النص المفهرس
صفحات 361-380
- المؤمنون -
عمروٌ)) لم يَجُزْ قال: لئلا يتوالَى لامان. وهذا موجودٌ في الإِيجابِ كهذهِ الآية
ولم يَمْنَعْ، وإلَّ فما الفرقُ بين النفيِ والإِثباتِ في ذلك(١)؟
واللَّجاجُ: التَّمادِي في العِناد في تعاطي الفعلِ المزجورِ عنه. ومنه اللَّجَّة
بالفتح لتردُّد الصوت كقوله(٢):
٣٤٢٣ - في لَجَّةٍ أَمْسِكْ قُلاناً عن قُلِ
ولُجَّة البحرِ لترُّدِ أمواجه. ولُجَّةُ الليلِ لترُّدِ ظَلامِه. واللَّجْلَجَةُ(٣) تردّدُ
الكلامِ، وهو تكريرُ لَجَّ. ويقال: لَجَّ وَلجَّ .
آ. (٧٦) قوله: ﴿فما اسْتَكانوا﴾: قد تقدم قبلَه استكان(٤) في
آل عمران. وجاء الأولُ ماضياً، والثاني مضارعاً(٥) ولم يَجِيْئا ماضيين ولا
مضارعين، ولا جاء الأول مضارعاً والثاني ماضياً؛ لإفادةِ الماضي وجودَ الفعلِ
وتحقُّقَه وهو بالاستكانةِ أليقُ بخلافِ التضرُّع، فإنه أخبر عنهم بنفي ذلك في
الاستقبالِ. وأمَّ الاستكانةُ فقد تُوْجَدُ منهم. وقال الزمخشري(٦): ((فإن قلت:
هلَّ قيل: وما تَضَرَّعوا فما (٧) يَسْتَكِيْنون. قلت: لأن المعنى مَحَنَّاهم فما وُجِدَتْ
(١) الفرق في ذلك أن السماع لم يرد في النفي بـ لم وورد في الإِيجاب، وليست العلة
توالي لامين وإنما هو السماع.
(٢) البيت لأبي النجم وهو في الكتاب ٢٣٣/١، والمقتضب ٢٣٨/٤، والخزانة
٤٠١/١، والهمع ١٧٧/١، والدرر ١٥٤/١، واللسان (لجج).
(٣) في الأصل: ((والجلجة)»: وانظر: المفردات ٤٤٨.
(٤) ((فما وَهَنوا لِما أصابهم في سبيل الله وما ضَعُفوا وما استكانوا)) الآية ١٤٦ من
آل عمران.
(٥) الأول: ((فما استكانوا))، والثاني: ((وما يتضرعون)).
(٦) الكشاف ٣٩/٣.
(٧) مطبوعة الكشاف ((أو فما)).
٣٦١
- المؤمنون -
[٦٥٩/أ] منهم عقيبَ المِحْنَةِ استكانةٌ، وما من عادةٍ هؤلاء أَنْ يَسْتَكينوا ويتضرعوا حتى /
يُفْتَحَ عليهم بابُ العذابِ الشديد)). قلت: فظاهرُ هذا أنَّ ((حتى)) غايةٌ لنفيِ
الاستكانةِ والتضرُّعِ .
آ. (٧٧) وقرىء(١) ((فَتَّحْنا)) بالتشديدِ. والكلام في «إذا» و ((إذا)» قد
تقدم(٢) قريباً. وقرأ(٣) السُّلميُّ (مُبْلَسُوْن)) بفتحِ اللامِ مِنْ أَبْلَسه أي: أدخله في
الإِبلاس.
آ. (٨٠) قوله: ﴿أفلا تَعْقِلون﴾: قرأ(٤) أبو عمروٍ - في
روايةٍ - ((يَعْقِلون)) بياء الغيبة على الالتفات.
آ. (٨٥) قوله: ﴿سَيَقُولُون اللَّهُ﴾: قرأ(٥) أبو عمرو ((سيقولون
اللَّهُ)) في الأخيرتين(٦) من غير لامِ جَرّ، رَفَعَ الجلالةَ، جواباً على اللفظِ لقولِه
(مَنْ)) [مِنْ] قولِه: ((سيقولون اللَّهُ، قل: أفلا تَتَّقون)) ((سيقولون اللَّهُ، قُلْ فَأَنَّى
تُسْحَرون)) لأنَّ المسؤولَ به مرفوعُ المحلُّ وهو ((مَنْ)) فجاء جوابُه مرفوعاً مطابقاً
له لفظاً، وكذلك رُسِمَ الموضعان في مصاحفِ البَصْرة. والباقون (له)) في
الموضعين باللام، وهو جوابٌ على المعنى؛ لأنَّه لا فَرْقَ بين قولِه ((مَنْ رِبُّ
السموات)) وبين قولِه ((لِمَنِ السموات)). ولا بينَ قولِه ((مَنْ بيده)) ولا ((لِمَنْ له)) إلاّ
جارُّه. وهذا كقولك: مَّنْ ربُّ هذه الدار؟ فيقال: زيدٌ. وإن شِئْتَ: لزيدٍ؛ لأنَّ
(١) لم أجد مَنْ نسب هذه القراءة.
(٢) انظر إعرابه للآية ٦٥.
(٣) البحر ٤١٦/٦، والشواذ ٩٨.
(٤) البحر ٤١٨/٦، والكشاف ٤٠/٣.
(٥) السبعة ٤٤٧، والنشر ٣٢٩/٢، والتيسير ١٦٠، البحر ٤١٨/٦، والحجة ٤٩٠.
(٦) الآيتان ٨٧، ٨٩.
٣٦٢
- المؤمنون -
السؤالَ لا فرقَ فيه بين أن يقال: لِمَنْ هذه الدارُ، ومَنْ ربُّها؟ واللامُ مرسومةٌ في
مصاحفهم فوافَقَ كلٌّ مُصْحَفَه، ولم يُخْتَلَفْ في الأول أنه ((لله)) لأنه مرسومٌ
باللام. وجاء الجوابُ باللامِ كما في السؤال. ولو حُذِقَتْ من الجواب لجاز؛
لأنه لا فرقَ بين (لِمَن الأرضُ)) و ((مَنْ رَبُّ الأرض)) إلَّ أنَّه لم يَقْرَأْ به أحدٌ.
آ. (٩٠) قوله: ﴿بل أُتيْناهم﴾: قد قُریء هنا ببعض ما قُرىء به
في نظيره: فقرأ(١) ابنُ أبي إسحاق ((أَتَيْتَهم)) بتاء الخطاب، وغيرُه(٢) بتاء
المتكلم.
