النص المفهرس

صفحات 301-320

- الحج -
أبو البقاء (١): ((إنما رُفع الفعلُ هنا وإنْ كان قبلَه استفهامٌ لأمرين، أحدهما: أنه
استفهامٌ بمعنى الخبر أي: قد رأيت، فلا يكون له جوابٌ. الثاني: أنَّ ما بعدَ
الفاءِ ينتصِبُ إذا كان المستفهمُ عنه سبباً له، ورؤيته لإِنزالِ الماءِ لا يُؤْجِبُ
اخضرارَ الأرض، وإنما يجبُ عن الماء)». وأمَّا قولُه: ((وإنما عَبَّر بالمضارع)» فهو
معنى كلامِ الزمخشري بعينه، وإنما غَيِّر عبارتَه وأَوْسَعَها.
وقوله: ((فتصبحُ)» استدلَّ به بعضُهم على أن الفاءَ لا تقتضي التعقيبَ قال:
(لأنَّ اخضرارَها متراخٍ عن إنزالِ الماء، هذا بالمشاهدةِ)). وقد أجيب عن ذلك
بما نقله عكرمةُ: مِنْ أَنَّ أرضَ مكة وتهامةً على ما ذُكر، وأنها تُمْطِرُ الليلةَ فتصبح
الأرضُ غُدْوَةً خَضِرَةً، فالفاءُ على بابها. قال ابن عطية(٢): ((وشاهَدْتُ هذا في
السُّوس الأقصى، نَزَل المطر ليلاً بعد قَحْط، فأصبحت تلك الأرضُ الرَّمِلةُ التي
تَسْفيها الرياحُ قد اخضرَّت بنباتٍ ضعيف)). وقيل: تراخي كلُّ شيءٍ بحَسَبه.
وقيل: ثَمَّ جملٌ محذوفةٌ قبل الغاءِ تقديره: فتهتزُّ وتَرْبُو وتَنْبُتُ فتصبحُ. بِبِّنُ ذلك
قولُه : ((فإذا أَنْزَلْنا عليها الماءَ اهتَزَّتْ وَرَبَتْ وأَنْبتَتْ. وهذا من الحذفِ الذي يَدُلُّ
عليه فَحْوَى الكلام كقوله تعالى: ((فأَرْسِلونٍ. يوسفُ أيها الصِّدِّيقُ أَفْتِنا)) (٣).
إلى آخر القصة .
و(تُصْبِحُ)) يجوزُ أَنْ تكونَ الناقصةَ، وأَنْ تكونَ التامَّةَ. و(«مُخْضَرَّةً)»
حالٌ. قاله أبو البقاء(٤). وفيه بُعْدٌ عن المعنى إذ يصير التقديرُ: فَتَدْخُلُ الأرضُ
في وقتِ الصباح على هذه الحالِ. ويجوزُ فيها أيضاً أن تكونَ على بابِها من
الدلالةِ على اقترانِ مضمون الجملة بهذا الزمنِ الخاصِّ. وإنما خَصُّ هذا
(١) الإملاء ١٤٦/٢.
(٢) المحرر ٢١٦/١١.
(٣) الآيتان ٤٥ - ٤٦ من يوسف.
(٤) الإملاء ١٤٦/٢.
٣٠١

- الحج -
الوقت لأن الخضرةَ والبساتينَ أبهجُ ما تُرَىْ فيه. ويجوزُ أن تكونَ بمعنى
تَصير.
وقرأ العامَّةُ بضمُّ الميم وتشديدِ الراء اسم فاعلٍ ، مِنْ اخْضَرَّت فهي
مُخْضَرَّةٌ. والأصلُ مُخْضَرِرَة بكسر الراء الأولى، فَأَدْغِمَتْ في مثلها. وقرأ(١)
بعضُهم ((مَخْضَرَة)) بفتح الميم وتخفيفِ الراء بزنة مَبْقَلَة وَمَسْبَعَة. والمعنى:
ذات خُضْرَواتٍ وذاتٍ سِباعِ وذات بَقْلٍ.
آ. (٦٥) قوله: ﴿والفُلْكَ﴾: العامَّةُ على نصبِ ((الفلك)) وفيه
وجهان، أحدهما: أنّها عطفُ على ((ما في الأرض)) أي: سَخّر لكم ما في
الأرض، وسَخَّر لكم الفلك. وأفردها بالذِّكْرِ، وإن انْدَرَجَتْ بطريقِ العمومِ
تحت ((ما)). من قوله: ((ما في الأرض)) لظهورِ الامتنانِ بها ولعجيب تسخيرِها
دونَ سائر المُسَخَّراتِ. و((تَجْري)) على هذا حال. الثاني: أنها عَطْفٌ على
الجلالة بتقدير: ألم ترَ أن الفلكَ تَجْري في البحر، فتجري خبرٌ على هذا.
وضمَّ(٢) لامَ ((الفُلُكَ)) هنا الكسائي فيما رواه عن الحسن، وهي قراءةٌ
ابن مقسم. وقرأ(٣) أبو عبد الرحمن وطلحة والأعرج وأبو حيوة والزعفراني برفع
(والفلكُ)) على الابتداء وتجري بعده الخبر. ويجوز أن يكونَ ارتفاعُه عطفاً على
محلِّ اسم ((أنَّ)) عند مَنْ يُجَوِّز(٤) ذلك نحو: ((إنَّ زيداً وعمروٌ قائمان)) وعلى هذا
[٦٥٠/ب] فـ (تجري)) حال أيضاً. و((بأمرِه)) الباءُ / للسبية. قوله: ((أَنْ تقعَ)) فيه ثلاثةُ
أوجهٍ، أحدُها: أنها في محلِّ نصبٍ أو جرِّ لأنها على حَذْفِ حرفِ الجرِّ تقديرُه:
(١) البحر ٣٨٧/٦، والإملاء ١٤٦/٢.
(٢) البحر ٣٨٧/٦.
(٣) البحر ٣٨٧/٦، والكشاف ٢١/٣.
(٤) انظر المسألة في الارتشاف ١٦٠/٢.
٣٠٢

