النص المفهرس

صفحات 121-140

- طه -
الثاني : - جَوَّزه الزمخشريُّ(١) - وهو أَنْ يكونَ مرفوعاً عطفاً على
الضمير المستتر(٢). والضميرُ عائدٌ على الأخذِ العاجلِ المدلولِ عليه بالسياقٍ.
وقام الفصلُ بالجرِّ مَقامَ التأكيدِ. والتقدير: ولولا كلمةٌ سَبَقَتْ مِنْ ربك لكان
الأخذُّ العاجل وأجلّ مُسَمَّى لازِمَيْن لهم، كما كانا لازِمَيْنِ لعادٍ وثمودَ، ولم ينفردِ
الأجلُ المُسَمى دون الأخذِ العاجل.
قلت: فقد جعل اسمَ ((كان)) عائداً على ما دَلَّ عليه السياقُ، إلاّ أنه قد
تُشْكِلُ عليه مسألةٌ: وهو أنه قد جَوَّز(٣) في ((لزام)) وجهين، أحدهما: أَنْ يكونَ
مصدرَ لازَمَ كالخِصام، ولا إشكال على هذا.
والثاني: أن يكون وصفاً على فِعال بمعنى مُفْعِل أي: مُلْزِم، كأنه آلةُ
اللُّزوم لفَرْطِ لُزومه كما قالوا: لِزازُ خَصْمٍ، وعلى هذا فيُقال: كان ينبغي أَنْ
يطابق في التثنية فيقال: لِزَامَيْنِ بخلاف كونه مصدراً فإنه يُفْرَدُ على كل حال.
وجَوَّز أبو البقاء (٤) أن يكونَ ((لزاماً) جمعَ لازم كقِيام جمعَ قائِم.
آ. (١٣٠) قوله: ﴿بَحَمْدِ رَبِّك﴾: حالٌ أي: وأنت حامدٌ له.
قوله: ((ومِنْ آناءِ الليلِ)) متعلُّقٌ بـ ((سَبِّحْ)) الثانيةِ، وقد تقدَّم ما في هذه
الفاء(٥) .
قوله: ((وأَطْرافَ)) العامّةُ على نصبِهِ. وفيه وجهان أحدُهما: أنه عطفُ
(١) الكشاف ٥٥٨/٢.
(٢) في ((لكان)).
(٣) الكشاف ٥٥٨/٢.
(٤) الإملاء ١٢٩/٢.
(٥) انظر: الدر المصون ٣١٤/١.
١٢١

- طه ـ
على محلِّ (ومِنْ آناءِ الليلِ)). والثاني: أنه عطفَ على ((قبلَ)). وقرأ(١) الحسنُ
وعيسى بنُ عمر ((وأطرافٍ)) بالجرِّ عَطْفاً على ((آناء الليل)). وقوله هنا ((أطرافٌ))
وفي هود (طرفَيْ النهارِ))(٢) فقيل: هو مِنْ وَضْعِ الجمعِ موضعَ التثنيةِ كقوله(٣):
٣٣٢٩ - ظَهْراهما مثلُ ظُهورِ التّرْسَيْنْ
وقيل: هو على حقيقته. والمرادُ بالأَطْراف: الساعات.
قوله: ((تَرْضَىْ)) قرأ(٤) الكسائي وأبو بكر عن عاصم تُرْضَى)) مبنياً
للمفعول. والباقون مبنياً للفاعلِ، وعليه ((ولَسَوف يُعطيك ربُّكَ فَتَرْضَىْ))(٥) .
آ. (١٣١) قوله: ﴿أَزْواجاً﴾: في نصبِه وجهان، أحدهما: أنه
منصوبٌ على المفعولِ به وهو واضح. والثاني: أنه منصوبٌ على الحالِ من
الهاء في ((به)). راعى لفظَ ((ما)) مرةً، ومعناها أخرى، فلذلك جَمْع. قال
الزمخشري (٦): ((ويكون الفعلُ واقعاً على ((منهم)). قال الزمخشري(٧): ((كأنه
قيل: إلى الذي مَتَّعْنا بِه وهو أصنافُ بعضِهم وناساً منهم».
قوله ((زهرةَ)) في نصبه تسعة أوجه(٨)، أحدُها: أنه مفعولٌ ثانٍ لأنه ضَمِّن
مَتَّعْنا معنى أَعْطَيْنا. فـ ((أزواجاً) مفعولٌ أولُ، و((زهرة)) هو الثاني. الثاني: أن
يكون بدلاً من ((أَزْواجاً»، وذلك: إمَّا على حَذْفٍ مضافٍ أي: ذوي زهرة، وإمَّا
(١) الإِتحاف ٢ /٢٥٩، والبحر ٢٩٠/٦.
(٢) الآية ١١٤ ((وأَقِمِ الصلاةَ طَرَفَي النهار)).
(٣)
تقدم برقم ١٧٢٦.
السبعة ٤٢٥، والنشر ٣٢٢/٢، والحجة ٢٦٤، والتيسير ١٥٣، والبحر ٢٩٠/٦.
(٤)
(٥) الآية ٥ من الضحى.
الكشاف ٥٥٩/٢.
(٦)
الكشاف ٥٥٩/٢.
(٧)
(٨) بل هي عشرة أوجه!
١٢٢