آ. (٩١) قوله: ﴿إِذَنْ لَذَهَبَ﴾: ((إِذَنْ)) جوابُ وجزاءٌ. قال
الزمخشري (٣): ((فإن قلتَ: ((إذَنْ)) لا تَدْخُلُ إلاّ على كلامٍ هو جوابٌ وجزاءٌ،
فكيف وقع قولُه: ((لَذَهَبَ)) جواباً وجزاءً، ولم يتقدَّمْه شرطٌ ولا سؤالُ سائلٍ ؟
قلت: الشرطُ محذوفٌ تقديرُه: ((لو كان معه آلهةٌ)) حُذف لدلالةِ ((وما كان معه
مِنْ إِلَهٍ)). قلت: هذا رأي الفراء (٤)، وقد تقدَّم ذلك في الإِسراء في قوله: ((وإذَنْ
لاتَّخَذُوك))(٥).
قوله: ((عَمَّا يَصِفُوْنَ)). وقرىء(٦) تَصِفُون، بتاء الخطابِ. وهو التفاتٌ.
آ. (٩٢) قوله: ﴿عالم الغيبٍ﴾: قرأ(٧) ابن كثير وأبو عمرو
وابنُ عامرٍ وحفصٌ عن عاصم بالجرِّ على البدل من الجلالةِ. وقال
(١) انظر في قراءاتها: البحر ٤١٨/٦، والشواذ ٩٨.
(٢) نسبت في الشواذ ٩٨ إلى يونس عن أبي عمرو.
(٣) الكشاف ٤٠/٣.
معاني القرآن ٢٤١/٣.
(٤)
(٥) الآية ٧٣.
(٦) البحر ٤١٩/٦.
(٧) الإتحاف ٢٨٧/٢، والتيسير ١٦٠، والبحر ٤١٩/٦.
٣٦٣
- المؤمنون -
الزمخشري(١): صفة الله))(٢). كأنَّه تَمَخَّضَ للإِضافةِ فتعرَّفَ المضافُ. والباقون
بالرفع على القطعِ خبر مبتدأ محذوفٍ.
قوله: ((فتعالَى)) عطفُ على معنى ما تَقَدَّم كأنه قال: عَلِمَ الغيبَ فتعالَى
كقولك: زيدٌ شجاعٌ فَعَظُمَتْ منزلتُه أي: شَجُعَ فَعَظُمَتْ. أو یکونُ على إضمارٍ
القولِ أي: أقول: فتعالَى اللَّهُ.
آ. (٩٣) قوله: ﴿إِمَّا تُرِيَنِيٌّ﴾: قرأ العامَّةُ («تُرِيِنِّي)) بصريحِ الياء.
والضّحَّاك(٣) ((تُرِثَنِّي)) بالهمز عوض الياء وهذا كقراءته: ((فإمَّا تَرَئِنَّ))(٤)
(لَتَرَوُنَّ»(٥) بالهمز وهو بدلٌ شاذٌ.
آ. (٩٤) قوله: ﴿فَلا تَجْعَلْنِ﴾: جوابُ الشرط. و((رَبِّ)) نداءً
معترضُ بين الشرطِ وجزائِه.
آ. (٩٥) قوله: ﴿على أَنْ نُرِيَكَ﴾: متعلقٌ بـ لَقادِرون
أو بمحذوفٍ على خلافٍ سَبَقَ: في أنَّ هذه اللامَ تمنعُ ما بعدها أَنْ تعمَلَ فيما
قبلها.
آ. (٩٧) قوله: ﴿مِنْ هَمَزاتٍ﴾: جمع هَمْزَة وهي النَّحْسَة
والدَّفْعَةُ بيدٍ وغيرِها. والمِهْماز: مِفْعال من ذلك كالمِحْراث من الحَرْث.
والهَمَّاز: الذي يعيبُ الناسَ كأنه يَدْفع بلسانه ويُنْخُس به.
(١) الكشاف ٤١/٣.
(٢) انتهى هنا كلام الزمخشري .
(٣) البحر ٤٢٠/٦.
(٤) الآية ٢٦ من مريم.
(٥) الآية ٦ من التكاثر. ونسبت قراءتا مريم والتكاثر إلى رواية عن أبي عمرو انظر:
المحتسب ٤٢/٢، والبحر ٢٨٥/٦، والشواذ ٨٤.
٣٦٤
٠٠
- المؤمنون -
آ. (٩٩) قوله: ﴿حتى إذا﴾: في ((حتى)) هذه أوجهً، أحدُها:
أنها غايةٌ لقولِه: ((بما يَصِفُون))(١). والثاني: أنها غايةٌ لـ ((كاذبون))(٢). وبَيِّنَ
هذين الوجهين قولُ الزمخشري (٣): ((حتى تتعلق بـ ((يَصِفُون)) أي: لا يزالون
على سوءِ الذكر إلى هذا الوقت، والآيةُ فاصلةٌ بينهما على وجهِ الاعتراضِ
والتأكيدِ)). ثم قال: ((أو على قولِه: ((وإنهم لكاذبون)). قلت: قوله: ((أو على
قولِه كذا)» كلام محمولٌ على المعنى إذ التقدير ((حتى)) مُعَلَّقَةُ على ((يَصِفُون)»
أو على قوله: (لَكاذِبون)). وفي الجملةِ فعبارةٌ مُشْكلة.
الثالث: قال ابنُ عطية(٤): ((حتى)) في هذه(٥) المواضع حرفُ ابتداءٍ.
ويُحتملِ أَنْ تكونَ غايةٌ مجردةً بتقديرٍ كلامٍ محذوفٍ. والأولُ أَبْيَنُ؛ لأنَّ
ما بعدها هو المَعْنِيُّ به المقصودُ ذِكْرُهُ)). قال الشيخ(٦): ((فَتَوَهُّمَ ابنُ عطية أن
((حتى)) إذا كانت حرفَ ابتداءٍ لا تكونُ غايةً، وهي وإنْ كانَتْ / حرفَ ابتداءٍ، [٦٥٩/ب]
فالغايةُ معنَّى لا يُفارقها، ولم يُبَيِّنْ الكلامَ المحذوفَ المقدَّرَ». وقال
أبو البقاء(٧): ((حتى)) غايةٌ في معنى العطفِ)). وقال الشيخ (٨): ((والذي يَظْهر
لي أن قبلها جملةً محذوفةً تكون ((حتى)) غايةً لها يَدُلُّ عليها ما قبلها. التقديرُ:
فلا أكونُ كالكفارِ الذين تَهْمِزُهم الشياطينُ ويَحْضُرونهم، حتى إذا جاء. ونظيرُ
(١) في الآية ٩٦.
(٢) في الآية ٩٠.
(٣) الكشاف ٤٢/٣.
(٤) المحرر ٢٥٢/١١.
(٥) المحرر: ((في هذا الموضع)).
(٦) البحر ٤٢٠/٦.
