النص المفهرس
صفحات 401-420
- النور- أو ئیین. قال(١): ٣٤٤٥ - فإن تنكِحي أنكِحْ وإن تتأيَّمي - وإن كنتُ أَقْتَىْ منكمُ - أَتَأَيُّمُ وعن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم(٢): ((اللهم إنَّا نعوذ بك من العَيْمة والغيمة والأيمة والكَزَم والقَرَم)). قلت: أما العَيْمَة بالمهملة فشدةُ شهوةِ اللبن، وبالمعجمةِ شدةُ العطشِ . والأيْمة: طول العُزْبَة، والكَزَم: شدةُ شهوةٍ الأكل. والقَرَمُ : شدةُ شهوة اللحم. قوله: ((على البِغاء)) ((البغاء)) مصدرُ بَغَت المرأةُ تَبْغي بِغاءً، أي: زَنّتْ. وهو مختصُّ بزِنى النساء. ولا مفهومَ لهذا الشرطِ؛ لأن الإِكراهَ لا يكونُ مع الإِرداة . قوله: ((فإنَّ اللَّهَ)) جملةٌ وقعَتْ جواباً للشرط. والعائدُ على اسمِ الشرط محذوفٌ تقديرُه: غفور لهم. وقدَّره الزمخشري(٣) في أحدٍ تقديراتِه، وابن عطية (٤)، وأبو البقاء(٥): فإنَّ اللَّهَ غفورٌ لهنَّ أي: للمُكْرَهات، فَعَرِيَتْ جملةُ الجزاءِ عن رابطٍ يَرْبِطُها باسمِ الشرطِ. لا يُقال: إن الرابطَ هو الضميرُ المقدَّرُ الذي هو فاعلُ المصدرِ؛ إذ التقديرُ: مِنْ بعد إكراهِهم لهنَّ فَلْيُكْتَفَ بهذا الرابطِ المقدَّرِ؛ لأنهم لم يَعُدُّوا ذلك من الروابطِ، تقول: ((هندُ عجبْتُ مِنْ (١) لم أهتد إلى قائله وهو في مجاز القرآن ٦٥/٢، والقرطبي ٢٤٠/١٢، واللسان (أیم). (٢) انظر: النهاية ١٧٠/٤، وفيه ((القَزَم)) وشرحه في ٥٩/٤، باللؤم والشح. وانظر: ٣٣١/٢ في شرح العيمة، ٤٠٣/٣ في الغيمة. (٤) المحرر ٣٠٣/١١ وعبارته ((غفور رحيم بهن)). (٣) الكشاف ٦٧/٣ . (٥) الإملاء ١٥٦/٢. ٤٠١ - النور - ضَرْبِها زيداً) فهذا جائزٌ، ولو قلت: هندٌ عجبتُ مِنْ ضَرْبٍ زيدٍ أي: من ضَرْبِها(١)، لخلوِّها من الرابطِ وإنْ كان مقدَّراً. وقد ضَعَّفَ الإِمامُ الرازي(٢) تقديرَ ((بهم)) وَرَجَّح تقديرَ ((بهنَّ)) فقال: ((فيه وجهان، أحدُهما: غفورٌ لهنَّ؛ لأن الإِكراهَ يُزيل الإِثَمَ والعقوبةَ عن المُكْرَهِ فيما فَعَلَ. والثاني: فإِنَّ اللَّهَ غفورٌ للمكرِهِ بشرطِ التوبةِ. وهذا ضعيفٌ لأنه على التفسيرِ الأولِ لا حاجةَ إلى هذا الإِضمار)). وفيه نظرٌ لِما عَرَفْتَ من أنَّه لا بُدَّ من ضميرٍ يعودُ على اسمِ الشرطِ عند الجمهورِ وقد تقدَّم تحقيقُه في البقرةِ. ولَمّا قَدَّر الزمخشريُّ (٣) ((لهنَّ)) أورد سؤالاً فقال: ((فإن قلتَ: لا حاجةً إلى تعليقٍ المغفرةِ بهنَّ، لأنَّ المُكْرَهَةَ على الزِّنَى - بخلاف المكرِهِ [عليه في أنها] (٤) غيرُ آثمةٍ -. قلت: لعل الإِكراهَ غيرُ ما اعتبرَتْه الشريعةُ من إكراهٍ بقْلٍ أو ممّا يُخافُ منه التَّلَفُ أو فواتُ عضوٍ حتى تَسْلَمَ من الإِثمِ. وربما قَصَّرَتْ عن الحدِّ الذي تُعْذَرُ فيه فتكونُ آثمةً)) . آ. (٣٤) وتقدَّمَ الخلافُ(٥) في ((مُبَيّنات)) كسراً وفتحاً. قوله: ((ومَثَلًا)) عطفٌ على ((آيات)) أي: وأَنْزَلْنا مثلاً مِنْ أمثال الذين قبلكم. آ. (٣٥) قوله: ﴿اللَّهُ نورُ السَّمواتِ﴾: مبتدأ وخبرٌ: إمَّا على خَذْفِ مضافٍ أي: ذو نُورِ السموات. والمرادُ بالنور عَدْلُه. ويؤيِّد هذا قولُه (١) أي لم يجز، وانظر: البحر ٤٥٣/٦. (٢) تفسير الرازي ٢٢١/٢٣. (٣) الكشاف ٦٧/٣. (٤) سقط سهواً من الأصل وأثبتناه من الكشاف. (٥) قرأ بفتح الياء نافع وابن كثير وأبو عمرو والباقون بالكسر. انظر: النشر ٢٤٨/٢، والتيسير ١٦٢، والبجر ٤٥٣/٦. ٤٠٢ - النور - ((مَثَل نورِه)). وأضاف النورَ لهذين الظرفين: إمّا دَلالةً على سَعَةِ إشراقِه وفُشُوِّ إضاءته، حتى تضيءَ له السمواتُ والأرضُ، وإمّا لإِرادةِ أهلِ السموات والأرضِ ، وأنَّهم يَسْتضيئون به. ويجوز أَنْ يبالَغَ في العبارةِ على سبيلِ المَدْحِ كقولهم: فلانٌ شمسُ البلاد وقمرُها، قال النابغة(١): ٣٤٤٦- فإنَّك شمسٌ والملوكُ كواكبٌ إذا ظهرَتْ لم يَبْدُ منهنٌّ کوکبُ وقال(٢): ٣٤٤٧- قَمَر القبائلِ خالد بن يزيد ويجوزُ أَنْ يكونَ المصدرُ واقِعاً موقعَ اسمِ الفاعلِ أي: مُنْوِّرُ السمواتِ. ويؤيِّد هذا الوجه قراءةُ(٣) أمير المؤمنين وزيدٍ بن علي وأبي جعفر وعبد العزيز المكي (٤) ((نَوَّرَ)) فعلًا ماضياً. وفاعلُه ضميرُ الباري تعالى، و((السمواتِ)) مفعولُه