- طه -
على المبالغةِ جُعِلوا نفسَ الزهرة(١). الثالث: أن يكونَ منصوباً بفعلٍ مضمرٍ دَلَّ
عليه ((مَتِّعْنا) تقديرُه: جَعَلْنا لهم زهرةَ. الثالث(٢): نَصْبُه على الذُّمِّ، قَال
الزمخشري(٣): ((وهو النصبُ على الاختصاص)). الرابع: أن يكونَ بدلاً من
موضعِ الموصولِ. قال أبو البقاء(٤): ((واختاره بعضُهم. وقال آخرون:
لا يجوزُ لأنَّ قولَه ((لِنَفْتِنَهم)) مِنْ صلة ((مَتِّعْنا» فيلزمُ الفصلُ بين الصلةِ والموصولِ
بالأجنبي». وهو اعتراضٌ حسنٌ.
الخامس: أن ينتصبَ على البدلِ من محلِّ ((به)). السادس: أن ينتصِبَ
على الحال مِنْ ((ما)) الموصولةِ. السابع: أنه حالٌ من الهاء في (به)) وهو ضميرُ
الموصولِ فهو كالذي قبله في المعنى، فإنْ قيل: كيف تقع الحالُ معرفةً؟
فالجوابُ أن تجعلَ ((زهرةَ)) منونةً نكرة، وإنما حُذِفَ التنوينُ لالتقاء الساكنين
نحو (٥) :
٣٣٣٠-
· ذاكرَ اللَّهَ إِلاَّ قليلا
وعلى هذا: فيم جُرَّتِ الحياة؟ فقيل: على البدل مِنْ ((ما)) الموصولة.
الثامن: أنه تمييزٌ لـ ((ما)) أو للهاءِ في ((به)) قاله الفراء(٦). وقد رَدُّوه عليه بأنه
(١) الأصل ((الزهر)).
(٢) من حق هذا أن يكونَ الرابع. أو تكون العبارة ((ومن قبيل الوجه الثالث)).
(٣) الكشاف ٥٥٩/٢ .
(٤) الإملاء ٢/ ١٢٩.
(٥) تقدم برقم ١٥٠٤.
(٦) عبارته في معاني القرآن ١٩٦/٢: ((نُصبت الزهرة على الفعل مَتَّعناهم به زهرةٌ في
الحياة وزينةٌ فيها. وزهرة وإن كان معرفة فإن العرب تقول: مررت به الشريف
الکریم».
١٢٣

- طـه ـ
معرفةٌ، والمميِّزُ لا يكون معرفة. وهذا غيرُ لازمٍ له؛ لأنه يجوزُ تعريفُ التمييزِ
على أصول الكوفيين(١).
التاسع: أنه صفةً لـ ((أَزْواجاً)) بالتأويلين المذكورَيْن في نصبِهِ حالاً. وقد
منع أبو البقاء(٢) من هذا الوجهِ بكونِ الموصوفِ نكرةً، والوصفِ معرفةً، وهذا
يُجابُ عنه بما أُجيب في تسويغِ نصبهِ حالاً، أعني حذفَ التنوينِ لالتقاءِ
الساكنين.
والعامَّةُ على تسكينِ الهاء(٣). وقرأ(٤) الحسن وأبو البرهسم وأبو حيوةَ
بفتحِها، فقيل: بمعنى، كـ جَهْرَة وجَهَرَةِ (٥). وأجاز الزمخشري(٦) أَن يكونَ
جمعَ زاهر كفاجِر وفَجَرة وبارّ وبَرَرَة، وروى(٧) الأصمعي عن نافع ((لنُفْتِنَهم)»
بضمِّ النون مِنْ أَفْتَنَه إذا أوقعه في الفتنةِ.
والزَّهْرَةُ: بفتحِ الهاء وسكونِها كنَهْر ونَهَر، ما يُرُوْقُ من النَّوْرِ. وسِراجٌ
زاهِرٌ لبريقِه، ورجلٌ أزهرُ وامرأةٌ زهراءُ من ذلك. والأنجمُ الزهرُ هي المضيئةُ.
آ. (١٣٢) قوله: ﴿للتّقْوَى﴾: أي: لأهلِ التقوى. ويؤيد هذا
قولُه في موضعٍ آخرَ ((والعاقبةُ للمتقين))(٨)، وقرأ(٩) ابن وثاب ((نَرْزُقُكَ)) بإدغام
(١) انظر: الارتشاف ٣٨٤/٢.
(٢) الإملاء ١٢٩/٢.
(٣) من «زهرة».
(٤) النشر ٣٢٢/٢، والإتحاف ٢٥٩/٢، والبحر ٢٩١/٦، والقرطبي ٢٦٢/١١.
(٥) قرأ ابن عباس في البقرة بفتح الهاء. انظر: الدر المصون ٣٦٨/١.
(٦) الكشاف ٥٥٩/٢ .
(٧) البحر ٢٩١/٦.
(٨) الآية ١٢٨ من الأعراف.
(٩) البحر ٢٩١/٦ - ٢٩٢.
١٢٤

- طه -
القاف في الكاف. / والمشهورُ عنه أنه لا يُدْغِمُ إلاّ إذا كانَتِ الكافُ متصلةً [٦٢٦/أ]
بميمِ جمعٍ نحو ((خَلَقَكُم)) وقد تقدم(١).
آ. (١٣٣) قوله: ﴿أو لم تَأْتِهِم بَيِّنَةٌ﴾: قرأ(٢) نافع وأبو عمرو
وحفص ((تأتهم)) بالتأنيثِ. والباقون بالياء مِنْ تحت؛ لأنَّ التأنيثَ مجازي. وقرأ
العامَّةُ (بَيِّنَةُ ما)) بإضافة ((بِيِّنَة)) إلَى (ما)) مرفوعةً وهي واضحةٌ. وقرأ(٣) أبو عمروٍ
فيما رواه أبو زيدٍ بتنوينِ ((بَيِّنَةٌ)) مرفوعةً. وعلى هذه القراءةِ ففي ((ما)) أوجهٌ،
أحدُها: أنها بدلٌ من ((بَيِّنَةٌ)) بدل كل من كل. والثاني: أن تكونَ خبرَ مبتدأ
مضمرٍ أي: هي ما في الصحف الأولى. والثالث: أَنْ تكونَ ((ما)» نافيةً. قال
صاحب ((اللوامح)): ((وأُريدَ بذلك ما في القرآن من الناسخ والفصلِ ممَّا لم يكنْ
في غيره من الكتب)».
وقرأَتْ جماعةٌ ((بَيَِّةً)) بالتنوين والنصب. ووجهُها أَنْ تكونَ ((ما)) فاعلةٌ،
و ((بَيِّنَةَ)) نصب على الحال، وأنَّث على معنى ((ما)). ومَنْ قرأ بتاء التأنيث فحملاً
على معنى ((ما))، ومَنْ قرأ بياءِ الغَيْبة فعلى لفظِها.
وقرأ ابنُ عباس بسكون الحاء(٤).
آ. (١٣٤) والهاءُ في ((قَبْلِهِ)) يجوزُ أَنْ تعودَ للرسول بدليلٍ قوله: ((لولا
أَرْسَلْتَ إلينا رسولاً)). وجَوَّز الزمخشري(٥) وغيرُه أَنْ تعودَ على (بَيِّنَةٍ» باعتبارٍ أنها
في معنى البرهان والدليل.
(١) الآية ٢١ من البقرة. وانظر: الإتحاف ٣٨٢/١.
(٢) السبعة ٤٢٥، والنشر ٣٢٢/٢، والبحر ٢٩٢/٦، والتيسير ١٥٣، والحجة ٤٦٥،
والقرطبي ٢٦٤/١١.
(٣) انظر في قراءاتها: القرطبي ٢٦٤/١١، والبحر ٢٩٢/٦.
(٤) من ((الصحف)). وانظر: القرطبي ٢٦٤/١١، والبحر ٢٩٢/٦.
(٥) الكشاف ٥٦٠/٢.
١٢٥