(٧) لم يرد في مطبوعة الإِملاء.
(٨) البحر ٤٢٠/٦ - ٤٢١.
٣٦٥
- المؤمنون -
حَذْفِها قولُ الشاعر (١):
٣٤٢٤- فيا عَجَبًا حتى كُلَيْبُ تَسُبُّني
أي: يَسُبُّني الناسُ كلُّهم حتى كُلَيْبٌ. إلَّ أن(٢) في البيت دَلَّ ما بعدها
عليها بخلافِ الآيةِ الكريمة .
قوله: («رَبِّ ارْجِعُوْن)) في قوله: ((ارْجِعُون)) بخطابِ الجمع ثلاثةُ أوجهٍ،
أجودُها: أنه على سبيل التعظيم كقول الشاعر(٣):
٣٤٢٥- فإِنْ شِئْتِ حَرَّمْتُ النساءَ سِواكِمُ
وإن شِئْتٍ لم أَطْعَمْ نُقاخاً ولا بَرْدا
وقال آخر (٤):
٣٤٢٦- ألا فارْحَمُوني يا إلّهَ محمدٍ
قد يُؤْخَذُ من هذا البيتِ ما يَرُدُّ على الشیخ جمال الدين بن مالك حیث
قال: ((إنه لم يَعْلَمْ أحداً أجاز للداعي يقول: يا رحيمون)). قال: ((لئلا يُؤْهِمُ
خلافَ التوحيدِ)). وقد أَخْبر تعالى عن نفسه بهذه الصيغةِ وشِبْهِها للتعظيم في
غيرِ موضعٍ من كتابه الكريم.
الثاني: أنه نادى ربِّه، ثم خاطب ملائكةَ ربِّه بقوله: ((ارْجِعُونَ)) ويجوز
على هذا الوجهِ أَنْ يكونَ على حَذْفٍ مضافٍ أي: يا ملائكةَ ربي، فحذْفٍ
(١) تقدم برقم ٧٣٣.
(٢) اسم ((أن)) هنا ضمير الشأن.
(٣) تقدم برقم ١٠٢٤.
لم أهتدٍ إلى قائله وعجزه. وهو في الكشاف ٤٢/٣، والبحر ٤٢١/٦.
(٤)
٣٦٦
- المؤمنون -
المضاف ثم التفت إليه في عَوْدِ الضميرِ کقوله: ((وکم مِنْ قریةٍ أُهْلکناها)) ثم
قال: ((أوهم قائلون))(١) التفاتاً لـ((أهل)) المحذوف.
الثالث: أنَّ ذلك يَدُلُّ على تكريرِ الفعل، كأنه قال: ارْجِعُون ارْجِعون
ارْجِعون. نقله أبو البقاء(٢). وهو يُشْبِهُ ما قالوه في قوله: ((أَلْقِيا في جهنمَ))(٣) أنه
بمعنى: أَلْقِ أَلْقِ ثُنِّي الفعلُ للدلالةِ على ذلك، وأنشدوا قولّه(٤):
٣٤٢٧ - قِفا نَّبْكِ مِنْ ذِكْری حبیبٍ ومَنْزِلٍ
أي : قِفْ قِفْ.
آ. (١٠٠) قوله: ﴿إِنها كَلِمَةٌ﴾: من بابِ إِطْلاقِ الجزءِ وإرادةٍ
الكلِّ. كقوله: ((أصدقُ كلمةٍ قالها شاعرٌ كلمةُ لبيدٍ))(٥) يعني قوله(٦):
٣٤٢٨- ألا كلُّ شيءٍ ما خلا اللَّهَ باطِلُ
وقد تقدَّم طَرَفٌ مِنْ هذا بأوسعِ عبارةٍ في آلِ عمران. و((هو قائلُها)) صفةً
لـ ((كلمة)).
قوله: (بَرْزَخٌ)) البَرْزَخْ: الحاجِزُ بين المتنافِيْنِ. وقيل: الحجابُ بين
(١) الآية ٤ من الأعراف.
(٢) الإملاء ١٥٢/٢ وعبارته: ارجعني.
(٣) الآية ٢٤ من ق.
(٤) تقدم برقم ٢٧٩٢ .
(٥) رواه البخاري. انظر: فتح الباري كتاب مناقب الأنصار ٢٦: ١٤٩/٧، وابن ماجه
٠١٢٣٦/٢
(٦) تقدم برقم ٣٨٤.
٣٦٧
- المؤمنون -
الشيئين أَنْ يَصِلَ أحدُهما للآخر، وهو بمعنى الأول. وقال الراغب(١): ((أصلُه
بَرْزَه بالهاءِ فَعُرِّب. وهو في القيامة الحائلُ بين الإِنسانِ وبين المنازلِ الرفيعةِ.
والبَرْزَخُ قبلَ البعثِ: المَنْعُ بين الإِنسانِ وبين الرَّجْعَةِ التي يتمنَّاها)).
آ. (١٠١) قوله: ﴿في الصُّوْر﴾: قرأ العامّةُ بضم الصادِ وسکون
الواو. وابن عباس(٢) والحسنُ بفتحِ الواوِ جمعَ صورة. وأبو رزين بكسر الصاد
وفتح الواوِ وهو شاذٌّ، وهذا عكسُ (لُحَىْ)) بضم اللام جمعَ ((لِحْية)) بكسرِها.
قوله: ((فلا أنسابَ)) الأنسابُ: جمعُ نَسَب وهو القَرابَةُ مِنْ جهةِ الولادة،
ويُعَبَّر به عن التواصلِ ، وهو في الأصلِ مصدرٌ. قال الشاعر(٣):
٣٤٢٩ - لا نَسَبَ اليومَ ولا خُلَّةً
اتَّسَعَ الخَرْقُ على الرَّاقِعِ
قوله: (بَيْنهم)) يجوزُ تَعَلَّقُه بنفسِ ((أنساب))، وكذلكَ ((يومئذٍ)) أي:
فلا قرابةَ بينهم في ذلك اليوم. ويجوزُ أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه صفةٌ
لـ ((أَنْساب)). والتنوينُ في ((يومئذٍ)) عوضٌ من جملةٍ، تقدیرُه: يومَ إذ يُفخ في
الصُّور.
آ. (١٠٣) قوله: ﴿في جهنمَ خالِدون﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ
((خالدون)) خبراً ثانياً لـ ((أولئك))، وأَنْ یکون خبر مبتدأ مضمرٍ أي: هم خالدون،
وقال الزمخشري (٤): ((في جهنم خالدون)) بدلٌ مِنْ ((خَسِروا أنفسَهم))، ولا محلّ
(١) المفردات ٤٣.
(٢) انظر في قراءاتها: البحر ٤٢١/٦، والكشاف ٤٣/٣.
