النص المفهرس

صفحات 321-340

- المؤمنون -
/ وقال الزمخشري(١): ((السُّلالَةُ: الخُلاصة لأنَّها تُسَلُّ من بين الكَدَر)). [٦٥٣/أ]
وهذه الجملةُ جوابُ قسمٍ محذوف. أي: والله لقد خَلَقْنا. وعُطِفَت على
الجملةِ قبلَها لِما بينهما من المناسبةِ؛ وهو أنَّه تعالى لمّا ذَكر أنَّ المُتُّصِفين بتلك
الأوصافِ يَرِثون الفردوسَ، فتضَمَّنَ ذِكْرَ المعادِ الأخْروي، ذَكَرَ النشأة الأولى
ليستدِلَّ بها على المَعَادِ، فإن الابتداء في العادة أصعبُ من الإِعادةِ كقوله: ((وهو
أَهْوَنُ عليه))(٢). وهذا أحسنُ مِنْ قولِ ابن عطية(٣): ((هذا ابتداءُ كلامٍ، والواو
في أولِه عاطفةٌ جملةَ كلامٍ على جملةِ كلامٍ، وإنْ تباينتًا في المعنى)) لأنّي
قَدَّمْتُ لك وَجْهَ المناسبة.
قوله: ((مِنْ طِيْن)) في ((مِنْ)) وجهان، أحدهما: أنها لابتداءِ الغايةِ.
والثاني: أنها لبيانٍ الجنس. قال الزمخشري (٤): ((فإنْ قلتَ: ما الفرقُ بين ((مِنْ))
و ((مِنْ))؟ قلت: الأولى للابتداءِ، والثانيةُ للبيانِ كقوله: ((مِن الأوثان))(٥). قال
الشيخ (٦): ((ولا تكونُ للبيان؛ إلَّ إِذا قلنا: إنَّ السُّلالةُ هي الطينُ. أمّا إذا قُلْنا:
إنه مِنْ أُنْسِل من الطين فـ ((مِنْ)) لابتداءِ الغاية)).
وفيما تتعلَّق به ((مِنْ)) هذه أوجهٌ، أحدُها: أنَّها تتعلَّقُ بمحذوفٍ إذ هي
صفةٌ لـ ((سُلالة)). الثاني: أنَّها تتعلَّقُ بنفس («سلالة))؛ لأنها بمعنى مَسْلولة.
الثالث: أنها تتعلَّقُ بـ ((خَلَقْنا)) لأنها بدلٌ مِن الأولى، إذا قلنا: إن السُّلالةَ هي
نفسُ الطين.
(١) الكشاف ٢٧/٣ .
(٢) الآية ٢٧ من الروم.
(٣) المحرر ٢٢٣/١١.
(٤) الكشاف ٢٧/٣.
(٥) ((فاجتنبوا الرجس من الأوثان)) الآية ٣٠ من الحج.
(٦) البحر ٣٩٨/٦.
٣٢١

- المؤمنون -
آ. (١٣) قوله: ﴿ثم جَعَلْناه نُطْفَةَ﴾: في هذا الضميرِ قولان،
أحدهما: أنه يعودُ للإِنسانِ. فإِنْ أُريد غيرُ آدمَ فواضحٌ، ويكون خَلْقُه مِنْ سُلالةِ
الطينِ خَلْقَ أصلِه وهو آدمُ، فيكونُ على حَذْفِ مضافٍ. وإن كان المرادُ به آدمَ
فيكونُ الضميرُ عائداً على نَسْلِه أي: جَعَلْنَا نَسْلَه فهو على حَذْفِ مضافٍ أيضاً.
أو عاد الضميرُ على الإِنسانِ اللائقِ به ذلك، وهو نَسْلُ آدَمَ، فلفظُ الإِنسانِ مِن
حیث هو صالحٌ للأصلِ والفرع ، ويعود كلَّ شيءٍ لِما يليقُ به. وإليه نحا
الزمخشري(١).
قوله: ((في قَرَارٍ)) يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بالجُعْلِ، وأَنْ يتعلّقَ بمحذوفٍ على أنه
صفةٌ لـ ((نُطْفَة)). والقَرار: المستقَرُّ وهو مَوْضِعُ الاستقرارِ. والمرادُ بها الرَّحِمُ.
ووُصِفَتْ بـ ((مَكِيْن)) لمكانةِ التي هي صفةُ المُسْتَقِرِّ فيها، لأحدٍ معنيين: إمَّا على
المجازِ كطريقٍ سائر، وإنما السائرُ مَنْ فيه. وإمَّا لمكانتِها في نفسِها لأنها تمكَّنَتْ
بحيث هي وأُخْرِزَتْ
آ. (١٤) قوله: ﴿ثم خَلَقْنا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾: وما بعدها.
ضَمِّنَ ((خَلَقٍ)) معنى جَعَلَ التصييريةِ فتعَدَّت لاثنين كما تَضَمِّنَ جَعَلَ معنى خَلَق
فيتعدَّى لواحدٍ نحوَ: ((وجَعَل الظلماتِ والنور))(٢).
قوله: ((عِظاماً)) قرأ العامَّةُ (عِظاماً)) و((العظام)) بالجمع فيهما.
وابن(٣) عامر وأبو بكر عن عاصم ((عَظْماً)) و((العظم)) بالإِفراد فيهما. والسُّلمي
والأعرج والأعمش بإفرادِ الأول وجَمْعِ الثاني. وأبو رجاء ومجاهد وإبراهيم ابن
(١) الكشاف ٢٧/٣.
(٢) الآية ١ من الأنعام.
(٣) انظر في قراءاتها: السبعة ٤٤٤، والنشر ٣٢٨/٢، والتيسير ١٥٨، والبحر ٣٩٨/٦،
والحجة ٤٨٤.
٣٢٢

- المؤمنون -
أبي بكر(١) بجمع الأولِ وإفرادِ الثاني عكسَ ما قبله. فالجمعُ على الأصل لأنه
مطابِقٌ لِما يُراد به، والإِفرادُ للجنسِ كقولِه: ((وَهَنَ العَظْمُ مني))(٢). وقال
الزمخشري (٣): ((وَضَعَ الواحدَ موضع الجمعِ لزوالِ اللَّبْسِ لأنَّ الإِنسان
ذو عِظامٍ كثيرة)). قال الشيخ (٤): ((هذا عند سيبويهِ(٥) وأصحابِهِ لا يجوزُ إلاّ في
ضرورةٍ وأنشدوا(٦):
٣٤٠٥- كُلوا في بَعْضٍ بطنِكُم تَعِقُّوا
وإن كان مَعْلوماً أنَّ كلَّ واحدٍ له بطنٌ)). قلت: ومثله(٧):
٣٤٠٦- لا تُنْكِروا القَتْلَ وقد سُبِيْنا
في حَلْقِكم عَظْمٌ وقد شُجينا
يريد: في حُلوقكم. ومثلُه قولُ الآخر(٨):
٣٤٠٧ - بها جِيَفُ الحَسْرى فأمَّا عِظامُها
فبِيْضُ وأمَّا جِلْدُها فصَلِيْبُ
(١) إبراهيم بن أبي بكر المكي سمع طاوساً، وسمع عنه ابن جريج، صدوق أو هو
الأنصاري المدني روى عنه ابن جريج، حديثه في مصنف عبد الرزاق ولم تذكر
وفاتهما. انظر: تهذيب التهذيب ١١١/١.
(٢) الآية ٤ من مريم.
(٣) الكشاف ٢٧/٣ .
(٤) البحر ٣٩٨/٦.
(٥) الكتاب ١٠٨/١ - ١٠٩.
(٦) تقدم برقم ١٥٣ .
(٧) تقدَّم برقم ١٥٥.
(٨) تقدُّم برقم ١٥٤ .
٣٢٣