فَكَسْرُه نصبٌ. و((الأرضَ)) بالنصبِ نَسَقٌّ عليه. وفَسَّرِه الحسنُ فقال: الله مُنَّوَّرُ السموات . قوله: ((ومَثَلُ نورِه كَمِشْكاة)» مبتدأ وخبرٌ أيضاً. وهذه الجملةُ إيضاحٌ لِما قبلَها وتفسيرُ فلا محلَّ لها. وثَمَّ مضافٌ محذوفٌ أي: كَمَثَلِ نورِ مشْكاة. قال (١) ديوانه ٧٨ وفيه ((إذا طَلَعَتْ)). (٢) لم أقف عليه. (٣) البحر ٤٥٥/٦، والشواذ ١٠١. (٤) لعله عبد العزيز بن أبي رواد، شيخ الحرم المكي حدث عن الضحاك وعكرمة، توفي سنة ١٥٩. انظر: سير أعلام ١٨٤/٧. ٤٠٣ - النور: الزمخشري(١): ((أي صفةُ نورِه العجيبِ الشأنِ في الإضاءةِ كَمِشْكاةٍ أي: كصفةٍ مِشْكاة)). واختلفوا في الضمير في ((نُوره)) فقيل: هو للَّهِ تعالى، وهو الأوْلَى، والمرادُ بالنورِ على هذا: الآياتُ المبيناتُ المتقدمةُ، أو الإِيمان، وقيل: إنه عائدٌ على المؤمنين أو المُؤْمنِ أو مَنْ آمن به. وقد قرأ أُبَيّ (٢) بهذه الألفاظِ كلِّها. وأعاد الضميرَ على ما قرأ به. وقيل: يعودُ على محمدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم ولم يتقدَّمْ لهذه الأشياءِ ذِكْرٌ. وأمَّا عَوْدُه على المؤمنين في قراءةٍ أُبَيّ، [٦٦٥/أ] ففيه إشكالٌ من حيث الإِفراد. / قال مكي(٣): (يُوْقَفَ على ((الأرض)) في هذه الأقوالِ الثلاثةِ)). واختلفوا أيضاً في هذا التشبيهِ: أهو تشبيهٌ مركّبُ أي: قُصِدَ فيه تشبيهُ جملةٍ بجملةٍ، من غيرِ نَظَرٍ إلى مقابلة جزءٍ بجزءٍ، بل قَصَدَ تشبيهَ هُداه وإتقانَ صنعته في كلِّ مخلوقٍ على الجُملة بهذه الجملةِ من النور الذي يتخذونه. وهو أبلغُ صفاتِ النورِ عندكم؟ أو تشبيهٌ غيرُ مركبٍ أي: قُصِدَ مقابلةُ جزءٍ بجزءٍ؟ ويترتَّبُ الكلامُ فيه بحسَبِ الأقوال في الضمير في ((نوره)). والمِشْكَاةُ: الكُوَّةُ غيرُ النافِذَةِ. وهل هي عربية أم حبشية مُعَرَّبة؟ خلافٌ. وقيل(٤): هي الحديدةُ أو الرَّصاصة(٥) التي يوضع فيها الذُّبال وهو الفتيل، وتكون في جَوْفٌ الزجاجةِ، وقيل: هي العمودُ الذي يُوْضَعُ على رأسِه (١) الكشاف ٦٧/٣. (٢) القرطبي ٢٦٠/١٢، والبحر ٤٥٥/٦. (٣) لم يرد في ((المشكل)) ونقله السمين عن البحر ٤٥٥/٦. (٤) انظر: تفسير الماوردي ١٢٩/٣. (٥) كذا في الأصل ورسمت في (ش): الزجاجة. ٤٠٤ - النور - المصباحُ، وقيل: ما يُعَلَّقُ فيه القنديلُ من الحديدِ، وأمال (المِشْكاة)) الدُّوري(١) عن الكسائي لتقدُّمِ الكسرِ، وإنْ وُجِدَ فاصلٌ. ورُسِمَتْ بالواو كالزكاة والصلاة. والمِصْباح: السِّراجُ الضخمُ. والزجاجةُ: واحدةُ الزجاج، وهو جوهرٌ معروفٌ. وفيه ثلاثُ لغاتٍ: فالضم لغةُ الحجاز، وهو قراءةُ العامّة، والكسرُ والفتحُ لغةُ قيس. وبالفتح قرأ(٢) ابن أبي عبلة ونصر بن عاصم في رواية ابنِ مجاهد. وبالكسر قرأ نصر بن عاصم في روايةٍ عنه، وأبورجاء. وكذلك الخلافُ في قوله ((الزجاجةُ». والجملةُ مِنْ قوله: ((فيها مِصْباحٌ)) صفةٌ لـ ((مِشْكاة)). ويجوزُ أن يكونَ الجاُّ وحده هو الوصف، و «مصباح» مرتفع به فاعلاً. قوله: ((دُرِيٌّ))، قرأ(٣) أبو عمرو والكسائي بكسر الدال وياءٍ بعدها همزةٌ. وقرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم بضم الدال وياءٍ بعدها همزةٌ. والباقون بضمِّ الدال وتشديد الياءِ من غيرِ همزةٍ، وهذه الثلاثةُ في السبع، وقرأ زيد بن علي والضحاكُ وقتادةُ بفتح الدال وتشديد الياء. وقرأ الزهريُّ بكسرِها وتشديد الياء. وقرأ أبان بن عثمان وابن المسيّب وأبو رجاء وقتادة أيضاً «دَرِّيْء)) بفتح الدال وتشديدِ الراء وياءٍ بعدها همزةٌ. فأما الأولى (٤) فقراءةٌ واضحةٌ لأنه بناءٌ كثيرٌ يوجد في الأسماء نحو «سِگین» وفي الصفاتِ نحو سِگیر)». (١) السبعة ٤٥٥، والنشر ٣٨/٢، والقرطبي ٢٦١/١٢. (٢) انظر في قراءاتها: القرطبي ٢٦١/١٢، والبحر ٤٥٦/٦. (٣) انظر في قراءاتها: السبعة ٤٥٦، والنشر ٣٣٢/٢، والتيسير ١٦٢، والبحر ٤٥٦/٦، والقرطبي ٢٦٢/١٢، والمحتسب ١١٠/٢. (٤) (( دِرِّيْءٌ)). ٤٠٥ : - النور- وأمَّا القراءةُ الثانية (١) فهي مِن الدَّرْءِ بمعنى الدَّفْع أي: يدفع بعضُها بعضاً أو يَدْفَعُ ضوءُها خَفاءَها، قيل(٢): ولم يوجد شيءٌ وزنُه فُعِيل إلَّ مُرِّيْقاً للعُصْفُر وسُرِّيَّة (٣) على