النص المفهرس
صفحات 421-440
- النور - الإِنزالِ كأنه قال: ويُنْزِّل بعضَ جبالٍ. الثالث: أنها زائدة(١) أي: يُنْزِّل من السماءِ جبالاً. وقال الحوفيُّ: ((مِنْ جبال بدلٌ مِن الأولى)». ثم قال: «وهي للتبعيض )). ورَدَّه الشيخُ(٢): بأنه لا تَسْتَقيم البدليَّةُ إلا بترافقهما معنىٌ (٣). لو قلت: (خَرَجْتُ من بغدادَ من الكَرْخِ)) لم تكنِ الأولى والثانية إلّ لابتداءِ الغاية. وأمَّا الثالثة(٤) ففيها أربعةُ أوجهٍ: الثلاثةُ المتقدمةُ. والرابع: أنها لبيانٍ الجنسِ. قاله الحوفي والزمخشري(٥)، فيكون التقديرُ على قولِهما: ويُنْزِّل من السماء بعضَ جبالٍ التي هي البَرَدُ، فالمُنَزَّل بَرَدّ لأنَّ بعضَ الْبَرَدِ بَرَدّ. ومفعولُ (يُنْزِّلُ)) هو ((مِنْ جبال)» كما تقدَّمَ تقريرُه. وقال الزمخشري(٦): ((أو الأُوْلَيان للابتداء، والثالثةُ للتبعيض» قلت: يعني أن الثانيةً بدلٌ من الأولى كما تقدَّم تقريرُه، وحينئذ يكون مفعول ((يُنَزِّل)) هو الثالثةً مع مجرورها تقديرُه: ويُنَزَّلُ بعضَ بردٍ من السماء مِنْ جبالِها. وإذا قيل: بأنَّ الثانية والثالثةَ زائدتان فهل مجرورُهما في محلٌّ نصبٍ، والثاني بدلٌ من الأول، والتقدير: ويُنْزِّلُ من السماء جبالاً بَرّداً، وهو بدلُ كلٍ مِنْ كلٍ ، أو بعضٍ مِنْ كلٍ ، أو الثاني في محلٌّ نصبٍ مفعولاً لـ ((يُنَزِّل)»، والثالثُ في محل رفعٍ على الابتداء، وخبرُه (١) هذا على تقدير مَنْ لا يشترط سَبْقَها بنفي أو استفهام. (٢) البحر ٤٦٤/٦. فالأولى لابتداء الغاية والثانية للتبعيض عنده، فلم يحصل الترافق. (٣) (٤) وهي في قوله ((مِنْ برد)). الكشاف ٧١/٣. (٥) (٦) الكشاف ٧١/٣. ٤٢١ - النور- الجارُّ قبلَه؟ خلافٌ. الأولُ قولُ الأخفشِ (١)، والثاني قولُ الفراءِ(٢). وتكون الجملةُ على قولِ الفراءِ صفةً لـ ((جبال))، فيُحْكُمُ على موضعِها بالجرِّ اعتباراً باللفظِ، أو بالنصبِ اعتباراً بالمَحَلِّ. ويجوزُ أن يكونَ ((فيها)) وحدَه هو الوصف، ويكون ((مِنْ بَرَدٍ)» فاعلاً به؛ لاعتمادِه أي: استقرّ فيها. وقال الزَّجاج(٣): ((معناه: ويُنَزِّلُ مِن السماءِ مِنْ جبالِ بَرَدٍ فيها كما تقولُ: ((هذا خاتمٌ في يدي من حديدٍ)) أي: خاتم حديدٍ في يدي. وإنما(٤) جِئْتَ فِي هذا وفي الآية بـ ((مِنْ)) لمَّا فرَّقْتَ، ولأنَّك إذا قلت: هذا خاتمٌ مِنْ حديدٍ وخاتمُ [٦٦٧/ب] حديدٍ كان المعنى واحداً)) انتهى. فيكونُ ((مِنْ بَرَدٍ)» في موضعٍ جَرِّ صفةً/ لـ «جبال))، كما كان ((من حديد)) صفةً لـ ((خاتم))، ويكونُ مفعولُ ((يُنْزِّل)) ((من جبال)). ويَلْزَمُ مِنْ كونِ الْجبال برداً أَنْ يكونَ المُنَزَّلُ بَرّداً. وقال أبو البقاء (٥): ((والوجه الثاني: أنَّ التقدير: شيئاً من جبالٍ، فَحُذِفَ الموصوفُ واكُتُفِي بالصفةِ. وهذا الوجهُ هو الصحيحُ؛ لأنَّ قولَه ((فيها مِنْ بَرَد)» يُحْوِجُك إلى مفعولٍ يعودُ الضميرُ إليه، فيكونُ تقديرُه: ويُنَزِّلُ مِنْ جبالِ السماءِ جبالاً فيها بَرَدٌ. وفي ذلك زيادَةُ حَذْفٍ، وتقديرٌ مُسْتغنى عنه)). وفي كلامه نظرٌ؛ لأنَّ الضميرَ له شيءٌ يعودُ عليه وهو السماء، فلا حاجةَ إلى تقديرِ شيءٍ آخرَ؛ لأَنَّه مُسْتغنى عنه، وليسَ ثَمَّ مانعٌ يمنعُ مِنْ عَوْدِه على السماء. وقوله آخراً: (١) وهو الذي لا يشترط أن تُسْبق بنفي أواستفهام، ولكنه في هذا الموضع لم يشر إلى زيادتها في إعرابه في «معاني القرآن». (٢) لم ينصَّ على ذلك في «معاني القرآن)» (٢٥٦/٢) وإنما قَدَّر زيادة مِنْ قال: ((فـ ((مِنْ)) في هذا الموضع إذا أسقطت نصبت ما بعدها)). (٣) معاني القرآن له ٤٩/٤. (٤) لم يَرِدْ هذا التعليل في ((معاني القرآن)) للزجاج. (٥) الإملاء ١٥٨/٢. ٤٢٢ - النور- ((وتَقْديرٌ مستغنى عنه))، ينافي قوله: ((وهذا الوجه هو الصحيح)). والضميرُ في ((به)) يجوزُ أن يعودَ على البرد وهو الظاهرُ، ويجوزُ أَنْ يعودَ على الوَدْق وَالْبَرَد معاً، جرياً بالضمير مَجْرى اسمِ الإِشارةِ. كأنه قيل: فَيُصيب بذلك، وقد تقدَّم نظيره في مواضعَ. قوله: ((سَنا بَرْقِه)) العامَّةُ على قَصْر ((سَنا)) وهو الضَّوْءُ، وهو مِنْ ذواتٍ الواوِ، يُقال: سَنا يَسْنُوسَناً. أي: أضاءَ يُضيْءُ. قال امرؤ القيس(١): ٣٤٥٤ - يضيءُ سَناه، أو