- المؤمنون -
يريد: جلودُها، ومنه ((وعلى سَمْعِهم))(١) وقد تقدَّمَ طَرَفُ مِنْ هذا (٢)
قوله: ((أَحْسَنَ الخالِقِين)) فيه ثلاثةُ أوجهٍ. أحدها: أنه بدلٌ مِن الجلالة.
الثاني: أنَّه نعتٌ للجلالة وهو أَوْلَى مِمَّا قبلَه؛ لأن البدلَ بالمشتقِّ يَقِلُّ.
الثالث: أن يكونَ خبرَ مبتدأ مضمرٍ أي: هو أحسنُ. والأصلُ عدمُ الإِضمارِ.
وقد مَنَعَ أبو البقاء(٣) أن يكونَ وصفاً قال: ((لأنه نكرةً وإنْ أُضيفِ لمعرفةٍ؛ لأنَّ
المضافَ إليه ◌ِوَضٌ مِنْ ((مِنْ)) وهكذا جميعُ أَفْعَل منك)). قلت: وهذا بناءً منه
على أحد القولين في أَفْعَلِ التفضيلِ إذا أُضيف: هل إضافته محضةٌ أم لا؟
والصحيحُ الأول.
والخالقين أي المقدِّرين كقولِ زهير (٤):
٣٤٠٨- ولأنتَ تَفْرِيْ ما خَلَقْتَ وبَعْـ
ـضُ القومِ يَخْلُقُ ثم لا يَفْرِي
[٦٥٣/ب]
/ والمميِّزُ لأَفْعَل محذوفٌ لدلالةِ المضافِ إلیه علیه أي: أحسن
الخالقين خَلْقاً أي: المقدِّرين تقديراً كقوله: ((أُذِنَ للذين يُقَاتَّلون)»(٥) أي: في
القِتال. حُذِف المأذونُ فِيه لدلالةِ الصلةِ عليه.
آ. (١٥) قوله: ﴿بعد ذلك﴾: أي: بعدما ذُكِر، ولذلك أُْرِد
اسمُ الإِشارة. وقرأ العامَّةُ ((لَمَيِّتُون))(٦). وزيد بن علي وابن أبي عبلة وابن
(١) الآية ٧ من البقرة.
(٢) انظر: الدر المصون ١١٤/١.
(٣) الإملاء ١٤٨/٢.
(٤) تقدم برقم ٢٦١ .
(٥) الآية ٣٩ من الحج.
(٦) البحر ٣٩٩/٦، ومعاني القرآن للفراء ٢٣٢/٢.
٣٢٤

- المؤمنون -
محيصن ((لَمائِتون)» والفرقُ بينهما: أنَّ المَيِّتَ يدلُّ على الثبوت والاستقرار،
والمائِت على الحدوثِ كضيِّقَ وضائق، وفَرِح وفارِحٍ. فيُقال لِمَنْ سيموتُ:
ميِّت ومائت، ولمن مات: مَيّت فقط دون مائت لاستقرارِ الصفةِ وثبوتها وسيأتي
مثلُه في الزمر إن شاء الله تعالى، فإن قيل: الموتُ لم يَخْتَلِفْ فيه اثنان، وكم
مِنْ مخالفٍ في البعثِ فِلِمَ أَكَّد المُجْمَعَ عليه أبلغَ تأكيدٍ، وتُرك المختلف فيه من
تلك المبالغةِ في التأكيد؟ فالجواب(١): أنَّ البعثَ لمَّا تظاهَرَتْ أدلتُه وتضافَرَتْ
أَبْرَزَ في صورةِ المُجْمَعِ عليه المستغني عن ذلك، وأنَّهم لَمَّا لم يعملوا للموتِ
ولم يهتموا بأمورِهِ نُزِّلوا منزلةً مَنْ يُنكره فأبرزهم في صورةِ المُنْكِرِ الذي استبعدوه
کلِّ استبعادٍ.
وكان الشيخُ(٢)، سُئِل عن ذلك(٣). فأجاب بأنَّ اللامَ غالباً تُخَلِّص
المضارعَ للحال، ولا يمكنُ دخولُها في ((تُبعثون)) لأنه مخلِّصٌ للاستقبال لعملِه
في الظرف المستقبل. واعترض على نفسِه بقوله: ((وإنَّ رَبَّك لَيَحْكُمُ بينهم يومَ
القيامة)»(٤) فإنَّ اللامَ دَخَلَتْ على المضارعِ العاملِ في ظرفٍ مستقبلٍ وهو يومُ
القيامة. وأجاب بأنه خَرَجَ هذا بقوله (غالباً) أو بأنَّ العاملَ في يوم القيامة مقدرٌ،
وفيه نظرٌ لا يَخْفى؛ إذ فيه تهيئةُ العاملِ للعملِ وقَطْعُه عنه.
و ((بعد ذلك)) متعلقٌ بـ (مَيِّتون)) ولا تَمْنَعُ لامُ الابتداءِ من ذلك.
آ. (١٨) قوله: ﴿على ذَهابِ به﴾: ((على ذهابٍ)) متعلقٌ
بـ (لَقادرون)) واللامُ - كما تقدَّم - غيرُ مانعٍ من ذلك، و ((به)) متعلقً بـ ((ذَهاب))
(١) انظر: البحر ٣٩٩/٦.
(٢) البحر ٣٩٩/٦.
(٣) السؤال: لِمَ دخلت اللام في قوله لميتون، ولم تدخل في تبعثون؟
(٤) الآية ١٢٤ من النحل.
٣٢٥

