النص المفهرس

صفحات 41-60

- طه -
والواني : المقصِّرُ في أمره. قال الشاعر(١):
٣٢٩٠-
فما أنا بالواني ولا الضَّرَعِ الغُمْرِ
وونى فعلٌ لازمٌ لا يتعدى، وزعم بعضهم(٢) أنه يكون مِنْ أخواتِ زَال
وانفك فيعمل بشرط النفي أو شبهِه عَمَلَ كان فيقال: ((ما وَنى زيدٌ قائماً)) أي:
ما زال قائماً. وأنشد الشيخُ جمالُ الدين بنُ مالكٍ شاهداً على ذلك قول
الشاعر (٣):
٣٢٩١- لا يَنِيْ الحُبُّ شِيْمةَ الحِبِّ ما دا
مَ فلا تَحْسَبَنَّه ذا ارْعِواءِ
أي لا يزال الحُبُّ - أي بضم الحاء - شيمةَ الحِبِّ - أي بكسرِها - وهو
المُحِبُّ. ومَنْ منع ذلك يتأوَّلُ البيتَ على حَذْفِ حرفِ الجرّ؛ فإنَّ هذا الفعلَ
يتعدَّى تارةً بـ عَنْ وتارة بـ في. يُقال: ما وَنَيْتُ عن حاجتك أو في حاجتك.
فالتقدير: لا يَفْتُرُ الحُبُّ في شِيمة المُحِبُّ وفيه مجازٌ بليغ. وقد عُدِّيَ في الآيةِ
الكريمة بـ في .
وقرأ(٤) يحيى بنُ وثَّاب ((ولا تَنِيا)) بكسر التاء إتباعاً لحركةِ النون. وسَكَّن
(١) لم أهتد إلى قائله. وهو في اللسان (ضرع) والبحر ٢٤٤/٦. وصدره:
أناةً وحِلْماً وانتظاراً بهمْ غداً
والضَّرَعُ والغُمْرُ: الضعيف من الرجال.
(٢) قال الجوهري: ((وفلان لا يني يفعل كذا أي: لا يزال يفعل كذا)). انظر: الصحاح
(ونى) والمساعد ٢٤٩/١.
(٣) لم أهتد إلى قائله، وهو في المساعد ٢٤٩/١، والهمع ١١٢/١، والدرر ٨٢/١.
وثمة رواية ثانية: ((لا يني الخِبُّ شيمة الخَبِّ)) وارعواء: زجر وارتداع.
(٤) البحر ٢٤٥/٦، والكشاف ٥٣٨/٢، والشواذ ٨٨.
٤١

الياءَ مِنْ «ذِكْرِيْ»
- طه ـ
آ. (٤٣) وذَكَر المذهوب إليه في قوله: ((اذهبا إلى فرعون» وحذَفه في
الأول في قوله: ((اذهبْ أنت وأخوك)) اختصاراً في الكلام. وقيل: أُمِرا أولاً
بالذهابِ لعمومِ الناس ثم ثانياً لفرعونَ بخصوصه، وفيه بُعد؛ بل الذهابان
متوجِّهان لشيءٍ واحدٍ وهو فرعونُ، وقد حَذَفَ من كلٍ من الذهابين ما أثبته في
الآخر: وذلك أنه حذف المذهوبَ إليه من الأول وأثبته في الثاني، وحَذَّفَ
المذهوبَ به وهو ((بآياتي)) من الثاني وأثبته في الأول.
آ. (٤٤) وقرأ أبو معاذٍ (٢) ((قولاً لَيْناً) وهو تخفيف مِنْ لَيِّن كِمَّيْت في
مَيِّت.
وقوله: (لَعَلَّه)) فيه أوجهٌ، أجدُها: أنَّ (لعلَّ)) على بابها من التّرَجِّي:
وذلك بالنسبة إلى المُرْسَل، وهو موسى وهارون أي: اذهبا على رجائِكما
وطَمْعِكما في إيمانه، إذهبا مُتَرَجِّيْنِ طامِعَيْن، وهذا معنى قولِ الزمخشري(٣) ،
ولا يَسْتقيمُ أن يَرِدَ ذلك في حق الله تعالى إذ هو عالمٌ بعواقب الأمور، وعن
سيبويه (٤): ((كلُّ ما وَرَدَ في القرآن مِنْ لعلَّ وعسى فهو من الله واجبٌ))، يعني أنه
مستحيلٌ بقاءُ معناه في حق الله تعالى. والثاني: أنَّ لعلَّ بمعنى كي فتفيد العلةً.
(١) بياض في الأصل. وقال في الإِتحاف ٢٤٧/٢: ((وفتح ياء الإِضافة مِنْ ((ذكريَ)) نافع
وابن کثیر وأبو عمرو وأبو جعفر)» .
(٢) الشواذ ٨٨.
(٣) الكشاف ٥٣٨/٢.
(٤) قال سيبويه ١٦٧/١: ((فالعلمُ قد أتى من وراء ما يكون، ولكن اذهبا أنتما في
رجائكما وطمعكما ومَبْلَغِكما من العلم، وليس لهما أكثرُ من ذا ما لم يعلم!».
٤٢