مصابيحُ راهِبٍ والسَّنا بالمدِّ: الرِفْعَةُ. قال(٢): ٣٤٥٥- وبسِنِّ كسُنِّيْقِ سَناءً وسُنُّماً وقرأ(٣) ابنُ وثَّابِ ((سَناءُ بُرَقِه)) بالمدِّ، وبضمِّ الباء مِنْ ((بُرَقِه)) وفتح الراء. ورُوي عنه ضَمُّ الراءِ أيضاً. فأمَّا قراءةُ المدِّ فإنه شَبَّه المحسوسَ من البرقٍ (١) عجزه: أهان السُّلِيْطَ فِي الدُّبالِ المُفْتِّلِ وهو في ديوانه ٢٤. والسَّليط: الزيت. والذبال: الفتائل. وأهان السليط: أي كثّر منه . (٢) البيت لامرىء القيس. وعجزه: ذَعَرْتُ بِمِدْلاج الهَجِيرِ نَهُوْضٍ وهو في ديوانه ٧٦، واللسان (سنق)، والسن: الثور الوحشي، والسنيق: الصخرة الصلبة أو هو جبل. والسُّنُّم: الارتفاع. مدلاج الهجير: فرس يسير في الهجير. (٣) البحر ٤٦٥/٦، والقرطبي ٢٩٠/١٢، والمحتسب ١١٤/٢. والمشهور أنها قراءة طلحة بن مصرف. ٤٢٣ ۔ ۔ - النور- لارتفاعِه في الهواءِ بغير المحسوسِ من الإِنسانِ. وأمَّا (بُرَقِه)) فجمعُ بُرْقَة، وهي المقدارُ من البرقِ كَقُرَبٍ. وأمَّا ضمُّ الراءِ فإتباعٌ كظُلُمات بضمُّ اللام إتباعاً لضم الظاء. وإنْ كان أصلُها السكونَ. وقرأ العامَّة أيضاً ((يَذْهَبُ)) بفتح الياء والهاء. وأبو جعفر(١) بضمِّ الياءِ وكسرٍ الهاءِ مِنْ أَذْهَبَ. وقد خَطَّأ هذه القراءةَ الأخفشُ وأبو حاتم قالا: ((لأنَّ الباءَ تُعاقِبُ الهمزة». وليس رَدُّهما بصوابٍ؛ لأنها تَتَخَرَّج على ما خُرِّج ما قُرِىء به في المتواتر (تُنْبِتُ بالدُّهْن))(٢) من أنَّ الباء مزيدةٌ، أو أَن المفعولَ محذوفٌ، والباءُ بمعنى (مِنْ)) تقديرُه: يُذْهِبُ النُّورَ من الأبْصارِ كقولِه(٣): ٣٤٥٦- شُرْبَ النَّزِيف بِيَرْدِ مَاءِ الحَشْرَجِ آ. (٤٥) قوله: ﴿مِنْ ماءٍ﴾: فيها وجهان. أحدُهما: أنَّها متعلقةٌ بـ ((خَلَق)) أي: خَلَق مِنْ ماءٍ كلَّ دابة. و ((مِنْ)) لابتداءِ الغايةِ. وعلى هذا فيُقال: وُجِدَ من الدوابِّ ما لم يُخْلَقْ مِنْ مَاءٍ كآدَمَ فإنه مِنْ تراب، وعيسى فإنَّهِ مِنْ رُوحٍ ، والملائكةِ فإنَّهم مِنْ نُور، والجِنَّ فإنهم مِنْ نارٍ. وأُجيب بأنَّ الأمرَ الغالِبَ ذلك. وفيه نظرٌ فإنَّ الملائكةَ أضعافُ الحيوان، والجنَّ أيضاً أضعافُهم. وقيل: (١) الإتحاف ٣٠٠/٢، والبحر ٤٦٥/٦، والمحتسب ١١٤/٢، والنشر ٣٣٢/٢. (٢) الآية ٢٠ من المؤمنون وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو. السبعة ٤٤٥. (٣) البيت لجميل. وصدره: فَلَئَمْتُ فاها آخِذاً بقُرونها وهو في ديوانه ٤٢، والعيني ٢٧٩/٣، والهمع ٢١/٢. ونسبه في اللسان (حشرج) إلى عمر بن أبي ربيعة. والنزيف: المحموم الذي مُنِع من الماء. الحشرج: الماء العذب، أو الكوز الرقيق. ٤٢٤ - النور - لأنَّ الحيوانَ لا يَعيش [إلّ](١) به، فجُعِل منه لذلك، وإن كان لنا من الحيوانِ ما لا يَحْتاج إلى الماءِ البتة، ومنه الضبُّ. وقيل: جاء في التفسير(٢): أنه كان خَلَق في الأولِ جوهرة فنظر إليها فذابَتْ ماء، فمنها خَلَق ذلك. والثاني: أنَّ ((مِنْ)) متعلقةٌ بمحذوفٍ على أنها صفةٌ لـ ((دابَّة)) والمعنى: الإِخبارُ بأنه خَلَقَ كلَّ دابةٍ كائنةٍ من الماء، أي: كلُّ دابة من ماءٍ هي مخلوقةٌ للَّهِ تعالى. قاله القفَّال. ونَكَّر «ماء)) وعَرَّفه في قوله: ((من الماءِ كلَّ شيءٍ حِيٍّ))(٣) لأنَّ المقصودَ هنا التنويعُ (٤). قوله: ((فمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي)) إلى آخره. إنما أَطْلَقَ ((مَنْ)) على غيرِ العاقلِ لاختلاطِه بالعاقلِ في المفصّل بـ ((مَنْ)) وهو ((كلَّ دابة))، وكان التعبيرُ بـ ((مَنْ)) أَوْلَىْ لِتَوافُقِ اللفظِ. وقيل: لمَّا وصفَهم بما يُوصف به العقلاء وهو المَشْيُ أَطْلق عليها (مَنْ)). وفيه نظرً؛ لأنَّ هذه الصفةَ ليسَتْ خاصةً بالعقلاء، بخلافٍ قولِه تعالى: ((أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ))(٥). [وقوله: (٦)] ٣٤٥٧- . هل مَنْ يُعِيْرُ جناحَه ء لَعَلَّي (١) سقط سهواً من الأصل، وأثبتناه من (ش). (٢) انظر: البحر ٤٦٥/٦. (٣) الآية ٣٠ من الأنبياء. (٤) قال أبو حيان في البحر ٤٦٥/٦: ((لأن المعنى هنا خلق كل دابة من نوعٍ من الماء مختص بهذه الدابة أو من ماءٍ مخصوص)). (٥) الآية ١٧ من النحل. (٦) تقدم البيت برقم ٢٩٦٩. ٤٢٥ - النور- البيت. وقد