.- طه ـ
قوله: ((فَنَتَّبِعَ)) نصبٌ بإضمار ((أَنْ)) في جوابٍ التخصيص. وفي إعراب
أبي البقاء(١) : «في جوابِ الاستفهام» وهو سھوٌ.
وقرأ(٢) ابنُ عباس وابنُ الحنفية والحسن وجماعةٌ كثيرة ((نُذَلَّ ونُخْزَىُ))
مبنيين للمفعول.
آ. (١٣٥) و ((مُتَرَبَّصٌ)) خبرُ ((كل))، أَفْرَدَ حملاً على لفظ ((كل)).
قوله: ((مَنْ أصحابُ)) يجوز في ((مَنْ)) هذه وجهان، أظهرهما: أَنْ تكونَ
استفهاميةٌ مبتدأةً، و ((أصحابُ)) خبره. والجملةُ في محلّ نصبٍ سادَّة مَسَدً
المفعولَيْن. والثاني ــ ويُعزى للفراء(٣) - أن تكونَ موصولةً بمعنی الذین.
و((أصحابُ)) خبر مبتدأ مضمر أي: هم أصحاب، وهذا على مقتضى مذهبهم،
يحذفون مثلَ هذا العائدِ وإن لم تَطُلِ الصلةُ. ثم ((عَلِمَ)) يجوز أَنْ تكونَ عرفانِيةً
فتكتفي بهذا المفعول ، وأن تكون على بابها فلا بُدَّ مِنْ تقدیرٍ ثانیھما.
وقرأ(٤) العامَّةُ: ((السَّوِيِّ)) على وزن فَعيل بمعنى المُسْتَوي. وقرأ أبو مجلز
وعمران بن حدير(٥) ((السَّواء)) بفتحِ السينِ والمدِّ، بمعنى الوسط الجيِّد. وقرأ
يحيى بن يعمر والجحدري ((السُّوْءَى)) على فُعْلَى باعتبار أن الصراط يُذَكَّرُ
ويؤنث. وقرأ ابن عباس («السَّوْء)) بفتح السين بمعنى الشرِّ.
(١) الإملاء ٢/ ١٢٩.
(٢) البحر ٢٩٢/٦، والكشاف ٥٦٠/٢.
(٣) قال في معاني القرآن ١٩٧/٢: ((مَنْ)) في موضع رفع ولو نصب كان صواباً، يكون
بمنزلة قول الله ((الله يعلم المفسد من المصلح)).
(٤) انظر في قراءاته: القرطبي ٢٦٦/١١، والبحر ٢٩٢/٦، والشواذ ٩١.
(٥) عمران بن حدير، أبو عبيدة السدوسي البصري ثقة، روى الحروف عن لاحق ابن
حميد وعكرمة. وروى عنه عباس بن الفضل الأنصاري، توفي سنة ١٤٩. انظر:
طبقات القراء ٦٠٤/١.
١٢٦

- طه -
ورُوي عنهما (١) ((السُّوَّى)) بضم السين وتشديد الواو. ويحتمل ذلك
وجهين، أحدُهما: أَنْ يكونَ قَلَبَ الهمزةَ واواً، وأدغم الواوَ في الواو، وأَنْ يكونَ
فُعْلَى من السَّواء. وأصلُه السُّوْيا فقُلِبَتِ الياءُ واواً وأُدْغم أيضاً. وكان قياسُ هذه
السُّيًّا؛ لأنه متى اجتمع ياءٌ وواوٌ وسَبَقت إحداهما بالسكون قُلبت الواو ياءٌ (٢)
وهنا فُعِل بالعكس.
وقُرِىء ((السُّوَيِّ)) بضم السین وفتح الواو وتشديد الياءِ تصغيرَ ((سُوْءٍ)) قاله
الزمخشري(٣). قال الشيخ (٤): ((وليس بجيدٍ إذ لو كانَ كذلك لثَبَتَتْ همزةُ(٥)
((سوء)). والأجودُ أَنْ يكونَ تصغيرَ ((سواء)»، كقولهم عُطَيّ في عَطاء)». قلت:
وقد جعله أبو البقاء(٦) أيضاً تصغيرَ السُّوْء يعني بفتح السين(٧). ويَرِدُ عليه
ما تقدَّم إيرادُه على الزمخشريِّ، وإبدالُ مثلِ هذه الهمزةِ جائزٌ فلا إيرادَ.
قوله: ((ومَنِ اهْتدى)) فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أَنْ تكونَ استفهاميةٌ،
وحكمُها كالتي قبلها إلاّ في حَذْفِ العائدِ. الثاني: أنها في محلِّ رفعٍ على
ما تقدَّم في الاستفهاميةِ. الثالث: أنها في محلِّ جرِّ نَسَقاً على ((الصراطِ)) أي:
وأصحابُ مَنِ اهتدى. وعلى هذين الوجهين تكونُ موصولةً، قال أبو البقاء (٨)
في الوجه الثاني: ((وفيه عَطْفُ الخبرِ على الاستفهام، وفيه تقويةُ قولِ الفرّاءِ»
يعني أنه إذا جَعَلَها موصولةً كانت خبريةٌ .
[تمّت بعونه تعالی سورة طه]
(١) أي عن ابن يعمر والجحدري.
(٢) انظر: الممتع ٤٩٨.
(٣) الكشاف ٥٦١/٢.
(٤) البحر ٢٩٣/٦.
(٥) فقلت: «سُوَيْءٍ)).
(٦) الإِملاء ١٣٠/٢.
(٧) الأصل ((الهمزة» وهو سهو.
(٨) الإِملاء ٢ /١٣٠.
١٢٧