- طه -
وهذا قول الفراء(١)، قال: ((كما تقول: اعمل لعلك تأخذُ أَجْرَك أي: كي
تأخذ)). والثالث: أنها استفهاميةٌ أي: هل يتذكَّر أو يَخْشَىْ؟ وهذا قولٌ
ساقط(٢)؛ وذلك أنه يَسْتحيل الاستفهامُ في حق الله تعالى كما يستحيل
الترجِّي. فإذا كان لا بُدَّ من التأويل فَجَعْلُ اللفظِ على مدلولِه باقياً أَوْلَى مِنْ
إخراجه عنه .
آ. (٤٥) قوله: ﴿أَنْ يَفْرُطَ﴾: ((أَنْ يَفْرُطَ)) مفعولُ ((نخاف)).
ويقال(٣): فَرَطَ يَفْرُط: سَبَقَ وَتَقَدَّم، ومنه الفارِطُ. وهو الذي يتقدَّم الورادةَ إلى
الماء وفَرَسٌ فَرَطٌ : يسبقُ الخيلَ، أي: نخافُ أَنْ يُعَجِّلَ علينا بالعقوبةِ ويبادِرَنا
بها، قاله الزمخشري (٤)، ومِنْ وُرودِ الفارط بمعنى المتقدِّم على الواردة قولُ
الشاعر(٥):
٣٢٩٢- واسْتعجلونا وكانوا مِنْ صحابتنا
كما تَقَدَّم فُرَّاطٌ لوُرَّادِ
وفي الحديث: (أنا فَرَطُكم على الحَوْضِ))(٦) أي: سابقُكم ومتقدِّمُكم.
(١) ليس في معاني القرآن إشارة إلى ذلك. وهو قول الأخفش في معاني القرآن ٤٠٧،
والمثال مثاله. وانظر: المغني ٣٧٩.
(٢) قال ابن هشام في المغني ٣٧٩: ((أثبته الكوفيون ولهذا عُلِّق بها الفعلُ في نحو:
(لا تدري لعل الله يُحْدِثُ بعد ذلك أمراً)).
(٣) انظر: الدر المصون ٤ /٥٩٦.
(٤) الكشاف ٥٣٨/٢.
(٥) تقدم برقم ٢٩٨٩ .
(٦) رواه البخاري في كتاب الرقاق، ٥٣ باب في الحوض. الفتح ٤٧١/١١، والمسند
٣٠٠/٢.
٤٣

- طه بـ
وقرأ(١) يحيى بن وثاب وابنُ محيصن وأبو نَوْفلٍ (يُفْرَطِ)) بضمٌّ حرف
المضارعة وفتح الراء على البناء للمفعول، والمعنى: خافا أن يُسْبَقَ في
العقوبةِ. أي: يحملُه حامِلٌ عليها وعلى المعاجلة بها: إمَّا قومُه وإِمَّا حُبُ
الرئاسةِ، وإمَّ ادِّعاؤه الإِلَهيةَ.
وقرأ ابن محيصن في روايةٍ والزعفراني(٢) ((أَن يُفَرِّطَ)) بضمٌّ حرفٍ
المضارَعَةِ وكسر الراء مِنْ أفرط. قال الزمخشري (٣): ((مِنْ أَفْرَطَه غيرُه إذا حمله
على العَجَلة، خافا أَنْ يَحْمِلَه حاملٌ على المُعاجلة بالعقاب)). قال كعب ابن
زهیر(٤).
٣٢٩٣ - تَنْفِي الرياحُ القَذَىْ عنه وأَقْرَطَه
مِنْ صَوْبٍ ساريةٍ بِيْضٌ يَعالِيْلُ
أي: سَبَقَتْ إليه هذه البِيْضُ لتملُّه. وفاعلُ ((يَفْرُطَ)) ضميرُ فرعون. وهذا
هو الظاهر الذي ينبغيّ أَن لا يُعْدَلَ عنه. وجعله أبو البقاء(٥) مضمراً لدلالة
الكلامِ عليه فقال ((فيجوز أن يكون التقدير: أن يَفْرط علينا منه قولٌ، فأضمر
(١) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٢٤٧/٢، والبحر ٢٤٦/٦، والمحتسب ٥٢/٢،
والقرطبي ٢٠١/١١
(٢) ثمة قارئان بهذا اللقب، الأول الحسين بن مالك أبو عبد الله المقرىء، له اختيار في
القراءة، قرأ على ابن واقد وقرأ عليه أبو نصر ابن حاشد، والثاني: عبد الله ابن
محمد، روى عن خلف والدوري، وروى عنه الغضائري. انظر: طبقات القراء
٢٤٩/١، ٤٥٥.
(٣) الكشاف ٥٣٨/٢.
(٤) ديوانه ٧، وجمهرة الأشعار ٢ /٧٩٠.
(عنه)) أي: عن الماء الذي مزجت به الراح. الصوب: المطر . :
السارية: السحابة تسري فتمطر بالليل. واليعاليل: الحباب الذي يعلو وجه الماء.
(٥) الإملاء ١٢٢/٢.
٤٤

