النص المفهرس

صفحات 201-220

- الأنبياء -
(أهلكتُها) بتاءِ المتكلم. ومَن قرأ(١) ((حَرِمٌ)) بفتح الحاءِ وكسرِ الراء وتنوينٍ
الميم، فهو في قراءتِه صفةٌ على فَعلِ نحو: حَذِر. وقال(٢) :
٣٣٦٠ - وإن أتاه خليلٌ يومَ مسألةٍ
يقولُ لا غائبُ مالي ولا حَرِمُ
ومَنْ قرأه(٣) فعلًا ماضياً فهو في قراءتِه مسندٌ لـ ((أنَّ)) وما في حَيِّزها. ولا
يَخْفى الكلامُ في ((لا)) بالنسبة إلى الزيادةِ وعدمِها/ فإنَّ المعنى واضحٌ مما [٦٣٦/ب]
تقدَّم. وقُرِىء (٤) ((إِنَّهم)) بالكسرِ على الاستئناف، وحينئذٍ فلا بد من تقدیرِ
مبتدأ يَتِمُّ به الكلام، تقديرُه: ذلك العملُ الصالحُ حرامٌ. وتقدَّم تحريرُ ذلك.
آ. (٩٦) قوله: ﴿حتى إذا﴾: قد تقدم الكلام(٥) على ((حتى))
الداخلةِ على ((إذا)) مشبعاً. وقال الزمخشري(٦) هنا: ((فإن قلت: بمَّ تعلَّقَتْ
((حتى)) واقعةً غايةٌ له وأيَّة الثلاث هي؟ قلت: هي متعلقةٌ بـ («حرامٌ)) وهي غايةٌ
له؛ لأنَّ امتناعَ رجوعِهم لا يزول حتى تقومَ القيامةُ، وهي ((حتى)) التي يُحْكى
بعدها الكلامُ، والكلامُ المحكيُّ هو الجملةُ من الشرطِ والجزاءِ، أعني ((إذا)»
وما في حيزها)). وأبو البقاء(٧) نَحا هذا النحوَ فقال: ((وحتى)) متعلقةٌ في المعنى
بـ ((حرامٌ)) أي: يستمرُّ الامتناع إلى هذا الوقتِ، ولا عملَ لها في ((إذا)).
وقال الحوفي: ((هي غايةٌ، والعاملُ فيها ما دَلَّ عليه المعنىْ مِنْ تأسُّفِهم
(١) وهي قراءة عكرمة وقد تقدمت.
(٢) تقدم برقم ١٢٣١.
(٣) وهي قراءة أبي العالية.
(٤) البحر ٣٣٨/٦.
(٥) انظر: الدر المصون ٤٣٦/٣.
(٦) الكشاف ٥٨٣/٢.
(٧) الإملاء ١٣٧/٢.
٢٠١

- الأنبياء -
على ما فَرَّطوا فيه من الطاعةِ حين فاتّهم الاستدراكُ)). وقال ابنُ عطية (١):
(حتى)) متعلقةٌ بقوله ((وتَقَطَّعوا)). وتحتملُ على بعضِ التأويلاتِ المتقدمة أَنْ
تتعلَّق بـ ((يَرْجِعون))، وتحتمل أَنْ تكونَ حرفَ ابتداءٍ، وهو الأظهر؛ بسبب
(إذا)؛ لأنها تقتضي جواباً هو المقصودُ ذِكْرُه). قال الشيخ(٢): ((وكونُ ((حتى))
متعلقةً بـ ((تَقَطَّعوا)) فيه بُعْدٌ من حيث كثرةُ الفصلِ لكنه من حيث المعنى جيدً:
وهو أنهم لا يزالون مختلفين على دين الحقِّ إلى قُرْب مجيءِ الساعةِ، فإذا
جاءت الساعةُ انقطع ذلك كلُّه)).
وتلخّصَ في تعلُّق ((حتى)) أوجهُ، أحدها: أنها متعلقةٌ بـ («حرامٌ)). الثاني:
أنها متعلقةٌ بمحذوفٍ وَلَّ عليه المعنى، وهو قولُ الحوفيِّ. الثالث: أنها متعلقةٌ
بـ (تقطّعوا)). الرابع: أنها متعلقةٌ بـ ((یَرْجِعون)). وتلخّص في ((حتى)) وجهان،
أحدهما: أنها حرفُ إبتداءٍ وهو قولُ الزمخشري وابنٍ عطية فيما اختاره،
الثاني : أنها حرفُ جرّ، بمعنى إلى.
وقرأ(٣) (فُتُّحَتْ)) بالتشديدِ ابنُ عامر. والباقون بالتخفيفِ. وقد تقدَّم ذلك
أولَ الأنعام(٤)، وفي جواب ((إذا)» أوجهٌ أحدُها: أنه محذوفٌ فقدَّره
أبو إسحاق(٥): ((قالوا يا وَيْلَنا)»، وقدَّره غيرُه: فحينئذٍ يُبعثون. وقوله ((فإذا هي
شاخصة)) عطفٌ على هذا المقدرِ. الثاني: أنَّ جوابَها الفاءُ في قولِه («فإذا هي)»
قاله الحوفي والزمخشري(٦) وابن عطية(٧). فقال الزمخشري: ((وإذا هي
(١) المحرر ١٦٤/١١.
(٢) البحر ٣٣٩/٦.
(٣) السبعة ٤٣١، والنشر ٣٥٨/٢، والحجة ٤٧٠، والتيسير ١٠٢، والبحر ٣٣٩/٦.
(٤) الآية ٤٤ وانظر: الدر المصون ٤/ ٦٣٤.
(٥) وهو الزجاج في معانيه ٤٠٥/٣.
(٦) الكشاف ٥٨٤/٢.
(٧) المحرر ١٦٥/١١.
٢٠٢