- المؤمنون -
وهي مرادِفَةٌ للهمزةِ كهي في (لَذَهَبَ بِسَمْعهم))(١) أي على إذهابه.
آ. (٢٠) قوله: ﴿وشجرةٌ﴾: عطفُ على ((جناتٍ)). وقرأ(٢) نافع
وابن كثير وأبو عمرو ((سِيناء)) بكسر السين. والباقون بفتحها. والأعمش كذلك
إلاّ أنه قَصرها. فأمَّا القراءةُ الأولى فالهمزةُ فیھا ليسَتْ للتأنيثِ؛ إذ ليس في
الكلام فِعْلاء بكسر الأول، وهمزته للتأنيث، بل للإلحاق كـ ((سِرْداح))(٣)
و ((قِرْطاس)) فهي كِعِلْبَاءِ(٤) فتكونُ الهمزةُ منقلبةً عن ياءٍ أو واوٍ؛ لأن الإِلحاقَ
يكون بهما، فلمَّا وقع حرفُ العلةِ متطرفاً بعد ألفٍ زائدة قُلِيَتْ همزةُ كرِداء
وكِساء، قال الفارسي (٥): ((وهي الياءُ التي ظهرَتْ في ((دِرْحايَة)). والدِّرْحاية:
الرجلُ القصيرُ السمينُ.
وجعل أبو البقاءِ(٦) هذه الهمزةَ أصليةً فقال: ((والهمزةُ على هذا (٧) أصلٌ مثل
((حِمْلاق)) وليسَتْ للتأنيثِ إذ ليس في الكلام مثلُ [حِمْراء والياءُ(٨) أصلٌ إذ ليس
في الكلام ((سنأ))](٩) يعني : مادة سين ونون وهمزة. وهذا مخالفٌ لِما تَقَدَّمَ مِنْ
كونها بدلاً من زائدٍ مُلحقٍ بالأصل. على أن كلامَه محتملٌ للتأويلِ إِلى
ما تقدَّم، وعلى هذا فَمَنْعُ الصرفِ للتعريف والتأنيث؛ لأنها اسمُ بُقعةٍ بعينها،
(١) الآية ٢٠ من البقرة ..
(٢) السبعة ٤٤٤، والنشر ٣٢٨/٢، والتيسير ١٥٩، والحجة ٤٨٤، والبحر ٤٠٠/٦.
(٣) السِّرداح: الناقة الطويلة.
(٤)
العلباء: عصب عنق البعير
(٥) الحجة (خ) ٢٢/٤
(٧) على قراءة كسر السين. والحملاق: ما غَطّت الجفونُ من بياض المقلة.
(٦)
الإملاء ١٤٨/٢.
(٨) لعله: والهمزة أصل.
(٩) ما بين معقوفتين لم يرد في مطبوعة الإملاء. في الإملاء ((إذ ليس في الكلام مثل
سیناء)).
٣٢٦

- المؤمنون -
وقيل: للتعريف والعُجْمة، قال بعضهم: والصحيحُ أن ((سِيْناء)) اسمُ أعجمي
نَطَقَتْ به العربُ فاختلفَتْ فيه لغاتُها فقالوا: سَيْناء كحَمْراء وصَفْراء، وسِيناء
كعِلباء وحِرْباء وسِيْنِين كخِنْذِيْذ(١) وزِحْليل، والخِنْذِيْذ: الفحلُ والخَصِيُّ أيضاً،
فهو مِن الأضداد، وهو أيضاً رأسُ الجبلِ المرتفعُ، والزّحْلِيلُ: المُتَّنْخِّي مِنْ
زَحَل إذا تَنخَّى(٢).
وقال الزمخشري(٣): ((طُوْرُ سيناء وطور سينين: لا يخلو: إمّا أن يُضافَ
فيه الطورُ إلى بقعةٍ اسمُها سيناء، وسينون، وإمَّا أَنْ يكونَ اسماً للجبلِ مركباً مِنْ
مضافٍ ومضافٍ إليه كامرىء القيس وبعلبك، فيمَنْ أضاف. فَمَنْ كَسَرَ سینَ
((سيناء)) فقد مَنَّعَ الصرفَ للتعريفِ والعجمةِ، أو التأنيثِ، لأنها بقعة وفِعْلاء
لا تكون ألفه للتأنيث كعِلْباء وحِرْباء. قلت: وكونُ ألفِ فِعْلاء بالكسر ليست
للتأنيث هو قولُ أهل البصرة، وأمَّا الكوفيون فعندهم أن ألفها تكون للتأنيثِ،
فهي عندهم ممنوعةٌ للتأنيثِ اللازم كحمراء وبابها. وكسرُ السين من ((سِيْناء)» لغةُ
كنانة .
وأمَّا القراءة الثانية (٤) فألِفُها للتأنيث، فَمَنْع الصرف واضحٌ. قال
أبو البقاء(٥): ((وهمزته للتأنيث إذ ليس في الكلامِ فَعْلال بالفتح. وما حكى
الفراء(٦) مِنْ قولهم: ((ناقةٌ فيها خَزْعال))(٧) لا يَثْبُتُ، وإنْ ثبت فهو شاذٍّ لا يُحمل
علیه».
(١) انظر: الأضداد للأنباري ٥٩.
(٢) انظر: اللسان (زحل).
(٣) الكشاف ٢٩/٣.
(٤) وهي فتح السين.
(٥) الإملاء ١٤٨/٢.
(٦) انظر: اللسان (خَزْعل).
(٧) وهي الناقة بها ظُلْع. وفي اللسان (خزعل): ((وزاد ثعلب قَهْتار، وزاد أبو مالك قَسْطال)).
٣٢٧

- المؤمنون -
وقد وَهِم بعضُهم فجعل ((سيناء)) مشتقةً من السَّنا وهو الضوءُ، ولا يَصِحّ
[٦٥٤/أ] ذلك لوجهين أحدُهما: أنه ليس عربيَّ الوَضْعِ. نَصُّوا على ذلك كما / تقدم،
الثاني: أنَّا - وإنْ سلَّمِنَا أنه عربيُّ الوَضْعِ، لكنْ المادتان مختلفتان، فإنَّ عَيْنَ
(السنا)) نونٌ وعينَ ((سيناء)) ياء. كذا قال بعضُهم. وفيه نظرٌ؛ إذ لقائلِ أَنْ يقولَ:
لا نُسَلِّم أن عينَ ((سيناء)) ياءٌ، بل هي عينُها نونٌ وياؤها مزيدةٌ، وهمزَتُها منقلبةٌ
عن واوٍ كما قُلِبت السَّناء، ووزنها حينئذٍ فِيْعال، وفِيْعال موجودٌ في كلامِهم
كمِيْلاع(١) وقِيْتَال مصدرُ قاتلَ.
قوله ((تنبُتُ)) قرأ(٢) ابن كثير وأبو عمرو، («تُنْبِتُ)) بضمِّ التاءِ وكسرِ الباءِ.
والباقون بفتح التاء وضم الباء. فأمَّا الأولى ففيها ثلاثةٌ أوجهٍ، أحدها: أنَّ
((أنبت)) بمعنى نَبَتَ فهو مما اتَّفق فيه فَعَل وأَفْعَل وأنشدوا لزهير (٣):
٣٤٠٩- رأيتُ ذوي الحاجات عند بيوتهم
قَطِيْناً لها حتى إذا أَنْبَتَ البقلُ
أي: نبت، وأنكره الأصمعي. الثاني: أنَّ الهمزةَ للتعديةِ، والمفعولَ
محذوفٌ لفهم المعنى أي: تُنْبِتُ ثمرَها أو جناها. و ((بالدهن» أي: ملتبساً
بالدهن. الثالث: أنَّ الباءَ مزيدةٌ في المفعولِ به كهي في ((ولا تُلْقُوا
بأيديكم))(٤) وقول الشاعر(٥):
(١) الميلاع: الناقة السريعة. وانظر: اللسان (ملع).
(٢) انظر في قراءاتها: السبعة ٤٤٥، والنشر ٣٢٨/٢، والتيسير ١٥٩، والبحر ٤٠١/٦،
والمحتسب ٨٧/٢.
(٣) تقدم برقم ٢٩٦٦ .
(٤) الآية ١٩٥ من البقرة.
(٥) تقدم برقم ٧٤٧ .
٣٢٨