- طه -
القولَ لدلالة الحالِ عليه كما تقول: فَرَطَ مني قول، وأن يكونَ الفاعلُ ضميرٌ
فرعون كما كان في ((يَطْغیْ)).
آ. (٤٦) ومفعولُ ((أسمع وأرى)) محذوفٌ فقيل: تقديره: أسمع
أقوالكما وأرى أفعالَكما، وعن ابن عباس: أسمعُ جوابَه لكما وأرى ما يَفْعل
بكما، أو يكون مِنْ حَذْفِ الاقتصار نحو: ((يُحْيِي ويُميت)»(١).
آ. (٤٧) قوله: ﴿قد جِئْناك بآيةٍ مِنْ ربك﴾: قال
الزمخشري (٢): ((هذه الجملةُ جاريةٌ من الجملة الأولى وهي: ((إنَّا رسولا ربِّك)»
مَجْرى البيانِ والتفسير؛ لأنَّ دعوى الرسالةِ لا تَثْبُتُ إلَّ بِيِّنَتِها التي هي مجيءُ
الآيةِ. وإنما وَحَّدَ بـ ((آية)) ولم تُثَنَّ ومعه آيتان؛ لأنَّ المرادَ في هذا الموضعِ
تثبيتُ الدعوى ببرهانها، فكأنه قيل: قد جِئْناك بمعجزةٍ وبرهانٍ وحجة على
ما ادَّعَيْناه / من الرسالة، وكذلك قال: ((قد جِئْتُكم بيِّنَة مِنْ ربكم))(٣) ((فَأْتِ بآية [٦١٦/أ]
إنْ كنت من الصادقين» (٤) ((أولو جئتُك بشيءٍ مُبين))(٥).
و((على مَنِ اتَّبَعَ الهُدى)) يحتمل أنْ يكونَ مأموراً بقوله، فيكونَ منصوبَ
المَحَلِّ كأنه قيل: فَقُولا أيضاً: والسلامُ على مَن اتَبع الهدى، ويحتمل أَنْ يكونَ
تسليما منهما لم يُؤْمَرا بقوله، فتكون الجملةُ مستأنفةً لا محل لها من الإعراب.
وزعم بعضُهم أن ((على)) بمعنى اللام أي: والسلام لمَنْ اتّبع الهدى. وهذا
لا حاجةً إلیه.
(١) الآية ١٥٦ من آل عمران.
(٢) الكشاف ٥٣٩/٢.
(٣) الآية ١٠٥ من الأعراف.
(٤) الآية ١٥٤ من الشعراء.
(٥) الآية ٣٠ من الشعراء.
٤٥