تقدَّم خلافُ القُرَّاءِ في ((خَلَقَ كلَّ دابةٍ)) في سورة إبراهيم(١). واستعير المَشْيُ للزّحْفِ على البطنِ، كما استُغير المِشْفَرُ لِلشَّفَةِ وبالعكسِ. آ. (٤٨) قوله: ﴿لِيَحْكُمْ﴾: أفردَ الضميرَ وقد تقدَّمه اسمان وهما: اللَّهُ ورسوله، فهو كقوله تعالى: ((واللَّهُ ورسولُه أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوْه))(٢) [لأنَّ] حكمَ رسولِه هو حكمُهُ. قال الزمخشري(٣): ((كقولك: ((أعجبني زيدٌ وَکَرَمُه)» [٦٦٨/أ] أي: كرمُ زيدٍ / ومنه(٤): ٣٤٥٨- ومَنْهَلٍ مِنِ الفَلا في أوسَطِهْ غَلَسْتُه قبل القَطا وفُرَّطِهْ أي: قبل فُرَّط القَطا، يعني قبل تقدُّمِ القطا. وقرأ(٥) أبو جعفرٍ ((ليُحْكَمَ بينَهم)) هنا والتي بعدَها مبنياً للمفعول ، والظرفُ قائمٌ مقامَ الفاعل. قوله: ((إذا فريقٌ)) ((إذا)) هي الفجائيةُ. وقد تقدَّم تحقيقُ القولِ فيها(٦). وهي جوابُ ((إذا)) الشرطيةِ أولاً. وهذا أحدُ الأدلةِ على مَنْعِ أن يَعْمَلَ في ((إذا)) (١) ذكر الخلاف في إعرابه لقوله تعالى: ((خلق السموات والأرض)) في إبراهيم آ ١٩، الدر المصون ٨٥/٧. وقرأ هنا حمزة الكسائي ((خالق كل)) انظر: السبعة ٤٥٧، والتيسير ١٣٤، والنشر ٢٩٨/٢، والبحر ٤٦٥/٦. (٢) الآية ٦٢ من التوبة . (٣) الكشاف ٧٢/٣. (٤) لم أهتد إلى قائله، وهو في الكشاف ٧٢/٣، والبحر ٤٦٧/٦. وفُرْط القطا: متقدماتها إلى الوادي والماء. (٥) الإتحاف ٣٠١/٢، والنشر ٢٢٧/٢، والبحر ٤٦٧/٦. (٦) انظر: الدر المصون ٤ /٤٠. ٤٢٦ - النور - الشرطيةِ جوابُها؛ فإنَّ ما بعدَ الفجائيةِ لا يَعْمَلُ فيما قبلها، كذا ذكره الشيخ(١)، وقد تقدّم تحریرُ هذا، وجوابُ الجمهور عنه. آ. (٤٩) قوله: ﴿إِليه﴾: يجوزُ تعلُّقُه بـ ((يَأْتُوا)) لأنَّ أتى وجاء قد جاءا مُعَدََّيْنِ بـ((إلى)). ويجوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بـ ((مُذْعِنين))؛ لأنه بمعنى مُسرِعين في الطاعة. وصَحَّحَه الزمخشري(٢) قال: ((لِتقدُّم صلتِه ودلالته على الاختصاص)). و ((مُذْعِنِين)) حالٌ. والإِذْعان: الانقيادُ يُقال: أَذْعَنَ فلانٌ لِفِلان أي: انقادَ له. وقال الزجاج(٣): ((الإِذعانُ الإِسْراعُ مع الطاعةِ)). آ. (٥٠) قوله: ﴿أَم ارْتابوا أَمْ يَخافُون﴾: ((أَمْ)) فيهما منقطعةٌ، تتقدَّرُ عند الجمهورِ بحرفِ الإضراب وهمزةِ الاستفهامِ. تقديرُه: بل ارْتابوا، بل أيخافون. ومعنى الاستفهام هنا التقريرُ والتوقيفُ، ويُبالَغُ به تارةً في الذمِّ كقوله(٤). ٣٤٥٩- أَلَسْتَ من القومِ الذينَ تعاهَدُوْا على اللُّؤْمِ والفَحْشاءِ في سالفِ الدهر وتارةً في المدح کقولٍ جرير(٥): ٣٤٦٠- أَلَسْتُمْ خيرَ مَنْ ركبَ المَطايا وأَنْدى العالمينَ بُطونَ راحٍ (١) البحر ٤٦٧/٦. (٢) الكشاف ٧٢/٣. (٣) معاني القرآن ٥٠/٤. (٤) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٤٦٧/٦ . (٥) تقدم برقم ٣٣٤. ٤٢٧ - النور- و[قوله]: ((أَنْ يَحِيْفَ)) مفعول الخوف. والحَيْفُ: المَيْلُ والجَوْرُ فِي القضاءِ. يقال: حاف في قضائِه أي: مال. آ. (٥١) قوله: ﴿إِنَّمَا كَان قولَ المؤمنينَ﴾: العامَّةُ على نصبِه خبراً لـ كان، والاسمُ ((أَنْ)) المصدريةُ وما بعدَها. وقرأ(١) أمير المؤمنين والحسنُ وابن أبي إسحاق برفعِه على أنه الاسمُ و((أَنْ)) وما في حيِّزها الخبرُ. وهي عندهم مَرْجوحةٌ؛ لأنه متى اجتمع معرفتان فالأُوْلى جَعْلُ الأعرفِ الاسمَ، وإنّ كأن سيبويه(٢) خَيَّر في ذلك بين كلِّ معرفتين، ولم يُفَرِّق هذه التفرقةً. وقد تَقَدَّم تحقيقُ هذا في آل عمران(٣). ۔۔ آ. (٥٢) قوله: ﴿ويَتَّقْهِ﴾: القُرَّاءُ فيه بالنسبةِ إلى القافِ على مرتبتين (٤): الأولى تسكينُ القافِ، ولم يَقْرأ بها إلاّ حفصٌ، والباقون بكسرِها وأمَّا بالنسبةِ إلى هاءِ الكنايةِ فهي على خمس مراتبَ: الأولى تحريكُها مفصولة قولاً واحداً، وبها قرأ ورش وابن ذكوان وخلف وابن كثير والكسائي. الثانيةُ: تسكينُها قولاً واحداً. وبها قرأ أبو عمروٍ وأبو بكر عن عاصم. الثالثةُ: إسكانُ الهاءِ أو وَصْلُها بياءٍ وبها قرأ خَلَّدٌ. الرابعةُ: تحريكها من غير صلةٍ. وبها قرأ قالون وحفص. الخامسةُ: تحريكُها موصولةً أو مقصورةً. وبها قرأ هشامٌ. فأمَّا إسكانُ الهاءِ وقَصْرُها