٣٤١٠-
- المؤمنون -
سُوْدُ المَحاجرِ لا يَقْرَأْنَ بِالسُّوْرِ
وقول الآخر(١):
٣٤١١- نَضْربُ بالسَّيْفِ ونرْجُو بالفَرّجْ
وأما القراءةُ الأخرى فواضحةٌ، والباءُ للحال من الفاعل أي: ملتبسةً
بالگُهْن، يعني : وفيها الدهن.
وقرأ الحسن والزهري وابن هرمز ((تُنْبَتُ)) مبنياً للمفعول، مِنْ أنبتها الله.
و ((بالدهن)) حالٌ من القائمِ مقامَ الفاعلِ أي: ملتبسةً بالدهن.
وقرأ(٢) زر بن حبيش ((تُنْبِتُ الدُّهْنَ)) مِنْ أَنْبَتْ، وسقوطُ الباء هنا يَدُلُّ على
زيادتها في قراءة مَنْ أثبتها. والأشهب وسليمان بن عبد الملك(٣) ((بالدِّهان)) وهو
جمع دُهْن كُرُمْح ورِماح. وأمَّا قراءة أُبَي ((تُثْمر))، وعبد الله («تَخْرِج)) فتفسيرٌ
لا قراءةٌ لمخالفة السواد.
والدُّهْنُ: عُصارة ما فيه دَسَمُ. والدَّهْن بالفتح المَسْحِ بالدُّهن مصدرُ دَهَن
يَدْهُنُ، والمُداهَنَةُ مِنْ ذلك؛ كأنه يَمْسَح على صاحبه ليقِرِّ خاطرُه.
(١) البيت للنابغة الجعدي، وقبله:
نحن بنو جَعْدَةً أرباب الفلجْ
نحن مَنّعْنا سَيْلَه حتى اعْتَلَجْ
وهو في ديوانه ٢١٥، والخزانة ١٥٩/٤، والمغني ١٤٧، الفلج: موضع.
(٢) انظر في قراءات: ((بالدهن)» القرطبي ١١٦/١٢، والبحر ٤٠١/٦.
(٣) سليمان بن عبد الملك الخليفة الأموي، معروف بالتدين والغزو، توفي سنة ٩٩.
انظر: سير أعلام النبلاء ١١١/٥.
٣٢٩

- المؤمنون ـ
قوله: ((وصِبْغِ )) العامَّةُ على الجرِّ نَسَقاً على ((بالدُّهْن)). والأعمش(١)
(وصبغًا) بالنصبِ نَسَقاً على موضع ((بالدُّهْن)) كقراءةِ ((وأَرْجلَكم))(٢) في أحدٍ
محتملاته، وعامر بن عبد الله (٣) (وصِباغ)) بالألف، وكانت هذه القراءةُ مناسبةً
لقراءةٍ مَنْ قرأ (بالدِّهان)). والصَبْغِ والصِّباغ كالدَّبْغ والدِّباغ وهو اسمُ ما يُفْعِلَ
به. و «للاکلین» صفةٌ.
آ. (٢١) قوله: ﴿نُسْقيكم): قد ذُكر ما فيه في النحل(٤)،
وقُرِىء(٥) ((تَسْقيكم)) بالتّاءِ مِنْ فوقُ أي: أي: الأنعام.
آ. (٣٠) قوله: ﴿مُنْزَلاً مُباركاً﴾: قرأ(٦) أبو بكرٍ بفتح الميم
وكسر الزاي، والباقون بضمُّ الميم وفتحِ الزاي. والمَنْزِل والمُنْزَل كلّ منهما
يحتملُ أَنْ يكونَ اسمُ مصدرٍ وهو الإِنزالُ والنُّزُول، وأَنْ يكونَ اسمُ مكانٍ
للنزولِ والإِنزالِ، إلَّ أنَّ القياسَ ((مُنْزَلَاً)) بالضم والفتح (٧) لقوله ((أَنْزِلْنِي))، وأما
الفتح والكسر(٨) فعلى نيابةٍ مصدرٍ الثلاثي مَناب مصدرٍ الرباعي كقوله ((أَنْبتكم
(١) انظر: في قراءاتها: الإتحاف ٢٨٣/٢، البحر ٤٠١/٦، والقرطبي ١١٦/١٢.
(٢) الآية ٦ من المائدة وانظر: الدر المصون ٢٠٩/٤ وهي قراءة نافع وحفص والكسائي.
وابن عامر.
(٣) عامر بن عبد الله أبو عبد الله العنبري، أدرك عثمان وابن مسعود وجماعة من
الصحابة، توفي في خلافة عثمان وقد جهز إلى الشام فمات بها، انظر: طبقات
القراء ٣٥٠/١.
(٤) الآية ٦٦، وانظر: البر المصون ٢٥١/٧.
(٥) وهي قراءة أبي جعفر. انظر: الإتحاف ١٨٦/٢، والمحتسب ٩٠/٢، والنشر
٣٠٤/٢.
(٦) السبعة ٤٤٥، والنشر ٢٢٨/٢، والتيسير ١٥٩، والبحر ٤٠٢/٦، والحجة ٤٨٦.
(٧) بضم الميم وفتح الزاي.
(٨) بفتح الميم وكسر الزاي.
٣٣٠
۔۔