(٣) البيت لأنس بن العباس أو أبي عامر جد العباس. وهو في الكتاب ٣٤٩/١،
وابن يعيش ١٠١/٢، والعيني ٣٥١/٢.
(٤) الكشاف ٤٣/٣.
٣٦٨
- المؤمنون -
للبدلِ والمبدلِ منه؛ لأنَّ الصلةَ لا مَحَلَّ لها. قال الشيخ(١): ((جَعَلَ ((في
جهنم)) بدلاً مِنْ ((خَسِروا)) وهذا بدلٌ غريبٌ. وحقيقتُه أَنْ يكونَ البدلُ الفعلَ
الذي تَعَلَّق به ((في جهنم)) أي: استقرُّوا في جهنم، وهو بدلُ شيءٍ مِنْ
شيءٍ(٢)؛ لأنَّ مَنْ خَسِر نفسَه استقرَّ في جهنم)).
قلت(٣): فجعل الشيخُ الجارِّ والمجرورَ البدلَ دون ((خالدون)»
والزمخشريُّ جعل جميع ذلك بدلاً، بدليل قولِه(٤) بعد ذلك: ((أو خبرٌ بعد خبرٍ
لـ ((أولئك)) أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ)). وهذان إنما يليقان بـ ((خالدون))، وأمَّا ((في
جهنم)) فمتعلُّقٌ به، فيحتاج كلامُ الزمخشريّ إلى جوابٍ. وأيضاً فيصير
(خالدون)) مُفْلتَاً. وجَوَّز أبو البقاء(٥) أن يكونَ الموصولُ نعتاً لاسمِ الإِشارة(٦)
وفيه نظرً؛ إذ الظاهرُ کونُه خبراً له .
آ. (١٠٤) قوله: ﴿تَلْفَحُ﴾: يجوزُ استئنافُه، ويجوز حاليْتُه.
ويجوز كونُه خبراً آخرَ لـ («أولئك))، واللَّفْحُ: إصابةُ النارِ الشيءَ / وكَلْحُها [٦٦٠/أ]
وإِحْراقُها له، وهو أشدُّ من النَّفْخِ. وقد تقدَّم النفخ في الأنبياء(٧).
قوله: ((كالحون)) الكُلُوْح: تَشْمِيرُ الشَّفَةِ العليا، واسترخاءُ السُّفْلى. وفي
الترمذي (٨): ((تَتَقَلَّصُ شَفْتُه العليا، حتى تبلغَ وسطَ رأسِه، وتَسْتَرْخِي السفلى
(١) البحر ٤٢١/٦.
(٢) وقال: ((وهما لمسمى واحد على سبيل المجاز)).
(٣) تكرر ((قوله)) في الأصل.
(٤) الكشاف ٤٣/٣.
(٥) لم يرد في الإملاء.
(٦) الموصول ((الذين)) واسم الإشارة ((أولئك)).
(٧) انظر: الورقة ٦٣٥ب.
(٨) باب ما جاء في صفة النار ١٠٩/٤.
٣٦٩
- المؤمنون -
حتى تَبْلُغَ سُرَّته)) ومنه ((كُلوحُ الأسَدِ)) أي: تکشیرُه عن أنیابِهِ. ودهرٌ کالِحٌ، وبردٌ
كالحٌ أي: شديد. وقيل: الكُلُوْحُ هو: تَقْطِيبُ الوجهِ وبُسُورُه. وكُلَح الرجلُ
يَكْلَعُ كُلُوْحاً وكلاحاً .
آ. (١٠٦) قوله: ﴿شِقْوَتُنا﴾: قرأ(١) الأخَوان: ((شَقاوتُنا)) بفتح
الشينٍ وألفٍ بعد القاف. والباقون بكسرِ الشينٍ وسكون القافِ وهما مصدران
بمعنى واحدٍ، فالشَّقَاوَةِ كالقَساوة وهي لغةٌ فاشِيَةٌ، والشِّقْوةُ كالفِطْنَة والنِّعْمة.
وأنشد الفراء (٢):
٣٤٣٠- كُلِّفَ مِنْ عَنائِهِ وشِفْوَتِهْ
بنتَ ثمانِيْ عَشْرَةٍ مِنْ حِجَّتِهْ
وهي لغةُ الحجاز. وقرأ قتادة والحسن في روايةٍ كالأخَوَيْن إلاّ أنهما كَسَرا
الشينَ، وشبلُ في اختياره كالباقين، إلَّ أَنَّه فَتَح الشينَ.
آ. (١٠٩) قوله: ﴿إِنَّه كان﴾: العامَّةُ على كسرِ الهمزةِ
استئنافاً. وأُبَيّ (٣) والعتكيُّ بفتحها أي: لأنه. والهاءُ ضميرُ الشأنِ.
آ. (١١٠) قوله: ﴿سخْرِيَّاً﴾: مفعولٌ ثانٍ للاتخاذ، وقرأ (٤)
(١) انظر في قراءاتها: السبعة ٤٤٨، والنشر ٣٢٩/٢، والحجة ٤٩١، والبحر ٤٢٢/٦،
والقرطبي ١٥٣/١٢، والتيسير ١٦٠.
(٢) معاني القرآن ٢٤٢/٢. البيت لنفيع بن طارق وهو في المخصص ١٤ /٩٢،
والخزانة ١٠٥/٣، والعيني ٤٨٨/٤، والهمع ١٤٩/٢، والدرر ٢٠٥/٢، والمراد
أنه علقها حين كان في الحج.
(٣) المحتسب ٩٨/٢، والبحر ٤٢٣/٦، والعتكي هارون وتقدمت ترجمته.
(٤) السبعة ٤٤٨، والبحر ٤٢٣/٦، والحجة ٤٩١، والنشر ١٢٩/٢، والتيسير ١٦٠،
والقرطبي ١٢ / ١٥٤ .
٣٧٠
٠ ٠
- المؤمنون -
الأخَوان ونافعٌ هنا وفي ص(١) بكسرِ السين. والباقون بضمُّها في المؤمنين.