- الأنبياء -
سورة الأنبياء عليهم السلام
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (١) قوله: ﴿اقتربَ للنَّاسِ﴾: اللامُ متعلقٌ بـ((اقترب)).
قال الزمخشري(١): ((هذه اللامُ لا تخلُو: إمَّا أَنْ تكونَ صلةً لاقترب، أو تأكيداً
الإِضافةِ الحسابِ إليهم كقولك: أَزِفَ للحَيِّ رحيلُهم الأصل: أَزِفَ رحيلٌ
الحيّ، ثم أَزِفَ للحيِّ الرحيلُ، ثم أزف للحيِّ رحيلُهم، ونحوه ما أورده
سيبويه(٢) في باب ((ما يُثَنَّى فيه المستقِرُّ توكيداً» نحو: ((عليك زيدٌ حريصٌ
عليك))، و((فيك زيد راغب فيك))، ومنه قولهم: ((لا أبا لك)) لأنَّ اللامَ مؤكدةٌ
لمعنى الإِضافة. وهذا الوجهُ أغربُ من الأول. قال الشيخ(٣): / («يعني بقوله [٦٢٦/ب]
صلةً لاقتربَ أي: متعلقةً به. وأمَّا جَعْلُه اللامَ تأكيداً لإضافة الحسابِ إليهم مع
تقدُّمِ اللامِ ودخولها على الاسمِ الظاهرِ، فلا نعلم أحداً يقول ذلك، وأيضاً
فتحتاج إلى ما تتعلُّقُ به. ولا يمكن تعلُّقها بـ((حسابُهم))؛ لأنه مصدرٌ موصولٌ،
لأنه قُدِّم معمولُه(٤) عليه. وأيضاً فإنَّ التوكيدَ يكونُ متأخراً عن المُؤُكَّد، وأيضاً
فلو أُخِّر في هذا التركيبِ لم يَصِحَّ. وأمَّا تشبيهُه بما أورد سيبويهِ فالفرقُ واضحٌ
(١) الكشاف ٢/ ٥٦١.
(٢) الكتاب ٢٧٧/١.
(٣) البحر ٢٩٦/٦.
(٤) معموله ((للناس)).
١٢٩

الأنبياء -
فإنَّ ((عليك)) معمولٌ لـ ((حريصٌ))، و((عليك)) المتأخرةُ تأكيدٌ، وكذلك ((فيك زيدٌ
راغبٌ فيك)) يتعلَّقُ ((فَيكَ)) بـ((راغبٌ))، و((فيك)) الثانيةُ توكيدٌ. وإنما غَرَّه في
ذلك صحةُ تركيبٍ حسابِ الناس، وكذلك ((أَزِفَ رحيلُ الحيِّ)) فاعتقدَ إذا تقدَّم
الظاهرُ مجروراً باللامِ وأُضيف المصدرُ لضمیرِه أنَّه من بابٍ ((فیك زيد راغب
فیك))، فليس مثله. وأمَّا ((لا أبا لك)) فهي مسألةٌ مشكلةٌ، وفيها خلاف، ويمكن
أن يقال فيها ذلك؛ لأنَّ اللامَ فيها جاوَرَتِ الإِضافةَ، ولا يُقاس عليها لشذوذِها
وخروجها عن الأقيسةِ».
قلت: مسألةُ الزمخشري أشبهُ شيءٍ بمسألةِ ((لا أبا لَك))، والمعنى الذي
أَوْرده صحيحٌ. وأمَّا كونُها مشكلةً فهو إنما بناها على قولِ الجمهورِ، والمُشْكِلُ
مقررٌ في بابِهِ، فلا يَضُرُّنا القياسُ عليه لتقريرِه في مكانه .
قوله: ((وهم في غَفْلةٍ مُعْرِضُوْن)) يجوز أَنْ يكونَ الجارُّ متعلقاً بمحذوفٍ
على أنّه حالٌ من الضميرِ في (مُعْرِضُون))، وأن يكون خبراً للضمير،
و (مُعْرِضون)) خبر ثانٍ. وقولُ أبي البقاء (١) في هذا الجارِّ((إنه خبرٌ ثانٍ)» بعني
في العددِ، وإلَّ فهو أولٌ في الحقيقة. وقد يقال: لَّمَّا كان في تأويلِ المفرد
جُعِلِ المفردُ الصريحُ مقدَّماً في الرتبةِ فهو ثانٍ بهذا الاعتبارِ. وهذه الجملةُ في
محلِّ نصبٍ على الحال من ((للناس)).
آ. (٢) قوله: ﴿مُحْدَثٍ﴾: العامَّةُ على جَرِّ((مُحْدَثٍ)) نعتاً لـ ((ذِكْرٍ))
على اللفظِ(٢). وقوله: ((مِنْ ربهم)) فيه أوجهٌ، أجودُها: أن يتعلَّقَ بـ ((يَأْتيهم))
وتكونُ ((مِنْ)) لابتداءِ الغاية مجازاً. والثاني: أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ
من الضمير المستترِ في ((مُحْدَثٍ)). الثالث: أن يكونَ حالاً مِنْ نفسِ ((ذِكْرٍ)) وإنْ
(١) الإملاء ١٣٠/٢.
(٢) لأن لفظ ((ذكر)» مجرور، ومحله مرفوع لأن ((مِنْ)) زائدة.
١٣٠