- المؤمنون -
من الأرض نباتاً)(١)، وقد تقدم نظيرُه(٢) في مَدْخَل ومُدْخَل في سورةِ النساء.
و((إنْ)) في قوله (وإنْ كُنَّ)) مخففةٌ، واللامٌ فارقةٌ. وقيل ((إِنْ)) نافيةٌ، واللامُ
بمعنى ((إلاّ))، وقد تقدَّم ذلك غيرَ مرة.
آ. (٣٢) قوله: ﴿فَأَرْسَلْنا فيهم﴾: قال الزمخشري(٣): ((فإنْ
قلتَ: حَقُّ ((أَرْسَلَ)) أَنْ يَتَعَدَّى بـ ((إلى)) كأخواتِه التي هي: وَجَّه وأنفذ ويَعَثَ،
فما بالُّه عُدِّي في القرآن بـ إلى تارة وبـ في أخرى كقوله ((كذلك أَرْسَلْناك في
أمة))(٤)؟ قلت: لم يُعَذَّ بـ ((في) كما عُدِّي بـ ((إلى)) ولم يجعَلْه صلةً مثلَه، ولكن
الأَمََّ أو القريةَ جُعِلَتْ مَوْضِعاً للإِرسالِ كقولٍ رُوُّية (٥):
٣٤١٢- أرسلْتَ فيها مُصْعباً ذا إقحامٍ
وقد جاء ((بعث)) على ذلك كقوله تعالى: ((ولو شِئْنا لَبَعَثْنا في كل قريةٍ
نذيراً))(٦).
قوله: (أَنِ اعْبُدوا)) يجوز أَنْ تكونَ المصدريةَ أي: أَرْسَلْناه بأَنِ اعبدوا
أي: بقوله اعبدوا، وأَنْ تكونَ مفسِّرةً.
(١) الآية ١٧ من نوح.
(٢) الآية ٣١ من النساء وانظر: الدر المصون ٦٦٥/٣.
(٣) الكشاف ٣١/٣.
(٤) الآية ٣٠ من الرعد.
(٥) ليس في ديوانه، وهو في شواهد الكشاف ٥٣٢/٤، وبعده:
طَبّأَ فَقيهاً بذواتِ الأَبْلامِ
والطَّبُّ: الحاذق. والأبلام: الرحم. لأنَّ مَنْ كان حاذقاً بجراحتها كان في
غاية الحذاقة .
(٦) الآية ٥١ من الفرقان.
٣٣١

- المؤمنون -
قال الزمخشري (١): ((فإنْ قلتَ: ذَكَر مقالةَ(٢) هود في جوابه في سورةٍ
الأعراف، وسورة هود، بغير واو: ((قال الملأ الذين كفروا مِنْ قومه إنَّا لَنَراك في
سَفاهة))(٣) ((قالوا يا هودُ ما جِئْتَنَا بَبِّنَة)) (٤) وههنا(٥) مع الواوِ فأيُّ فَرْقٍ بينهما؟
قلت: الذي بغيرِ واوٍ على تقديرِ سؤالٍ سائلٍ : قال: فماذا قيل له؟ فقيل له:
قالوا: كيتَ وكيتَ. وأمَّا الذي مع الواو فَعَطْفٌ لِما قالوه على ما قاله، ومعناه أنه
اجتمع في الحصول: هذا الحقُّ وهذا الباطلُ، وشتان ما بينهما)).
قلت: ولقائلٍ أَنْ يقول: هذا جوابٌ بنفس الواقعِ ، والسؤالُ باقٍ/؛ إذ
يَحْسُنُ أن يُقال: لِمَ لا يُجْعَلْ هنا قولُهم أيضاً جواباً لسؤالٍ سائلٍ كما في
نظيرتّيَّها لوعكس الأمر؟
[٦٥٤/ب]
آ. (٣٣) قوله: ﴿يُمَّا تَشْرَبُونَ﴾: أي: منه، فَحَذَفَ العائد
لاستكمالٍ شروطِهِ(٦) وهو: اتِّحادُ الحرفِ والمتعلَّقِ، وعدمُ قيامِه مقامَ مرفوع،
وعدمُ ضميرٍ آخرَ. هذا إذا جَعَلْناها بمعنى الذي فإنْ جَعَلْتَها مصدراً لم تُحْتج
إلى عائدٍ، ويكونُ المصدرُ واقعاً موقعَ المفعولِ أي: مِنْ مَشْروبکم. وقال في
التحرير: ((وزعم الفراء(٧) أنَّ معنى ((ما تَشْربون)) على حذفٍ أي: تشربون منه .
(١) الكشاف ٣١/٢.
(٢) مطبوعة الكشاف: ((مقام)).
(٣) الآية ٦٦ من الأعراف.
(٤) الآية ٥٣ من هود. والآية في الأصل: ((قالوا ما نراك إلَّ بشراً مثلنا)) والتصحيح من
الكشاف وآية هود ((فقال الملأ الذين كفروا مِنْ قومه ما نراك إلَّ بَشْراً مثلنا، وليس
فيها شاهدٌ لما يريده الزمخشري.
(٥) في الآية ٣٣ من قوله: ((وقال الملأ من قومه)).
(٦) انظر: شرح الكافية الشافية ٢٩٢/١.
(٧) معاني القرآن ٢٣٤/٢.
٣٣٢

- المؤمنون -
وهذا لا يجوز عند البصريين، ولا يَحْتَاج إلى حَذْفٍ البتةَ لأنَّ ((ما)) إذا كانَتْ
مصدريةً لم تحتجْ إلى عائدٍ، فإِنْ جعلتَها بمعنى الذي حَذَفْتَ العائدَ،
ولم يُحْتَجْ إلى إضمار ((مِنْ)). يعني أنَّه يُقَدَّرُ: تَشْربونه من غيرِ حرفِ جرّ، وحينئذٍ
تكون شروطُ الحذفِ أيضاً موجودةٌ، ولكنه تَقُوْتُ المقابلةُ إذ قولُه ((تأكلونَ منه)»
فيه تبعيضٌ، فَلَوْ قَدَّرْتَ هذا: تشربونه مِنْ غير ((مِنْ)) فاتَتْ المقابلةُ. ثم إنَّ قولَه:
((وهو لا يجوز عند البصريين)) ممنوع بل هو جائزٌ لوجود شروطِ الحذف.
آ. (٣٤) قوله: ﴿إِذَنْ﴾: قال الزمخشري(١): ((واقعٌ في جزاءٍ
الشرط وجوابُ للذين قاولوهم مِنْ قومِهم)). قال الشيخ(٢): ((وليس ((إذن)) واقعاً
في جزاءِ الشرط بل واقعاً بين ((إِنَّكم)) والخبر، و((إنكم)) والخبرُ ليس جزاءً
للشرط، بل ذلك جملةُ جوابِ القَسمِ المحذوفِ قبل ((إن)) الشرطيةِ. ولو كانت
((إنكم)) والخبرُ جواباً للشرطِ، لَزِمَتِ الفاءُ في ((إنكم))، بل لوكان بالفاءِ في
تركيبٍ غيرِ القرآنِ لم يكنْ ذلك التركيبُ جائزاً إلَّا عند الفراءِ. والبصريون
لا يُجيزونه. وهو عندهم خطأ)».
قلت: يعني أنه إذا توالَى شرطٌ وقسم أُجيب سابقُهما، والقَسَمُ هنا متقدِّمٌ
فينبغي أَنْ يُجَابَ ولا يجابَ الشرطُ، ولو أُجيب الشرطُ لاختلَّتْ القاعدةُ إلَّ عند
بعضِ الكوفيين، فإنَّه يُجيب الشرطَ وإنْ تأخّر. وهو موجودٌّ في الشعر(٣).
آ. (٣٥) قوله: ﴿أَيَعِدُكم أنَّكُم﴾ : الآيةُ في إعرابها ستةُ أوجهٍ،
أحدُها: أنَّ اسم ((أَنَّ)) الأولى مضافٌ لضميرٍ الخطاب حُذِفَ وأُقيم المضافُ إليه
مُقَامَه، والخبرُ قولُه: ((إذا مِتُمْ)) و((أنْكم مُخْرَجُون)) تكريرٌ لـ ((أنَّ) الأولى للتأكيدِ
والدلالةِ على المحذوفِ والمعنى: أنَّ إخراجَكم إذا مِتُّمْ وكُنْتُم.
(١) الكشاف ٣١/٣.
(٢) البحر ٤٠٤/٦.
(٣) انظر: المسألة في شرح الكافية الشافية ٨٨٨/٢.
٣٣٣