واختلف الناس في معناهما. فقيل: هما بمعنىٍّ واحدٍ، وهو قولُ الخليلِ
وسيبويه(٢) والكسائي وأبي زيد. وقال يونس(٣): ((إن أُرِيْدَ الخِدْمَةُ والسُّخْرةَ
فالضمُّ لا غيرُ. وإنْ أريدَ الهُزْءُ فالضمُّ والكسر. ورجّح أبو عليٍ (٤) - وتبعه
مكي - (٥) قراءةً الكسرِ قالا: لأنَّ ما بعدها أليقُ لها لقولِه: ((وكنتم منهم
تَضْحكون)». قلت: ولا حجةً فيه لأنَّهم جمعوا بين الأمرَيْن: سَخَّروهم في
العمل، وسَخِروا منهم استهزاءً. والسُّخْرَة بالتاء: الاستخدام، و((سُخْرِيًّاً)»
- بالضمِّ - منها، والسُّخْرُ بدونها: الهزء، والمكسورُ منه. قال الأعشى(٦):
٣٤٣١- إنِّي أتاني حديثُ لا أُسَرُّ به
مِنْ عَلْوَ لا كَذِبٌ فيه ولا سُخْرُ
ولم يَختلف السبعةُ فِي ضَمّ ما في الزخرف(٧)؛ لأنَّ المرادَ الاستخدامُ
وهو يُقَوِّي قولَ مَنْ فَرَّق بينهما. إلَّ أنَّ ابنَ محيصن(٨) وابن مسلم (٩) وأصحابَ
(١) الآية ٦٣.
(٢) قال النحاس في إعرابه ٤٢٩/٢: ((ولا يَعْرف هذا التفريق الخليل وسيبويه
ولا الكسائي ولا الفراء)» ولم أقف على نص لسيبويه في كتابه. أما الفراء فقد قال في
معانيه ٢٤٣/٢: وقد قرىء بهما جميعاً والضم أجود)).
(٣) انظر: البحر ٤٢٣/٦.
(٤) الحجة (خ) ٣٤/٤.
(٥) الكشف ١٣١/٢ قال: ((لصحة معناه، ولشبهه بما بعده، ولأن الأكثر عليه)).
(٦) وهو أعشى باهلة. والبيت في اللسان (سخر)، والبحر ٤٢٣/٦.
(٧) الآية ٣٢.
(٨) البحر ١٣/٨، والقرطبي ٨٣/١٦.
(٩) الوليد بن مسلم أبو العباس الدمشقي روى عن يحيى الذماري. توفي سنة ١٩٥.
انظر: طبقات القراء ٣٦٠/٢.
٣٧١
- المؤمنون -
عبدِ الله كسروه أيضاً(١)، وهي مُقَوِّيَةٌ لقولٍ مَنْ جعلهما بمعنى.
والياءُ في ((سِخريًّا)) و((سُخْرِيًّاً) للنسبِ زِيْدَتْ للدلالةِ على قوةِ الفعل،
فالسُّخْرِيُّ أقوى من السُّخْرِ، كما قيل في الخصوص: خصوصيّة، دلالةً على
قوةٍ ذلك، قال معناه الزمخشري(٢) .
آ. (١١١) قوله: ﴿أنهم هم الفائزون﴾: قرأ الأخوان(٣)
بكسرِ الهمزةِ استئنافاً. والباقون بالفتحِ ، وفيه وجهان، أظهرُهما: أنه تعليلٌ
وهي موافقةٌ للأولى فإنَّ الاستئنافَ يُعَلَّلُ به أيضاً. والثاني ـــ ولم يذكُرْ
الزمخشري(٤) غيرَه ـ- أنَّه مفعولٌ ثانٍ لِجَزَيْتُهم. أي: بأنهم أي: فَوْزهم(٥).
وعلى الأول يكونُ المفعولُ الثاني محذوفاً.
آ. (١١٢) قوله: ﴿قال: كم لَبِئْتُمْ﴾: قرأ(٦) الأخوان ((قل:
كم لَِّثْتُمْ)). ((قُلْ إنْ لبثتم))(٧) بالأمر في الموضعين، وابن كثير كالأخوين في
الأول فقط، والباقون: ((قال)) في الموضعين، على الإِخبار عن الله أو المَلَكِ.
والفعلان مرسومان(٨) بغيرِ ألفٍ في مصاحفٍ الكوفة، وبألفٍ في مصاحفٍ مكةً
(١) أي في الزخرف.
(٢) الكشاف ٤٤/٣.
(٣) السبعة ٤٤٩، والنشر ٣٢٩/٢ - ٣٣٠، والبحر ٤٢٣/٦، والتيسير ١٦٠، والحجة
٤٩٢.
(٤) الكشاف ٣/ ٤٤.
(٥) عبارة الزمخشري: ((كقولك: جزيتهم فوزهم)) وعلى هذا لا حاجة لتفسير عبارته بما
فشَّرها المؤلف.
(٦) السبعة ٤٤٩، الحجة ٤٩٣، والنشر ٣٣٠/٢، والقرطبي ١٥٦/١٢، والبحر
٤٢٤/٦، والتيسير ١٦٠.
(٧) في الآية التالية.
(٨) انظر: المحرر ٢٥٧/١١.
٣٧٢
- المؤمنون -
والمدينةِ والشامِ والبصرةِ، فحمزةُ والكسائيُّ وافقا مصاحفَ الكوفة وخالفها
عاصمٌ، أو وافقها على تقديرٍ حَذْفِ الألفِ من الرسم وإرادتها. وابن كثير وافق
في الثاني مصاحفَ مكة، وفي الأولِ غيرَها، أو أتاها على تقديرٍ حَذْفِ الألف
وإرادتها. وأمَّا الباقون فوافقوا مصاحفَهم في الأول والثاني.
و ((كم) في موضعِ نصبٍ على ظرفِ الزمانِ أي: كم سنة. و ((عددَ)) بدلٌ
مِنْ ((كم)). قاله أبو البقاء(١): وقال غيره: إن ((عدد سنين)) تمييز لـ ((كم)) وهذا هو
الصحيحُ .
وقرأ(٢) الأعمش والمفضل عن عاصم ((عَدَداً)) منوناً. وفيه أوجهٌ، أحدُها:
أَنْ يكونَ ((عدداً)) مصدراً أُقيم مُقام الاسمِ ، فهو نعتٌ تقدَّم على المنعوت. قاله
صاحب ((اللوامح))(٣). يعني أن الأصل: ((سنين عدداً) أي: معدودة، لكنه يُلتزم
تقدیمُ النعتِ علی المنعوتِ، فصوابه أن يقول: فانتصب حالاً. هذا مذهبُ
البصريين. والثاني: أنَّ (لَبِثْتُم) بمعنى عَدَدْتُم. فيكون نصبُ ((عدداً» على
المصدر و ((سنين)) بدلٌ منه. وقال صاحب ((اللوامح)) أيضاً: ((وفيه بُعْدٌ؛ لعدم
دلالة الُّبث على العدد)). والثالث: أنَّ((عدداً) تمييزٌ لـ((كم)) و((سنين)) بدلٌ
منه .
آ. (١١٣) قوله: ﴿العادِّيْنَ﴾: جمعُ ((عادِّ)) من العَدَد. وقرأ(٤)
الحسن والكسائي في روايةٍ بتخفيفِ الدالِ جمعَ «عادٍ» اسم فاعل مِنْ عدا
(١) الإملاء ١٥٢/٢.