- الأنبياء -
المفاجأةُ، وهي تقع في المجازاة سادَّةً مَسَدَّ الفاءِ كقوله تعالى ((إذا هم
يَقْنَطُون))(١) فإذا جاءت الفاءُ معها تعاونَتا على وَصْل الجزاء بالشرط فيتأتِّدُ. ولو
قيل: إذا هي شاخصة كان سديداً. وقال ابن عطية: ((والذي أقول: إنَّ الجوابَ
في قوله ((فإذا هي شاخِصَةٌ))، وهذا هو المعنى الذي قُصِد ذِكْرُه؛ لأنه رجوعُهم
الذي كانوا يُكَذِّبون به وحَرَّم عليهم امتناعَه)).
وقوله: ((يَأْجُوْجُ)) هو على حذفِ مضاف أي: سدُّ يأجوجَ ومَأْجوجَ. وتقدَّم
الكلامُ فيهما قريباً (٢).
قوله: ((وهم) يجوز أَنْ يعودَ على يأجوج ومأجوج، وأن يعود على العالم
بأَسْرِهم. والأولُ أظهر.
وقرأ العامَّةُ: ((يُنْسِلون)) بكسر السين، وأبو السمَّالِ (٣) وابنُ أبي إسحاق
بضمها. والحَذَب: الَّشَزُ من الأرض أي: المرتفعُ، ومنه الحَدَبُ في الظهر
وكلُّ كُدْية (٤) أو أَكَمَةٍ فهي حَذَبَة، وبها سُمِّيَ القبرُ لظهورِه على وجه الأرض،
والنَّسَلان مقارَبَةُ الخَطْوِ مع الإِسراعِ، يُقال: نَسَل ينسِل وينسُل بالفتح في
الماضي، والكسرِ والضم في المضارع، ونسل وعَسَل واحد، قال الشاعر(٥):
٣٣٦١ - عَسَلانَ الذئبِ أمسىْ قارِباً
بَرَدَّ الليلُ عليهِ فَنْسَلْ
(١) الآية ٣٦ من الروم.
(٢) انظر: إعرابه للآية ٩٤ من الكهف.
(٣) البحر ٣٣٩/٦، والشواذ ٩٣.
(٤) الكُذْية: الأرض المرتفعة وقيل: الغليظة.
(٥) البيت للنابغة الجعدي وهو في ديوانه ٩٠، والمحرر ١٦٥/١١، واللسان (عسل)
وجمهرة ابن دريد ٢٥٢/١، ويُنسب البيت خطأ للبيد.
وعسل الذئب: مضى مسرعاً. ونسل في العَدْوِ: أسرع. القارب: طالب الماء ليلاً.
٢٠٣

- الأنبياء -
والنَّسْلُ من ذلك وهو الذُّرِّيَّة، أطلقَ المصدرَ على المُفْعول. و «نَسَلْتُ
ريشَ الطائر) من ذلك. وقُدِّمَ الجارُّ على متعلقه(١) لتواخي رؤوسٍ الآي.
وقرأ(٢) عبد الله وابن عباس ((جَدَث)) بالثاء المثلثة، وهو القبرُ. وقُرِىء بالفاء
وهي بدلٌ منها. قال الزمخشري(٣): ((الثاء للحجاز والفاء لتميم)). وينبغي أَنْ
يكونا أصلين؛ لأنَّ كلّ منهما لغةً مستقلةٌ، ولكن قد كَثُر إبدال الثاء من الفاء
قالوا: مَعْثُور فِي مَعْفور(٤)، وقالوا(٥): ((فُمَ) في ثُمَّ، فأبدلت هذه من هذه تارةً،
وهذه من هذه أخرى (٦).
آ. (٩٧) قوله: ﴿فإذا هي شاخِصَةٌ أبصارُ﴾: فيه أوجه
أحدُها : - وهو الأجود - أن تكونَ ((هي)) ضميرَ القصة، و ((شاخصةٌ)) خبرٌ
مقدمٌ، و((أبصارُ)) مبتدأ مؤخر، والجملةُ خبرٌ لـ ((هي)) لأنها لا تُفَسَّر إلاّ بجملةٍ
مصرَّحٍ بجزأيها، وهذا مذهبُ البصريين. الثاني: أن تكونَ ((شاخصة)) مبتدأً،
و((أبصارُ)) فاعلٌ سدَّ مَسَدَّ الخبرِ، وهذا يتمشّى على رأي الكوفيين(٧)؛ لأنَّ
(١) الجارّ ((من كل حدب) ومتعلقة ((ينسلون)).
(٢) المحتسب ٦٦/٢، والقرطبي ٣٤٢/١١، البحر ٣٣٩/٦.
(٣) الكشاف ٥٨٤/٢ وفي مطبوعة الكشاف: ((والباء تميمية)) وهو تحريف، وقد ذكر:
ابن جني في المحتسب ذلك ٦٦/٢ .
(٤) المعفور: هو المُتَرَّبِ المُعَفِّر بالتراب وفي اللسان (عثر): ((وذهب يعقوب إلى أن
الفاء في عافور بدل الثاء في عاثور وللذي ذهب إليه وجه، قال: إلاَّ أنَّا إذا وجدنا.
للفاء وجهاً نحملها فيه على أنه أصل لم يجز الحكم بكونها بدلاً فيه إلاّ على قبح
· وضعف)).
(٥) انظر: الممتع ٤١٤.
(٦) قال ابن عصفور في الممتع: ((والأصل الثاء لقولهم في الجمع: أحداث ولم يقولوا
أجداف».
(٧) انظر: الارتشاف ٤٨٦/١.
٢٠٤