- الحج -
من أن تقعَ. الثاني: أنها في محلٌ نصبٍ فقط؛ لأنها بدلٌ من ((السماء)) بدلُ
اشتمالٍ. أي: ويُمْسِكُ وقوعَها يَمْنَعُه. الثالث: أنها في محلَّ نصبٍ على
المفعولِ مِنْ أجلِه، فالبصريون يقدِّرون: كراهةً أن تقعَ. والكوفيون: لئلا تقعَ.
قوله: ((إلاَّ بإذْنِه)) في هذا الجارِّ وجهان، أحدهما: أنَّه متعلقٌ بـ((تقعَ))
أي: إلّ بإذنه فتقع. والثاني: أنَّه متعلّقٌ بَيُمْسِكُ. قال ابن عطية(١): ((ويحتمل
أَنْ يعودَ قولُه ((إلاَّ بإذنه)) على الإِمساك، لأنَّ الكلامَ يَقْتضي بغير عَمْدٍ ونحوَه،
كأنه أراد: إلّ بإذنِه فبه يُمْسِكها)). قال الشيخ(٢): ((ولو كان على ما قال لكان
التركيبُ: بإذنِهِ، دونَ أداة الاستثناءِ. ويكونُ التقديرُ: ويُمْسِك السماء بإذنه)).
قلت: وهذا الاستثناءُ مُفَرِّغٌ، ولا يقعُ في موجَبٍ، لكنه لَّمَّا كان الكلامُ قبلَه في
قوةِ النفي ساغَ ذلك، إذ التقديرُ: لا يَتْرُكُها تقعُ إلَّ بإذنه. والذي يظهرُ أنَّ هذه
الباءَ حاليةٌ أي: إلّ ملتبسةً بأمرِه.
آ. (٦٧) قوله: ﴿هم ناسِكُوه﴾: هذه الجملةُ صفةٌ لـ مَنْسَكاً.
وقد تقدَّم(٣) أنه يُقْرَأُ بالفتح والكسر. وتقدَّم الخلافُ فيه: هل هو مصدرٌ
أو مكانٌ؟ وقال ابنُ عطية(٤): ((ناسِكوه يُعطي أنَّ المَنْسَك المصدرُ، ولو كان
مكاناً لقال: ناسِكون فيه)) يعني أنَّ الفعلَ لا يَتْعَدَّى إلى ضمير الظرفِ إلَّ
بواسطةٍ ((في)). وما قاله غيرُ لازمٍ؛ لأنه قد يُتَّسع في الظرف فيجري مَجْرَى
المفعولِ به، فيصِلُ الفعلُ إلى ضميرِه بنفسه، وكذا ما عَمِلَ عَمَلَ الفعل. ومن
الاتِّساع في ظرفِ الزمان قوله(٥):
(١) المحرر ٢١٦/١١.
(٢) البحر ٣٨٧/٦.
(٣) انظر إعرابه للآية ٣٤ من الحج.
(٤) المحرر ٢١٦/١١.
(٥) تقدم برقم ٤٣٥.
٣٠٣

- الحج -
٣٣٩٨ - ويومٍ شَهِدْنَاه سُلَيْمَى وعامراً
قليلٍ سوى الطَّعْنِ النَّهالِ نوافِلُهْ
ومن الأَنِّساع في ظرفِ المكان قولُه(١):
٣٣٩٩ - ومَشْرَبِ: أَشْرَبُه وَشِيْلٍ
لا أَجِنِ الطَّعْمِ ولا وَبِيْلِ
يريد: أشرب فیه .
قوله: ((فلا يُنَازِعُنَّك)) وقُرِىء(٢) بالنون الخفيفة. وقرأ أبو مجلز: ((فلا
يَنْزِعُنَّك)) مِنْ نَزَعْتُهُ مِنْ كذا أي: قَلَعْتُه منه. وقال الزجاج(٣): «هو مِنْ نازَعْتُه
فَتَزِعْته أَنْزَعُه أي: غَلَبْتُهُ في المنازَعَة)). ومجيءُ هذهِ الآيةِ كقوله تعالى: ((فِلَا
يَصُدَّنَّكَ عنها)) وقولهم: لا أُرَيَنَّكَ ههنا. وهنا جاء قولُه ((لكلِّ أمةٍ)) من غير واوٍ
عطفٍ، بخلافِ ما تَقَدَّم مِنْ نظيرتِها(٤) فإنها بواوِ عطفٍ. قال الزمخشري(٥):
(لأنَّ ((تلك)) وَقَعَتْ مع ما يُدانيها ويناسِبُها من الآيِ الواردةِ في أمر النسائِكِ،
فَعُطِفَتْ على أخواتِها، وأمَّا هذه فواقعةٌ مع أباعدَ مِنْ معناها فلم تجد مَعْطَفاً.
آ. (٧٢) قوله: ﴿تَعْرِفُ﴾: العامَّةُ على ((تَعْرِف)» خطاباً مبنياً
للفاعل. ((المُنْكَرَ)) مفعول به. وعيسى بن عمر(٦) ((يُعْرَفُ)) بالياءِ من تحتُ مبنياً
(١) البيت لأحيحة بن الجلاح. وهو في الارتشاف ٢٧٠/٢، والبحر ٣٨٧/٦، والهمع
٢٠٣/١، والدرر ١٧٢/١ .
والوَشَل: الماء القليل يقطر من جبل قليلاً قليلاً. وأَجِنَ يَأْجَنُ فهو أَجِن؛ إذا تغيّر.
والوبيل: الذي لا يستمرأ.
(٢) انظر في قراءاتها: القرطبي ٩٤/١٢، والمحتسب ٨٥/٢، والبحر ٣٨٨/٦ .
(٣) معاني القرآن ٤٣٧/٣.
(٤) الآية ٣٤ من الحج ((ولكل أمة جعلنا منسكاً)).
(٥) الكشاف ٢١/٣.
(٦) البحر ٣٨٨/٦، والشواذ ٩٦.
٣٠٤