(٢) البحر ٤٢٤/٦.
(٣) وهو أبو الفضل الرازي .
(٤) انظر في قراءاته: البحر ٤٢٤/٦، والكشاف ٤٤/٣.
٣٧٣
- المؤمنون :-
[٦٦٠/ب] أي/(١): الظّلَمَة. وقال أبو البقاء(٢): ((وقُرىء بالتخفيفِ على معنى العادِيْن
المتقدِّمين كقولك: ((وهذه بِثْرُ عادية))، أي: سَلْ(٣) من تقدَّمَنا. وحَذَفَ إحدى
ياءَي النسب كما قالوا الأشعرون وحَذَفَ الأخرى لالتقاء الساكنين)). قلت:
المَحْذوفُ أولاً مِن الياء الثانية لأنها المتحركةُ، وبحذفِها يلتقي ساكنان. ويؤَيِّد
ما ذكره أبو البقاء ما ذكره الزمخشري فقال (٤): ((وقُرىء ((العادِيِّين)) أي: القدماء
المُعَمَّرين فإنهم يستقصرونها فكيف بمن دونهم؟)). وقال ابن خالويه (٥): ((ولغةٌ
أخرى ((العاديِّين)) - يعني بياءٍ مشددة جمع عادِيَّة - بمعنى القدماء)).
آ. (١١٤) قوله: ﴿لو أنَّكم﴾: جوابُها محذوفٌ، تقديرُه:
:
لو كنتم تعلمونَ مقدارَ لَيْئِكم من الطول لَمَا أَجَبْتُم بهذه المدة. وانتصب ((قليلاً)»
على النعتِ لزمنٍ محذوفٍ أو لمصدرٍ محذوف أي: إلَّ زمناً قليلاً أو إلّ لُبْعاً
قليلاً.
آ. (١١٥) قوله: ﴿عَبَثاً﴾: في نصبه وجهان، أحدهما: أنه
مصدرٌ واقعٌ موقعَ الحالِ أي: عابثين. الثاني: أنه مفعولٌ مِنْ أجله أي: لأجل
الْعَبَثِ. والعَبَثُ: اللَّعِبُ وما لا فائدةَ فيه وكلُّ ما ليس له غَرَضٌ صحيحٌ. يقال:
عَبْثَ يَعْبَثُ عَبَئاً إذا خَلَطْ عَمَلَه بَعِبٍ. وأصله من قولِهم: عَبْتُ الْأَقِطَ أي:
خَلَطْتُهِ. والعَبِيْثُ طعام مخلوط بشيء، ومنه العَوْبَثَانِيُّ لتمر وسَوِيْقٍ وسمِن
مختلط .
قوله: ((وأنَّكم) يجوز أَنْ يكونَ معطوفاً على ((أنما خَلَقْنَاكُمْ)) فيكونُ
(١) سقطت الورقة ٦٦٠ب من مصورة الأصل وأثبتناها من (ش).
(٢) الإملاء ١٥٢/٢.
(٣) ش: مثل. والتصحيح من الإملاء.
(٤) الكشاف ٤٤/٣ - ٤٥.
(٥) الشواذ ٩٩.
٣٧٤
- المؤمنون -
الحُسْبانُ منسحباً عليه، وأن يكون معطوفاً على ((عبثاً) إِذا كان مفعولاً مِنْ أجله.
قال الزمخشري(١): ((ويجوزُ أَنْ يكونَ معطوفاً على ((عبثاً)) أي: للعبث ولتَرْكِكِم
غيرَ مرجوعين)). وقدَّم ((إلينا)) على ((تُرْجَعون)) لأجل الفواصلِ.
قوله: (لا تُرْجِعُوْن)) هو خبر ((أنّكم)). وقرأ(٢) الأخوان ((تَرْجِعُون)) مبنياً
للفاعل. والباقون مبنياً للمفعول. وقد تقدَّم أنَّ(رَجَعَ)) يكون لازماً ومتعدياً.
وقيل: لا يكون إلاّ متعدِّياً والمفعولُ محذوفٌ.
آ. (١١٦) قوله: ﴿الكريم﴾: قرأه العامَّةُ مجروراً نعتاً للعرش
وُصِفَ بذلك لتَنَزُّل الخيراتِ منه أو لنسبتِه إلى أكرم الأكرمين. وقرأ(٣) أبو جعفر
وابن محيصن وإسماعيل عن ابن كثير وأبان بن تغلب مرفوعاً. وفيه وجهان،
أحدُهما: أنه نعتٌ للعرش أيضاً، ولكنه قُطِع عن إعرابه لأجلِ المدحِ على خبر
مبتدأ مضمر. وهذا جيدٌ لِتَوافُقِ القراءتين في المعنى. الثاني: أنه نعتٌ
لـ ((رب)).
آ. (١١٧) قوله: ﴿ومَنْ يَدْعُ﴾: شرطٌ. وفي جوابٍه وجهان
أصحّهما: أنه قوله ((فإنما حِسابُه)) وعلى هذا ففي الجملة المتقدمة وهي قوله:
(لا بُرْهانَ له به)) وجهان، أحدُهما: أنها صفةٌ لـ ((إلهاً)) وهي صفةٌ لازمةٌ. أي:
لا يكون الإِلَهُ المَدْعُوُّ من دون اللّهِ إِلَّ كذا، فليس لها مفهومٌ لفسادِ المعنى.
ومثلُه ((ولا طائرٍ يَطير بجناحيه)) (٤) لا يُفْهم أنَّ ثَمَّ إلَهاً آخرَ مَدْعُوَّاً من دونِ اللَّهِ له
برهان، وأن ثَمَّ طائراً يطير بغير جناحيه. الثاني: أنها جملةُ اعتراضٍ بين الشرط
وجوابِه. وإلى الوجهين أشار الزمخشري(٥) بقوله: ((وهي صفةٌ لازمةٌ كقوله:
(١) الكشاف ٤٥/٣ .
(٢) السبعة ٤٥٠، والنشر ٢٠٨/٢، والتيسير ١٦٠، والحجة ٤٩٤، والبحر ٤٢٤/٦.
(٣) الإتحاف ٢٨٩/٢، والقرطبي ١٥٧/١٢، والبحر ٤٢٤/٦.
(٥) الكشاف ٤٥/٢ .
(٤) الآية ٣٨ من الأنعام.
٣٧٥
- المؤمنون -
(يَطير بجناحيه))، جيء بها للتوكيد لا أَنْ يكونَ في الآلهة ما يجوز أَنْ يقومَ عليه
بُرْهانٌ. ويجوز أنْ يكونَ اعتراضاً بين الشرطِ والجزاءِ كقولك: ((مَنْ أحسن إلى
زيدٍ - لا أحقُّ بالإِحسان منه ــ فاللَّهُ مُئِه)).