قولنا: إنها من السرور، وإنه أُبْدلِ مِنْ إحدى المضعَّفاتِ ياءٌ، وَأُدْغِمَتْ فيها ياءُ فُعِيل، ومُرِّيخاً (٤) للذي في داخلِ القَرْنِ اليابس، ويقال بكسرٍ الميمِ أيضاً، وعُلِّيَّة ودُرِّيْء في هذه القراءة، وذُرِّيَّة(٥) أيضاً في قولٍ. وقال بعضهم(٦): ((وزن دُرِّيْء في هذه القراءةِ فُعُول كسُبُّوح قُدُوْس، فاستثْقِل توالي الضمِّ فَتُقِل إلى الكسرِ، وهذا منقولٌ أيضاً في سُرِّية وذُرِّيَّة . وأمَّا القراءة الثالثة (٧) فتحتمل وجهين، أحدُهما: أَنْ يكونَ أصلُها الهمزّ كقراءةٍ حمزةَ، إلَّ أنه أَبْدَلَ مِنَ الهمزةِ ياءً، وأَدْغم، فَيَتَّحِدُ معنى القراءتين، ويُحتملِ أَنْ يكونَ نسبةً إلى الدُّر لصفائها وظهورِ إشراقِها. وأمَّا قراءةُ (٨) تشديدِ الياءِ مع فتحِ الدالِ وكسرِها، فالذي يظهرُ أنه منسوبٌ إلى الدُّر. والفتحُ والكسرُ في الدالِ من بابِ تغييراتِ النَّسَبِ. (١) دُرِّيْءٌ. (٢) قال ابن عصفور: (ولم يجىء إلَّ صفة)) انظر: الممتع ٩٩. (٣) انظر في تفصيل اشتقاقها: الممتع ٣٧٠. حيث احتمل كونها من السرور أو السرّ فهي فُعْلِيَّة، أو من سراة الشيء وهو أعلاه فهي فُعِّيلة واللام مِنْ تَسَرِّيْت واوٍ. أُبْدِلَتْ ياءً لوقوعها خامسةٌ لأنَّ السَّراة من الواو بدليل سروات. (٤) ذكر لها في اللسان (مرخ) أكثر من معنى، من ذلك: العود الطويل اللين، ومنها رجل مِرِّيخ : كثير الادِّهان. (٥) انظر: في أقوال ذرية الدر المصون ١٠١/٢. (٦) انظر: اللسان (درأ). (٧) ذُرِّيٌّ. (٨) «دري)). ٤٠٦ - النور- وأمَّا فتحُ الدالِ مع المدَّ والهمز(١) ففيها إشكالٌ. قال أبو الفتح (٢): ((وهو بناءً عزيزٌ لم يُحْفَظْ منه إلّ السَّكِّينة بفتح الفاء وتشديد العين)). قلت: وقد حكى الأخفشُ: ((فَعَلَيْهِ السَّكُّينة(٣) والوَقار)) و ((كوكَبُ دَرِّيْءٌ)(٤) مِنْ دَرَأْتُه». قوله: ((يُؤْقَدُ)) قرأ(٥) ابنُ كثيرٍ وأبو عمروٍ ((تَوَقَّدَ)) بزنة تَفَعَّلَ فعلاً ماضياً فيه ضميرُ فاعلِه يعودُ على المصباح، ولا يعودُ على ((كوكب)) لفسادِ المعنى. والأخَوان وأبو بكر (تُؤْقَدُ)) بضم التاءِ مِنْ فوقُ وفتح القافِ، مضارعَ أَوْقَدَ. وهو مبنيّ للمفعولِ. والقائمُ مَقامَ الفاعلِ ضميرٌ يعودُ على ((زجاجة)) فاسْتَتَرَ في الفعل. وباقي السبعةِ كذلك إلاّ أنَّه بالياءِ من تحتُ. والضميرُ المستترُ يعودُ على المصباح. وقرأ الحسن والسلمي وابن محيصن، ورُوِيَتْ عن عاصم من طريقٍ المفضَّلِ كذلك، إلَّ أَنَّه ضَمَّ الدال (٦)، جعله مضارع ((تَوَقَّدَ))، والأصلُ: تَتَوَقَّد بتاءَيْنِ، فَحُذِفَ إحداهما كـ(تَذَكَّرُ)). والضميرُ أيضاً للزّجاجة. وقرأ عبد الله ((وَقُّدَ)) فعلاً ماضياً بزنةٍ قَتَّلَ مشدداً، أي: المصباح. وقرأ الحسنُ وسَلَام أيضاً (يَوَقَّدُ» بالياءِ مِنْ تحتُ، وضَمَّ الدال، مضارعَ تَوَقَّدَ. والأصلُ يَتَوَقُّدُ بياءٍ من تحتُ، وتاءٍ مِنْ فوقُ، فَحُذِفَتْ التاءُ مِنْ فوقُ. هذا شاذٌ (١) دَرِّيْء. (٢) المحتسب ١١٠/٢. (٣) هذه حكاية أبي زيد وهي لغة في السَّكينة. اللسان (سكن). (٤) ضُبِط في كتابه ((معاني القرآن)) بكسر الدال. انظر: معاني القرآن ٤٢٠/٢ وضبط في الأصل بفتحها . (٥) السبعة ٤٥٥، والنشر ٣٣٢/٢، والتيسير ١٦٢، والقرطبي ٢٦٢/١٢، والبحر ٠٤٥٦/٦ (٦) ((تَوَقَّدُ». ٤٠٧ النور- إذ لم يتوالَ مِثْلان، ولم يَبْقَ في اللفظِ ما يَدُلُّ على المحذوف، بخلافٍ (تَنَزَّلُ)» [٦٦٥/ب] و((تَذَكَّرُ)) وبابِه؛ فإنَّ فيه تاءَيْن، والباقي يَدُلُّ على ما فُقِد. / وقد يُتَمَخَّلُ لصحتِهِ وجهٌ من القياس وهو: أنهم قد حَمَلوا أَعِدُ وتَعِدُ ونَعِدُ على يَعِدُ فِي حَذْفِ الواوِ لوقوعِها بِينِ ياءٍ وكسرةٍ فكذلك حَمَلُوا يَتَوَقَّد(١) بالياء والتاء على تَتَوَقَّد بتاءين، وإنْ لم يكنْ الاستثقالُ موجوداً في الياء والتاء. قوله: ((مِنْ شجرةٍ)) ((مِنْ)) لابتداءِ الغايةِ، وثَمَّ مضافٌ محذوفٌ أي: مِنْ زيتٍ شجرةٍ. وزَيْتونة فيها قولان أشهرُهما: أنَّها بدلٌ مِنْ ((شجرةٍ)). الثاني: أنها عطفُ بيان، وهذا مذهبُ الكوفيين(٢) وتَبِعهم أبو عليّ. وقد تقدَّم هذا في قوله ((من ماءٍ صَديدٍ))(٣). قوله: ((لا شَرْقِيَّةٍ)) صفةٌ لـ ((شَجَرة)) ودَخَلَتْ لتفيدَ النفيَ. وقرأ(٤) الضحَّاك بالرفعِ على إضمارٍ مبتدأ أي: لا هي شرقيةٌ. والجملةُ أيضاً في محل جَرِّ نعتاً لـ ((شَجَرة)). قوله: ((يَكادُ)) هذه الجملةُ أيضاً نعتٌ لـ ((شجرةٍ». قوله: ((ولو لَمْ تَمْسَسْه نارٌ)) جوابُها محذوفٌ أي: لأضاءَتْ لدلالةِ ما تقدَّمَ عليه، والجملةُ حاليةٌ. وقد تقدَّم تحریرُ هذا في قوله «رُدُوا السّائلَ ولو جاءَ على فَرَس))(٥) وأنها لاستقصاءِ الأحوالِ: حتى في هذه الحال. وقرأ(٦) (١) وهو أصل قراءة الحسن ((يَوَقَّدُ)). (٢) انظر: الارتشاف ٦٠٥/٢. (٣) الآية ١٦ من إبراهيم. وانظر: الدر المصون ٨٠/٧. وليس مذهب البصريين جريانه في النكرات . (٤) البحر ٤٥٧/٦. (٥) رواه أبو داود في الزكاة ٣٠٦/٢، والمسند ٢٠١/١. (٦) المحتسب ١١١/٢، والقرطبي ٢٦٢/١٢، والبحر ٤٥٧/٦. ٤٠٨ - النور- ابن عباس والحسن ((يَمْسَسْه)» بالياءٍ لأنَّ المؤنَّثَ مجازيٍّ، ولأنه قد فُصِلَ بالمفعولِ أيضاً. قوله: ((نورٌ على نورٍ) خبرُ مبتدأ مضمرٍ أي: ذلك نورٌ. و ((على نورٍ)) صفةٌ لـ ((نور)). آ. (٣٦) قوله: ﴿في بيوتٍ﴾: فيها ستةُ أوجهٍ. أحدُها: أنها صفةٌ لـ ((مِشْكاةٍ)) أي: كمِشْكاةٍ في بيوتٍ أي: في بيتٍ من بيوتٍ الله. الثاني : أنه صفةٌ لمصباح. الثالث: أنه صفةٌ لـ ((زجاجة)). الرابع: أنه متعلقٌ بـ((تُوْقَدُ)). وعلى هذه الأقوالِ لا يُوقف على ((عليم)). الخامس: أنه متعلّقٌ بمحذوفٍ كقوله (في تِسْعِ آياتٍ))(١) أي: يُسَبِّحونه في بيوت. السادس: أَنْ يتعلَّقَ بـ ((يُسَبِّحُ)) أي: يُسَبِّحُ رجالٌ في بيوت. وفيها تكريرٌ للتوكيدِ كقوله: («ففي الجنة خالدين فيها))(٢). وعلى هذين القولَيْن فُوْقَفُ على ((عليم)). وقال الشيخ(٣): ((وعلى هذه الأقوالِ الثلاثةِ)) ولم يُذْكر سوى قولين (٤). قوله: ((أَذِن اللَّهُ)) في محلٌّ جرِّ صفةً لـ ((بيوتٍ))، و((أن تُرفع)) على حَذْفٍ الجارِّ أي: في أَنْ تُرْفَعَ. ولا يجوزُ تَعَلُّقُ ((في بيوت)) بقوله: ((ويُذْكَرُ)) لأنه عطفْ على ما في حَيِّز ((أَنْ))، وما بعد ((أَنْ)) لا يتقدَّم عليها. قوله: ((يُسَبِّحُ)) قرأ(٥) ابنُ عامٍ وأبو بكر بفتح الباء مبنياً للمفعولِ. (١) الآية ١٢ من النمل. (٢) الآية ١٠٨ من هود. (٣) البحر ٤٥٨/٦. (٤) بل ذكر ثلاثة أقوال: تعلُّقها بـ ((يُؤْقد))، وكونها صفة لمشكاة، والاستئناف. (٥) انظر في قراءاتها: السبعة ٤٥٦، والنشر ٣٣٢/٢، والتيسير ١٦٢، والبحر ٤٥٨/٦، والقرطبي ٢٧٥/١٢ . ٤٠٩ - النور. والقائمُ مَقامَ الفاعلِ أحدُ المجروراتِ الثلاثة(١). والأُوْلَى منها بذلك الأولُ لاحتياجِ العاملِ إلى مرفوعِه، والذي يليه أَوْلَى. و((رجالٌ)) على هذه القراءةِ مرفوعٌ على أحدٍ وجهين: إمَّا بفعلٍ مقدرٍ لِتَعَذُّرِ إسنادُ الفعلِ إلیه، وكانه جوابُ سؤالٍ مقدَّرٍ، كأنه قيل: مَنْ يُسَبِّحه؟ فقيل: يُسَبِّحُه رجالٌ. وعليه في أحدٍ الوجهين قولُ الشاعر (٢): ٣٤٤٨- لِيُبْكَ يَزِيْدُ ضارِعْ لخُصُومَةٍ ومُخْتَبِطْ مِمَّا تُطِيعُ الطَّائِحُ كأنه قيل: مَنْ يَبكيه؟ فقيل: يَبْكيه ضارِعٌ. إلَّ أنَّ في اقتیاس هذا خلافاً، منهم مَنْ جَوَّزَه، ومنهم مَنْ مَنعه. والوجهُ الثاني في البيت: أنَّ ((يَزِيدُ)) منادى حُذِف منه حرفُ النداءٍ أي: يا يزيد، وهو ضعيف جداً. والثاني: أنَّ رجالاً خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي: المُسَبِّحه رجالٌ. وعلى هذه القراءةِ يُؤْقفُ على الآصال. وباقي السبعةِ بكسرِ الباءِ مبنياً للفاعل. والفاعلُ ((رجال)) فلا يُوْقَفُ على الآصال . وقرأ ابن وثاب وأبو حيوة ((تُسَبِّح)) بالتاءِ مِنْ فوقُ وكسرِ الباء؛ لأنَّ جَمْعَ التكسيرِ يُعامَلُ مُعامَلَةَ المؤنثِ في بعض الأحكامِ وهذا منها. وقرأ أبو جعفرٍ كذلك إلّ أنَّه فَتَح الباءَ. وخَرَّجها الزمخشري(٣) على إسنادِ الفعل إلى الغُدُوّ والآصال على زيادة الباء (٤)، كقولهم: ((صِيْد عليه يومان)) أي: وَحْشُها. (١) الأصل: ((الثلاث)) وهو سهو. (٢) تقدم برقم ١٢٠١. (٣) الكشاف ٦٨/٣. (٤) قال: ((وتُجعل الأوقات مُسَبَّحة، والمراد ربها)). ٤١٠ - النور - وخَرَّجها غيرُه على أنَّ القائمَ مَقامَ الفاعلِ ضميرُ التسبيحة أي: تُسَبِّح التسبيحةُ، على