- الأنبياء -
ضميرَ القصةِ يُفَسَّر عندهم بالمفردِ العاملِ عملَ الفعلِ فإنَّه في قوة الجملة .
الثالث: قال الزمخشري(١): ((هي)) ضميرٌ مُبْهَمُ تُوَضِّحه الأبصارُ وتُفَسِّره، كما
فُسِّر (الذين ظَلَّمُوا)) ((وأَسَرُّوا))(٢). ولم يَذْكر غيرَه. قلت: وهذا هو قولُ
الفراء(٣)؛ فإنّه قال: ((هي)) ضميرُ الأبصارِ تقدَّمَتْ لدلالة الكلام ومجيء
ما يُفَسِّرها)). وأنشد شاهداً على ذلك(٣): /
[٦٣٧/أ]
٣٣٦٢- فلا وأبيها لا تقول حَليلتي
ألا فَرَّ عني مالكُ بنُ أبي كعبٍ
الرابع: أن تكونَ (هي)) عماداً، وهو قول الفراء(٤) أيضاً، قال: ((لأنه
يَصْلُح موضعَها ((هو) وأنشد(٥):
٣٣٦٣- بثوبٍ ودينارٍ وشاةٍ ودِرْهمٍ
فهل هو مرفوعٌ بما ههنا راسُ
وهذا لا يَتَمشّى إلَّ على أحدٍ قولي الكسائي(٦): وهو أنه يُجيز تقدُّمَ
الفصلِ مع الخبرِ المقدَّم نحو: ((هو خيرٌ منك زيد)» الأصل: زيدٌ هو خيرٌ منك،
(١) الكشاف ٥٨٤/٢.
(٢) من قوله تعالى: ((وأسروا النجوى الذين ظلموا)) الآية ٣ من الأنبياء.
(٣) بدأ الفراء في معانيه ٢١٢/٢ بوجه العماد، ثم أجاز ما نقله عنه السمين. وصدره
عند الفراء:
لَعَمْرُ أبيها لا تقول ظَعينتي
والبيت لمالك بن أبي كعب، وهو من شعر في الأغاني ٢٣٤/١٦، والمحرر
١٦٦/١١.
(٤) معاني القرآن ٢١٢/٢.
(٥) لم أهتد إلى قائله، وهو في شرح التصريح ٧٢/٢، والهمع ٩٩/٢، والدرر
١٣٣/٢ - ١٣٤.
(٦) نسبه في الارتشاف ٤٩٠/١ إلى الفراء.
٢٠٥

- الأنبياء -
وقال الشيخ(١): ((أجاز هو القائمُ زيدٌ، على أنَّ ((زيداً)) هو المبتدأ و((القائم))
خبره و ((هو)) عمادٌ. وأصلُ المسألةِ: زيدٌ هو القائم)). قلتُ: وفي هذا التمثيلِ
[نظرٌ](٢)؛ لأنَّ تقديم الخبرِ هنا ممتنعٌ لاستوائهما في التعريفِ، بخلاف المثال
الذي قَدَّمْتُه، فيكون أصلُ الآيةِ الكريمة: فإذا أبصارُ الذين كفروا هي شاخصةٌ،
فلما قُدِّم الخبرُ وهو (شاخصةٌ)) قُدِّم معها العِمادُ. وهذا أيضاً إنما يجيءُ على
مذهبٍ مَنْ يرى وقوعَ العمادِ قبل النكرة غيرِ المقاربةِ للمعرفةِ.
الخامس: أَنْ تكونَ ((هي)» مبتدأً، وخبرُه مضمرٌ، وَتُّ الكلامُ حينئذٍ على
(هي))، ويُبْتَدَأ بقوله ((شاخصة أبصار)). والتقديرُ: فإذا هي بارزةٌ أي: الساعةُ
بارزةٌ أو حاضرة، و ((شاخصةٌ)) خبرٌ مقدمٌ و ((أبصارُ) مبتدأ مؤخرٌ. ذكره
الثعلبي (٣). وهو بعيدُ جداً لتنافرِ التركيبِ، وهو التعقيدُ عند علماءِ البيان.
قوله: ((يا وَيْلَنَا)» معمولٌ لقولٍ محذوفٍ، وفي هذا القولِ المحذوفٍ
وجهان، أحدُهما: أنَّه جوابُ ((حتى إذا)) كما تقدَّم. والثاني: في محلّ نصبٍ
على الحالِ من ((الذين كفروا))، قاله الزمخشري (٤).
آ. (٩٨) قوله: ﴿وما تعبدون﴾: أتى هنا بـ((ما)) وهي لغيرٍ
العقلاءِ؛ لأنه متى اختلطَ العاقلُ بغيرِهِ تَخَّر الناطقُ بين ما ومَنْ.
وقرأ العامَّةُ ((حَصَبُ)) بالمهملتين والصادُ مفتوحةٌ، وهو ما يُحْصَبُ أي:
يُرْمَىْ في النارِ، ولا يقالُ له حَصَب إلاَّ وهو في النارِ. فأمَّ [ما] قبل ذلك فَحَطَبُ
وشجرٌ وغير ذلك وقيل: هي لغةٌ حبشية(٥). وقيل: يُقال له حَصَبٌ قبل الإِلقاء
(١) البحر ٣٤٠/٦.
(٢) ما بين معقوفتين سقط من الأصل وأثبتنا من (ش) . .
(٣) انظر: البحر ٣٤٠/٦.
(٤) الکشاف ٥٨٤/٢.
(٥) نسبها أبو عبيد في ((لغات القبائل)) ١٩٨ إلى قريش.
٢٠٦

۔
- الأنبياء -
في النار. وقرأ ابن(١) السَّميفع وابن أبي عبلة ــ ورُويت عن ابنٍ كثير - بسكونٍ
الصادِ وهو مصدرٌ، فيجوز أن يكون واقعاً موقع المفعول، أو على المبالغةِ
أو على حَذْفِ مضافٍ. وقرأ ابن عباس بالضاد معجمةً مفتوحة أو ساكنةً، وهو
أيضاً ما يُرمَى به في النار، ومنه المِحْضَبُ: عُوْدٌ تُحَرَّك به النارُ لِتُوقَدَ.
وأُنْشِدَ(٢) :
٣٣٦٤- فلاتَكُ في حَرْبِنا مِحْضَباً
فتجعلَ قومَك شَتَّى شُعوبا
وقرأ أميرُ المؤمنين وأَبَيّ وعائشة وابن الزبير ((حَطَبُ)) بالطاء، ولا أظنُها
إِلَّ تفسيراً لا تلاوةً.
آ. (٩٩) قوله: ﴿آلهةً﴾: العامَّةُ على النصب خبراً لـ((كان)»
وقرأ(٣) طلحة بالرفع. وتخريجُها كتخريج قوله (٤):
٣٣٦٥- إذا مِتُّ كان الناسُ صِنْفَانٍ ...
ففيها ضمير الشأن .
وقوله ((أنتم لها وارِدُون))(٥) جَوَّز أبو البقاء(٦) في هذه الجملةِ ثلاثةَ أوجه،
(١) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٢٦٧/٢، والمحتسب ٦٦/٢، والبحر ٣٤٠/٦،
والقرطبي ٣٤٣/١١.
(٢) البيت للأعشى وليس في ديوانه، وهو في المحرر ١٦٧/١١، واللسان (حضب).
(٣) البحر ٣٤٠/٦.
(٤) تقدم برقم ١١٨٨ .
(٥) عاد إلى الآية ٩٨.
(٦) الإِملاء ١٣٧/٢.
٢٠٧