الثاني من الوجهين الأولين: أنَّ جواب الشرطِ «قولُه لا بُرْهانَ له به» كأنه
فَرَّ مِنْ مفهومِ الصفةِ لِما يلزمُ مِنْ فسادِهِ فَوَقَّعَ في شيءٍ لا يجوزُ إِلَّ في ضرورةٍ
شعرٍ، وهو حَذْفُ فاءِ الجزاءِ من الجملةِ الاسميةِ، كقوله(١):
٣٤٣٢- مَنْ يَفْعَلِ الحسناتِ اللَّهُ يَشْكُرُها
البيت. وقد تقدَّم تخريجُ كونٍ ((لا برهانَ له)) على الصفةِ. ولا إشكال؛
لأنها صفةٌ لازمةٌ، أو على أنها جملةُ اعتراضٍ .
قوله: ((إنه لا يُفْلِحُ)) الجمهور على كسرِ الهمزةِ على الاستئنافِ المُفيد
للعلمِ. وقرأ(٢) الحسُنُ وقتادةُ (أنه)) بالفتح. وخَرَّجَه الزمخشري (٣) على أَنْ
يكونَ خبر ((حِسابُه)) قال: ومعناه: حسابُه عدمُ الفلاحِ. والأصلُ: حسابُه أنه
لا يُفلح هو، فوضع ((الكافرون)» في موضع الضمير، لأن مَنْ يَدْعُ في معنى
الجمع وكذلك ((حِسابُه أنه لا يُفلح)) في معنى: حسابهم أنهم لا يُفْلحون»
انتهى. ويجوزُ أَنْ يكونَ ذلك على حَذْفٍ حرفِ العلةِ أي [ لـ] أنَّه لا يُفْلِح.
وقرأ (٤) الحسن ((لا يَفْلح)) بفتح الياءِ واللام، مضارعَ فَلَح بمعنى أفلح، فَعَل
وَأَفْعَل فيه بمعنىِّ. والله أعلم، وهو يقول الحقِّ ويَهْدِي الْسبيلَ.
{تَمَّت بعونه تعالى سورة المؤمنون]
(١) تقدم برقم ١٤٠.
(٢) المحتسب ٩٨/٢، والبحر ٤٢٥/٦.
(٣) الكشاف ٤٥/٢.
(٤) القرطبي ١٥٧/١٢، والإتحاف ٢٨٩/٢، والبحر ٤٢٥/٦.
٣٧٦
- النور -
[٦٦١/ أوب]
سورة النور
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (١) قوله: ﴿سورةٌ أَنْزَلْناها﴾: يجوزُ فِي رَفْعِها وجهان.
أحدهما: أن يكونَ مبتدأٌ. والجملةُ بعدَها صفةٌ لها، وذلك هو المُسَوِّغ للابتداءِ
بالنكرةِ. وفي الخبرِ وجهان، أحدُهما: أنَّه الجملةُ مِنْ قولِه: ((الزانيةُ والزاني)»
وإلى هذا نحا ابنُ عطية (١)، فإنه قال: ((ويجوز أن يكونَ مبتدأ، والخبرُ ((الزانية
والزاني)) وما بعدَ ذلك. والمعنى: السورةُ المُنَزَّلَةُ المَفْرُوْضَةُ كذا وكذا؛ إذ
السورةُ عبارةٌ عن آياتٍ مسرودةٍ لها بَدْءٌ وخَتْم)». والثاني: أنَّ الخبرَ محذوفٌ
أي: فيما يُتْلَى عليكم سورةٌ، أو فيما أَنْزَلْنا سورةٌ.
والوجهُ الثاني مِنَ الوجهين الأوَّلَيْنِ: أَنْ يكونَ خبرُ المبتدأ مضمراً(٢) أي:
هذه سورةٌ. وقال أبو البقاء(٣): ((سورةٌ بالرفع على تقديرٍ: هذه سورةٌ، أو مِمّا
يُتْلى عليك سورةٌ فلا تكونُ ((سورةٌ)) مبتدأَةً لأنها نكرةٌ)). وهذه عبارةٌ مُشْكلة على
ظاهِرها. كيف يقول: لا تكونُ مبتدأ مع تقديرِهِ: فيما يُتْلى عليك سورةٌ؟ وكيف
يُعَلِّلُ المنعَ بأنها نكرةٌ مع تقديرِه لخبرِها جارًّاً مُقَدَّماً عليها، وهو مُسَوِّغٌ للابتداء
بالنكرة.
(١) المحرر ٢٦١/١١.
(٢) الأصل: مضمر.
(٣) الإملاء ١٥٣/٢.
٣٧٧
- النور :-
وقرأه(١) العامَّةُ بالرفعِ على ما تقدَّم. وقرأ الحسن(٢) بن عبد العزيز
وعيسى الثقفي وعيسى الكوفي ومجاهدٌ وأبو حيوة في آخرين ((سورةً)) بالنصبِ.
وفيها أوجهٌ، أحدها: أنها منصوبةٌ بفعلٍ مقدرٍ غيرِ مفسَّرٍ بما بعده. تقديره: اثْلُ
سورةٌ أو اقرأ سورةً. والثاني: أنها منصوبةٌ بفعلٍ مضمرٍ يُفَسِّره منا بعده.
والمسألةُ من الاشتغال. تقديرُه: أَنْزَلْنا سورةً أنزلناها. والفرقُ بين الوجهين: أنَّ
الجملةَ بعد ((سورةً» في محلِّ نصبٍ على الأول، ولا محلَّ لها على الثاني.
الثالث: أنها منصوبةٌ على الإِغراء، أي: دونَكَ سورةً. قاله الزمخشري(٣)،
وَرَدِّه الشيخُ(٤): بأنه لا يجوزُ حَذْفُ أداة الإِغْراءِ، واستشكل الشيخُ أيضاً على
وجهِ الاشتغالِ جوازّ الابتداءِ بالنكرة من غيرٍ مُسَوِّعٍ . ومعنى ذلك: أنه ما مِنْ
مَوْضع يجوز [فيه](٥) النصبُ على الاشتغالُ إلَّ ويجوز أن يُرْفَعَ على الابتداءِ،
وهنا لو رُفِعَتْ (سورة) بالابتداءِ لم يَجُزْ؛ إذ لا مُسَوِّغَ فلا يُقال: رجلاً ضربتُه
الامتناعِ : رجلٌ ضربتُه. ثم أجاب: بأنه إنْ اعْتُقد حَذْفُ وصفٍ جاز، أي:
سورة مُعَظّمة - أو مُوَضِّحة - أَنْزَلْناها، فيجوزُ ذلك.