المجازِ المُسَوِّغْ لإِسنادِه إلى الوقتين، كما خَرِّجوا قراءةً أَبي جعفرِ أيضاً (لْيُجْزَىْ قوماً [بما كانوا يكسبون](١))) أي: ليُجزَىْ الجزاءُ قوماً، بل هذا أَوْلِى مِنْ آيةِ الجاثية؛ إذ ليس هنا مفعولٌ صريح . آ. (٣٧) قوله: ﴿لا تُلْهِيْهِم﴾: في محلِّ رفعٍ صفةً لـ ((رجالٌ)). قوله: ((يَخافون)) يجوزُ أَنْ تكونَ نعتاً ثانياً لرجال، وأَنْ تكونَ حالاً مِنْ مفعول ((تُلْهِيْهم))، و ((يوماً) مفعولٌ به لا ظرفٌ على الأظهر. و((يتقلُّبُ)) صفةٌ - يوماً. آ. (٣٨) قوله: ﴿لَيَجْزِيَهم﴾: يجوز تعلَّقُه بـ((يُسَبِّح)) أي: يُسَبِّحون لأجل الجزاء. ويجوزُ تعلّقُه بمحذوفٍ أي: فعلوا ذلك لَيَجْزيهم. وظاهرُ كلامِ الزمخشري(٢) أنه من بابِ الإِعمال فإنه قال: ((والمعنى: يُسَبِّحونَ، ويَخافون ليجزِيَهم، ويكونُ على إعمالِ الثاني للحذف من الأول. قوله: ((أحسنَ ما عملوا)) أي ثوابَ أحسنٍ، أو أحسنَ جزاءٍ ما عملوا. و ((ما)» مصدريةٌ أو بمعنى الذي أو نكرة. آ. (٣٩) قوله: ﴿بِقِيعَةٍ﴾: فيه وجهان، أحدُهما: أنَّه متعلقٌ بمحذوفٍ على أنه صفةٌ لسراب. والثاني: أنَّه ظرفٌ. والعاملُ فيه الاستقرارُ العاملُ في كاف التشبيه. والسَّرابُ: ما يتراءى للإِنسانِ في القُفْرِ فِي شِدةِ الحرِّ مِمَّا يُشْبِه الماءَ. وقيل: ما يتكاثَفُ في قُعُوْر (٣) القِيْعان. قال الشاعر (٤): (١) الآية ١٤ من الجاثية. وانظر: النشر ٣٧٢/٢، والقرطبي ١٦٢/١٦. (٢) الكشاف ٦٩/٣. (٣) قعر كل شيء: أقصاه، وجمعه قُعُوْر. (٤) تقدم برقم ٢٦٢ . ٤١١ - النور- ٣٤٤٩- فلمَّا كَفَفْتُ الحربَ كانَتْ عهودُكُمْ كَلَمْعِ سَرابٍ في الفَلا مُتّأَلِّقِ [٦٦٦/أ] يُضرب به المَثَلُ لِمَنْ يَظُنُّ بشيءٍ خيراً فَيَخْلُفُ. / وقيل: هو الشَّعاع الذي يَرْمي به نصفُ النهار في شدَّةِ الحَرِّ، يُخَيَّل للناظرِ أنه الماءُ السَّارِبُ أي الجاري. والقِيْعَةُ: بمعنى القاعِ، وهو المُنْبَسِطُ من الأرضِ. وقد تقدَّم في طه(١). وقيل: بل هي جمعُه كجارٍ وجِيْرَة. وَقرأ(٢) مسلمة بن محارب بتاء ممطوطة(٣). وروي عنه بتاءٍ شَكْلِ الهاء، ويَقف عليها بالهاء. وفيها أوجهٌ، أحدها: أَنْ تكونَ بمعنى قِيْعَة كالعامَّةِ، وإنما أَشْبع الفتحةَ فتولَّدٍ منها أَلِفٌ كقولِه: ((مُخْرَنْبِقٌ ليَنْبَاعَ)) (٤) قاله صاحب (اللوامح)). والثاني: أنه جمع قِيْعَة، وإنما وَقَف عليها بالهاء ذهاباً به مَذْهَبَ لغةٍ طِّىء في قولهم: ((الإِخْوَةُ والأخواءْ، ودَفْنُ البناءْ مِن المَكْرُمِاهْ))(٥) أي: والأخوات، والبنات، والمَكْرُمات. وهذه القراءةُ تؤيِّدُ أنَّ قِيْعَة جمع قاع. الثالث قال الزمخشري(٦): ((وقولُ بعضِهم: بقيعاة بتاء مُدَوَّرَة كرجلٍ عِزْهاة))(٧) فظاهرُ هذا أنه جعل هذا بناءً مستقلًا ليس جمعاً ولا أتِّساعاً(٨). : (١) انظر إعرابه للآية ١٠٦ من طه. (٢) المحتسب ١١٣/٢، والقرطبي ٢٨٣/١٢، والبحر ٤٦٠/٦، والكشاف ٦٩/٣. وثمة روايتان عنه: بقيعات، بقيعاة. (٣) الأصل: ((مموطة)) والتصحيح من البحر والكشاف. (٤) قال في اللسان (نبع) أي: ساكت لينبعث ومُطْرِق ليْثال)). وهو مثل عربي وانظر: البحر ٤٦٠/٦، ومجمع الأمثال ٣٠٩/٢. (٥) انظر: الممتع ٤٠/٢/١، وشرح التصريح ٣٤٣/٢. (٦) الكشاف ٣ /٦٩. (٧) رجل عِزْهُ وعِزْهاة: رجل لا يقرب النساء واللهو. (٨) قال ابن جني في المحتسب ١١٣/٢: ((وذلك أن نظير قولهم قِيْعة وقيعاةٌ في أنه فِعْلَة . ٤١٢ - النور - وقوله: ((يَحْسَبُهُ الظمآن)» جملةٌ في محل الجرِّ صفةً لسَراب أيضاً. وحَسُن ذلك لتقدُّمِ الجارِّ على الجملةِ. هذا إنْ جَعَلْنا الجارِّ صفةً. والضمائرُ المرفوعةُ في «جاءَه)) وفي ((لم يَجِدْه)) وفي ((وَجَد))، والضمائرُ في ((عنده)) وفي ((وَفَّاه)) وفي ((حسابه)) كلُّها تَرْجِع إلى الظمآن؛ لأنَّ المرادَ به الكافرُ المذكورُ أولاً. وهذا قول الزمخشري(١) وهو حَسَنّ. وقيل: بل الضميران في ((جاءه)) و ((وجد)) عائدان على الظمآن، والباقيةُ عائدةٌ على الكافر، وإنما أُفْرِدَ الضميرُ على هذا - وإنْ تَقَدَّمه جمعٌ وهو قولُه: ((والذين كفروا)) - حَمْلًا على المعنى، إذ المعنى: كلّ واحدٍ من الكفار. والأولُ أَوْلِى لاتساقِ الضمائرِ. وقرأ(٢) أَبو