- الأنبياء -
كان نكرةً لأنَّه قد تَخَصَّصَ بالوصفِ بـ ((مُحْدَثٍ))، وهو نظيرُ ((ما جاءني رجلٌ
قائماً منطلقٌ)) فَفَصَل بالحالِ بين الصفةِ والموصوفِ. وأيضاً فإنَّ الكلامَ نفيٌ
وهو مُسَوٌِّ لمجيء الحالِ من النكرةِ. الرابع: أَنْ يكونَ نعتاً لـ ((ذِكْر)» فيجوزُ في
محلِّه الوجهان: الجرُّ باعتبارِ اللفظِ، والرفعُ باعتبارِ المحلِّ لأنَّه مرفوعُ المحل
إذ ((مِنْ)) مزيدةٌ فيه، وسيأتي. وفي جَعْلِه نعتاً لـ ((ذِكْرٍ)) إشكالٌ من حيث إنه قد
تقدَّم غيرُ الصريحِ على الصريحِ. وتقدَّم تحريرُه في المائدة. الخامس: أَنْ
يتعلَّقَ بمحذوفٍ على سبيلِ البيان.
وقرأ(١) ابنُ أبي [عَبْلَة]((مُحْدَثٌ)) رفعاً نعتً لـ ((ذِكْرٍ)) على المحلِّ لأنَّ((مِنْ))
مزيدةٌ فيه لاستكمالِ الشرطين(٢). وقال أبو البقاء(٣): ((ولو رُفِع على موضع
(مِنْ ذكْر)) جاز)). كأنه لم يَطَّلِعْ عليه قراءةً. وزيدُ بنُ علي ((مُحْدَثً)) نصباً على
الحال مِنْ ((ذِكْر))، وسَوَّغ ذلك وصفُه بـ ((مِنْ ربَّهم)) إِنْ جَعَلْناه صفةً، أو اعتمادُه
على النفي. ويجوز أن يكونَ من الضمير المستتر في ((مِنْ ربهم)) إذا جَعَلْناه
صفةً.
قوله: ((إلَّ اسْتَمَعُوْه)) هذه الجملةُ حالٌ من مفعول ((يأتيهم))، وهو استثناءٌ
مفرغٌ، و((قد)) معه مضمرةً عند قوم.
قوله: ((وهم يَلْعبون)) حالٌ مِنْ فاعل ((استمعوه).
آ. (٣) قوله: ﴿لَاهِيَةً﴾: يجوزُ أَنْ تكونَ حالاً مِنْ فاعل
(اسْتَمَعوه)) - عند مَنْ يُجيز تعدُّدَ الحالِ - فتكونَ الحالان مترادِفَتَيْنٍ، وأن تكون
(١) البحر ٢٩٦/٦، والكشاف ٥٦٢/٢.
(٢) أن تدخل على نكرة، وأن تُسبق بنفي أو استفهام.
(٣) الإملاء ١٣٠/٢.
١٣١

- الأنبياء -
حالاً من فاعل (يَلْعبون)) فتكونَ الحالان متداخلتين. وعَبَّر الزمخشري(١) عن
ذلك فقال: ((وهم يَلْعَبُوْن لاهيةً قلوبُهم)) حالان مترادفتان أو متداخلتان) وإذا
جعلناهما حالَيْنِ مترادفتين ففيه تقديمُ الحالِ غيرِ الصريحة على الصريحة،
وفيه من البحثِ كما في باب النعت. و((قلوبُهم)) مرفوعٌ بـ ((لاهِيَةً)).
والعامَّةُ على نصب ((لاهِيَةً)). وابنُ أبي عبلة(٢) بالرفع على أنها خبرٌ ثانٍ
بقولِه ((وهم) عند مَنْ يُجَوِّز ذلك، أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ عند مَنْ لا يُجَوِّزه.
قوله: ((وأَسَرُّوا النَّجْوى الذين ظلموا» يجوزُ في محلٌّ ((الذين)» ثلاثةُ
أوجهٍ: الرفعُ والنصب والجرِّ. فالرفعُ مِنْ أوجهٍ، أحدها: أنه بدلٌ من واو
((أَسَرُّوا)) تنبيهاً على اتُّسامهم بالظلمِ الفاحش، وعزاه ابن عطية(٣) لسيبويه(٤)،
وغيره للمبرد.
الثاني: أنه فاعلٌ. والواوُ علامةُ جمعٍ دَلَّتْ على جمعِ الفاعل، كما تَدُلُّ
التاءُ على تأنيثِه، وكذلك يفعلون في التثنية فيقولون: قاما أخواك.
[٦٢٧/أ) وأنشدوا(٥): /
٣٣٣١- يَلُوْمونني في اشتراء النُّخيـ
سلٍ أهلي فكلُّهُمْ أَلْوَمُ
وقد تقدَّمت هذه المسألة في المائدة عند قوله تعالى: ((ثم عَمُوا وصَمُّوا
(١) الكشاف ١٥٦٢/٢
(٢) البحر ٢٩٦/٦، والكشاف ٥٦٢/٢.
(٣) المحرر ١٢٢/١١.
(٤) الكتاب ٢٣٦/١، قال: ((فإنما يجيء على البدل وكأنه قال: انطلقوا. فقيل له: مَنْ؟
فقال: بنو فلان)) ..
(٥) تقدم برقم ١٣٨٩.
١٣٢

- الأنبياء -
كثيرٌ منهم))(١) وإليه ذهب الأخفش(٢) وأبو عبيدة(٣). وضعَّف بعضُهم هذه
اللغةً، وبعضُهم حَسَّنها ونسبها لأزد شنوءة، وقد تقدمت هذه المسألة في المائدة
عند قوله تعالی : «ثم عَمُوا وصُّوا کثیر منهم)).
الثالث: أن يكونَ ((الذين)) مبتدأٌ، و((أَسَرُّوا)) جملةً خبرية قُدِّمَتْ على
المبتدأ، ويُعْزَى للکسائي .
الرابع: أن يكون ((الذين)) مرفوعاً بفعلٍ مقدرٍ فقيل تقديره: يقولُ الذين.
واختاره النحاس(٤) قال: ((والقول كثيراً ما يُضْمَرُ. ويَدُلُّ عليه قولُه بعد ذلك:
((هل هذا إلَّ بشرٌ مثلُكم)). وقيل: تقديرُه: أَسَرُّها الذين ظلموا.
الخامس: أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ تقديرُه: هم الذين ظلموا.
السادس: أنه مبتدأٌ. وخبرُه الجملةُ من قوله: ((هل هذا إلَّ بَشَرٌ)) ولا بُدَّ
من إضمار القول على هذا القول تقديرُه: الذين ظلموا يقولون: هل هذا إلَّ
بَشَرٌ، والقولُ يُضمر كثيراً.
والنصبُ مِنْ وجهين، أحدُهما: الذُّ. الثاني: إضمار أعني. والجرُّ من
وجهين أيضاً: أحدهما: النعت، والثاني: البدلُ، من ((للناس))، ويُعْزَى هذا
للفراءِ(٥). وفيه بُعْدٌ.
(١) انظر: الدر المصون ٣٥٤/٣، ٣٧٠/٤، والآية ٧١ من المائدة.
(٢) قال في ((معاني القرآن)) ٤١٠: ((كأنه قال: وأَسَرُّوا، ثم فسَّرِه بعدُ فقال: هم الذين
ظلموا، أو جاء هذا على لغة الذين يقولون: ضربوني قومك)).
(٣) انظر: مذهب أبي عبيدة في مجاز القرآن ١٠١/١، ٣٥/٢ حيث أجاز البدلية
والفاعلية.
(٤) إعراب القرآن ٣٦٦/٢.
(٥) معاني القرآن ١٩٨/٢.
١٣٣