- الحج -
للمفعول، و((المنكرُ)) مرفوعٌ قائمٌ مقامَ الفاعلِ. والمُنْكَرُ اسمُ مصدرٍ بمعنى
الإِنكارِ. وقوله: ((الذين كفروا)) من إقامةِ الظاهرِ مُقَامَ المضمرٍ للزيادةِ عليهم
بذلك.
قوله: ((يكادون يَسْطُوْنَ)) هذه حالٌ: إمَّا مِنَ الموصولِ، وإنْ كان مضافاً
إليه، لأنَّ المضافَ جزؤُه، وإمَّا من الوجوه لأنها يُعَبِّر بها عن أصحابِها، كقوله:
(وجوهُ يومئذٍ عليها غَرةٌ))(١) ثم قال: ((أولئك هم)). و ((يَسْطُون)) ضُمِّن معنى
يَبْطِشُون فُيُعَدَّى تعديَته، وإلاّ فهو متعدٍّ بـ على يُقال: سَطا عليه. وأصلُه القهرُ
والغَلْبَةُ. وقيل: إظهارُ ما يُهَوِّلُ للإِخافةِ. ولفلان سَطْوَةٌ أَي: تَسَلُّطُ وقهرٌ.
قوله: ((النار)) يُقرأ(٢) بالحركاتِ الثلاث: فالرفعُ مِنْ وجهين. أحدُهما:
الرفعُ على الابتداءِ، والخبرُ الجملةُ مِنْ ((وَعَدّها الله)) والجملةُ لا محلَّ لها فإنها
مفسِّرةٌ للشرِّ المتقدِّمِ. كأنه قيل: ما شَرَّ من ذلك؟ فقيل: النارُ وعدها الله.
والثاني : أنها خبرُ مبتدأ مضمرٍ كأنه قيل: ما شرٌّ من ذلك؟ فقيل: النارُ أي: هو
النارُ، وحينئذٍ يجوزُ في ((وعدها الله)) الرفعُ على كونها خبراً بعد خبرٍ .
وأُجيز أن تكون بدلاً من ((النار)). وفيه نظرً: من حيث إنَّ المُبْدَلَ منه
مفردٌ. وقد يُجاب عنه: بأنَّ الجملةَ في تأويلِ مفردٍ، وتكونُ بدلَ اشتمالٍ. كأنه
قيل: النارُ وعدها اللَّهُ الكفارَ. وأجيز أن تكونَ مستأنفةً لا محلَّ لها. ولا يجوزُ
أَنْ تكونَ حالاً. قال أبو البقاء (٣): ((لأنه ليس في الجملةِ ما يَصْلُحِ أَنْ يَعْمَلَ في
(١) الآية ٤٠ من عبس.
(٢) قراءة الجمهور بالضم. وقرأ ابن أبي عبلة وآخرون بالنصب، وابن أبي إسحاق
وآخرون بالكسر. انظر: القرطبي ٩٦/١٢، والبحر ٣٨٩/٦.
(٣) الإملاء ١٤٦/٢.
٣٠٥

- الحج -
الحال)). وظاهرُ نَقْلِ الشيخ(١) عن الزمخشري(٢) أنه يُجيز كونَها(٣) حالاً فقال:
((وأجاز الزمخشريُّ أَنْ تكونَ ((النار)) مبتدأً، و((وعدَها)) خبرٌ، وأَنْ يكونَ حالاً
على الإِعرابِ الأول)). انتهى. والإِعرابُ الأولُ هوكونُ (النار)) خبرَ مبتدأ
مضمرٍ. والزمخشريُّ لم يجعَلْها حالاً إلَّ إذا نَصَبْتَ ((النار)) أو جَرَرْتَها بإضمار
(قد)) هذا نصّه(٤). وإنما مَنَعَ ذلك لِما تقدَّم من قولِ أبي البقاء، وهو عدمُ
العاملِ .
والنَصبُ - وهو قراءةُ زيدٍ بن علي وابن أبي عبلة - من ثلاثةِ أوجٍ،
أحدها: أنها منصوبةٌ بفعلٍ مقدرٍ يُفَسِّرِه الفعلُ الظاهرُ، والمسألةُ من الاشتغال.
الثاني: أنها منصوبةٌ على الاختصاصِ ، قاله الزمخشري (٥). الثالث: أن
ینتصب بإضمارٍ أعني، وهو قريب ممّا قبله أو هو هو.
/ والجرُّ - وهو قراءةُ ابن أبي إسحاق وإبراهيم بن نوح (٦) على البدل
مِنْ ((شر)».
[٦٥١/أ]
والضميرُ في ((وعدها)). قال الشيخ (٧): ((الظاهرُ أنَّه هو المفعولُ الأولُ
على أنَّه تعالى وَعَدَ النارَ بالكفار أن يُطْعِمَها إِيَّاهم، ألا ترى إلى قوله تعالى:
((وتقولُ هَلْ مِنْ مزيدٍ))(٨). ويجوزُ أَنْ يكونَ الضميرُ هو المفعولَ الثاني،
(١) البحر ٣٨٩/٦.
(٢) الكشاف ٢٢/٣.
(٣) أي ((وعدها)).
(٤) قال: ((وأن تكون حالاً عنها إذا نصبتها أو جررتها بإضمار قد)).
(٥) الكشاف ٢٢/٣.
(٦) لم أقف على ترجمته
(٧) البحر ٣٨٩/٦.
(٨) الآية ٣٠ من سورة ق.
٣٠٦

- الحج -
و ((الذين كفروا)» هو المفعولَ الأولَ كما قال: وَعَدَ اللَّهُ المنافقين والمنافقاتِ
والكفارَ نارَ جهنمَ))(١). قلت: ينبغي أن يتعيَّنَ هذا الثاني؛ لأنَّه متى اجتمع
بعدما يتعدَّى إلى اثنين شيئان ليس ثانيهما عبارةً عن الأول، فالفاعلُ المعنويُّ
رتبتُه التقديمُ وهو المفعولُ الأولُ. ونعني بالفاعلِ المعنويِّ مَنْ يتأتّى منه فِعْلٌ.
فإذا قلتَ: وَعَدْتُ زيداً ديناراً فالدينار هو المفعول؛ لأنه لا يتأتّى منه فِعْلٌ، وهو
نظير: ((أعطيت زيداً درهماً)) فـ ((زيدٌ)) هو الفاعلُ لأنه آخذٌ للدرهم.
قوله: ((وبْسَ المصيرُ)) المخصوصُ محذوفٌ. تقديرُه: وبئس المصيرُ
هي النارُ.
آ. (٧٣) قوله: ﴿ضُرُب مَثَلٌ﴾: قال الأخفش(٢): ((ليس هنا
مَثَلَ، وإنما المعنى: جَعَلَ الكفارُ للَّهِ مثلاً)). وقال الزمخشري(٣): ((فإنْ قلتَ:
الذي جاء به ليس مَثَلاً فكيف سَمَّاه مَثَلاً؟ قلت: قد سُمِّيَتِ الصفةُ والقصةُ
الرائعةُ المتلقّاةُ بالاستحسانِ والاستغرابِ مثلاً؛ تشبيهاً لها ببعض الأمثالِ
المسيّرةِ لكونها مستغربةً مستحْسنةً)». وقال غيره(٤): هو مَثَلٌ)) من حيث
المعنى؛ لأنه ضُرِب مثلُ مَنْ يعبد الأصنامَ بمن يعبد ما لا يخلقُ ذُباباً)).
وقرأ العامَّةُ ((تَدْعُون)) بتاء الخطاب. والحسن(٥) ويعقوب وهارون
(١) الآية ٦٨ من سورة التوبة.
(٢) معاني القرآن له ٤١٦/٢ وعبارته: ((ليس ههنا مثل، لأنه تبارك وتعالى إنما قال:
ضُرِب لي مثل فجعل مثلاً عندهم لي فاستمعوا لهذا المثل الذي جعلوه مثلي في
قولهم واتخاذهم الآلهة، وأنهم لن يَقْدِروا على خَلْقِ ذباب ولو اجتمعوا له، وهم
أضعف ... فكيف تضرب هذه الآلهة مثلاً لربها؟)»
(٣) الكشاف ٢٢/٣ .
(٤) انظر: البحر ٣٩٠/٦.
(٥) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٢٧٩/٢، والقرطبي ٩٧/١٢، والنشر ٣٢٧/٢، والبحر
٣٩٠/٦.
٣٠٧