- المؤمنون-
الثاني: أنَّ خبرَ ((أنَّ)) الأولى هو («مُخْرَجُون))، وهو العامل في ((إذا)»،
وكُرِّرَتْ الثانيةُ توكيداً لَّمَّا طال الفصلُ. وإليه ذهبَ الجرميُّ والمبردُ(١)
والفراءُ(٢).
الثالث: أنَّ ((أنَّكم مُخْرَجُون)» مُؤَّولٌ بمصدرٍ مرفوع بفعلٍ محذوفٍ،
ذلك الفعلُ المحذوفُ هو جوابُ ((إذا)» الشرطيةِ، وإذا الشرطيةُ وجوابُها المِقدَّرُ
خبرٌ لـ ((أَنَّكم)) الأولى، تقديرُهُ: يَحْدُث أنكم مُخْرَجون.
الرابع : - كالثالثِ - في كونِه مرفوعاً بفعلٍ مقدرٍ، إلَّ أنَّ هذا الفعلَ
المقدَّرَ خبرٌ لـ ((أنَّ)) الأولى، وهو العاملُ في ((إذا)).
الخامس: أنَّ خبر الأولى محذوفٌ لدلالةِ خبرِ الثانيةِ عليه، تقديرُه:
أنكم تُبْعَثُون، وهو العاملُ في الظرف، وأنَّ الثانية وما في حَيِّزِها بدلٌ من
الأولى، وهذا مذهبُ سيبويه(٣).
السادس: أنَّ ((أَنَّكُم مُخْرَجون)) مبتدأٌ، وخبرُه الظرفُ مقدَّماً عليه،
والجملةُ خبرٌ عن ((أنكم)) الأولى، والتقديرُ: أَيَعِدُكم أنَّكم إخراجُكُم كائنٌ
أو مستقرٌ وقتَ موتِكم. ولا يجوزُ أَنْ يكونَ العاملُ في ((إذا)» («مُخْرَجُونِ)» على
كلِّ قولٍ ؛ لأنَّ ما في حيِّز ((أنَّ) لا يعمل فيما قبلها، ولا يعمل فيها ((مِتَّم)) لأنه
مضافٌ إليه، و((أنّكم)) وما في حَيِّزه في محلِّ نصبٍ أو جرّ بعد حَذْفٍ
الحرفِ، إذ الأصلُ: أَيَعِدُكم بأنّكم. ويجوزُ أَنْ لا يُقَدَّرَ حرفُ جرّ، فيكونُ في
محلِّ نصبٍ فقط نحو؛ وَعَدْتُ زيداً خيراً.
(١) المقتضب ٣٥٦/٢ - ٣٥٧.
(٢) معاني القرآن ٢٣٤/٢.
(٣) الكتاب ٤٦٧/١.
٣٣٤

- المؤمنون -
آ. (٣٦) قوله: ﴿هيهات هيهات﴾: اسمُ فعلٍ معناه: بَعُدَ،
وكُرَّر للتوكيدِ، فليسَتِ المسألةُ من التنازعِ . قال جرير(١):
٣٤١٣- فهيهات هيهاتَ العَقيقُ وأهلُه
وهيهاتَ خِلَّ بالعقيقِ نُواصِلُهْ
وفَسِّره الزَّجَّاجُ(٢) في ظاهرِ عبارتِه بالمصدرِ فقال: ((الْبُعْدُ لِما تُوعدون،
أو بَعُدَ لِما توعدون)). فظاهرُها أنَّه مصدرٌ بدليلٍ عَطْفِ الفعل عليه. ويمكنُ أَنْ
يكونَ فَسَّر المعنى فقط. و ((هيهاتَ)) اسمُ فعلٍ قاصرٍ يرفعُ الفاعلَ، وهنا قد جاء
ما ظاهرُه الفاعلُ مجروراً باللامِ: فمنهم مَنْ جعله على ظاهرِه وقال:
((ما توعدون)) فاعلٌ به، وزِيْدت فيه اللامُ. التقديرُ: بَعُدَ بَعُدَ ما تُوْعَدُون. وهو
ضعيفٌ إذا لم يُعْهَدْ زيادتها في الفاعلِ. ومنهم مَنْ جَعَل الفاعلَ مضمراً لدلالةِ
الكلامِ عليه، فقَدَّره أبو البقاء(٣): ((هيهاتَ التصديقُ أو الصحةُ لِما تُوْعَدون)).
وقدَّره غيرُه: بَعُدَ إخراجُكم، و((لِما تُوْعَدون)) للبيانِ. قال/ الزمخشريُّ (٤): [٦٥٥/أ]
(لبيانِ المُسْتَبْعَدِ ما هو بَعْدَ التصويبِ بكلمةِ الاستبعادِ؟ كما جاءَتِ اللامُ في
((هَيْتَ لك))(٥) لبيانِ المُهَيَّتِ به)). وقال الزجاج(٦): ((البُعْدُ لِما تُوعدون)) فجعله
مبتدأً، والجارُّ بعدَه الخبرُ. قال الزمخشري (٧): ((فإنْ قلت: ما تُوعدون هو
(١) ديوانه ٤٧٩، والخصائص ٤٢/٣، وابن يعيش ٣٥/٤، والهمع ١١١/٢، والدرر
١٤٥/٢.
(٢) معاني القرآن ١٣/٤.
(٣) الإِملاء ١٤٩/٢.
(٤) الكشاف ٣٢/٣.
(٥) الآية ٢٣ من سورة يوسف.
(٦) معاني القرآن ١٣/٤.
(٧) الكشاف ٣٢/٣.
٣٣٥