- الأنبياء -
أحدها: أن تكونَ بدلاً من ((حَصَبُ جهنم)). قلت: يعني أن الجملةَ بدلٌ من
المفردِ الواقعِ خبراً، وإبدال الجملةِ من المفردِ إذا كان أحدُهما بمعنى الآخر
جائز، إذ التقديرُ: إنكم أنتم لها واردون. والثاني: أن تكونَ الجملةُ مستأنفةً.
والثالث: أن تكونَ في محلّ نصب على الحال من ((جهنم)) ذكره أبو البقاء(١).
وفيه نظرٌ من حيث مجيءُ الحالِ من المضافِ إليه في غيرِ المواضعِ المستثناةِ .
آ. (١٠١) قوله: ﴿مِنَّ﴾: يجوز أن يتعلَّقَ بـ ((سَبَقَتْ))، ويجوز أن
يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنَّها حالٌ من الحسنى».
آ. (١٠٢) قوله: ﴿لا يَسْمَعُون﴾: يجوز أَنْ يكونَ بدلاً من
((مُبْعَدُون)) لأنه يَحُلَّ مَخَلَّه، فيغني عنه، ويجوز أن يكون خبراً ثانياً، ويجوز أَنْ
يكونَ حالا من الضمير المستترِ في («مُبْعَدون)».
قوله: ((وهم فيما اشْتَهَتْ)) إلى قوله ((وتَتَلقَّاهم)) كلُّ جملةٍ من هذه الجملِ.
يحتمل أَنْ تكونَ حالاً مِمَّا قبلها، وأن تكون مستأنفةٌ. وكذا الجملةُ المضمرةُ مِن
القولِ العامل في جملة قوله ((هذا يومُكم)) إذ التقديرُ: وتَتَلَّقَّاهم يقولون: هذا
یومُکم .
آ. (١٠٤) قوله: ﴿يوَمَ نَطْوي﴾: فيه أوجهٌ، أحدها: أنه
منصوبٌ بـ((لا يَحْزُنُهم)). والثاني: أنه منصوبٌ بـ ((تتلقَّاهم)). الثالث أنه
منصوبٌ بإضمار اذكر أو أعني. الرابع: أنه بدلٌ من العائدِ المقدرِ تقديرُه:
[٦٣٧/ب] تُوْعَدُونه / يومَ نَطْوي فـ ((يومَ)) بدل من الهاء. ذكره أبو البقاء(٢). وفيه نظرً؛ إذ
يَلْزَمُ مِنْ ذلك خُلُّ الجملةِ الموصولِ بها من عائدٍ على الموصول، ولذلك مَنَعُوا
(١) الإملاء ١٣٧/٢.
(٢) الإملاء ١٣٧/٢
٢٠٨

- الأنبياء -
((جاء الذي مررتُ به أبي عبد الله)) على أن يكونَ ((أبي عبد الله)) بدلاً من الهاء
لِما ذكرْتُ، وإن كان في المسألة خلاف. الخامس: أنه منصوبٌ بالفزع، قاله
الزمخشري(١)، وفيه نظر؛ من حيث إنه أَعْمَلَ المصدرَ(٢) الموصوفَ قبل أَخْذِه
معموله.
وقد تقدَّم(٣) أنَّ نافعاً(٤) يقرأ ((يُحْزِنُ)) بضم الياء إلاّ هنا، وأن شيخَه
ابنَ القَعْقَاعِ يَقْرأ ((يَحْزُن)) بالفتح إلَّ هنا.
وقرأ العامَّة ((نَطْوي)) بنون العظمة وشيبة بن نصاح(٥) في آخرين ((يطوي)»
بياء الغَيْية، والفاعلُ هو الله تعالى، وقرأ أبو جعفر في آخرين ((تُطْوَىُ)) بضمُّ التاءِ
مِنْ فوقُ وفتحِ الواوٍ مبنياً للمفعول.
وقرأ العامَّةُ ((السِّجِلُّ)) بكسر السينِ والجيمِ وتشديدِ اللامِ كالطُّمِرِّ(٦).
وقرأ(٧) أبو هريرة(٨) وصاحبُه أبو زرعةً بن عمرو(٩) بن جرير بضمِّهما، واللامُ
(١) الكشاف ٥٨٥/٢.
(٢) المصدر ((الفزع)) الموصوف بالأكبر، ومعموله ((يوم)).
(٣) عاد إلى الآية ١٠٣.
(٤) انظر: الدر المصون ٤٩٤/٣، وشيخ نافع أبو جعفر يزيد بن القعقاع. وانظر: النشر
٢٤٤/٢، والقرطبي ٣٤٦/١١، والبحر ٣٤٢/٦.
(٥) انظر في قراءاتها: النشر ٣٢٤/٢، والإتحاف ٢٦٨/٢، والقرطبي ٣٤٦/١١،
والبحر ٣٤٣/٦.
(٦) الطمرُّ: الفرس الشديدُ العَدْوِ.
(٧) انظر في قراءاتها: المحتسب ٦٧/٢، والقرطبي ٣٤٧/١١، والبحر ٣٤٣/٦،
والشواذ ٩٣.
(٨) عبد الرحمن بن صخر الدوسي. كان أكثر الصحابة حفظاً للحديث ورواية له، توفي
سنة ٥٩هـ. انظر: تهذيب الأسماء واللغات ٢٧٠/٢، والإصابة ت ١١٧٩ .
(٩) هو عمرو بن عمرو بن جرير البجلي الكوفي، سمع أبا هريرة، وروى عنه الحارث
العكلي. طبقات القراء ٦٠٢/١.
٢٠٩