- الحج -
ومحبوب عن أبي عمرو بالياء من تحت. وهو في كلتيهما مبنيٌّ للفاعل.
وموسى الأسواري واليماني ((يُدْعَوْن)) بالياءِ مِنْ أسفلُ مبنياً للمفعول.
قوله: لن يَخْلُقوا)) جعل الزمخشري(١) نَفْي ((لن) للتأبيد وقد تقدَّم البحث
معه في ذلك(٢). والذبابُ معروفٌ. ويُجمع على ذِيَّان وذُبّان بكسر الذال
وضمِّها وعلى ذُبّ. والمِذَبَّةِ ما يُظْرَدُ بها الذبابُ. وهو اسمُ جنسٍ واحدتُه
ذُبابة، يقع للمذكرِ والمؤنثِ فيفرَّقُ بالوصف.
۔
قوله: ((ولو اجتمعوا له)) قال الزمخشري (٢): «نصبٌ على الحالِ كأنه
قال: يَسْتحيل خَلْقُهم الذبابَ مشروطاً [عليهم](٣) اجتماعُهم جميعاً لخَلْقِه
وتعاونُهم عليه)) وقد تقدم غيرَ مرة أنَّ هذه الواوَ عاطفةٌ هذه الجملةَ الحاليةَ عِلَى
حال محذوفةٍ أي: انتفى خَلْقُهم الذبابَ على كلِّ حال، ولو في هذه الحالِ
المقتضيةِ لخَلْقِهِم لأجلِ الذباب، أو لأجلِ الصنّمِ .
والسَّلْبُ: اختطافُ الشيءِ بسرعة. يُقال: سَلَّبَه نِعْمَتَه. والسلَبُ: ما على
القتيل. وفي الحديث(٤): ((مَنْ قتل قتيلاً فله سَلَّبُه)). والاستنقاذ: استفعالٌ
بمعنى الإِفعال يقال: أنقذه مِنْ كذا أي: أنجاه منه، وخَلَّصه. ومثله أَبَلَّ
المريضُ واسْتَبَلَّ .. وقوله ((ضَعُفَ الطالبُ)) قيل هو إخبار. وقيل: هو تعجُّبُ.
والأولُ أُظھرُ.
(١) الكشاف ٢٢/٢ وعبارة المطبوعة ((لن أخت ((لا)) في نفي المستقبل إلاَّ أنَّ [لَنْ] تنفيه
نفياً مؤكداً، وتأكيده ههنا للدلالة على أنَّ خَلْقَ الذباب منهم مستحيل)).
(٢) الكشاف ٢٢/٢.
(٣) زيادة من الكشاف.
(٤) رواه البخاري في كتاب فرض الخمس، ١٨ باب من لم يخمِّس الأسلاب. الفتح
٢٨٤/٦.
٣٠٨

- الحج -
آ. (٧٥) قوله: ﴿اللَّهُ يَصْطَفي من الملائكةِ رُسُلًا، ومن
الناسٍ﴾: قيل: تقديرُه: ومن الناسِ رسلاً. ولا حاجةً لذلك، بل قوله
((ومن الناس» مقدَّرُ التقديم أي: يصطفي من الملائكة، ومن الناس رسلاً.
آ. (٧٨) قوله: ﴿حقَّ جهادِهِ﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ منصوباً على
المصدرِ. وهو واضح. وقال أبو البقاء(١): ((ويجوزُ أَنْ يكونَ نعتاً لمصدرٍ
محذوفٍ أي: جهاداً حَقَّ جهادِه)) وفيه نظر من حيث إنَّ هذا معرفةٌ فكيف يُجعل
صفةُ لنكرة؟ قال الزمخشريُّ(٢): ((فإنْ قلتَ: ما وَجْهُ هذه الإِضافةِ، وكان
القياسُ: حَقَّ الجهادِ فيه، أو حَقَّ جهادِكم فيه. كما قال: ((وجاهدوا في الله))؟
قلت: الإِضافةُ تكون بأدنى ملابسةٍ واختصاصٍ، فلمّا كان الجهادُ / مختصاً بالله [٦٥١/ب]
من حيث إنه مفعولٌ من أجلِه ولوجهِه صحَّتْ إضافتُه إليه. ويجوز أن يُتَّسَعَ في
الظرف کقوله(٣):
٣٤٠٠ - ويومٍ شَهِدْناه سُلّيْمى وعامِراً
يعني بالظرفِ الجارَّ والمجرورَ، كأنه كان الأصلُ: حَقَّ جهادٍ فیه،
فحذف حرفَ الجرِّ وأُضيف المصدرُ للضميرٍ، وهو من باب ((هو حقُّ عالم وجِدُّ
عالم)) أي: عالِمٌ حقاً وعالِمٌ جدًّاً.
قوله: ((مِلَّةَ أبيكم)) فيه أوجه أحدُها: أنها منصوبةٌ بـ ((اتَّبِعوا)) مضمراً قاله
الحوفي، وتبعه أبو البقاء (٤). الثاني: أنها على الاختصاصِ أي: أعني بالدين
(١) الإملاء ١٤٧/٢.
(٢) الكشاف ٢٣/٣ - ٢٤.
(٣) تقدم برقم ٤٣٥.
(٤) الإملاء ١٤٧/٢.
٣٠٩