- المؤمنون : -
المستبعَدُ، ومِنْ حَقُّه أَنْ يرتفع بـ ((هيهاتَ)) كما ارتفع بقوله(١):
فهيهات هيهاتَ العَقيقُ وأهلُه
فما هذه اللام؟ قلت: قال الزجاجُ(٢) في تفسيرِهِ: ((الْبُعْدُ لِما تُوْعَدونَ،
أو بُعْدٌ لِما تُؤْعَدُون فيَمَنْ نَوَّن فَزَّلَه مَنْزِلَةً المصدر)). قال الشيخ(٣): ((وقولُ
الزمخشري: فَمَنْ نَوَّنَهُ نَزَّله منزلةَ المصدرِ، ليس بواضحٍ ، لأنهم قد نَوَّنوا أسماءَ
الأفعال ولا نقول: إنها إذا نُوِّنَتْ تَنَزَّلَتْ منزلةً المصادر)). قلت: الزمخشريُّ
لم يَقُل كذا، إنما قال فيمن نَوَّن نَزَّله منزلةً المصدرِ لأجلِ قولِه: ((أو بُعْدٌ))
فالتنوينُ علةٌ لتقديره إياه نكرةً لا لكونِهِ مُنَزَّلا منزلةَ المصدرِ؛ فإنَّ أسماءَ الأفعال
ما نُوِّن منها نكرةٌ، وما لم يُنَوَّنْ معرفةٌ نحو: صَهْ وصٍَ، تقديرُ الأول بالسكوت،
والثاني بسکوچٍ ما.
وقال ابن عطية (٤): ((طَوْراً تَلي الفاعلَ دون لامٍ، تقول: هيهات مجيءُ
زيدٍ أي: بَعُدَ، وأحياناً يكون الفاعلُ محذوفاً عند اللام كهذه الآيةِ. التقديرُ:
بَعُدَ الوجودُ لِما تُوْعدون)). ولم يَسْتَجْوِزْه الشيخُ(٥) من حيث قولُه حُذِفَ الفاعلُ،
والفاعلُ لا يُحْذَفُ. ومن حيث إن فيه حَذْفَ المصدرِ - وهو الوجودُ - وإبقاءَ
معموله وهو ((لِما تُوعدون)). وهيهاتَ الثاني تأكيدٌ للأولِ تأكيداً لفظياً. وقد جاء
غیر مؤكّدٍ کقوله(٦):
(١) تقدم تخريج البيت قبل قليل.
(٢) معاني القرآن ١٣/٤.
(٣) البحر ٤٠٥/٦.
(٤) المحرر ٢٣٢/١١.
(٥) البحر ٤٠٥/٦.
(٦) البيت لجرير في ملحق ديوانه ١٠٣٩، والكتاب ٢٩٩/٢، واللسان (سوق)،
والخصائص ٤٣/٣.
٣٣٦

- المؤمنون -
٣٤١٤- هيهات مَنْزِلُنا بنَعْفِ سُوَيْقَةٍ
كانت مباركةً على الأيام
وقال آخر (١):
٣٤١٥- هيهاتَ ناسٌ مِنْ أُناسٍ ديارُهُمْ
دُقاقٌ ودارُ الآخرينِ الأوانسُ
وقال رؤبة (٢):
٣٤١٦- هيهاتَ مِنْ مُنْخَرِقٍ هَيْهاؤه
قال القيسي (٣) شارحُ (أبيات الإِيضاح)): ((وهذا مِثْلُ قولِك: بَعُدَ بُعْدُه؛
وذلك أنه بنى من هذه اللفظةِ فَعْلالاً، فجاء به مجيءَ القَلْقَال(٤) والزَّلْزال.
والألفُ في ((هيهات)) غيرُ الألفِ في ((هيهاؤه))، وهي في ((هيهات)) لامُ الفعلِ
الثانيةُ كقاف الحَفْحَقَة(٥) الثانية، وهي في ((هيهاؤه)) ألف الفَعْلال الزائدة))(٦).
وفي هذه اللفظةِ لغاتٌ كثيرةٌ تزيد على الأربعين، وأذكر هنا مشهورَها
وما قُرِىء به: فالمشهورُ هَيْهات بفتح التاءِ من غيرٍ تنوينٍ، بُني لوقوعِه موقعَ
(١) لم أقف عليه، والبيت من الطويل وقد حذفت حركة القاء من التفعيلة الأولى:
فعولن. والدقاق: ما اندقَّ من الشيء.
(٢) ديوانه ٤، والمحتسب ٩٣/٢، والخصائص ٤٣/٣ اللسان (هيه).
(٣) إيضاح شواهد الإيضاح للقيسي ١٩٤/١، والقيسي هو أبو علي الحسن بن عبد الله
من علماء القرن السادس.
(٤) قلقل الشيء: حرِّكه فتحرك واضطرب، فإذا كسرته فهو مصدر وإذا فتحته فهو اسم.
اللسان: قلل.
(٥) الحقحقة: أرفع السير وأتعبه للظهر. انظر: اللسان (حقق).
(٦) فيكون وزن هيهاؤه: فعلاؤه، ووزن هيهات فَعْلَلَت حيث الألف في الأولى زائدة وفي
الثانية أصلية .
٣٣٧

- المؤمنون -
المبنيَّ أو لشِبْهِه بالحرفِ وقد تقدَّم تحقيق ذلك. وبها قرأ العامَّةُ وهي لغة
الحجازيين. و((هَيْهاتً) بالفتح والتنوين، وبها قرأ(١) أبو عمروٍ في روايةٍ هارون
عنه. ونسبها ابن عطية(٢) لخالد بن إلياس(٣). و((هَيْهاتٌ)) بالضمّ والتنوين وبها
قرأ الأحمر(٤) وأبو حيوة. وبالضم من غير تنوين، وتُروى عن أبي حيوةً أيضاً،
فعنه فيها وجهان، وافقهِ أبو السَّمَّال في الأولى دونَ الثانية .
و((هَيْهاتٍ)) بالكسر والتنوين، وبها قرأ عيسى وخالد بن إلياس، وبالكسرِ
من غير تنوين، وهي قراءةُ أبي جعفرٍ وشَيْبة، وتروى عن عيسى أيضاً، وهي
لغة تميم وأسد. وهَيْهَاتْ بإسكانِ التاء، وبها قرأ عيسى أيضاً وخارجة عن
أبي عمرو والأعرج. و((هَيْهاهْ)) بالهاء آخراً وصلاً ووَقْفاً. و((أَيْهاتَ)) بإبدال
الهاء همزة مع فتح التاء(٥)، وبهاتين قرأ بعضُ القرّاء فيما نقل أبو البقاء(٦).
فهذه تسعُ لغاتٍ قد قُرِىء بهن، ولم يتواتَرْ منها غيرُ الأولى .
ويجوز إبدالُ الهمزةِ من الهاء الأولى في جميعِ ما تقدَّم فَيَكْمُل بذلك
ستَ عشرةَ لغةً. و((إْهان)) بالنون آخراً، و((أَيْهَىْ)) بالألفِ آخراً. فَمَنْ فَتَح التَاءَ
قالوا فهي عنده اسم مفرد. ومَنْ كسرها فهي عنده جمعُ تأنيثٍ كَزَيْنبات وهِنْدَات
(١) انظر في قراءاتها: المحتسب ٩٠/٢، والنشر ٣٢٨/٢، والإتحاف: ٢٨٤/٢،
والقرطبي ١٢٢/١٢، والبحر ٤٠٤/٦، والشواذ ٩٧.
(٢) المحرر ١١ /١٠٢٣٣
(٣) خالد بن إلياس أبو الهيثم العدوي المدني، روى عن ربيعة وسعيد المقبري. قال
أحمد: متروك الحديث. وقال البخاري: منكر الحديث. ولم تذكر وفاته. انظر:
تهذيب التهذيب ٨٠/٣.
(٤) عنبسة بن النضر الأحمر أبو عبد الرحمن اليشكري. قرأ على أصحاب حمزة
والحسين الجعفي. ولم تذكر وفاته. طبقات القراء ٦٠٥/١.
(٥) رُسمت في مطبوعة الإملاء قوله: «أيهاه)).
(٦) الإملاء ١٤٩/٢.
٣٣٨