- الأنبياء -
مشددةٌ أيضاً بزنةِ ((عُتُلٌ)(١). ونقل أبو البقاء(٢) تخفيفَها في هذه القراءةِ أيضاً،
فتكونُ بزنةِ عُنُق، وأبو السَّمَّال وطلحة والأعمش بفتح السين. والحسن
وعيسى بن عمر [بكسرِها](٣). والجيمُ في هاتين القراءتين ساكنةٌ واللامُ
مخففةٌ، قال أبو عمرو: ((قراءةُ أهلِ مكةً مثل قراءةِ الحسن)).
والسّجِلُّ: الصحيفةُ مطلقاً. وقيل: بل هو مخصوصٌ بصحيفةِ العهد،
وهي من المساجلةِ، والسّجْلِ: الدَلْوُ المَلْأى. وقال بعضهم: هو فارسيٌّ معرَّب
فلا اشتقاق له.
و ((طَيّ)) مصدرٌ مضافٌ للمفعولِ. والفاعلُ محذوفٌ تقديرُه: كما يطوي
الرجلُ الصحيفةَ ليكتبَ فيها، أَو لما يكتُبِه فيها من المعاني، والفاعلُ يُحْذف مع
المصدرِ باطِّرادِ. والكلامُ في الكاف معروفٌ أعني كونَها نعتاً لمصدرٍ مقدٍ
أو حالاً مِنْ ضميرِه. وأصلُ طيّ: طَوْيٌ فَأُعِلَّ كنظائره(٤).
وقيل: السُّجِلُّ اسمُ مَلَكٍ يَطْوي كتبَ أعمالٍ بني آدم. وقيل: اسمُ
رجلٍ كان يكتب لرسول الله صلَّى الله عليه وسلّم(٥). وعلى هذين القولين
يكون المصدرُ مضافاً لفاعله. و((الكتاب)) اسمٌ للصحيفةِ المكتوبِ فيها. وقال
أبو إسحاق(٦): ((السِّجِلُّ: الرجلُ بلسان الحبشة)). وقال الزمخشري (٧): كما
(١) العتلُّ: الشديد من كل شيء.
(٢) الإملاء ١٣٧/٢.
(٣) ما بين معقوفين سقط من الأصل وأثبتناه من (ش)، ومصادر القراءة السابقة.
(٤) اجتمعت الواو والياء، وسبقت الأولى بالسكون فقُلبت الواو ياء وأدغمت الياء في
الياء.
(٥) نقل الزجاج هذا القول عن أبي الجوزاء. انظر: معاني القرآن له ٤٠٦/٣
(٦) معاني القرآن ٤٠٦/٣.
(٧) الكشاف ٥٨٥/٢.
٢١٠

- الأنبياء -
يُحْوَى الطُومارُ(١) للكتابة، أي ليُكتبَ فيه، أو لما يُكتب فيه؛ لأن الكتابَ
أصلُه المصدرُ كالبناء ثم يوقع على المكتوب)). فقدَّره الزمخشريُّ من الفعلِ
المبنيِّ للمفعول. وقد عَرَفْتَ ما فيه من الخلاف.
والسلام في ((للكتاب)): إمَّا مزيدةٌ في المفعولِ إنْ قلنا إنَّ المصدرَ
مضافٌ لفاعلِه، وإمّا متعلقةٌ بطَيّ، وإمّا بمعنى ((على)). وهذا ينبغي أَنْ
لا يجوزَ لُبُعْدِ معناه على كل قولٍ. والقراءاتُ المذكورةُ في ((السِّجِلّ)» كلُّها
لغات. وقرأ(٢) الأخَوان وحفص ((للكتب)) جمعاً، والباقون ((للكتاب)) مفرداً،
والرسمُ يحتملهما: فالإِفرادُ يُراد به الجنسُ، والجمعُ للدلالةِ على الاختلافِ.
قوله: ((كما بَدَأْنا» في متعلَّقِ هذه الكافِ وجهان، أحدُهما: أنَّها متعلقةٌ
بـ «نُعِيده)، و((ما)) مصدريةٌ و ((بدأنا)) صلتها، فهي وما في حَيِّزِها في محلٌّ جر
بالكاف. و((أولَ خَلْقٍ)) مفعولُ ((بَدَأْنا))، والمعنى: نُعيد أولَ خَلْقٍ إعادةٌ مثلَ
بَدَاءَتِنا(٣) له أي: كما أبْرَزْناه من العَدَمِ إلى الوجودِ نُعيده من العَدَمِ إلى
الوجود. وإلى هذا نحا أبو البقاء (٤) فإنه قال: ((الكافُ نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ
أي: نُعيده عَوْدً(٥) مثلَ بَدْئه)) وفي قولِه: ((عَوْد)) نظرً إذ الأحسنُ أَنْ يقولَ:
إعادة .
والثاني(٦): أنها تتعلَّقُ بفعلٍ مضمرٍ. قال الزمخشري(٧): ((ووجهٌ آخرُ:
(١) الطومار: الصحيفة.
(٢) السبعة ٤٣١، والنشر ٣٢٥/٢، والحجة ٤٧١، والتيسير ١٥٥، والبحر ٣٤٣/٦.
(٣) الْبُدَاءة من مصادر بدأ بفتح الباء وضمها. انظر: القاموس (بدأ).
(٤) الإملاء ١٣٨/٢.
(٥) في المطبوعة: عواداً.
(٦) في متعلق ((كما بدأنا)).
(٧) الكشاف ٥٨٥/٢.
٢١١

- الأنبياء -
وهو أَنْ تَنْتَصِبَ الكافُ بفعلٍ مضمرٍ يفسِّره ((نُعيده))، و((ما)) موصولةٌ أي: نُعيد
مثلَ الذي بَدَأْنَا نُعيدُه، و(«أولَ خَلْقٍ» ظرف لـ «بَدَأْناه)» أي: أولَ ما خلق،
أو حالٌ من ضميرِ الموصولِ السَّاقط من اللفظِ الثابتِ في المعنى».
قال الشيخ(١): ((وفي تقديرِه تهيئةُ (بَدَأْنا)) لَأَنْ يَنْصِبَ ((أولَ خَلْقٍ)) على
المفعولیة وقطعه عنه، من غیرٍ ضرورةٍ تدعو إلى ذلك، وارتكابُ إضمارٍ بعيدٍ
مُفَسَّراً بـ ((نُعِيْدُه))، وهذه عُجْمَةٌ في كتابِ الله. وأمّا قولُه ((ووجهٌ آخرُ: وهو أن
تنتصبَ الكافُ بفعلٍ مضمرٍ يفسِّرُه «نُعِيْدُه)) فهو ضعيفٌ جداً؛ لأنه مبنيٌّ على
أن الكافَ اسمٌ لا حرفٌ، وليس مذهبَ الجمهور، وإنما ذهب إلى ذلك
الأخفشُ(٢). وكونُها اسماً عند البصريين مخصوصٌ بالشعرِ)). قلت: كلُّ
ما قَدَّره فهو جارٍ على القواعدِ المنضبطةِ، وقاده إلى ذلك المعنى الصحيحُ،
فلا مُؤَاخَذَةَ عليه. يظهرُ ذلكَ بالتأمُّلِ لغيرِ الفَطِنِ.
وأمّا قوله: ((ما)) ففيها ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنها مصدريةً. والثاني: أنَّها
بمعنى الذي. وقد تقدَّم تقريرُ هذين. والثالث: أنها كافةً للكافِ عن العملِ
كما هي في قوله(٣):
٣٣٦٦-
كما الناسُ مَجْرُوْمٌ عليه وجارِمُ
فيمَنْ رفع ((الناس)). قال الزمخشري (٤): ((أولَ خَلْقٍ)) مفعولُ ((نُعيد))
(١) البحر ٣٤٣/٦.
(٢) ليس في كتابه ((معاني القرآن)» إشارةٌ إلى ذلك وقد نقله عن الكثيرون. انظر: المغني
٢٣٨.
(٣) تقدم برقم ٨٨٨.
(٤) الكشاف ٥٨٥/٢
٢١٢