وإشباعُها فقد مَرَّ تحقيقُها مستوفىُ في مواضعَ (١) الإتحاف ٣٠٠/٢، والمحتسب ١١٥/٢، والبحر ٤٦٨/٦، والقرطبي ٢٩٥/١٢. (٢) الكتاب ٢٤/١. (٣) انظر: الدر المصون : ٤٣٣/٣. (٤) انظر في قراءاتها: السبعة ٤٥٧، والنشر ٣٠٦/١، والتيسير ١٦٢، والقرطبي ٢٩٥/١٢، والبحر ٤٦٨/١٦، والإتحاف ٣٠١/٢. ٤٢٨ - النور- من هذا التصنيفٍ(١). وأمَّا تسكينُ القافِ فإنهم حَمَلوا المنفصِلَ على المتصلِ : وذلك أنهم يُسَكِّنون عين فَعِل فيقولون: كَبْد وَكَتْف وصَيْر(٢) في: كَبِد وكّتِف وصَبِر، لأنها كلمةٌ واحدة، ثم أُجْرِيَ ما أشبه ذلك من المنفصل مُجْری المتصل؛ فإنَّ((يَتَّقْهِ)) صار منه ((تَقِهِ)) بمنزلة ((كَتِف)) فَسُكِّن كما تُسَكَّن. ومنه(٣): ٣٤٦١- قالَتْ سُلَيْمَىْ اشْتَرْ لنا سَوِيقا بسكونِ الراءِ، كما سَكَّن الآخرُ (٤): ٣٤٦٢- فبات مُنْتَصْباً وما تَكّرْدَسا والآخر(٥): ٣٤٦٣- عَجِبْتَ لمَوْلُودٍ وليسَ له أَبُ وذي وَلَّدٍ لم يَلْدَهُ أبوان يريد: مُنْتَصِباً، ولم يَلِدْه. وقد تَقَدَّم في أولِ البقرةِ تحريرُ هذا الضابطِ في قوله: ((فهي كالحجارة))(٦)، وهي وهو ونحوها. (١) انظر: الدر المصون ٤٠٩/٥. (٢) الصَّبِرُ: عصارة شجر بعينه ومنه الدواء المر، ولا يُسَكَّن إلاّ في ضرورة الشعر. اللسان (صبر). (٣) تقدم برقم ٤٧٣. (٤) البيت للعجاج وهو في ديوانه ١٩٧ برواية ((مُنْتَصًّا)) والخصائص ٢٥٢/٢، وابن يعيش ١٤٠/٩، وشرح شواهد الشافية ٢١/٤. وتكردس: انقبض واجتمع بعضه إلى بعض. يريد ما سقط أعلاه إلى أسفله لأنه متوجِّس خائف لا ينام. والبيت في وصف ثور وحشي وبعده : إذا أحسِّ نَبْأَةٌ تَوَجَّسا (٥) تقدم برقم ٥٦٩. (٦) الآية ٧٤ من البقرة. ٤٢٩ - النور- وقال مكي (١): ((كان يجبُ على مَنْ أسكن القاف أَنْ يَضُمَّ الهاءَ؛ لأنَّ هاءَ الكنايةِ إذا سَكْن ما قبلها، ولم يكنْ الساكنُ ياءً ضُمَّتْ نحو: مِنْهُ وعَنْهُ. ولكن لمّا كان سكونُ القافِ عارضاً لم يُعْتَدَّ به، وأبقى الهاءَ على كسرتِها التي كانت عليها مع كسرِ القافِ، ولم يَصِلْها بياءٍ، لأنَّ الياءَ المحذوفةَ قبيل الهَاءِ مقدرةٌ مَنْويَّةُ، فبقي الحذفُ الذي في الياءِ(٢) قبل الهاءِ على أصلِه)). وقال [٦٦٨/ب] الفارسي(٣): ((الكسرةُ في الهاءِ لالتقاء الساكنين، وليسَتْ / الكسرةَ التي قبل الصلةِ؛ وذلك أنَّ هاءَ الكنايةِ ساكنةٌ في قراءِه، ولمَّا أُجْرِيَ (تَقْهِ)) مجرى ((كَتْف)) وسكَّن القافَ التقى ساكنان، ولَمَّا التَّقَيا اضْطُرَّ إلى تحريكِ أحدِهما: فإمَّا أَنْ يُحَرَّكَ الأولَ أوِ الثاني. لا سبيلَ إلى تحريكِ الأولِ لأنه يعودُ إلى ما فَرَّ منه وهو ثِقَلُ فَعِل فحرَّك ثانيهما. وأصلُ التقاء الساكنين [الكسر](٤) فلذلك كسرَ الهاءَ(٥) ويؤيِّدُ قولُه: لم يَلْدَه أَبَوانِ وذلك أنَّ أصلَه «لَم يلِدْه)) بكسرِ اللام وسكونِ الدال للجزمِ، ثم لَمّا سَكّن اللامَ التقى ساكنان، فلو حَرَّك الأولَ لعادَ إلى ما فَرَّ منهِ، فَحَرَّك ثانيهما وهو الدالُ وحَرَّكَها بالفتْحِ ، وإنْ كان على خلافِ أصلِ التقاءِ الساكنينَ مراعاةً لفتحةِ الياءِ. وقد رَدَّ القاسم بن فيره(٦) قولَ الفارسي ويقول: ((لا يَصِحُّ قولُه: إنّه (١) الكشف له ١١٤٢/٢ (٢) الكشف: ((فبقي الحذف على الياء التي بعد الهاء على أصله)). (٣) الحجة (خ) ٤/ ٥٤. (٤) سقط من الأصل. (٥) انظر: شرح الشافية ٢٣٨/٢ - ٢٣٩. (٦) وهو الإمام الشاطبي، وتقدمت ترجمته وفي الأصل ((أبو القاسم)). ٤٣٠ _ النور- كسر الهاءَ لالتقاء الساكنين؛ لأنَّ حفصاً لم يُسَكِّن الهاءَ في قراءتِه قط)». وقد رَدُّ أبو عبد الله (١) شارحُ قصيدتِه هذا الردّ وقال: ((وعجبتُ مِنْ نَفْبِه الإِسكانَ عنه مع ثبوتِه عنه في ((أَرْجِه))(٢) و ((فَأَلْقِهْ))(٣) وإذا قرأه في ((أَرْجِهْ)) و ((فَأَلْقِهْ)) احتمل أن يَكونَ ((يَتَّقْهِ» عنده قبل سكون القاف كذلك، وربما تَرجَّح ذلك بما ثَبَتَ عن عاصم مِنْ قراءته إياه بسكونِ الهاء مع كسرِ القاف». قلت: لم يَعْنِ الشاطبي بأنه لم يُسَكِّنِ الهاءَ قط، الهاء من حيث هي هي، وإنما عَنَى هاءَ ((يَتَّقْهِ) بخصوصِها. وكان الشاطبيُّ أيضاً يعترض التوجيه الذي قدَّمْتُه عن مكيّ ويقولُ: ((تعليلُه حَذْفَ الصلةِ: بأنَّ الياءَ المحذوفةَ قبل