- الحج -
ملةً أبيكم. الثالث: أنها منصوبةٌ بما تقدَّمها، كأنه قال: وَسَّع دينكم تَوْسِعَةً مَّةٍ
أبيكم، ثم حُذِف المضافُ، وأُقيم المضافُ إليه مُقامَه. قاله الزمخشري(١).
الرابع: أنه منصوبٌ بـ ((جَعَلها)) مُقَدراً، قاله ابن عطية(٢). الخامس: أنها
منصوبةٌ على حَذْف كافِ الجرِّ أي كملَّةِ إبراهيمَ، قاله الفراء(٣). وقال
أبو البقاء(٤) قريباً منه، فإنه قال: ((وقيل: تقديرُه: مثلَ ملةٍ؛ لأن المعنى: سَهَّل
عليكم الدينَ مثلَ ملةٍ أبيكم، فَحُذِفَ المضافُ وأُقيم المضافُ إليه مُقامبه)).
وَأَظْهَرُ هذه الثالثُ. و((إبراهيم)) بدلٌ أو بيانٌ، أو منصوبٌ بِأَعْني.
قوله: ((هو سّمَّاكم)) في هذا الضميرِ قولان، أحدهما: أنه عائدٌ على
((إبراهيم)) فإنه أقربُ مُذكورٍ. إلَّ أنَّ ابنَ عطيةً(٥) قال: ((وفي هذه اللفظةِ(٦) -
يعني قولَه ((وفي هذا)) - ضَعْفُ قَوْلِ مَنْ قال: الضمير لإِبراهيم. ولا يَتَوَجَّه إلاّ
بتقديرٍ محذوفٍ من الكلامِ مستأنفٍ)) انتهى. ومعنى ((ضَعْف قولٍ مَنْ قال
بذلك)) أنَّ قوله ((وفي هذا)) عطفُ على ((مِنْ قبلُ))، و((هذا)) إشارةٌ إلى القرآن
فيلزمُ أن ((إبراهيم)) سَمَّاهم المسلمين في القرآن. وهو غيرُ واضحٍ؛ لأن القرآن
المشارَ إليه إنما نزل بعد إبراهيم بمُدَدٍ طِوالٍ؛ فلذلك ضَعُفَ قولُه. وقوله: ((إلاَّ
بتقديرٍ محذوفٍ)) الذي ينبغي أَنْ يقدَّرَ: وسُمِّيْتُم في هذا القرآن المسلمين.
وقال أبو البقاء(٧): ((قيل الضميرُ لإِبراهيم، فعلى هذا الوجهِ يكونُ قولُه ((وفي
(١) الكشاف ٢٤/٣.
(٢) المحرر ٢٢١/١١.
(٣) معاني القرآن ٢٣/١/٢.
(٤) الإملاء ١٤٧/٢ .
(٥) المحرر ٢٢١/١١
(٦) عبارة المطبوعة: ((وهذه اللفظة تضعف)).
(٧) الإِملاء ١٤٧/٢.
٣١٠

- الحج -
هذا)) أي: وفي هذا القرآن سببُ تسميتهم))(١). والثاني: أنه عائدٌ على اللّهِ
تعالى ويَدُلُّ له قراءةُ أَبَّ (٢): ((الله سَمَّاكم)) بصريح الجلالةِ أي: سَمَّاكم في
الكتبِ السالفةِ وفي هذا القرآنِ الكريمِ أيضاً.
قوله: ((ليكونَ الرسولُ)) متعلقٌ بسَمَّاكم .
وقوله ((فِنِعْمَ المَوْلَى)) أي: اللَّهُ. وحَسَّن حذفَ المخصوصِ وقوعُ الثاني
رأس آيةٍ وفاصلةٍ .
[تَمَّت بعونه تعالى سورة الحج]
(١) عبارة المطبوعة: ((فعلى هذا الوجه يكون قوله ((وفي هذا)) أي: وفي هذا القرآن
سَمَّاكم أي : بسببه سُمِّيتم)).
(٢) البحر ٣٩١/٦.
٣١١

- المؤمنون -
سورة المؤمنون
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (١) قوله: ﴿قد أَفْلَحَ﴾: العامَّةُ على ((أَفْلَحَ)) مفتوحَ الهمزةِ
والحاءِ فعلًا ماضياً مبنياً للفاعلِ. وورشٌ(١) على قاعدتِه مِنْ نَقْلِ حركةِ الهمزةِ
إلى الساكنِ قبلَها وحَذْفِها. وعن حمزةَ في الوقف خلفٌ: فرُوِيّ عنه كورشٍ ،
وكالجماعة. وقال أبو البقاء (٢): ((مَنْ ألقى حركةَ الهمزةِ على الدالِ وَحَذَفَها
فَعِلَّتُه: أنَّ الهمزةَ بعد حَذْفٍ حركتِها صُيِّرَتْ ألفاً، ثم حُذِفَتْ لسكونِها وسكونِ
الدالِ قبلها في الأصل. ولا يُعْتَدُّ بحركةِ الدال لأنها عارضةٌ)). وفي كلامِه نظرٌ
من وجهين، أحدهما: أنَّ اللغةَ الفصيحةَ في النقلِ حَذْفُ الهمزةِ من الأصلِ
فيقولون: المَرَةِ والكُمَة في: المَرْأَة والكُمْأَة. واللغةُ الضعيفةُ فيه إيقاوها
وتَدْبِيرُها بحركةِ ما قبلَها فيقولون: المراة والگماة بمَدَّةٍ بدل الهمزة کراس وفاس
فيمَنْ خفِّفَهما. فقوله: ((صُيِّرَتْ ألفً) ارتكابٌ لأضعفِ اللغتين.
الثاني: أنه - وإنْ سُلِّمَ أنَّها صُيِّرَتْ ألفاً فلا نُسَلَّم أنَّ حَذْفَها لسكونِها
وسكونِ الدالِ في الأصل، بل حَذْفُها لساكنٍ محققٌ في اللفظِ وهو الفاء مِنْ
((أفلح))، ومتى وُجد سببٌ ظاهرٌ أُحيل الحُكْمُ عليه دونَ السبب المقدر.
(١) انظر في أوجه قراءتها: الإتحاف ٢٨١/٢، والبحر ٣٩٥/٦، والقرطبي ١٠٣/١٢.
(٢) الإملاء ١٤٧/٢.
٣١٣