- الأنبياء -
الذي يُفَسِّرِهِ «نُعِيده)»، والكافُ مكفوفةٌ بـ ((ما)). والمعنى: نُعيد أولَ الخَلْقِ
كما بَدَأْناه تَشْبِيهاً للإِعادةِ بالابتداء في تناوُلِ / القُدْرَةِ لهما على السَّواء. فإنْ [٦٣٨/أ]
قلتَ: فما أولُ الخَلْقِ حتى يُعيدَه كما بدأه؟ قلت: أوَّلُه إيجادُه عن العَدَمِ،
فكما أوجدَه أولاً عن عدمٍ يُعيده ثانياً عن عدمٍ)).
وأمَّا ((أولَ خلق)) فَتَحصَّل فيه أربعةُ أوجهٍ، أحدها: أنه مفعولُ (بَدَأْن)).
والثاني: أنه ظرفٌ لـ((بَدَأْنا)). والثالث: أنه منصوبٌ على الحال مِنْ ضميرٍ
الموصولِ كما تقدَّم تقريرُ كل ذلك. والرابع: أنه حالٌ مِنْ مفعول ((نُعيده)) قاله
أبو البقاء(١)، والمعنى: مثلَ أولِ خَلْقِهِ.
وأمّا تنكيرُ ((خَلْقٍ)) فللدلالةِ على التفصيلِ. قال الزمخشري(٢): ((فإن
قلتَ: ما بالُ (خَلْقٍ)) منكَّراً؟ قلت: هو كقولك: ((هو أولُ رجلٍ جاءني))
تريد: أول الرجال. ولكنك وَحَّدْتَه ونَكَّرتَه إرادةَ تفصيلهم رجلا رجلاً،
وكذلك معنى ((أولَ خَلْقٍ))(٣) بمعنى: أول الخلائق؛ لأنَّ الخَلْقَ مصدرٌ
لا یُجْمعُ».
قوله: ((وَعْدأ)) منصوبٌ على المصدرِ المؤكَّد لمضمون الجملة
المتقدِّمة، فناصبُه مضمرٌ أي: وَعَدْنا ذلك وَعْداً.
آ. (١٠٥) قوله: ﴿من بَعْدِ الذِّكْرِ﴾: يجوزُ أَنْ يتعلَّق
بـ ((كتَبْنَا))، ويجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بنفسِ ((الزَّبُورِ)) لأنَّه بمعنى المَزْبُور أي: المكتوب
أي: المَزْبُور مِنْ بَعْدِ. ومفعولُ ((كَتَبْنا)) أنَّ وما في حَيِّزها أي: كَتَّبْنا وِراثَةً
الصالحینِ للأرض أي : حَكَمْنا به.
(١) الإِملاء ١٣٨/٢.
(٢) الكشاف ٥٨٥/٢.
(٣) عبارة الكشاف ((وكذلك معنى أول خلق أول الخلق بمعنى ... )).
٢١٣

- الأنبياء -
آ. (١٠٧) قوله: ﴿إِلَّ رحمةً﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ مفعولاً له أي:
لأجلِ الرَّحْمة. ويجوزُ أَنْ ينتصِبَ على الحال مبالغةً في أَنْ جَعَلَه نفْسَ
الرحمة، وإمَّا على حَذْفٍ مضافٍ أي: ذا رحمةٍ أو بمعنى راحم. وفي
الحديث: ((يا أيها النّاسُ إنما أنا رحمةٌ مُهْداة)» .
قوله: (للعالَمين)) يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنها صفةٌ لـ ((رَحْمَةً)
أي: كائنةً للعالمين. ويجوز أَنْ يتعلَّقَ بـ ((أَرْسَلْناك)) عند مَنْ يَرَىْ تَعَلُّقَ ما بعد
((إلَّ)) بما قبلها جائزاً أو بمحذوفٍ عند مَنْ لا يَرَى ذلك. هذا إذا لم يُفَرَّغ الفعلُ
لِما بعدها، أما إذا فُرِّغَ فيجوزُ نحو: ما مررتُ إلَّ بزيدٍ، كذا قاله الشيخ هنا.
وفيه نظرٌ من حيث إن هذا أيضاً مفرغ؛ لأنَّ المفرَّغَ عبارةُ عمَّا افتقر ما بعد ((إلاّ))
لِما قبلها على جهةِ المعمولية له .
آ. (١٠٨) قوله: ﴿أَنّما إلهُكم﴾: ((أنَّ)) وما في حَيِّزِها في محلّ
رفعٍ لقيامِه مَقامَ الفاعلِ؛ إذ التقديرُ: إنما يُوْحَى إليَّ وَحْدانيةُ إلهكم. وقال:
الزمخشري(١): ((إنَّما)) لقَصْرِ الحكمِ على شيءٍ أو لقَصْرِ الشيءٍ على حكم.
كقولك: ((إنما زيدٌ قائم)) و ((إنما يقومُ زيدٌ)). وقد اجتمع المثالان في هذه الآية؛
لأنَّ ((إنما يُؤْحَىْ إليَّ)) مع فاعلِه بمنزلةِ ((إنما يقومُ زيد))، و((أَنَّما إلهكم إله واحد»
بمنزلةِ ((إِنَّمَا زيد قائم)). وفائدةُ اجتماعِهما الدلالةُ على أنَّ الوَحْيَ لرسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم مقصورٌ على استئثارِ اللَّهِ بالوَحْدانية)».
قال الشيخ (٢): ((أمَّا ما ذكره في ((أنَّما)) أنَّها لقَصْرٍ ما ذَكَر، فهو مبنيّ على
أن ((أَنَّما)) للحصر، وقد قررنا أنها لا تكون للحصر وأنَّ ((ما)) مع ((أنْ)) كهي مع
(١) الكشاف ٥٨٦/٢.
(٢) البحر ٣٤٤/٦.
٢١٤