جعفر - ورُوِيَتْ عن نافع - ((الظَّمان)) بإلقاء حركةِ الهمزة على الميم . آ. (٤٠) قوله: ﴿أو كظُلُمات﴾: فيه أوجهٌ، أحدها: أنه نَسَقٌ على ((كسَراب))، على حَذْفٍ مضافٍ واحدٍ تقديرُه: أو كذي ظُلُمات. ودَلَّ على هذا المضافِ قولُه: ((إذا أَخْرَجَ يدَه لم يَكَذْ يراها)» فالكنايةُ تعودُ إلى المضافِ المحذوفِ وهو قولُ أبي عليّ. الثاني: أنه على حَذْفِ مضافين تقديرُهما: أو كأعمال ذي ظلمات(٣)، فَتُقَدِّر ((ذي)) ليصِحَّ عَوْدُ الضميرِ إليه في قوله: ((إذا أَخْرَجَ بَدَه)»، وتُقَدِّر (أعمال)) لَيَصِحَّ تشبيهُ أعمالِ الكفارِ بأعمالٍ صاحبٍ الظُّلْمَةِ، إذ لا معنى لتشبيهِ العملِ بصاحبِ الظُّلْمةِ. الثالث(٤): أنه لا حاجةً وفِعْلاة لمعنى واحد قولهم رجل ◌ِزْهُ وعِزْهاة فهذا فِعْلٌ وفِعْلاة وذلك فِعْلَة وفِعْلاة. = ولا فرق بينهما غير الهاء، وذلك ما لا بال به». (١) الكشاف ٦٩/٣. القرطبي ٢٨٣/١٢، والبحر ٤٦٠/٦. (٢) (٣) وهو قول العكبري في الإملاء ١٥٧/٢. (٤) وهو أيضاً رأي العكبري في الإملاء ١٥٧/٢. ٤١٣ - النور- إلى حَذْفٍ البتة. والمعنى: أنه شَبَّه أعمالَ الكفارَ في حَيْلولَتِها بينِ القلبِ وما يَهْتدي به بالظُّلْمة. وأمَّا الضميران في ((أخْرج يدَه)» فيعودان على محذوفٍ دَلَّ عليه المعنى أي : إذا أخرج يَدَه مَنْ فيها. و ((أو)) هنا للتنويعِ لا للشَّكَّ. وقيل: بل هي للتخييرِ أي: شَبَّهوا أعمالَهم بهذا أو بهذا . وقرأ(١) سفيان بن حسين ((أوَ كظُلُمات)) بفتح الواو، جَعَلها عاطفةً دَخَلَتْ عليها همزةُ الاستفهام الذي (٢) معناه التقريرُ. وقد تَقدَّم ذلك في قوله: ((أَوَ أَمِنْ أهلُ القُرَى))(٣). قوله: ((في بَحْرِ لُجِّيٍّ)): ((في بحرٍ)) صفةٌ لظلمات فيتعلُّقُ بمحذوفٍ. واللُّجِّيُّ منسوبٌ إلى اللُّجِّ وهو معظمُ البحرِ. كذا قال الزمخشري (٤). وقال غيرُه: منسوبٌ إلى اللُّجَّة بالتاء وهي أيضاً مُعْظمه، فاللّجُّّ هو العميقُ الكثيرُ الماءِ. قوله: ((يَغْشاه فَوْجٌ)) صفةٌ أخرى لـ ((بَحْرٍ)) هذا إذا أَعَدْنا الضميرَ في ((يَغْشاه)) على ((بحرِ)) وهو الظاهر. وإنْ قدَّرنا مضافاً محذوفاً أي: أو كذي ظُلُماتٍ - كما فَعَل بعضُهم - كان الضمير في ((يَغْشاه)) عائداً علیه، وكانت الجملةُ حالاً منه لتخصُّصِه بالإِضافة، أو صفةً له. قوله: ((مِنْ فوقِهِ مَوْجٌ)) يجوزُ أَنْ تكونَ هذه جملةً مِنْ مبتدأ وخبر، صفةٌ لـ ((موجٌ)) الأول. ويجوزُ أن يُجْعَلَ الوصفُ الجارَّ والمجرورَ فقط و ((مَوْجٌ)) فاعلٌ به لاعتماده على الموصوف. (١) البحر ٤٦١/٦. (٢) الأصل ((التي)) وهو سهو. (٣) الآية ٩٨ من الأعراف. وانظر: الدر المصون ٣٩٢/٥. (٤) الكشاف ٦٩/٣. ٤١٤ - النور - قوله: ((مِنْ فوقِه سَحابٌ)) فيه الوجهان المذكوران قبلَه: من كون الجملةِ صفةً لـ ((موج)) الثاني، أو الجارِّ فقط. قوله: ((ظُلُماتٌ)) قرأ العامَّةُ بالرفع وفيه وجهان، أجودُهما: أن يكونُ خبرَ مبتدأ مضمرٍ تقديرُه: هذه، أو تلك ظلمات. الثاني: أَنْ يكونَ ((ظُلُمات)) مبتدأً. والجملةُ من قولِه: ((بعضُها فوقَ بعض)) خبرُه. ذكره الحوفي. وفيه نظرً لأنَّه لا مُسَوِّغ للابتداءِ بهذه النكرةِ، اللَّهم إلَّ أَنْ يُقالَ: إنها موصوفةً تقديراً، أي: ظلماتٌ كثيرةٌ متكاثفةٌ، كقولهم: ((السَّمْنُ مَنْوَانِ بدرهم))(١). وقرأ(٢) ابن كثير ((ظلماتٍ)) بالجرِّ إلَّ أنَّ البزيَّ روى عنه حينئذٍ حَذْفَ التنوينِ من ((سَحاب))، فقرأ البزي عنه ((سحابُ ظلماتٍ)) بإضافة ((سَحابُ)) لـ (ظلمات)). ورَوَىُ قنبل عنه التنوينَ في ((سَحابٌ)) كالجماعة مع جرِّه لـ ((ظُلُماتٍ)). فأمَّا روايةُ البزي فقال أبو البقاء(٣): / ((جَعَلَ الموجَ المتراكمَ [٦٦٦/ب] بمنزلةِ السحابِ))، وأمَّا روايةُ قنبل فإِنه جَعَلَ ((ظلماتٍ)) بدلاً مِنْ ((ظلماتٍ)) الأولى . قوله: ((بعضُها فوقَ بعض)) جملةً مِنْ مبتدأ وخبرٍ في موضعِ رفعٍ أو خبرٍ على حَسَبِ القراءتين في ((ظلمات)) قبلَها لأنها صفةٌ لها. وجَوُز الحوفيُّ على قراءةِ رفع ((ظلماتٌ)) في ((بعضُها)) أن يكونَ بدلاً من ((ظلمات)). ورُدَّ عليه من حيث المعنى؛ إذ المعنى على الإِخبارِ بأنها ظلماتٌ، وأنَّ بعضَ تلك الظلماتِ (١) التقدير: مَنْوان منه، غير أن هذا شاهد على أن جملة الخبر قد تُربط بالمبتدأ برابط مقدر. والتمثيل المناسب على الابتداء بالنكرة الموصوفة تقديراً قولهم: شر أمرٌ ذا ناب، التقدير: شر عظيم. (٢) السبعة ٤٥٧، والنشر ٣٣٢/٢، والتيسير ١٦٢، والقرطبي ٢٨٤/١٢، والبحر ٤٦٢/٦. (٣) الإملاء ١٥٧/٢. ٤١٥ - النور :- فوق بعضٍ وصفاً لها بالتراكم، لا أنَّ المعنى: أن بعضَ تلك الظلماتِ فوقَ بعضٍ ، من غيرِ إخبارٍ بأن تلك الظلماتِ السابقةَ ظلماتٌ متراكمةٌ. وفيه نظرٌ؛ إذ لا فرقَ بين قولِك ((بعضُ الظلماتِ فوقَ بعض)»، وبين قولك ((الظلماتُ بعضُها فوقَ بعضٍ)) وإِنْ تُخُيِّل ذلك في بادِىءِ الرَّأْيِ. وقد تقدَّم الكلامُ(١) في ((كاد))، وأن بعضَهم زَعَم أنَّ نَفْيَها إثباتٌ وإثباتَها نفيٌ. وتُقَدَّمَتْ أدلةُ ذلك في البقرة فَأَغْنى عن إعادتِه. وقال الزمخشري(٢) هنا: ((لم يَكَدْ يَراها مبالغةٌ في لم يرها أي: لم يَقْرُبْ أَنْ يَراها فضلاً أنْ يَراهُا. ومنه قولُ ذي الرمة(٣): ٣٤٥٠- إذا غَيَّرِ النَّأْيُ المُحِبِّيْنَ لم يَكَدْ رَسِيْسُ الهَوَىْ مِنْ حُبِّ مَيَّةً يَبْرَحُ أي: لم يَقْرُبْ مِن البَراح فما بالُهُ يَبْرَحُ)). وقال أبو البقاء (٤): ((اختلف الناسُ في تأويلِ هذا الكلامِ. ومَنْشَأُ الاختلافِ فيه: أنَّ موضوعَ ((كاد)) إذا تُفِيَتْ: وقوعُ الفعلِ. وأكثرُ المفسِّرين على أن المعنى: أنَّه لا يرىْ يدَهِ، فعلى هذا: في التقديرِ ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنَّ التقديرَ: لم يَرَها ولم يَكَدْ، ذَكرَه جماعةٌ من النحويين. وهذا خطأً؛ لأنَّ قولَه ((لم يَرَها)) جزمٌ بنفيِ الرؤيةِ وقوله: (لم يَكَدْ)) إذا أخرجها على (٥) مقتضى البابِ كان التقديرُ: ولم يكَدْ يَراها كما هو مُصَرَّحٌ به في الآية. فإنْ أراد هذا القائلُ أنَّه لم يَكَدْ يراها، وأنه رآها بعد جُهْدٍ، تناقَضَ؛ لأنه نفى الرؤية ثم أَثْبَتَها، وإنْ كان معنى ((لم يكَدْ يَراها)): لم يَّرَها البتةَ (١) انظر: الدر المصون ١٧٦/١، وابن يعيش ١٢٤/٧، وشرح الكافية ٢٨٤/٢. (٢) الكشاف ٦٩/٣. (٣) تقدم برقم ٢٤٤. (٤) الإِملاء ٢ /١٥٧. (٥) الإِملاء: عن. ٤١٦ - النور - على خلافٍ الأكثرِ في هذا الباب، فينبغي أَنْ يُحْمَلَ عليه مِنْ غير أَنْ يُقَدِّرَ لِم يَرَها. والوجه الثاني (١): أنَّ ((كاد)) زائدةٌ وهو بعيدٌ. والثالث: أنَّ ((كاد)) أُخْرِجَتْ ههنا على معنى ((قارب)) والمعنى: لم يقارِبْ رؤيتها، وإذا لم يقارِبْها باعَدَها. وعليه جاء قولُ ذي الرمة: - إِذا غَيَّرِ النِّأْيُ البيت. أي: لم يقارِبِ الْبَراحَ. ومِنْ هنا حُكي عن ذي الرمة أنه لمّا رُؤْجِع في هذا البيت قال: لم أجِدْ بدل ((لم يَكَدْ))(٢). والمعنى الثاني: أنَّه رآها بعد جُهْدٍ. والتشبيهُ على هذا صحيحٌ لأنَّه مع شدَّة الظُّلْمة إذا أَحَدَّ نظرَه إلى يدِهِ وقرَّبها مِنْ عَيْنِه رآها)، انتهى. أمَّا الوجهُ الأولُ وهو ما ذكره أنه قولُ الأكثرِ: مِنْ أَنَّه يكونُ إثباتاً، فقد تقدَّم أنه غيرُ صحيحٍ وليس هو قولَ الأكثرِ، وإنما غَرِّهم في ذلك آيةُ البقرة(٣)، وما أَنْشَدْناه عن بعضِهم لُغْزاً وهو (٤): ٣٤٥١ - أَنَحْوِيَّ هذا العصرِ ما هي لفظَةٌ البيتين. وأمَّا [ما] ذكره مِنْ زيادةِ («كاد)» فهو قولُ أبي بكرٍ وغيرِه، ولكنه مردودٌ عندَهم. وأمَّا ما ذكره من المعنى الثاني: وهو أنه رآها بعد جُهْدٍ فهو (١) يتابع المؤلف نَقْلَه عن أبي البقاء. (٢) الأصل: لم أكد. (٣) ((فذبحوا وما كادوا يفعلون)) الآية ٧١. (٤) تقدم البيتان برقم ٢٤٣ . ٤١٧ - النور- مذهبُ الفراء(١) والمبرد(٢). والعجبُ كيف يَعْدِلُ عن المعنى الذي أشار إليه الزمخشريُّ (٣) وهو المبالغةُ في نفي الرؤية؟ وقال ابنُ عطية (٤) ما معناه: ((إذا كان الفعلُ بعد «كاد» منفياً دَلَّ على ثبوتِه نحو: كاد زيدٌ لا يقوم، أو مُثْبَتاً دَلَّ على نفيه نحو: ((كاد زيد يقوم)) وإذا تقدَّم النفيُّ على ((كاد)) احتمل أن يكونَ مُوْجَباً، وأَنْ يكونَ منفياً. تقول: ((المفلوج لا يكاد يَسْكُن)) فهذا يتضمَّن نَفْيَ السكونِ. وتقول: رجل منصرف(٥) لا یکاد یَسْكُن، فهذا تضمَّن إيجابَ السكونِ بعد جُهْد». آ. (٤١) قوله: ﴿والطيرُ﴾: قرأ العامَّةُ ((والطيرُ)) رفعاً. ((ضافاتٍ)) نصباً: فالرفعُ عطفُ على ((مَنْ))، والنصبُ على الحال. وقرأ(٦) الأعرج ((والطيرَ)) نصباً على المفعولِ معه و ((صافَّاتٍ)) حالٌ أيضاً. وقرأ الحسن وخارجة عن نافع ((والطيرُ صافَّاتٌ)) برفعِهما على الابتداءِ والخبر. ومفعولُ ((صافَّاتٌ)) محذوفٌ أي : أجنحتها. قوله: ((كلَّ قد عَلِمَ صلاته)) في هذه الضمائرِ أقوالٌ (٧)، أحدُها: أنَّها كلَّها (١) معاني القرآن له ٢٥٥/٢ قال: ((وقال بعضهم: إنما هو مَثْلٌ ضربه اللَّهُ فهو يراها، ولكنه لا يراها إلاّ بطيئاً، كما تقول: ما كِذْتُ أَبْلُغُّ إليك وأنت قد بلغت وهو وجه العربية)). (٢) مذهبه في المقتضب ٧٥/٣ غير ذلك حيث قال: ((فمعناه والله أعلم. لم يَرَهَا ولم یکد، أي لم يَدْنُ من رؤيتها)). (٣) الكشاف ٦٩/٣. (٤) المحرر ٣١٣/١١ (٥) المحرر: رجل متكلم. (٦) انظر في قراءاتها: السبعة ٤٥٧، والتيسير ١٦٢، والنشر ٣٣٢/٢، والقرطبي ٢٨٤/١٢، والبحر ٤٦٢/٦. (٧) انظر: معاني القرآن للفراء ٢٥٥/٢. ٤١٨ - النور - عائدةً على ((كل)) أي: كلَّ قد عَلِمَ هو صلاةَ نفسِه وتسبيحَها. وهذا/ أَوْلَى [٦٦٧/أ] لتوافُقِ الضمائرِ. والثاني: أنَّ الضميرَ في ((عَلِمَ)) عائدٌ على الله تعالى، وفي (صلاته وتسبيحه)) عائدٌ على ((كل)). الثالث: بالعكس أي: عَلِمَ كلّ صلاةَ الله وتسبيحَه أي: اللذَيْنِ أَمَرَ بهما، وبأن يُفْعَلا كإضافةِ الخَلْقِ إلى الخالق. وَرَجِّحَ أبو البقاء(١) أن يكونَ الفاعلُ ضميرَ ((كل)) قال: ((لأنَّ القراءة برفع ((كلِّ)) على الابتداء، فَيَرْجِعُ ضميرُ الفاعلِ إليه، ولوكان فيه ضميرُ اسمِ اللَّهِ لكان الأَوْلِى نَصْبَ ((كل)) لأنَّ الفعلَ الذي بعدها قد نَصَبَ ما هو مِنْ سبِها، فَيَصيرُ كقولك: ((زيداً ضربَ عمروٌ غلامَه)) فتنصِبُ ((زيداً)) بفعلٍ دَلَّ عليه ما بعده، وهو أقوى من الرفع، والآخر جائز)). قلت: وليس كما ذكر مِنْ ترجيحٍ النصب على الرفعِ في هذه الصورةٍ، ولا في هذه السورة، بل نصَّ النحويون(٢) على أن مثلَ هذه الصورةِ يُرَجِّحُ رفعُها بالابتداء على نصبها على الاشتغال؛ لأنه لم يكُنْ ثَمَّ قَرينةً من القرائنِ التي جعلوها مُرَجِّحةٌ للنصب، والنصب یُحْوِجُ إلی إضمارٍ، والرفعُ لا يُخوج إلیه، فكان أرجحَ . آ. (٤٣) قوله: ﴿بَيْنِه﴾: إنما دخلَتْ ((بينَ)) على مفردٍ وهي إنما تَدْخُلُ على المثَّى فما فوقَه لأنه (٣): إِمَّا أَنْ يُرادَ بالسحاب الجنسُ فعاد الضميرُ عليه على حكمِه، وإمَّ أَنْ يُرادَ حَذْفُ مضافٍ أي: بين قِطَعِه، فإنَّ كلَّ قطعةٍ سحابةٌ. قوله: ((يَخْرُجُ مِنْ خِلالِه)) تقدَّم الخلافُ (٤) في ((خِلال)) هل هو مفرد (١) الإملاء ١٥٨/٢. (٢) انظر: شرح الكافية الشافية ٦٢٢/٢. (٣) انظر: معاني القرآن للزجاج ٤٩/٤. (٤) انظر: الدر المصون ٣١٥/٧. ٤١٩ - النور- كحجاب أم جمعٌ كچِبال جمع جَبَل؟ ويؤيِّد الأولَ قراءةُ(١) ابنِ مسعودٍ والضحاكِ، ويُرْوَى عن أبي عمروٍ أيضاً ((مِنْ خَلَلِه» بالإِفرادِ. والوَدْقُ قيل: هو المطرُ ضعيفاً كان أو شديداً. قال(٢): ٣٤٥٢- فلا مُزْنَةٌ وَدَقَتْ وَدْقَها ولا أرضَ أَبْقَلَ إِبْقَالَها ! وقيل: هو البَرْقُ. وأَنْشد (٣) : ٣٤٥٣- أَثَرْنَ عَجاجةً وخَرَجْنَ منها خُروج الوَدْقِ مِنْ خَلَلِ السُّحابِ والوَدْقُ في الأصل: مصدرٌ يقال: وَدَقَ السحابُ يَدِقُ وَدْقاً و ((يَخْرِجُ)) حالٌ لأنها بَصَرية . قوله: ((مِن السماء مِنْ جبالٍ فيها مِنْ بَرَدٍ)) ((مِن)) الأولى لابتداءِ الغايةِ اتفاقاً. وأمّا الثانيةُ ففيها ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنها لابتداءِ الغايةِ أيضاً فهي ومجرورُها بدلٌ من الأولى بإعادة العامِل. والتقدير: ويُنْزِّلُ من جبالِ السماءِ أي: من جبالٍ فيها، فهو بدل اشتمالٍ. الثاني: أنها للتبعيض، قاله الزمخشري (٤) وابنُ عطية(٥). فعلى هذا هي ومجرُورها في موضعٍ مفعولٍ (١) انظر: الإِتحاف ٣٠٠/٢، والقرطبي ٢٨٩/١٢، والبحر ٤٦٤/٦. (٢) تقدم برقم ٢٨٣. (٣) البيت لزيد الخيل. وهو في مجاز القرآن ٦٨/٢ برواية: ضُرِبْنَ بِغَمْرة وهو في تفسير القرطبي ٢٨٨/١٢، واللسان (ودق). (٤) الكشاف ٧١/٣. (٥) المحرر ٣١٧/١١. ٤٢٠