- الأنبياء -
قوله: ((هل هذا)) إلى قوله: ((تُبْصِرُون)) يجوز في هاتَيْنِ الجملتينِ
الاستفهاميتين أَنْ يكونا في محلِّ نصب بدلاً من ((النجوى))، وأَنْ يكونا في محلّ
نصبٍ بإضمار القول. قالهما الزمخشريُّ (١)، وأَنْ يكونا في محلِّ نصبٍ على
أنهما محكيَتان بالنجوى، لأنها في معنى القولِ . ((وأنتم تُبْصِرون)) جملةٌ حاليةٌ
مِنْ فاعل ((تَأْتُون)).
آ. (٤) قوله: ﴿قُلْ ربي﴾: قرأ(٢) الأخوان وحفص ((قال)» على
لفظِ الخبرِ. والضميرُ للرسولِ عليه السلام. والباقون ((قُلْ)) على الأمرِ له.
قوله: ((في السماءِ)) فيه أوجهٌ، أحدها: أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ
من القول. والثاني: أنه حالٌ من فاعل ((يعلمُ)). وضَعَّفَه أبو البقاء(٣)، وينبغي
أَنْ يمتنعَ. والثالث: أنه متعلقٌ بـ((يَعْلَمُ))، وهو قريبٌ مِمَّا قبله. وحَذْفُ متعلَّق
السميع العليم للعلم به.
آ. (٥) قوله: ﴿أَضْغَاثُ أحلامٍ﴾: خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي:
هو أضغاثُ. والجملةُ نصبُ بالقول.
قوله: ((كما أُرْسِلَ)) يجوزُ في هذه الكاف وجهان، أحدهما: أن تكونَ في
محلِّ جرِّ نعتاً لـ ((آيةٍ)) أي: بآية مثلٍ آية إرسالِ الأوَّلين. فـ ((ما)) مصدريةٌ.
والثاني : أن تكونَ نعتً لمصدرٍ محذوفٍ أي : إتياناً مثلَ إرسال الأولين.
آ. (٦) قوله: ﴿أَهْلكناها﴾ و﴿أفهم يؤمنون﴾: قد تقدّم
نظيرُه(٤).
(١) الكشاف ٥٦٢/٢.
(٢) السبعة ٤٢٨، والتيسير ١٥٤، والحجة ٤٦٥، والنشر ٣٢٣/٢، والبحر ٢٩٧/٦،
والقرطبي ١١/ ٢٧٠ ..
(٣) الإملاء ١٣٠/٢.
(٤) انظر: الدر المصون ٣٢٨/١.
١٣٤

- الأنبياء -
آ. (٧) قوله: ﴿نُوْحي إليهم﴾: قرأ(١) حفصٌ ((نُوْحي)» بنون
العظمة مبنياً للفاعلِ أي: نوحي نحن. والباقون بالياء وفتحِ الحاء مبنياً
للمفعولِ، وقد تقدَّم ذلك في يوسف(٢). وهذه الجملةُ في محلٌّ نصب نعتاً
لـ ((رجالاً)) و ((إليهم)» في القراءةِ الأولى منصوبُ المحلِّ. والمفعولُ محذوفٌ
أي: نُوحِي إليهم القرآنَ أو الذِّكْرَ، ومرفوعُ المحلِّ في القراءةِ الثانيةِ لقيامِه مَقامَ
الفاعلِ.
قوله: ((إنْ كُنْتُم لا تعلمون)) جوابُ الشرطِ محذوفٌ لدلالةِ ما تقدَّم عليه
أي: فاسْأَلوهم، حُذِفَ لدلالةِ ما تقدَّم عليه. ومفعولا العِلْمِ يجوز أَنْ يُرادا أي:
لا تَعْلمون أنَّ ذلك كذلك، ويجوزُ أن لا يُرادا أي: إنْ كنتم مِنْ غيرِ ذوي
العلم .
آ. (٨) قوله: ﴿لا يَأْكُلون الطَّعامَ﴾: في هذه الجملةِ وجهان،
أظهرُهما: أنَّها في محلٌّ نصب نعتاً لـ ((جَسَدَ))، و(جَسَداً)) مفردٌ يُراد به
الجمعُ، وهو على حذفِ مضافٍ أي: ذوي أجسادٍ غيرِ آكلينَ الطعامَ. وهذا رَدُّ
لقولهم: ((ما لهذا الرسولِ يأكلُ الطَّعام))(٣). و((جعل)) يجوز أن يكونَ بمعنی صَيَّر
فيتعدَّى لاثنين، ثانيهما ((جسداً))، ويجوزُ أَنْ يكونَ بمعنى خلق وأنشأ فيتعدَّى
لواحدٍ، فيكون ((جسدا) حالاً بتأويلِه بمشتقٍ أي: مُتَغَذِّيْنَ؛ لأنَّ الجسدَ لا بُدَّ له
من الغذاءِ .
وقال أبو البقاء(٤): ((إنَّ((لا يأكلون)) حالٌ(٥) أخرى بعد ((جَسَداً)) إذا قلنا
(١) السبعة ٤٢٨، والنشر ٢٩٦/٢، والتيسير ١٣٠، والحجة ٤٦٦، والنشر ٢٩٦/٢.
(٢) الآية ١٠٩ ((وما أرسلنا مِنْ قبلك إلاَّ رجالاً نوحي إليهم مِنْ أهلِ القرى)). وانظر:
الدر المصون ٦ /٥٦١.
(٣) الآية ٧ من الفرقان.
(٤) الإملاء ٢/ ١٣١.
(٥) الأصل («حالاً» وهو سهو.
١٣٥