- الأنبياء -
كأنَّ ومع لعلَّ. فكما أنها لا تفيد الحصر في التشبيه ولا الحصر في الترجي،
فكذلك لا تفيده مع ((أنَّ». وأما جَعْلُه ((أنما)) المفتوحةَ الهمزةِ مثلَ المكسورتِها
تدلُّ على القَصْر فلا نعلم الخلاف إلاّ في ((إنما)) بالكسر، وأما (أنما)) بالفتح
فحرفٌ مصدريٍّ، ينسَبِكُ منه مع ما بَعْدَه مصدرٌ، فالجملةُ بعدها ليسَتْ جملةٌ
مستقلةً. ولو كانَتْ ((أنما)) دالةً على الحصر لزم أَنْ يُقال: إنه لم يُؤْحَ إليه شيءٌ
إلَّ التوحيدُ، وذلك لا يَصِحُّ الحَصْرُ فيه، إذ قد أُوْحي له أشياءُ غيرُ التوحيد)».
قلت: الحَصْرُ بحسب كلِّ مقامٍ على ما يناسِبُه؛ فقد يكون هذا المقامُ
يقتضي الحصرَ في إيحاءِ الوحدانية لشيءٍ جَرَى من إنكارِ الكفارِ وحدانيته
تعالى، وأنَّ اللَّهَ لم يُوْحِ إليه لها شيئاً. وهذا كما أجاب الناسُ عن هذا
الإِشكالِ الذي ذكره الشيخُ في قوله تعالى: ((إنما أنتَ منذرٌ))(١) ((إنما أنا
بَشَر)»(٢) ((إنما الحياةُ الدنيا لَعِبُ ولهو)(٣) إلى غير ذلك. و((ما)) من قوله ((إنما
يُؤْحَى)) يجوز فيها وجهان، أحدهما: أن تكونَ كافةً وقد تقدَّم. والثاني : أن
تكونَ موصولةً كهي في قوله: ((إنَّ ما صَنْعُوا))(٤) ويكون الخبرُ هو الجملةَ مِنْ
قوله: ((أنما إلهكم إله واحد)) تقديرُه: إن الذي يوحى إليَّ هو هذا الحكمُ.
قوله: ((فهل أنتم مُسْلِمون)) استفهامُ معناه الأمرُ بمعنى أَسْلِموا، كقوله:
((فهل أنتم مُنْتُهُوْن))(٥) أي: انتهوا.
(١) الآية ٧ من الرعد.
(٢) الآية ١١٠ من الكهف.
(٣) الآية ٣٦ من سورة محمد صلَّى الله عليه وسلَّم. وأقحم في الأصل بعد ((لهو)
(وزینة)) .
(٤) الآية ٦٩ من طه.
(٥) الآية ٩١ من المائدة.
٢١٥

- الأنبياء -
آ. (١٠٩) قوله: ﴿آذَتْتُكم﴾: أي: أَعْلَمْتُكم. فالهمزةُ فيه
للنقلِ. قال الزمخشري (١): ((آذن منقولٌ مِنْ أَذِنَ إذا عَلِمَ، ولكنه كَثُرَ استعمالُه
في الجَرْيِ مَجْرى الإِنذار. ومنه قوله تعالى: ((فَأْذَنُوا بحربٍ))(٢) وقول
[٦٣٨/ب] ابن حِلِّزَة(٣): /
٣٣٦٧- آذَنَتْنا بِبَيْنِها أسماءُ
قلت: وقد تقدَّم تحقيقُ هذا في البقرة (٤).
قوله: ((على سَواءٍ) في محلّ نصبٍ على الحال من الفاعل والمفعول
معاً، أي: مُسْتَوِين في العلم بما أَعْلَمْتُكم به لم يَطْوِه عن أحدٍ منهم.
قوله: ((وإنْ أَدْري)) العامَّةُ على إرسالِ الياء ساكنةً، إذ لا مُؤْجِبَ لِغيرِ
ذلك. ورُوي(٥) عن ابن عباس أنه قرأ: ((وإنْ أَدْريَ أقريبٌ))، ((وإنْ أَدْرِيَّ لِعلُّه
فتنةٌ))(٦) بفتح الياءَيْن. وخُرِّجَتْ على التشبيهِ بياءِ الإِضافة. على أن
ابنَ مجاهدٍ (٧) أنكر هذه القراءةَ البتة. وقال ابن جني (٨): ((هو غَلَطِّ؛ لأنَّ (إِنْ))،
نافيةٌ لا عملَ لها)). ونَقّل أبو البقاء(٩) عن غيرِه أنه قال في تخريجها: ((إنه ألقى
(١) الكشاف ٥٨٦/٢.
(٢) الآية ٢٧٩ من البقرة.
(٣) تقدم برقم ١١١٤).
(٤) انظر: الدر المصون ٦٣٩/٢.
(٥) المحتسب ٦٨/٢، والبحر ٣٤٤/٦. وهي رواية أيوب عن يحيى عن ابن عامر.
(٦) في الآية ١١١ ..
(٧) انظر: المحتسب ٦٨/٢.
(٨) المحتسب ٦٨/٢.
(٩) الإملاء ٠١٣٨/٢
٢١٦