الرابع: أنَّها منصوبةٌ على الحال مِنْ ((ها)) في ((أَنْزِلْناها)). والحالُ من
المُكْنَّى يجوز أن تتقدمَ عليه. قاله الفراء(٦). وعلى هذا فالضميرُ في ((أَنْزَلْناها)»
ليس عائداً على سورة بل على الأحكام. كأنه قيل: أَنْزِلنا الأحكامَ سورةً مِنْ
سُوَرِ القرآن، فهذه الأحكامُ ثابتةٌ بالقرآنِ، بخلافٍ غيرِها فإنَّه قد ثَبَتَتْ بالسُّنة ..
(١) المحتسب ٩٢/٢، والإتحاف ٢٩١/٢، والبحر ٤٢٧/٦، والقرطبي ١٥٨/١٢.
(٢) كذا في الأصل، ولعله تحريف لأنني لم أجد ذلك عند غير المؤلف. وفي المظان:
((عمر بن عبد العزيز) ولعله المقصود.
(٣) الكشاف ٤٦/٣.
(٤) البحر ٤٢٧/٦.
(٥) زيادة من ش.
(٦) معاني القرآن ٢٤٤/٢.
٣٧٨
- النور -
قوله: ((وفَرَضْناها)) قرأ(١) ابن كثير وأبو عمرو بالتشديدِ. والباقون
بالتخفيف. فالتشديد: إمَّا للمبالغة في الإِيجاب وتوكيداً، وإمّا لتكثير المفروض
عليهم، وإمَّا لتكثيرِ الشيءِ المفروض. والتخفيفُ بمعنى: أَوْجَبْناها وجعلناها
مقطوعاً بها.
آ. (٢) قوله: ﴿الزانيةُ والزَّاني﴾: في رفعهما وجهان: مذهب
سيبويه(٢) أنَّه مبتدأٌ، وخبرُه محذوفٌ أي: فيما يُتْلَى عليكم حكمُ الزانية. ثم
بَيِّن ذلك بقوله: ((فاجْلِدوا)) إلى آخره. والثاني وهو مذهبُ الأخفش(٣) وغيرِه:
أنه مبتدأً. والخبرُ جملة الأمر. ودخلت الفاءُ لشِبْه المبتدأ بالشرط. وقد تقدُّم
الكلامُ على هذه المسألةِ مستوفىّ عند قوله(٤) ((واللذانِ يأتيانها منكم فأذُوْهما»
وعند قوله ((والسارقُ والسارقةُ)](٥) فأغنى عن إعادتِهِ (٦).
وقرأ(٧) عيسى الثقفي ويحيى بن يعمر وعمرو بن فائد وأبو جعفر
وشيبة (٨) ورُوَيْس (٩) بالنصبِ على الاشتغال. قال الزمخشري(١٠): ((وهو أحسنُ
(١) السبعة ٤٥٢، والتيسير ١٦١، والبحر ٤٢٧/٦، والنشر ٣٣٠/٢.
(٢) الكتاب ٧١/١ - ٧٢.
(٣) معاني القرآن للأخفش ٨٠/١ قال في قوله تعالى: ((واللذان يأتيانها منكم فآذوهما)»
فقد يجوز أن يكون هذا خبر المبتدأ؛ لأن الذي إذا كانت صلته فعلاً جاز أن يكون
خبره بالفاء)» .
(٤) الآية ١٦ من النساء.
(٥) الآية ٣٨ من المائدة.
(٦) انظر: الدر المصون.
(٧) البحر ٤٢٧/٦.
(٨)
الأصل: «أبو شيبة» وهو سهو.
(٩) محمد بن المتوكل أبو عبد الله اللؤلؤي البصري مقرىء ضابط. أخذ عن يعقوب
الحضرمي. توفي بالبصرة سنة ٢٣٨. طبقات القراء ٢٣٤/٢.
(١٠) الكشاف ٤٧/٣.
٣٧٩
- النور-
مِنْ ((سورةً أنزلناها)) لأجلِ الأمر. وقُرِىءٍ(١) ((واللذَّانِ)) بلا ياءٍ.
قوله: (رَأْفَةً) قرأ العامَّةُ هنا، وفي الحديد(٢)، بسكون الهمزة،
وابنُ كثيرٍ(٣) بفتحها. وقرأ ابن جُرَيْج ـ وتُروى أيضاً عن ابن كثير وعاصم -
(رَآفة)) بألفٍ بعد الهمزة بزنةِ سَحابة، وكلُها مصادِرُ لـ رَأَفَ به يَرْوُف. وقد تقدَّم
معناه (٤). وأشهرُ المصادرِ الأولُ. ونقل أبو البقاء(٥) فيها لغةً رابعةً: وهي إبدالُ
الهمزةِ ألفاً. ومثلُ هذا ظاهرٌ غيرُ محتاجٍ للتنبيهِ عليه فإنها لغةٌ مستقلةٌ وقراءةٌ
متواترة(٦).
وقرأ العامَّةُ ((تَأْخُذْكم)) بالتأنيثِ مراعاةً للَّفظِ. وعلي بن أبي طالب(٧)
والسُّلمي ومجاهد بالياءِ مِنْ تحتُ؛ لأنَّ التأنيثَ مجازيٍّ وللفصلِ بالمفعولِ
والجارِّ. و((بهما)) متعلقُ بـ(تَأْخُذْكم)) أو بمحذوفٍ على سبيل البيانِ. ولا يتعلَّقُ
بـ ((رَأْفة)) لأنَّ المصدرَ لا يتقدَّم عليه معمولُه، وفي ((دين الله)) متعلقٌ بالفعلِ قبله
أيضاً. وهذه الجملةُ دالَّةٌ على جوابٍ الشرطِ بعدَها، أو هي الجوابُ عند
[٦٦٢/ أ] بعضِهم. /
آ. (٣) قوله: ﴿وَحُرِّم ذلك﴾: قرأ(٨) أبو البرهسم ((وحرَّم)» مبنياً
للفاعل مشدّداً. وزيد بن علي ((وحَرُمٌ)) بزنة كُرُم.
(١) وهي قراءة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. انظر: البحر ٤٢٧/٦، والكشاف
٤٧/٣.
(٢) الآية ٢٧ من الحديد.
(٣) انظر في قراءاتها: السبعة ٤٥٢، والنشر ٣٣٠/٢، والبحر ٤٢٩/٦، والتيسير ١٦١.
(٤) انظر: الدر المصون ١٥٩/٢.
(٥) الإملاء ١٥٣/٢.
(٦) قال في السبعة ٤٥٢: ((غير أن أبا عمرو كان إذا أدرج القراءة أو قرأ في الصلاة غيَّر
همزتها إلى الألف».
(٧) البحر ٤٢٩/٦.
(٨) البحر ٤٣١/٦.
٣٨٠