الهاء مقدرةٌ مَنْوِيَّةٌ فبقي في حَذْفِ الصلةِ بعد الهاءِ على أصلِه، غيرُ مستقيم مِنْ قِبَلِ أنه قرأ ((يُؤَدِّهي))(٤) وشبهِه بالصلة، ولو كان يَعْتَبِرُ ما قاله من تقديرِ الياءِ قبل الهاءِ لم يَصِلْها. قال أبو عبد الله: ((وهو وإنْ قَرَأ (يؤدِّهي)» وشِبْهَه بالصلةِ فإنه قرأ ((يَرْضَهُ))(٥) بغيرِ صلةٍ فألحقَ مكي ((يَتَّقْهِ) بـ ((يَرْضَهُ)) وجعله ممّا خَرَجَ فيه عن نظائرِهِ لاَتَّبَاعِ الأثَرِ والجمعِ بين اللغتين. وترجَّح ذلك عنده لأنَّ اللفظَ عليه. وَلَّمَّا كانت القافُ في حكمِ المكسورةِ بدليلِ كسرِ القافِ بعدَها صار كأنه ((يَتَّقِهِ) بكسرٍ القافِ والهاء من غيرِ صلةٍ كقراءةٍ قالون وهشام في أحدٍ وجهَيْهِ، فَعَلَّله بما يُعَلِّلُ به قراءتَهما. والشاطبيُّ ترجَّح عنده حَمْلُه على الأكثرِ ممَّا قَرَأَ به، لا على ما قَلَّ ونَدَر، فاقتضى تعليلَه بما ذكَرٌ. (١) الآلىء الفريدة السنية في شرح القصيدة الشاطبية لأبي عبد الله محمد بن الحسن الفاسي، المتوفى سنة ٦٥٦. الورقة ٦٢ من مخطوطة الأحمدية. (٢) الآية ١١١ من الأعراف. الآية ٢٨ من النمل. (٣) (٤) الآية ٧٥ من آل عمران. وانظر: الدر المصون ٢٦١/٣. (٥) ((ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يَرْضَهُ لكم)) الآية ٧ من الزمر. ٤٣١ - النور- آ. (٥٣) قوله: ﴿جَهْدَ أَيمانِهِم﴾: فيه وجهان، أحدهما: أنه منصوبٌ على المصدرِ بدلاً من اللفظِ بفعلِه إذا أَصْلُ ((أُقْسِمُ باللَّهِ جَهْدَ اليمين)): أُقْسِمُ بجَهْدِ اليمينِ جَهْداً، فَحُذِفَ الفعلُ وقُدَّمَ المصدرُ موضوعاً مَوْضِعَهِ مضافاً إلى المفعولِ كـ ((ضَرْبَ الرِّقاب))(١)، قاله الزمخشري(٢). والثاني: أنه حالٌ تقديرُه: مجتهدين في أَيْمانِهم كقولهم: افعَلْ ذلك جَهْدَك وطاقَتَك. وقد خلّطَ الزمخشري (٣) الوجهين فجعلهما وجهاً واحداً فقال بعدَ ما قَدَّمْتُه عنه: ((وحكمُ هذا المنصوبِ حكمُ الحالِ كأنه قيل: جاهدين أَيْمانَهم)). وقد تقدَّم الكلامُ على ((جَهْدَ أَيْمانِهم))(٤) في المائدة. قوله: ((طاعةٌ معروفةٌ)) في رفعِها ثلاثةُ أوجهٍ. أحدُها: أنها خبرُ مبتدأ مضمرٍ تقديرُه: أمرُنا طاعةٌ أو المطلوبُ طاعةٌ. الثاني: أنها مبتدأُ، والخبرُ محذوفٌ أي: أَمْثَلُ، أو أَوْلَى. وقد تقدَّمَ أنَّ الخبرَ متى كان في الأصل مصدراً بدلاً من اللفظِ بفعلِه وَجَبَ حَذْفُ مبتدئِه كقوله: («صبرٌ جميلٌ))(٥) ولا يَبْرز إلَّ اضطراراً كقوله(٦): ٣٤٦٤- فقالَتْ على اسمِ اللَّهِ أَمرُك طاعةٌ وإِنْ كُنْتُ قد كُلِّفْتُ ما لم أُعَوَّدِ ۔۔ ۔۔ على خلافٍ في ذلك. والثالث: أَنْ تكونَ فاعلةً بفعلٍ محذوفٍ أي : ولْتَكُنْ طاعةٌ وَلْتُوْجَدْ طاعةٌ. واستُضْعِفَ ذلك: بأنَّ الفعلَ لا يُحْذَّفُ إلَّ إذا تَقَدَّم (١) الآية ٤ من سورة محمد صلَّى الله عليه وسلَّم. (٢) الكشاف ٧٣/٣. (٣) الكشاف ٧٣/٣. (٤) الآية ٥٣ من المائدة وانظر: الدر المصون ٣٠٥/٤. (٥) الآية ١٨ من يوسف. (٦) تقدم برقم ٢٧٥٧ . ٤٣٢ - النور- مُشْعِرُ به كقوله: ((يُسَبَّح له فيها بالغُدُوِّ والآصالِ رجالٌ))(١). / في قراءةٍ مَنْ بناه [٦٦٩/أ] للمفعولِ أي: يُسَبِّحه رجالٌ، أو يُجاب به نَفْيٌ كقولِكَ: ((بلى زيدٌ)» لمَنْ قال: لم يقم أحدٌ، أو استفهامٌ كقوله(٢): ٣٤٦٥- ألا هَلْ أتىْ أمِّ الحُوَيْرِثِ مُرْسَلٌ بلى خالد إنْ لم تُعِقْه العَوائقُ والعامَّةُ على رفعِ ((طاعةٌ)) على ما تقدَّم. وزيد بن علي(٣) واليزيديُّ على نَصِها بفعلٍ مضمرٍ، وهو الأصلُ. قال أبو البقاء (٤): ((ولو قُرِىء بالنصبِ لكانَ جائزاً في العربية، وذلك على المصدرِ أي: أَطِيْعوا طاعةً وقولوا قولاً. وقد دَلَّ عليه قولُه تعالى بعدَها ((قُلْ أَطِيعوا اللَّهَ)). قلت: ما وَدَّ أن يُقرَأَ به قد قُرِىء به كما تقدَّم نَقْلُه. وأمَّا قولُه: و ((قولوا قَوْلاً)) فكأنّه سَبَق لِسانُه إلى آية القتال وهي: ((فَأَوْلَىْ لهم. طاعةً وقولٌ معروفٌ))(٥) ولكن النصبَ هناك ممتنعٌ أو بعيدٌ. آ. (٥٤) قوله: ﴿فإنْ تَوَلَّوْا﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ ماضياً، وتكون الواوُ ضميرَ الغائبين. ويكونُ في الكلام التفاتٌ من الخطاب إلى الغَيْبة. وحَسِّن الالتفاتَ هنا كونُه لم