- الأنبياء -
حركةَ الهمزةِ على الياءِ فتحرَّكَتْ وبقيتْ الهمزةُ ساكنةً، فأُبْدِلَتْ ألفاً لانفتاحٍ
ما قبلها، ثم أُبْدِلَتْ همزةٌ متحركةً؛ لأنها في حُكْمِ المبتدأ بها، والابتداءُ
بالساكنِ مُحالٌ. وهذا تخريجٌ متكلَّفُ لا حاجةً إليه. ونِسْبَةُ راويها عن
ابن عباس إلى الغلطِ أَوْلَى من هذا التكلُّفِ، فإنها قراءةٌ شاذةً مُنْكَرَة. وهذا
التخريجُ وإِنْ نَفَعَ في الأولى فلا يُجْدي في الثانيةِ شيئاً. وسيأتي لك قريبٌ من
ادِّعاء قَلْبِ الهمزةِ ألفاً ثم قَلْبِ الألفِ همزةً في قوله: ((مِنْسَأَتَه))(١) إنْ شاءَ اللَّهُ
تعالى، وبذلك يَسْهُلُ الخَطْبُ في التخريجِ المذكور.
والجملةُ الاستفهاميةُ في محلِّ نصبٍ بـ ((أدْري)) لأنها معلِّقَةٌ لها عن
العملِ، وأَخَّرِ المُسْتَفْهَمَ عنه لكونِه فاصلةً. ولو وَسَّطه لكان الترکیبُ: أقريب
ما تُوعدون أم بعيدٌ، ولكنه أُخِّر مراعاةً لرؤوسِ الآي.
و ((ما تُوْعَدون)) يجوز أَنْ يكونَ مبتدأً، وما قبله خبرٌ عنه ومعطوفٌ عليه.
وجَوَّز أبو البقاء (٢) فيه أن يرتفعَ فاعلاً بـ ((قريبٌ)). قال: ((لأنه اعتمد على
الهمزة)). قال: ((ویُخرَّج علی قول البصریین أن یرتفعَ بـ ((بعید» لأنه أقربُ
إليه)). قلت: يعني أنه يجوزُ أَنْ تكونَ المسألةُ من التنازع فإنَّ كلَّا من الوصفَّيْنِ
نَصِحُّ تسلُّطُه علی «ما تُؤْعَدون)) من حيث المعنى.
آ. (١١٠) قوله: ﴿من القولِ﴾: حالٌ مِنْ ((الجهر)).
آ. (١١١) قوله: ﴿لعلَّه فتنةٌ﴾: الظاهرُ أنَّ هذه الجملةَ معلِّقةٌ
لـ «أَدْري)»، والكوفيون يُجْرون الترجِّ مُجْرَى الاستفهام في ذلك، إلاّ أنَّ
(١) الآية ١٤ من سبأ.
(٢) الإملاء ١٣٨/٢.
٢١٧

- الأنبياء -
النَّحْوبين لم يَعُدُّوا من المعلِّقات ((لعلَّ)) (١) وهي ظاهرةً في ذلك كهذه الآيةِ
وكقوله: ((وما يُدْريك لعلَّه يَزَّكَّى))(٢) ((وما يُدْرِيْك لعلَّ الساعةَ قريبٌ))(٣).
آ. (١١٢) قوله: ﴿قال﴾: قرأ(٤) حفص ((قال)) خبراً عن الرسول
عليه السلام. والباقون ((قل)) على الأمر. وقرأ العامَّةُ ((رَبِّ)) بكسرِ البَاءِ اجتزاءً
بالكسرةِ عن ياءِ الإِضافةِ، وهي الفصحى. وقرأ أبو جعفر(٥) بضمِّ الباءِ، فقال
صاحبُ ((اللوامح)): ((إنه منادى مفردٌ ثم قال: ((وحَذْفُ حَرْفِ النداء فيما جاز(٦)
أن يكونَ وصفاً لـ ((أَيّ)) بعيدٌ، بأبُه الشعرُ)). قلت: ليس هذا من المنادى
المفردِ، بل نَصَّ بعضُهم على أنَّ هذه بعضُ اللغاتِ الجائزةِ في المضافِ إلى
ياءِ المتكلم حالَ ندائه(٧) .
وقرأ العامَّةُ ((احْكُمْ)) على صورةِ الأمر. وقرأ(٨) ابن عباس وعكرمة
وابن يعمر ((رَبِّيْ)) بسكونِ الياءِ ((أَحْكَمُ)) أفعلُ تفضيلٍ فهما مبتدأ وخبر.
(١) قال أبو حيان: ((ظهر لي من جملة الحروف المعلقة ((لعلَّ)) ورأيت مَصَبُّ الفعل في
هذه الآيات على جملة الترجِّي، فهو في موضع نصب بالفعل المعلِّق)). انظر:
الارتشاف ٧٠/٣٪
(٢) الآية ٣ من عبس ..
(٣) الآية ١٧ من الشورى.
(٤) السبعة ٤٣٢، والتيسير ١٥٦، والقرطبي ٣٥١/١١، والحجة ٤٧١، والبحر
٣٤٥/٦.
(٥) الإِتحاف ٢٦٨/٢، والنشر ٣٢٥/٢، والمحتسب ٦٩/٢، والبحر ٣٤٥/٦.
(٦) الأصل ((كان)) والتصحيح من البحر ٣٤٥/٦ حيث نقل عن صاحب ((اللوامح)) النص
نفسه .
(٧) انظر: شرح الكافية الشافية ١٣٢٣/٣.
(٨) انظر في قراءاتها: البحر ٣٤٥/٦، والقرطبي ٣٥١/١١، ومعاني القرآن للفراء
٢١٤/٢.
٢١٨

- الأنبياء -
وقُرِىء(١) ((أَحْكَمَ)) بفتح الميم كألزَّمَ، على أنَّه فعلٌ ماضٍ في محلٌّ خبرٍ أيضاً
لـ ((ربِّي)). وقرأ العامَّةُ ((تَصِفُوْن)) بالخطاب. وقرأ(٢) رسولُ الله صلَّى الله عليه
وسلَّم على أُبَي رضي الله عنه (يَصِفُون)) بالياء مِنْ تحت، وهي مَرْوِيَّةً أيضاً عن
عاصم(٣) وابن عامر (٤). والغيبة والخطاب واضحان.
[تَمَّت بعونه تعالى سورة الأنبياء]
(١) وهي قراءة الجحدري كما في القرطبي.
(٢) الإتحاف ٢٦٨/٢، والسبعة ٤٣٢، والنشر ٣٢٥/٢، والبحر ٣٤٥/٦.
(٣) رواية المفضّل عنه كما في النشر ٣٢٥/٢.
(٤) رواية الصوري عن ابن ذكوان عنه كما في النشر ٣٢٥/٢.
٢١٩