- المؤمنون -
وقرأ طلحة بن مصرف وعمرو بن عبيد ((أَفْلِحَ)) مبنياً للمفعول أي: دَخَلُوا
في الفلاح. فُيُحتمل أَنْ يكونَ مِنْ أفلح متعدِّياً. يقال: أَفْلحه أي: أصاره إلى
الفلاح، فيكون ((أفلح)) مستعملًا لازماً ومتعديًّاً. وقرأ طلحة أيضاً((أَفْلَحُ)) بفتح
الهمزة واللام وضمُّ الجاء. وتخريجُها على أنَّ الأصلَ ((أَفْلحوا المؤمنون)» بلحاقٍ
علامةِ جمعٍ قبل الفاعلِ كلغة («أكلوني البراغيث)) فيجيءُ فيها ما قَدَّمْتَه في
[٦٥٢/أ] قوله: (ثم عَمُوا وصَمُّوا كثيرٌ منهم))(١) ((وأَسَرُّوا النجوى / الذين ظَلَموا))(٢) قال
عيسى: ((سمعتُ طلحةَ يقرؤُها. فقلتُ له: أتلحنُ؟ قال: نعم كما لحن
أصحابي)) يعني اتَّبَعْتُهم فيما قَرَأْتُ به. فإنْ لَحَنوا على سبيلٍ فَرْضِ المُحالِ
فأنا لاحنٌ تَبَعاً لهم. وهذا يدلُّ على شدَّةِ اعتناءِ القدماءِ بالنَّقْلِ وضَبْطِهِ خلافاً
لمن يُغَلِّطُ الرواةَ.
وقال ابن عطية(٣): ((وهي قراءةً مردودةٌ)). قلت: ولا أدري كيف يَرُدُّونها
مع ثبوتٍ مِثْلِها في القرآن بإجماع وهما الآيتان المتقدمتان؟ وقال
الزمخشري (٤): ((وعنه - أي عن طلحةً ـــ ((أَفْلَحُ)) بضمةٍ بغير واو، اجتزاءً بها
عنها كقوله(٥):
٣٤٠١- فلَوْ أنَّ الأَطِبًّا كانُ حَوْلي
وفيه نظرٌ مِنْ حيث إنَّ الواوَ لا تَثْبُتُّ في مثلِ هذا دَرْجاً لئلا يلتقي
ساكنان، فالحَذْفُ هنا لا بُدَّ منه فكيف يقول اجتزاءً عنها بها؟ وأمَّا تنظيرُه بالبيتِ
(١) الآية ٧١ من المائدة.
(٢) الآية ٣ من الأنبياء.
(٣) المحرر ٢٢٢/١١.
(٤) الكشاف ٢٥/٣ .
(٥) تقدم برقم ٢١٢٦.
٣١٤

- المؤمنون -
فليس بمطابقٍ؛ لأنَّ حَذْفَها من الآيةِ ضروريٍّ ومن البيتِ ضرورةٌ. وهذه الواوُ
لا يظهر لفظُها في الدَّرْجِ ، بل يظهرُ في الوقفِ وفي الخَطِّ.
وقد اختلف النّقْلَّةُ لقراءةٍ طلحة: هل يُثْبِتُ للواوِ صورةً؟ ففي كتاب
ابن خالويه(١) مكتوباً بواو بعد الحاء، وفي ((اللوامح)»: «وحُذِفَتْ الواوُ بعد الحاءِ
لا لتقائِهما في الدَّرْجِ، وكانت الكتابةُ عليها محمولةٌ على الوصلِ نحو: ((ويَمْحُ
اللَّهُ الباطلَ))(٢). قلت: ومنه ((سَنَدْعُ الزَّبانِيَة)(٣)، ((صالِ الجحيم))(٤).
و((قد)» هنا للتوقُّع. قال الزمخشري (٥): ((قد: نقيضَةُ ((لَمَّا))، هي تُثْبِتُ
المتوقَّعَ و ((لَمًّا)) تَنْفيه، ولا شك أن المؤمنين كانوا متوقّعين لهذه البشارةٍ، وهي
للإِخبار بثباتِ الفَلاحِ لهم فَخُوطبوا بما دَلَّ على ثباتٍ ما تَوَقَّعوه)).
آ. (٢) قوله: ﴿في صَلاتِهِم خاشِعون﴾: الجارُّ متعلُّقٌ بما
بعدَه وقُدِّمَ للاهتمام، وحَسَّنه كونُ متعلَّقِه فاصلةً، وكذلك فيما بعده مِنْ أخواتِه.
وَأُضِيْفَتْ الصلاةُ إليهم لأنهم هم المُنْتَفِعون بها، والمُصَلَّى له غَنِيَّ عنها،
فلذلك أُضِيْفَتْ إليهم دونَه .
آ. (٤) قوله: ﴿للزَّكاة﴾: اللامُ مزيدةٌ في المفعولِ لتقدُّمِه على
عامِلِه ولكونِه فرعاً. والزكاةُ في الأصلِ مصدرٌ، ويُطْلَقُ على القَدْرِ المُخْرَجِ من
(١) الشواذ له ٩٧.
(٢) الآية ٢٤ من الشورى وقد حُذِفت الواو من الرسم اتباعاً للفظ، حيث إن الواو تحذف
لالتقاء الساكنين في الدرج.
(٣) الآية ١٨ من العلق.
(٤) الآية ١٦٣ من الصافات.
(٥) الكشاف ٢٥/٣.
٣١٥