- الأنبياء-
إِنَّ (جعل)) يتعدَّى لوأحدٍ)). وفيه نَظَرٌ، بل هي صفةٌ لـ ((جَسَداً)) بالاعتبارين،
لا یلیق المعنى إلاّ به.
آ. (٩) قوله: ﴿صَدَقْنَاهُمُ الوعدَ﴾: ((صَدَق)) يتعدّى لاثنيْنِ
إلى ثانيهما بحرفِ الجرِّ، وقد يُحْذف. تقولُ: صَدَقْتُك الحدیثَ، وفي
الحديث. نحو: أمر واستغفر وقد تقدَّم في آل عمران(١).
آ. (١٠) قوله: ﴿فيه ذِكْرُكُمْ﴾: يجوزُ أَنْ تكونَ جملةً في مخلّ
نصب صفةً لـ ((كتاباً) ويجوزُ أَنْ يكونَ ((فيه)) هو الوصفَ وحدَه و ((ذِكْرُكم»
فاعلٌ. وقال بعضهم: ((في الكلامِ حَذْفُ مضافٍ تقديرُه: فيه ذِكْرُ شَرَفِكم.
و((ذَكَرِ)) هنا مصدرٌ يجوز أن يكونَ مضافاً لمفعولِه أي: ذِكْرُنا إياكم. ويجوز أَنْ
يكونَ مضافاً لفاعلِه أي: ما ذَكَرْتُمْ من الشِّرْك وتكذيبِ النبيِّ صلَّى الله عليه
وسلَّم.
[٦٢٧/ب]
آ. (١١) قوله: / ﴿وكم قَصَمْنَا﴾: في محلِّ نصب مفعولاً
مقدماً بـ ((قَصَمْنا). و ((من قرية)) تمييزٌ. والظاهرُ أنَّ((كم)) هنا خبريةٌ لأنها تفيدُ
التكثير.
قوله: ((كانَتْ ظالمةً)) في محلٌّ جرِّ صفةً لـ «قريةٍ)). ولا بُدَّ من مضافٍ
محذوفٍ قبل (٢) ((قرية)) أي: وكم قَصَمْنا من أهلِ قرية بدليلٍ عَوْدِ الضميرِ في
قوله: ((فلمًّا احسُوا)) ولا يجوز أَنْ یعود على قوله ((قوماً»؛ لأنه لم يَذْكُرْ لهم
ما يَقْتَضي ذلك.
(١) فصَّل فيه وعَدَّد أفعالَه في الأعراف. انظر: الدر المصون ٤٧٤/٥.
(٢) تكرر قوله ((قبل)» في الأصل سهواً.
١٣٦

- الأنبياء -
آ. (١٢) قوله: ﴿إِذا﴾: هذه فجائيةٌ. وقد تقدَّمَ الخلافُ فيها
مُشْبَعاً (١). و((هم)) مبتدأُ، و((يَرْكُضون)) خبرُه، وتقدَّم(٢) في أولِ هذا
الموضوعِ أنَّ هذه الآيةَ وأمثالَها دالَّةٌ على أن ((لَمَّا)) ليست ظرفيةً، بل حرفُ
وجوبٍ لوجوب(٣) لأنَّ الظرفَ لا بُدَّ له مِنْ عاملٍ ولا عاملَ هنا لأنَّ ما بعدَ إذا
لا يعملُ فيما قبلَها. والجواب: أنه عَمِل فيها معنى المفاجأةِ المدلولِ عليه
بـ ((إذا)).
والضميرُ في ((مِنْها)) يعودُ على ((قرية)). ويجوز أَنْ يعودَ على ((بَأْسَنا)) لأنه
في معنى النِّقْمة والبأساء، فَأَنَّثَ الضميرَ حملاً على المعنى. و ((مِنْ)) على
الأولِ لابتداءِ الغايةِ، وللتعليل على الثاني. والرَّْضُ: ضَرْبُ الدابَّة بالرُّجْلِ.
يُقال: رَكَضَ الدابَّةَ يَرْكُضها رَكْضاً.
آ. (١٥) قوله: ﴿فما زالَتْ تلك دعواهم﴾: اسم ((زالَتْ))
((تلك)) و((دعواهم)) الخبرُ، هذا هو الصواب. وقد قال الحوفي والزمخشري (٤)
وأبو البقاء(٥) بجواز العكس. وهو مردودٌ بأنه إذا خَفِي الإِعرابُ مع استوائهما في
المُسَوِّغ لكونِ كلٍ منهما اسماً أو خبراً وَجَبَ جَعْلُ المتقدِّم اسماً والمتأخرِ
خبراً، وهو من باب ((ضرب موسى عيسى)) وقد تقدَّم إيضاحُ هذا في أول سورة
الأعراف(٦). وهناك شيءٌ لا يتأتّى ههنا فَلْيُلْتَفَتْ إليه. و((تلك)) إشارةٌ إلى
الجملةِ المقولة .
(١) انظر: الدر المصون ٦٣٤/٤.
(٢) انظر: الدر المصون ٤٠/٤.
(٣) وهو مذهب سيبويه. انظر: الكتاب ٣١٢/٢. وذهب الفارسي إلى أنها ظرفية.
انظر: الإيضاح العضدي ٣١٩/١.
(٤)
الكشاف ٥٦٥/٢.
(٥) الإملاء ١٣١/٢.
(٦) انظر: الدر المصون ٢٥٣/٥. وقول المؤلف فيه نظرٌ؛ لأنه قياسٌ مع الفارق، =
١٣٧

- الأنبياء :-
قوله: ((حَصِيداً) مفعولٌ ثانٍ؛ لأنَّ الجعلَ هنا تصييرَ. و ((حصيداً
خامدين)»: يجوزُ أَنْ يكونَ من باب ((هذا حلوٌ حامِضٌ)). كأنه قيل: جَعَلْناهم
جامعين بين الوصفين جميعاً. ويجوز أن يكونَ ((خامِدِيْن)» حالاً من الضمير في
(جَعَلْناهم))، أو من الضميرِ المستكنُّ في ((حَصِيداً) فإنَّه في معنى مَخْصُوْد.
ويجوزُ أن يكونَ مِنْ باب ما تعذَّد فيه الخبرُ نحو: ((زيدٌ كاتبٌ شاعرٌ)). وجَوَّز
أبو البقاء(١) فيه أيضاً أن يكونَ صفةً لـ ((حصيداً)» وحصِید بمعنی مَحْصود كما
تقدَّم؛ فلذلك لم يُجْمع. وقال أبو البقاء (٢): ((والتقدير: مثل حصيدٍ، فلذلك
لم يُجْمع كما لم يُجْمَعْ ((مثل)) المقدر)) انتهى. وإذا كان بمعنى مَحْصُودين
فلا حاجة .
آ. (١٦) قوله: ﴿لاعِبين﴾: حالٌ من فاعل ((خَلَقْنا)).
آ. (١٧) قوله: ﴿إِنْ كُنَّا فاعِلين﴾: في ((إِنْ)) هذه وجهان،
أحدهما: أنها نافيةٌ أي: ما كُنَّا فاعلين. والثاني: أنها شرطيةٌ. وجوابُ الشرطِ
محذوفُ لدلالةِ جوابٍ (لو)) عليه. والتقدير: إنْ كُنَّا فاعلينَ اتَّخَذْناه.
آ. (١٨) قوله: ﴿فَيَدْمَغُه﴾: العامَّةُ على رفع الغين تَسَقاً على
ما قبله. وقرأ(٣) عيسى بن عمر بنصبِها. قال الزمخشري(٤): ((وهو في ضَعْفٍ
=
فمسألة ((ضرب موسى عيسى)) غيرُ مسألة ((تلك دعواهم)) مع خفاء الإعراب في
المسألتين والعلة في منع الأولى الالتباس الذي يؤثر في الحكم، وهذا مفقودٌ في
الثانية. فبطل القياس.
(١) الإِملاء ١٣١/٢.
(٢) الإملاء ١٣١/٢.
(٣) البحر ٣٠٢/٦، والشواذ ٩١.
(٤) الكشاف ٢ / ٥٦٦.
١٣٨

- الأنبياء -
قولِه(١) :
٣٣٣٢- سأَتركُ منزلي لبني تميمٍ
وألحقُ بالحجازِ فَأَسْتَريحا
وقرىء(٢) شاذاً ((فَيَدْمُغُه)) بضمُّ الميم، وهي محتملةٌ لأن يكونَ في
المضارع لغتان(٣): يَفْعَلُ ويَفْعُل، وأن يكونَ الأصلُ الفتحَ، والضمة للإِتباع في
حرف الحلق. ويدمغه: أي يصيب دماغه، من قولِهِم دَمَغْتُ الرجلَ أي: ضَرَبْتُه
في دماغِه كقولهم رَأَسَه وكَبَده وَرَجَله، إذا أصاب منه هذه الأعضاءَ.
قوله: (مما تَصِفُون)) فيه أوجهً، أحدُها: أنه متعلقٌ بالاستقرار الذي تَعَلَّق
به الخبرُ أي: استقرَّ لكم الويلُ من أجلِ ما تَصِفُون. و((مِنْ)) تعليلِيَّةُ. وهذا وجهً
وجية. الثاني: أنه متعلقٌ بمحذوفٍ. والثالث: أنه حالٌ من الويلِ أي: الويلُ
واقعاً مِمَّا تَصِفُون، كذا قَدَّره أبو البقاء(٤). و(ما)) في ((مِمَّا تَصِفُون)) يجوز أَنْ
تكون مصدريةً فلا عائدً عند الجمهورِ، وأن تكونَ بمعنى الذي، أو نكرةً
موصوفةً ولا بُدَّ من العائد، عند الجميع، حُذِف لاستكمالِ الشروطِ.
آ. (١٩) قوله: ﴿وَمَنْ عنده﴾: يجوز فيه وجهان، أحدُهما: أنه
معطوفٌ على ((مَنْ)) الأولى. أخبر تعالى عن مَنْ في السموات والأرض، وعن
مَنْ عنده بأنَّ الكلِّ له في مِلْكِه، وعلى هذا فيكون من باب ذِكْرِ الخاصّ بعد
العام مَنْبَهَةً على شرفه. لأنَّ قولَه: ((مَنْ في السموات)) شَمْل مَنْ عنده، وقد مَرَّ
(١) تقدم برقم ٦٩٨ .
(٢) البحر ٣٠٢/٦.
(٣) قال في القاموس: (دمغ) «ودّمَغه كمنعه ونصره)).
(٤) الإملاء ١٣١/٢.
١٣٩

- الأنبياء -
نظيرُه في قوله: ((وجبريلَ ومِيْكالَ))(١). وقوله: ((لا يَسْتَكْبِرون)) على هذا فيه
[٦٢٨/أ] أوجهٌ، أحدُها: أنه حال / مِنْ ((مَنْ)) الأولى أو الثانية أو منهما معاً. وقال
أبو البقاء(٢): ((حالٌ: إمَّا مِن الأولى أو الثانية على قولٍ مَنْ رَفَع بالظرف)) يعني
أَنَّه إذا جَعَلْنا (مَنْ)) في قوله ((وله مَنْ في السموات)) مرفوعاً بالفاعليةِ، والرافعُ
الظرفُ؛ وذلك على رأي الأخفش، جاز أَنْ يكونَ ((لا يَسْتكبرون)) حالاً: إِمَّا مِنْ
(مَنْ)) الأولى، وإمَّا مِن الثانية؛ لأن الفاعلَ يجيءُ منه الحالُ. ومفهومُه أنَّا إِذا
جَعَلْناها مبتدأً لا يجي ءٌ (يستكبرون)) حالاً، وكأنه يرى أنَّ الحالَ لا تجيءُ من
المبتدأ، وهو رأيٌّ لبعضِهم. وفي المسألةِ كلامٌ مقررٌ في غيرِ هذا الموضوعِ،
ويجوزُ أَنْ يكونَ ((لا يستكبرون)) حالاً من الضميرِ المستكنِّ في ((عندَه)) الواقعِ
صلةً، وأن يكونَ حالاً من الضميرِ المستكنُّ في ((له)) الواقع خبراً.
والوجهُ الثاني من وجهَيْ ((مَنْ)): أن تكونَ مبتدأً، و ((لا يستكبرون) خبرُه،
وهذه جملةٌ معطوفةٌ على جملةٍ قبلَها. وهل الجملةُ مِنْ قوله ((ولهُ مَنْ في
السموات)» استئنافيةٌ أو معادِلَةٌ لجملة قوله: ((ولكُم الوَيْلُ)) أي: لكم الوَيْلُ، وللَّهِ
تعالى جميعُ العالَمِ عُلْوِيُّه وسُفْلِيِّهِ؟ والأولُ أظهرُ.
ولا يَسْتَحْسِرون أي: لا يَكِلُّون ولا يَتْعبون. يقال: اسْتَحْسر البعيرُ أَي كُلّ
وتَعِب. قال: علقمة بن عبدة (٣):
٣٣٣٣ - بها جِيَفُ الْحَسْری فأمَّا عِظامُها
فبِيْضٌ وأمَّا جِلْدُها فضَلِيْبُ
(١) الآية ٩٨ من البقرة ((مَنْ كان عَدُوًّاً لله وملائكته ورسلِه وجبريلَ وميكالَ فإنَّ الله عدوٌ
للكافرين». وانظر: الدر المصون ٢٢/٢.
(٢) الإملاء ١٣١/٢.
(٣) تقدم برقم ١٥٤ .
١٤٠