يواجِهْهم بالتَّوَلِّي والإِعراضِ ، وأن يكونَ مضارعاً حُذِفَتْ إحدى تاءَيْه. والأصل: تَتَوَلَّوْا. ويُرَجِّحُ هذا قراءةُ البزيِّ بتشديدِ التاء(٦): ((فإنْ تُوَلَّوْا)) وإنْ كان بعضُهم يَسْتَضْعِفُها للجمعِ بينَ ساكنين على غيرٍ حَدِّهما. (١) الآية ٣٦ من النور وهي قراءة أبي بكر وابن عامر. انظر: السبعة ٤٥٦. (٢) تقدم برقم ١٨٢٢ . (٣) البحر ٤٦٨/٦، والكشاف ٧٣/٣. (٤) الإملاء ١٥٩/٢. (٥) الآية ٢٠، وهي سورة محمد صلَّى الله عليه وسلّم. (٦) الإتحاف ٣٠١/٢. ٤٣٣ - النور- ويُرَجِّجِه أيضاً الخطابُ في قولِه: ((وعليكم ما حُمِّلْتُم، وإنْ تُطيعوه تَهْتدوا)). ودَعْوَى الالتفاتِ من الغيبةِ إلى الخطابِ ثانياً بعيدٌ. آ. (٥٥) قوله: ﴿لَيَسْتَخْلِفَتَّهم﴾: فيه وجهان، أحدُهما: هو جوابُ قسمٍ مضمرٍ أي: أَقْسِم لَيَسْتَخْلِفَتَّهم ويكونُ مفعولُ الوعدِ محذوفاً تقديرُه: وَعَدَهم الاستخلافَ لدلالةِ قوله: ((لَيَسْتَخْلِفَنَّهم)» عليه. والثاني: أَنْ يجريَ ((وعد)) مَجْرى القسمِ لتحقَّقِهِ، فلذلك أُجيب بما يُجاب به القَسَمُ(١). قوله: ((كما اسْتَخْلَفَ)) أي: استخلافاً كاستخلافهم. والعامَّةُ على بناء ((اسْتَخْلَفَ)) للفاعل. وأبو بكر(٢) بناء للمفعول. فالموصولُ منصوبٌ على الأول، ومرفوعٌ على الثاني. قوله: ((وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ)) قرأ(٣) ابن كثير وأبو بكرٍ ((وَلَيْدِلَنَّهم)» بسكونِ الباءِ وتخفيفِ الدال مِنْ (أَبْدَلَ)). وقد تقدَّمَ توجيهُها في الكهفِ في قولِه: ((أَنْ يُبْدِلَهما رَبُّهما)»(٤). قوله: (يَعْبُدونني)) فيه سبعةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه مستأنفٌ أي: جوابٌ لسؤالٍ مقدَّر كأنه قيل: ما بالُهم يُسْتَخْلَفون ويُؤْمِّنون؟ فقيل: يَعْبُدونني. الثاني: أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ أي: هم يعبدونني. والجملةُ أيضاً استئنافيةٌ تقتضي المدحَ. الثالث: أنه حالٌ مِنْ مفعولِ ((وَعَدَ اللَّهُ)). الرابع: أنه حالٌ مِنْ مفعول (١) انظر أمثلة من هذا الباب في المغني ٥٢٨. (٢) النشر ٣٣٢/٢، والتيسير ١٦٣، والسبعة ٤٥٨، والبحر ٤٦٩/٦، والقرطبي ٢٩٩/١٢. .... (٣) السبعة ٤٥٩، والنشر ٣٣٣/٢، والتيسير ١٦٣، والبحر ٤٦٩/٦، والقرطبي ٣٠٠/١٢. (٤) الآية ٨١ من الكهف. وانظر: الدر المصون ٥٣٨/٧. ٤٣٤ - النور- (لَيَسْتَخْلِفَنَّهم)). الخامس: أن يكونَ حالاً مِنْ فاعلِه. السادس: أَنْ يكونَ حالاً مِنْ مفعولِ ((لَيُبَدُّلِنَّهم)). السابع: أَنْ يكونَ حالاً مِنْ فاعلِه. قوله: (لا يُشْرِكُون)) يجوزُ أَنْ يكونَ مستأنفاً، وأن يكونَ حالاً مِنْ فاعلِ (يَعْبُدُوني)) أي: يَعْبُدوني مُوَحِّدين، وأن يكونَ بدلاً من الجملةِ التي قبلَه الواقعةِ حالاً وقد تَقَدَّم ما فيها. آ. (٥٦) قوله: ﴿وأَقِيموا الصلاةَ﴾: فيه وجهان. أحدُهما: أنه معطوفٌ على ((أَطِيعوا الله وأطيعوا الرسولَ))(١). وليس ببعيدٍ أن يقعَ بين المعطوفِ والمعطوفِ عليه فاصلٌ وإنْ طال؛ لأنَّ حَقَّ المعطوفِ أن يكونَ غيرَ المعطوفِ عليه. قاله الزمخشري (٢). قلت: وقولُه: ((لأنَّ حَقَّ المعطوفِ)» إلى آخره لا يَظْهَرُ علةً للحكمِ الذي أدَّعاه. والثاني: أنَّ قوله ((وأقيموا)) من بابٍ الالتفاتِ من الغَيْبة إلى الخطابِ. وحَسَّنَه الخطابُ في قولِه قبل ذلك ((منكم». آ. (٥٧) قوله: ﴿لا تَحْسَبَنَّ﴾: قرأ العامَّة ((لا تَحْسَبِنَّ)) بتاءٍ الخطابِ. والفاعلُ ضميرُ المخاطبِ أي: لا تَحْسَبَنَّ أيها المخاطبُ. ويمتنعُ أو يَبْعُدُ جَعْلُه للرسولِ عليه السلام؛ لأنَّ / مِثْلَ هذا الحُسْبانِ لا يُتَصوَّر منه حتى [٦٦٩/ب] يُنْهِىْ عنه. وقرأ(٣) حمزةُ وابن عامرٍ ((لا يَحْسَبَنَّ) بياء الغَيْبة وهي قراءةٌ حسنةٌ واضحة. فإنَّ الفاعلَ فيها مضمرٌ يعودُ على ما دَلَّ السّياقُ عليه أي: لا يَحْسَبَنَّ حاسِبٌ - أو أحدٌ - وإمَّا على الرسولِ لتقدُّم ذِكْرِه. ولكنه ضعيفٌ للمعنى المتقدِّم خلافاً لِمَنْ لَحِّن قارىءَ هذه القراءةِ كأبي حاتم (٤) وأبي جعفر(٥) (١) في الآية ٥٤. (٢) الكشاف ٧٤/٣. (٣) النشر ٢٧٧/٢، والتيسير ١٦٣، والبحر ٤٧٠/٦، والقرطبي ٣٠١/١٢. (٤) نقل هذا عنه النحاس في إعرابه ٤٥٢/٢. (٥) وهو النحاس في