- المؤمنون -
الأَعْيانِ. قال الزمخشري(١): ((اسمٌ مشتركٌ بين عَيْنٍ ومَعْنى، فالعينُ: القَدْرُ
الذي يُخْرِجُه المُزَكِّي مِنَ النِّصاب، والمعنى: فِعْلُ المُزَكَّي، وهو الذي
أراده الله فجعل المزكّيْنَ فاعِلين له، ولا يَسُوغ فيه غيرُه لأنَّه ما مِنْ مصدرٍ إلاّ
يُعَبَّرُ عنه بالفِعْلِ. ويُقال لمُحْدِثِه فاعلٌ. تقول للضارب: فاعلُ الضَرْبِ،
وللقاتل فاعلُ القَتْل، وللمزكُي فاعلُ الَّزْكية، وعلى هذا الكلامُ كله. والتحقيقُ
في هذا أنَّك تقولُ في جميع الحوادث: مَنْ فاعلُها؟ فيُقال لك: الله أو بعضُ
الخَلْقِ. ولم تمتنعِ الزكاةُ الدالَّةُ على العينِ أَنْ يتعلَّقَ بها [فاعلون](٢) لخروجِها
مِنْ صحةٍ أَنْ يتناولَها الفاعلُ، ولكن لأنَّ الخَلْقَ ليسوا بفاعليها. وقد أنشدوا
الأميةَ بن أبي الصلت(٣):
؛
٣٤٠٢- المُطْعِمُون الطعامَ في السَّنَة الـ
أزمةِ والفاعلون للزكوات
ويجوز أن يُرادَ بالزكاةِ العَيْنُ، ويُقَدَّرَ مضافٌ محذوفٌ وهو الأداءُ، وحَمْلُ
البيتِ على هذا أَصَحُّ لأنها فيه مجموعةٌ)). قلت: إنما أحوجَ أبا القاسمِ إلى هذا
أنَّ بعضَهم زعم أنه يتغيِّنُ أَنْ تكونَ الزكاةُ هنا المصدرَ؛ لأنه لو أراد العينَ لقال
مُؤْقُّوْن، ولم يقل فاعلون، فقال الزمخشري: لم يمتنعْ ذلك لعدم صحةٍ تناوُلِ
فاعِل لها، بل لأنَّ الخَلْقَ ليسوا بفاعِليها، وإنما جَعَلَ الزكّواتِ في بيتِ أميةً
أعياناً لِجَمْعِها؛ لأنَّ المصدر لا يُجْمع.
وناقشه الشيخ(٤) فقال: ((يجوز أَنْ يكونَ مصدراً وإنما جُمِعَ لاختلافِ
أنواعه».
(١) الكشاف ٢٦/٣.
(٢) زيادة من الكشاف.
(٣) ديوانه ٣٤٥، والقرطبي ١٠٥/١٢.
(٤) البحر ٣٩٦/٦.
٣١٦

- المؤمنون -
قوله: ((إلّ على أَزْواجِهم)) فيه أوجهٌ، أحدُها: أنَّه متعلقٌ بـ ((حافظون)»
على التضمين. يعني مُمْسِكين أو قاصِرين. وكلاهما يتعدَّى بـ على. قال
تعالى: ((أَمْسِكْ عليك زوجَك))(١) الثاني: أن ((على)) بمعنى ((مِنْ)) أي: إلَّ مِنْ
أزواجهم. فـ ((على)) بمعنى ((مِنْ))، كما جاءَتْ ((مِنْ)) بمعنى ((على)) في قوله
((وَنَصَرْناه من القومِ))(٢)، وإليه ذَهَب الفراءُ(٣). الثالث: أَنْ يكونَ في موضع
نصبٍ على الحالِ. قال الزمخشري (٤): أي إلَّ والين على أزواجهم أو/ [٦٥٢/ب]
قَوَّامين عليهنَّ. مِنْ قولِك: كان فلان على فلانةَ فمات عنها، فخلف عليها
فلانٌ. ونظيرُه: كان زيادٌ على البصرة أي: والياً عليها. ومنه قولُهم: ((ثلاثةٌ (٥)
تحت فلان، ومِنْ ثَمَّ سُمِّيَتْ المرأةُ فِراشً». الرابع: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ يَدُلُّ
عليه ((غيرُ مَلومين)). قال الزمخشري(٦): ((كأنه قيل: يُلامُون إلّ على أزواجِهم
أي: يلامون على كلِّ مباشِر إلّ على ما أُطْلِقَ لهم فإنهم غيرُ ملومين عليه)).
قلت: وإنما لم يَجْعَلْه متعلقاً بـ ((ملومين)) لوجهين. أحدهما: أنَّ ما بعد ((إنَّ))
لا يَعْمل فيما قبلها. والثاني: أنَّ المضافَ إليه لا يَعْمل فيما قبلَ المضاف،
ولفسادٍ المعنى أيضاً.
الخامس: أَنْ يُجعل صلةً لحافظين. قال الزمخشري (٧): ((مِنْ قولِك:
احفَظْ عَلَيَّ ◌ِنانَ فرسي))، على تضمينه معنى النفي كما ضُمِّن قولُهم: ((نَشَدْتُك
(١) الآية ٣٧ من الأحزاب.
(٢) الآية ٧٧ من الأنبياء .
(٣) معاني القرآن ٢٣١/٢.
(٤) الكشاف ٢٦/٣.
(٥) الأصل: ((فلان)) وهو سهو؛ والتصحيح من الكشاف والأولى: ثلاث.
(٦) الكشاف ٢٦/٣.
(٧) الكشاف ٢٦/٣ .
٣١٧

- المؤمنون -
باللّهِ إِلَّ فَعَلْتَ)) معنى: ما طَلَبْتُ منك إلَّ فِعْلَك. يعني: أَنَّ صورته إثباتٌ
ومعناه نفيٌ .
قال الشيخ(١) بعدما ذكّرْتُه عن الزمخشري: ((وهذه وجوهُ متكلّفَةٌ ظاهرٌ
فيها العُجْمَةُ)) قلت: وَأَيُّ عُجْمَةٍ في ذلك؟ على أنَّ الشيخَ(٢) جعلها متعلقةٌ
بـ ((حافظون)) على ما ذكره مِنَ التضمين. وهذا لا يَصِحُّ له إلَّ بأَنْ يرتكبَ وجهاً
منها: وهو التأويلُ بالنقيِ كـ (نَشَدْتُك الله)) لأنه استثناءٌ مفرغ، ولا يكونُ إلَّ بعد
نفيٍ أو ما في معناه.
السادس: قال أبو البقاء(٣): ((في موضعِ نصبٍ بـ حافِظُون)) على
المعنى؛ لأنَّ المعنى: صانُوها عن كل فَرْجٍ إلَّ عن فروجِ أزواجِهم)). قلت:
وفيه شيئان، أحدهما: تضمين ((حافظون)) معنى صانُوا، وتضمينُ ((على)) معنى
(عن)).
قوله: ((أو ما ملكَتْ)) ((ما)) بمعنى اللاتي. وفي وقوعها على العقلاءِ
وجهان، أحدهما: أنها واقعةٌ على الأنواعِ كقوله: ((فانكِحوا ما طابَ)) أي:
أنواعَ. والثاني: قال الزمخشري(٤): ((أُريد من جنسِ العقلاءِ ما يَجْرِي مَجْرى
غيرِ العقلاءِ وهم الإِناثُ)). قال الشيخ (٥): ((وقوله: ((وهم)) ليس بجيدٍ؛ لأنَّ لفظً
(هم) مختصٌّ بالذكورِ، فكان ينبغي أَنْ يقولَ: ((وهو)) على لفظ ((ما)». أو ((وهُنَّ)
(١) البحر ٣٩٦/٦.
(٢) قال أبو حيان: ((والأَوْلى أَنْ يكون من باب التضمين. ضمَّن ((حافظون)) معنى
((مُمْسكون)) أو ((قاصرون))، وكلاهما يتعدى بـ على)) ..
(٣) الإِملاء ١٤٦/٢.
(٤) الكشاف ٢٦/٣.
(٥) البحر ٣٩٦/٦.
٣١٨