- المؤمنون -
ويُعْزى هذا لسيبويه(١) لأنه قال: ((هي مثل بَيْضات)) فنُسِب إليه أنه جَمْعٌ مِنْ
ذلك، حتى قال بعض النحويين: مفردُها هَيْهَة مثل بَيْضَة. وليس بشيءٍ بل
مفردُها هَيْهات قالوا: وكان ينبغي على أصلِه أن يُقال فيها: هَيْهَيَات بقلب ألف
هَيْهات ياءً لزيادتها على الأربعة نحو: مَلْهَيات ومَغْوَيَاتِ وَمَرْمَيات؛ لأنها من
بناتِ الأربعة المضعَّفة من الياء من باب حاحْت(٢) وصِيصِيَة(٣). وأصلُها بوزن
القَلْقَلة (٤) والحَفْحَقَةُ(٥)/ فانقلبت الياءُ ألفاً لتحرُّكِها وانفتاحِ ما قبلَها فصارَتْ [٦٥٥/ب]
هَيْهاة كالسَّلْقاة(٦) والجَعْباة (٧)، وإنْ كانت الياءُ التي انقلبَتْ عنها ألفُ ((سَلْقاة)»
و((جَعباة)) زائدةً، وياءِ هَيْهَيَة أصلاً، فلمَّا جُمِعت كان قياسُها على قولهم
أَرْطَيات (٨) وعَلْقيات(٩) أن يقولوا فيها هَيْهَيَات، إلَّ أنهم حَذَفوا الألف لالتقاء
الساكنين لما كانت في آخر اسمٍ مبنيًّ، كما حَذَفوها في ذان واللتان وتان
ليَفْصِلوا بين الألفاتِ في أواخر المبنية والألفات في أواخر المتمكنة، وعلى هذا
حذفوها في أُوْلات وذوات لتخالِفَ ياء ((حَصَيَات)) و ((نَويات)).
وقالوا: مَنْ فتح تاء ((هيهات)) فحقُّه أَنْ يكتبَها هاء لأنها في مفرد كتمرة
(١) الكتاب ٤٧/٢.
(٢) حاحيت: صَوَّتُ بالغنم.
(٣) الصيصية: الشيء يحتمي به كالحصن وغيره.
(٤) القلقلة: الحركة والاضطراب.
(٥) الحقحقة: أرفع السير وأتعبه للظهر.
(٦) سَلْقاه: ألقاه على قفاه.
(٧) جَعْباه: صرعه. قال سيبويه ٣٣٤/٢: (هذا باب ما لحقته الزوائد من بنات الثلاثة
وألحق ببنات الأربعة حتى صار يجري مجرى ما لا زيادة فيه، وصارت الزيادة بمنزلة
ما هو من نفس الحرف مثل فَعْلَيْتُه نحو: سَلْقيته سَلْقاة وجَعْبيته جَعْباة)).
(٨) الأرطى: ضرب من الشجر يُدبغ به.
العلقى : ضرب من الشجر.
(٩)
٣٣٩

- المؤمنون -
ونواة. ومَنْ کسرها فَحَقُّه أَنْ یکتبها تاءً لأنها في جمعٍ کهندات. وكذلك حكمُ
الوقفِ سواءً. ولا التفاتَ إلى لغة ((كيف الإِخوةُ والأخَواْ)) ولا ((هذه ثَمْرَتْ))
لقلَّتِها. وقد رُسِمَتْ في المصحفِ بالهاءِ(١).
واختلف القراءُ في الوقفِ(٢) عليها: فمنهم مَنْ اتَّبِع الرسمَ فَوَقَفَ بالهاءِ
وهما الكسائيُّ والبزيُّ عن ابن كثير. ومنهم مَنْ وَقَفَ بالتاءِ، وهم الباقونَ. وكان
ينبغي أَنْ يكونَ الأكثرُ على الوقفِ بالهاءِ لوجهين، أحدُهما: موافقةُ الرسم.
والثاني: أنهم قالوا: المفتوح اسمٌ مفردٌ أصله هَيْهَيَة كزَلْزَلَة وقَلْقَلَة من مضاعفٍ
الرُّباعي. وقد تقدَّم: أنَّ المفردَ يُوقف على تاء تأنيثِه بالهاء.
وأمَّا التنوينُ فهو على قاعدةِ تنوينٍ أسماء الأفعال: دخولُه دالٌّ على
التنكيرِ، وخروجُه دالَّ على التعريف. قال القَيْسِيُّ: ((مَنْ نَوَّن اعتقد تنكيرَها
وتَصَوَّر معنى المصدرِ النكرةِ كأنه قال: بُعْداً بُعْداً. ومَنْ لم ينَوِّنْ اعتقد تعريفَها
وتَصَوَّر معنى المصدرِ المعرفةِ كأنه قال: البُعْدَ الْبُعْدَ فجعل التنوينَ دليلَ التنكيرِ
وعدمَه دليلَ التعريفِ)». انتهى. ولا يُوجد تنوينُ التنكير(٣) إلَّ في نوعين: أسماءٍ
الأفعال وأسماءِ الأصوات نحو: سيبويهِ وسيبويهٍ، وليس بقياسٍ : بمعنى أنه
ليس لك أَنْ تُنَوِّن منها ما شِئْتَ بل ما سُمِع تنوينُه اعْتُقِد تنكيرُه. والذي يُقال في
القراءاتِ المتقدمةِ: إِنَّ مَنْ نَوَّن جعله للتنكيرِ كما تقدَّمَ، ومَنْ لم يُنَوِّنْ جَعَلَ
عدمَ التنوينِ للتعريفِ، ومَنْ فَتَحَ فللخِفَّةِ وللإِتْباعِ، ومَنْ كَسَرَ فعلى أصلِ التقاءِ
الساكنين، ومن ضم فتشبيهاً بقبلُ وبعدُ، ومَنْ سَكُّن فلأنَّ أصلَ البناءِ السكونُ،
ومَنْ وقف بالهاءِ فإتْباعاً للرسم (٤)، ومن وقف بالتاءِ فعلى الأصلِ سواءً كُسِرتْ
(١) كذا في الأصل. والرسم بالتاء المفتوحة: هيهات.
(٢) انظر: الإتحاف ٢٨٤/٢، والتيسير ٦٠، والنشر ١٣١/٢.
(٣) انظر في تنوين التنكير: شرح ابن عقيل ٢٨/١. شرح الكافية الشافية ١٤٢١.
(٤) سبق التنبيه إلى هذا الوهم فالرسم بالتاء.
٣٤٠