إعرابه ٤٥٢/٢ . ٤٣٥ - النور- والفراء(١). قال النحاس: ((ما عَلِمْتُ أحداً مِنْ أهلِ العربية بَصْرياً ولا كوفياً إِلَّ وهو يُلَحِّنُ(٢) قراءةَ حمزةَ، فمنهم مَنْ يقولُ: هي لحنٌ لأنه لم يأتِ إلَّ بمفعولٍ واحدٍ لـ «یَحْسَبَنَّ». وقال الفراء (٣): «هو ضعيفٌ)» وأجازه على حَذْفِ المفعول الثاني. التقديرُ: ((لا يَحْسَبَنَّ الذين كفروا أنفسَهم مُعْجِزين)» قلت: وسببُ تَلْحينهم هذه القراءةَ أنهم اعتقدوا أنَّ (الذين)) فاعلٌ، ولم يكُنْ في اللفظِ إلَّ مفعولٌ واحدٌ وهو («معجزين)»، فلذلك قالوا ما قالوا. والجوابُ عن ذلك مِنْ وجوهٍ أحدُها: أنَّ الفاعلَ مضمرٌ يعودُ على ما تقدَّم، أو على ما يُفْهَمُ من السياق، كما سَبَقْ تحريرُه. الثاني: أنَّ المفعولَ الأولَ محذوفٌ تقديرُه: لا يَحْسَبَنَّ الذين كفروا أنفسَهم مُعْجزين. إلَّ أنَّ حَذْفَ أحدِ المفعولَيْنِ ضعيفٌ عند البصريين (٤). ومنه قولُ عنترةَ(٥): ٣٤٦٦- ولَقَدْ نَزَلْتِ فلا تَظُنّي غيرَه منِي بمَنْزِلَةِ المُحَبِّ المُكْزَمِ أي(٦): لا تظني غيرَه واقعاً. ولمَّا نحا الزمخشريُّ إلى هذا الوجه قال (٧): ((وأن يكونَ الأصلُ: لا يَحْسَبَنَّهم الذین کفروا مُعْجِزین، ثم حُذِف الضميرُ الذي هو المفعولُ الأول. وكأنَّ الذي سَوَّغ ذلك أنَّ الفاعل والمفعولَيْن (١) معاني القرآن ٢٥٩/٢. (٢) المطبوعة: يحظر. (٣) معاني القرآن له ٢٥٩/٢. (٤) انظر مذاهب النحاة في المسألة: الارتشاف ٥٦/٣. (٥) تقدم برقم ٧٩٩. (٦) تكرر في الأصل ((أي)). (٧) الكشاف ٧٤/٣ . ٤٣٦ - النور- لَمَّا كانَتْ لشيءٍ واحدٍ اقْتَنَعَ بذكرِ اثنين عن ذِكْرِ الثالث)» فقَدَّرَ المفعول الأول ضميراً متصلاً. قال الشيخ (١): ((وقد رَدَدْنا هذا التخريجَ في أواخرِ آل عمران في قوله: ((لا يَحْسَبَنَّ الذين يَفْرَحون بما أَتَوا))(٢) في قراءةٍ مَنْ قرأه بالغَيْبة، وجَعَل الفاعلَ ((الذين يَفْرحون)). وملخّصُه: أن هذا ليس من الضمائر التي يُفَسِّرها ما بعدَها فلا يتقدَّر (لا يَحْسَبَنَّهم)) إذ لا يجوزُ: ((ظَنَّه زيدٌ قائماً)) على رَفْعِ ((زيدٌ)) بـ ((ظنَّه)) قلت: وقد تقدَّم في الموضعِ المذكورِ رَدُّ هذا الردِّ فعليك بالالتفاتِ إلیه . الثالث: أنَّ المفعولَيْنِ هما قولُه: ((مُعْجزِين في الأرض)) قاله الكوفيون. ولمَّا نحا إليه الزمخشريُّ قال(٣): ((والمعنى: لا يَحْسَبَنَّ الذين كفروا أحداً يُعْجِزُ اللَّهَ في الأرض حتى يَطْمَعوا هم في مثلِ ذلك. وهذا معنىٌ قويّ جيد)». قلت: قيل: هو خطأً؛ لأنَّ الظاهرَ تعلُّقُ في ((الأرض)) بـ ((مُعْجِزين)) فجعله مفعولاً ثانياً كالتهيئةِ للعملِ والقطعِ عنه، وهو نظيرُ: ((ظَنَّنْتُ قائماً في الدار)). قوله: ((وَمَأْواهم النارُ» فيه ثلاثةُ أوجهٍ. أحدُها: أنَّ هذه الجملةَ عطفُ على جملةِ النهيِ قبلَها مِنْ غيرِ تأويلٍ ولا إضمارٍ، وهو مذهبُ سيبويهِ أعني عَطْفَ الجملِ بعضِها على بعض، وإن اختلفَتْ أنواعُها خبراً وطَلَباً وإنشاءً. وقد تقدَّم تحقيقُه في أولِ هذا الموضوعِ والدليلُ عليه. الثاني: أنَّها معطوفةٌ عليها، ولكن بتأويلٍ جملةِ النهي بجملةٍ خبريةٍ. والتقدير: الذين كفروا لا يُقُوتون اللَّهَ ومَأواهم النار. قاله الزمخشري(٤). كأنه يرى تناسُبَ الجملِ شرطاً في العطفِ. هذا ظاهرُ حالِه. الثالث: أنها معطوفةٌ على جملةٍ مقدرةٍ. (١) البحر ٤٧٠/٦. (٢) الآية ١٨٨ من آل عمران. وانظر: الدر المصون ٥٢٥/٣. (٣) الكشاف ٧٤/٣. (٤) الكشاف ٧٤/٣. ٤٣٧ - النورــ قال الجرجاني(١): ((لا يُحتمل أَنْ يكونَ ((ومَأْواهم)) متصلاً بقولِه: ((لا تَحْسَبَنَّ ذاك)) أي: وهذا إيجابٌ فهو إذن معطوفٌ بالواو على مضمرٍ قبلَه تقديرُه: لا تَحْسَبَنَّ الذين كفروا مُعْجِزین في الأرضِ بل هم مقهورون، ومَأواهم النار». آ. (٥٨) قوله: ﴿ثلاثَ مراتٍ﴾: فيه وجهان، أحدهما: أنه منصوبٌ على الظرفِ الزماني أي : ثلاثةَ أوقاتٍ، ثم فَسَّر تلك الأوقاتُ بقوله: ((مِنْ قبلِ صلاةِ الفجرِ وحينَ تَضَعُون)) ((ومن بعد صلاة العشاء)). والثاني: أنه [٦٧٠ /أ] منصوبٌ على المصدريةِ أي ثلاثةَ استئذاناتٍ. ورجَّح الشيخُ (٢) هذا فقال/: ((والظاهرُ مِنْ قوله ((ثلاثَ مرات)). ثلاثةَ استئذاناتٍ لأَنَّك إذا قلتَ: ضربْتُ ثلاثَ مراتٍ لا تَفْهَمُ منه إلَّ ثلاثَ ضَرَبات، ويؤيِّده قولُه عليه السلام(٣) : ((الاستئذانُ ثلاث)) قلت: مُسَلَّمٌ أنَّ الظاهرَ كذا، ولكنَّ الظاهرَ هذا متروكٌ للقرينة المذكورةِ وهي التفسيرُ بثلاثةِ الأوقاتِ المذكورةِ. وقرأ(٤) الحسن وأبو عمروٍ في رواية ((الحُلْمَ)) بسكونِ العينِ وهي تميميةٌ. قوله : ((مِنْ قَبْلِ صَلاةُ)) فیه ثلاثةُ أوجهٍ. أحدها: أنه بدلٌ مِنْ قوله ((ثلاث)» فتكونُ في محلِّ نصبٍ. الثاني: أنه بدلٌ مِنْ ((عورات)) فيكونُ في محلِّ جر. الثالث: أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ أي : هي من قبلٍ أي: تلك المراتُ فيكون في محلِّ رفعٍ . قوله: ((من الظَّهِيرةِ)) فيه ثلاثةُ أوجهٍ أحدُهما: أنَّ ((مِنْ)) لبيانِ الجنس أي : (١) وهو عبد القاهر. انظر: البحر ٤٧٠/٦. (٢) البحر ٤٧٢/٦ . (٣) هذا عنوان في البخاري (١٣ باب التسليم والاستئذان ثلاثاً). انظر: كتاب الاستئذان. وفي الباب حديث أبي سعيد الخُذْري ((استأذنت على عمر ثلاثاً)) الفتح ٧٩/١١. (٤) الإِتحاف ٣٠٢/٢، والقرطبي ٣٠٥/١٢، والبحر ٤٧٢/٦. ٤٣٨ - النور - حين ذلك الذي هو الظهيرةُ. الثاني: أنها بمعنى ((في)) أي تَضَعُونها في الظهيرةِ. الثالث: أنَّها بمعنى اللام أي مِنْ أَجْلِ حَرِّ الظهيرةِ. وأمَّا قولُه: ((وحين تَضَعُون)) فعطفٌ على محلِّ ((مِنْ قبلِ صلاةِ الفَجْرِ))، وقوله: ((ومِنْ بعد(١) صلاة العشاء)) عطفٌ على ما قبلَه. والظّهيرةُ: شِدَّةُ الحَرِّ، وهو انتصافُ النهار. قوله: ((ثلاث عَوْراتٍ)) قرأ(٢) الأخَوان وأبو بكر ((ثلاثَ)) نصباً. والباقون رفعاً. فالأُوْلِى تَحْتملُ ثلاثةَ أوجهٍ، أحدُها: وهو الظاهر أنَّها بدلٌ مِنْ قوله: (ثلاثَ مرات)). قال ابن عطية(٣): ((إنما يَصِحُّ البدلُ بتقديرٍ: أوقات ثلاثٍ عَوْراتٍ، فَحُذِف المضافُ وأُقيم المضافُ إليه مُقَامَه))، وكذا قَدَّره الحوفي والزمخشري (٤) وأبو البقاء(٥). ويحتمل أنَّه جَعَل نفسَ ثلاثِ المراتِ نفسَ ثلاثِ العوراتِ مبالغةً، فلا يُحتاج إلى حَذْفِ مضافٍ. وعلى هذا الوجهِ - أعني وجه البدل - لا يجوزُ الوقفُ على ما قبل (ثلاثَ عَوْراتٍ)) لأنه بدلً منه وتابعٌ له. ولا يُؤْقَفُ على المتبوعِ دونَ تابعِه. الثاني: أنَّ ((ثلاثَ عوراتٍ)) بدلٌ مِنَ الأوقاتِ المذكورةِ قاله أبو البقاءِ(٦). يعني قوله: ((من قبلِ صلاةِ الفجرِ» وما عُطِفَ عليه، ويكونُ بدلاً على المحلِّ؛ فلذلك نُصِبَ. (١) الأصل «قبل» وهو سهو. (٢) السبعة ٤٥٩، والنشر ٣٣٣/٢، والتيسير ١٦٣، والبحر ٤٧٢/٦، والقرطبي ٣٠٥/١٢. (٣) المحرر ٣٢٤/١١. (٤) الكشاف ٧٥/٣. (٥) الإملاء ١٥٩/٢. (٦) الإملاء ١٥٩/٢ . ٤٣٩ - النور- الثالث: أَنْ يَنْتَصِبَ بإضمارٍ فِعْلٍ. فقَدَّره أبو البقاء(١) أعني. وأَحْسَنُ من هذا التقديرِ (اتَّقُوا)) أو (احْذروا))(٢) ثلاثَ. وأمّا الثانية(٣) فـ ((ثلاثُ)) خبرُ مبتدأ محذوفٍ، تقديرُهُ: هِنَّ ثلاثُ عَوْراتٍ. وقدَّره أبو البقاء (٤) مع حَذْفِ مضافٍ فقال: ((أي: هي أوقاتُ ثلاثٍ عوراتٍ، فَحُذِف المبتدأُ والمضافُ)). قلت: وقد لا يُحتاج إليه على جَعْلٍ العوراتِ نفسَ الأوقاتِ مبالغةً وهو المفهومُ من کلامِ الزمخشريِّ، وإن كان قد قَدَّره مضافاً كما قدَّمْتُه عنه. قال الزمخشري(٥): ((وسَمِّى كلَّ واحدٍ(٦) من هذه الأحوالِ عورةً؛ لأنَّ الناسَ يَخْتُلُّ تَسَتُّرُهم وتَحَفُّظُهم فيها. والعَوْرَةُ: الخَلَلُ ومِنه أَعْوَرَ الفارِسُ، وأَعْوَرَ المكانُ. والأُعْوَرُ: المختلُّ العينِ)) فهذا منه يُؤْذِنُ بعدمِ تقديرٍ أوقاتٍ، مضافةً لـ ((عَوْراتٍ)) بخلافٍ كلامِه أولاً. فُيُؤْخَذُ من مجموعٍ كلامِه وجهان، وعلى قراءةِ الرفع وعلى الوجهين قبلها في تخريجِ قراءةِ النصبٍ يُوقف على ما قبلَ ((ثلاثَ عورات)) لأنَّها ليسَتْ تابعةً لما قبلها. وقرأ(٧) الأعمش ((عَوَرات)) وهي لغةُ هُذَيْلٍ وبني تميم: يفتحون عينَ فَعَلات واواً أو ياءً. وأُنشِدّ (٨): ٣٤٦٧ - أخو بَيَضاتٍ رائحٌ متأوِّبٌ رفيقٌ بمَسْحِ المَنْكِبینِ سَبُوْعُ (١) الإملاء ١٥٩/٢. (٢) سقطت الألف سهواً من ((احذروا)) في الأصل. (٣) أي قراءة الجمهور بالرفع. (٤) الإملاء ١٥٩/٢. (٥) الكشاف ٧٤/٣. (٦) الكشاف: واحدة. (٧) البحر ٤٧٢/٦. (٨) تقدم برقم ٣٤٤٣. ٤٤٠