- المؤمنون -
على معنى ((ما)) قلت: والجواب عنه: أن الضميرَ عائدٌ على العقلاءِ، فقوله
((وهم)) أي: والعقلاءُ الإِناث.
آ. (٨) قوله: ﴿الأماناتِهِم﴾: قرأ(١) ابن كثير هنا وفي ((سأل))(٢)
لأماناتهم)) بالتوحيد. والباقون بالجمع. وهما في المعنى واحد؛ إذ المرادُ
العمومُ والجمعُ أوفقُ. والأمانة في الأصلِ مصدرٌ، ويُطْلق على الشيء المُؤْتَمَّنِ
عليه كقوله: ((أَنْ تُؤَدُّوا الأماناتِ إلى أهلِها))(٣) (وتَخُونوا أماناتِكم))(٤) وإنما يُودَّى
ويُخان الأعيانُ لا المعاني، كذا قال الزمخشري (٥). أمَّا ما ذكره من الآيتين
فَمُسَلَّم. وأمَّا هذه الآيةُ الكريمةُ فتحتمل المصدرَ، وتحتمل العينَ.
وقرأ(٦) الأخَوان ((على صلاتِهم)) بالتوحيد. والباقون ((صَلَّواتهم)) بالجمع.
وليس في المعارج خلافٌ (٧). والإِفرادُ والجمعُ كما تقدَّم في ((أمانتهم))
و «أماناتهم)). قال الزمخشري (٨): ((فإنْ قلتَ: كيف كرَّرَ ذِكْرَ الصلاةِ أولاً (٩)
وآخراً؟ قلت: هما ذِكْران مختلفان، وليس بتكريرٍ، وُصِفُوا أولاً بالخشوعِ في
صلاتهم، وآخِراً بالمحافظةِ عليها)). ثم قال: ((وأيضاً فقد وُحَّدَتْ أولاً لِيُفادَ
الخُشوعُ في جنسِ الصلاةِ أيَّ صلاةٍ كانَتْ، وجُمعت آخراً لتُفادَ المحافظةُ على
أعدادِها، وهي الصلواتُ الخمسُ والوِتْرُ والسُّنْنُ الراتبةُ».
(١) السبعة ٤٤٤، والتيسير ١٥٨، والحجة ٤٨٣، والنشر ٣٢٨/٢، والبحر ٣٩٧/٦.
(٢) وهي الآية ٣٢ من المعارج. وانظر: السبعة ٦٥١.
(٣) الآية ٥٨ من النساء.
(٤) الآية ٢٧ من الأنفال.
(٥) الكشاف ٢٧/٢.
(٦) السبعة ٤٤٤، والتيسير ١٥٨، والحجة ٤٨٢، والنشر ٣٢٨/٢، والبحر ٣٩٧/٦.
(٧) الآية ٣٤ (والذين هم على صَلاتهم يُحافظون)).
(٨) الكشاف ٢٧/٢.
(٩) في الآية ٢، والآية ٩.
٣١٩

- المؤمنون -
قلت: وهذا إنما يَتَّجِهُ في قراءةٍ غيرِ الأخوين. وأمَّا الأخوانِ فإنهما أُفْرِدا
أولاً وآخراً. على أن الزمخشريَّ قد حَكَّى الخلافَ(١) في جَمْعِ الصلاة الثانية
وإفرادِها بالنسبة إلى القراءة .
آ. (١١) قوله: ﴿هم فيها خالدون﴾: يجوز في هذه الجملةِ
أَنْ تكونَ مستأنفةً، وأنْ تكونَ حالاً مقدرةً: إمَّا من الفاعلِ بـ ((يَرِثُون))، وإمَّا مِنْ
مفعوله؛ إذ فیھا ذِكْرُ كلٍ منهما.
آ. (١٢) قوله: ﴿مِنْ سُلالةٍ﴾: فيه وجهان، أحدهما : - وهو
الظاهرُ - أَنْ يتعلَّقَ بـ خَلَقْنا وِ (مِنْ)) لابتداءِ الغاية. والثاني: أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ
على أنَّها حالٌ من الإِنسان، والسُّلالَةُ: فُعالة. وهو بناءُ يَدُلُّ على القِلَّة
كالقُلامة. وهي مِنْ سَلَّلْتُ الشيءَ من الشيءِ أي استَخْرَجْتَه منه، ومنه قولُهم:
هو سُلالَةُ أبيه كأنه انْسَلَّ مِنْ ظَهْرِه وأُنْشِد (٢):
٣٤٠٣- فجاءت به عَضْبَ الأَديمِ غَضَنْفَراً
سُلالةَ فَرْجٍ كان غيرَ حَصِيْنِ
وقال أمية بن أبي الصلت(٣):
٣٤٠٤- خَلَقَ البَرِيَّةَ مِنْ سُلالةِ مُنْتِنٍ
وإلسى السُّلَالَةِ كلِّها سَنعودُ
(١) الكشاف ٢٧/٢ .
(٢) البيت لحسان بن ثابت، وهو في زيادات ديوانه ٥١٩، واللسان (سلل) ومجاز القرآن
٥٦/٢.
(٣) الديوان ٣٧٨، والبحر ٣٩٣/٦.
٣٢٠