿بعِزَّةٍ فرعونَ﴾: يجوزُ أن يكون قَسَماً،
وجوابُه: ((إِنَّا لنحن الغاليون)). ويجوزُ أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ أي: نَغْلِبُ بسببٍ
عزّتِهِ، يَدُلُّ عليه ما بعدَه، ولا يجوز أَنْ يتعلَّقَ بـ ((الغالبون))، لأنَّ ما في خيِّز
(إنَّ)) لا يتقدم عليها.
(١) تقدم برقم ٢٣١٥ .
(٢) الآية ١٧٠ من البقرة. انظر: الدر المصون ٢٢٧/٢.
(٣) قال أبو حيان: ((والكوفيون يجعلون ((الملا)» موصولاً فكأنه قيل: قال للذي حوله، فلا
موضع للعامل في الظرف لأنه وقع صلة(، البحر ١٥/٧.
٥١٩

- الشعراء : -
آ. (٤٦) قوله: ﴿فَأَلْقِي﴾: قال الزمخشري(١): ((فإنْ قلتَ:
فاعلُ الإِلقاءِ ما هو لو صُرِّح به؟ قلت: هو اللَّهُ عزَّ وجل))، ثم قال: ((ولك أَن
لا تقدِّرَ فاعلاً؛ لأنَّ ((أَلْقُوا)) بمعنى خَرُّوا وسقطوا)). قال الشيخ(٢): ((وهذا ليس
بشيءٍ؛ لأنه لا يُبْنَى الفعلُ للمفعولِ إلَّ وله فاعلٌ ينوبُ المفعولُ به عنه. أما أنه
لا يُقَدَّر له فاعلٌ فقولٌ ذاهِبٌ عن الصوابِ».
قوله: ((فإذا هي تَلْقَفُ))(٣) قد تقدَّم خلافُهم فيها. وقال ابن عطية (٤) هنا:
«وقرأ البزي وابن فليح عن ابن كثير بشدِّ التاءِ وفتح اللام وشدَّ القاف. ويلزم
على هذه القراءةِ إذا ابتدَأَ أن يحذف(٥) همزة الوصلِ، وهمزةُ الوصلِ لا تدخلُ
على الأفعالِ المضارعةِ كما لا تدخُل على أسماءِ الفاعلين))، قال الشيخ (٦):
(كأنه يُخَيَّل إليه أنه لا يمكن الابتداءُ بالكلمةِ إلَّ باجتلابِ همزة الوصلِ، وهذا
ليس بلازم ، كثيراً ما يكون الوصلُ مخالفاً للوقفِ، والوقفُ مخالفاً للوصل،
[٦٨١/أ] ومَنْ له تَمَرُّنَّ في القراءات / عَرَفَ ذلك)). قلت: يريد قولَه: ((فإذا هي تَلْقَفُ))
فإن البزيَّ يُشَدِّد التاء، إذ الأصل: تَتَلَقَّفُ بتاءَيْن فَأَدْغم، فإذا وَقَفَ على ((هي))
وابتدأ تَتْلَقَّفَ فحقُّه أَنْ يَفُكَّ وَلا يُدْغِمَ؛ لئلا يُبتدأَ بساكنٍ وهو غيرُ مُمْكِنٍ، وقولٌ
ابن عطية: ((ويَلْزُمُ على هذه القراءةِ» إلى آخره تضعيفٌ للقراءةِ لِما ذكره هو:
مِنْ أنَّ همزةَ الوصلِ لا تَدْخُل على الفعلِ المضارعِ ، ولا يمكن الابتداءُ
(١) الكشاف ١١٣/٣.
(٢) البحر ١٦/٧.
(٣) عاد إلى الآية ٤٥. وانظر في قراءاتها: السبعة ٤٧١، والنشر ٢٧١/٢، والبحر
١٦/٦، والتيسير ١١٢. وانظر في ((إذا)) الفجائية: الدر المصون ٤٠/٤
(٤) المحرر ٦٠/١٢.
(٥) المحرر: ((يجلب» وهو ما عناه ابن عطية وفي البحر «يحذف».
(٦) البحر ١٦/٧.
٥٢٠