۔۔
.- طـه ــ
آ. (٤٨) قوله: ﴿أَنَّ العذابَ على مَنْ كَذَّبِ﴾: ((أَنَّ) وما في
حَيِّزها في محل الرفع لقيامِها مَقامَ الفاعل الذي حُذِف في ((أُوْحي إلينا». وسببُ
بنائِه للمفعول خوفاً أن يَبْدُرَ مِنْ فرعونَ بادرةٌ لمَنْ أَوْحَىْ لو سَمِّياه، فَطَوَيا ذِكْرَه
تعظيماً له واستهانَةً بالمخاطب.
آ. (٤٩) قوله : ﴿يا موسى﴾: نادى موسى وحده بعد مخاطبته
لهما معاً: إِمَّا(١) لأنَّ موسى هو الأصلُ في الرسالة، وهارونُ تَبَعٌ ورِدْءٌ ووزيرٌ،
وإمَّا لأنَّ فرعونَ كان لخُبْئِه يعلمُ الرُّتَّةِ(٢) التي في لسانِ موسى، ويعلم فصاحةً
أخيه بدليل قوله ((وأخي هارونُ هو أفصحُ منِّي لِسانا))(٣) وقوله: ((ولا يكاد
يُبين))(٤) فأراد استنطاقه دونَ أخيه، وإمَّا لأنه حَذَفَ المعطوفَ للعلمِ به أي:
يا موسى وهارون. قاله أبو البقاء(٥)، وبدأ به، ولا حاجةً إليه، وقد يُقال: حَسِّنَ
الحذفَ كونُ موسىْ فاصلةً، لا يُقال: كان يُغني في ذلك أَنْ تُقَدِّمَ هارون وتؤخِّرَ
موسى فيقال: يا هارونُ وموسى فتحصُلُ مجانسةُ الفواصلِ مِنْ غيرٍ حَذْفٍ لأنَّ
البَذْءَ (٦) بموسى أهمُ فهو المبدوءُ به.
آ. (٥٠) قوله: ﴿أعطى كلَّ شيءٍ خَلْقَه﴾: في هذه الآية
وجهان، أحدهما: أن يكونَ ((كلَّ شيءٍ)) مفعولاً أولَ، و((خَلْقَه)) مفعولاً ثانياً
على معنى (٧): أعطى كلَّ شيءٍ شكله وصورته، الذي يطابقُ المنفعةَ المنوطةَ
(١) انظر: الكشاف ٥٣٩/٢.
(٢) الرُّتّة: العجمة.
(٣) الآية ٣٤ من القصص.
(٤) الآية ٥٢ من الزخرف.
(٥) الإِملاء ١٢٢/٢.
(٦) الأصل ((بدأ)) ولم أجد له وجهاً.
(٧) انظر: الكشاف ٠٥٣٩/٢.
٤٦

- طه ــ
به، كما أعطى العينَ الهيئةَ التي تطابق الإِبصارَ، والأذنّ الشكلَ الذي يطابقُ
الاستماعَ ويوافقه، وكذلك اليدُ والرِّجْلُ واللسانُ، أو أعطى كلَّ حيوانٍ نظيرَه في
الخَلْقِ والصورةِ حيث جعل الحصان والحِجْرِ(١) زوجين، والناقةَ والبعيرَ،
والرجلَ والمرأةَ، ولم يزاوِجْ شيءٌ منها غيرَ جنسِه، ولا ما هو مخالفٌ لخَلْقِه.
وقيل: المعنى أعطى كلَّ شيءٍ مخلوقٍ خَلْقَه أي: هو الذي ابتدعه. وقيل:
المعنى: أعطى كلَّ شيءٍ ممَّ خَلَق خِلْقَتَه وصورته على ما يناسبه من الإتقانِ.
لم يجعل خَلْقَ الإِنسانِ فِي خَلْقِ البهائم، ولا بالعكس، بل خَلَقَ كلَّ شيءٍ
فَقدَّره تقديراً.
والثاني: أن يكونَ ((كلَّ شيءٍ) مفعولاً ثانياً، و((خَلْقَه)» هو الأول، فَقَدَّم
الثاني عليه، والمعنى: أعطى خليقتّه كلَّ شيءٍ يحتاجون إليه ويُرْتفقون به.
وقرأ(٢) عبدُ اللّه والحسنُ والأعمشُ وأبو نهيكٍ وابنُ أبي إسحاق ونصير
عن الكسائي وناسٌ من أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ((خَلَقَه)) بفتح
السلام فِعْلًا ماضياً. وهذه الجملةُ في هذه القراءةِ تحتمل أَنْ تكونَ منصوبةً
المحلِّ صفةً لـ ((كل)) أو في محلِّ جَرِّ صفةٌ لـ ((شيء))، وهذا معنى قولِ
الزمخشري (٣): ((صفةٌ للمضاف - يعني ((كل)) - أو للمضافِ إليه)) - يعني
((شيٍ)) -. والمفعولُ الثاني على هذه القراءةِ محذوفٌ، فُيُحتملُ أَنْ يكونَ
حَذْفُه حَذْفَ اختصارٍ للدلالةِ عليه أي: أعطى كلَّ شيءٍ خَلَقَه ما يحتاج إليه
ويُصْلحه أو كمالَه، ويحتمل أن يكونَ حذفُه حَذْفَ اقتصارٍ، والمعنى: أن كلَّ
شيءٍ خَلَقه الله لم يُخْلِه من إنعامِه وعطائِه.
(١) الحجر: ما يتخذ من إناث الخيل للنسل.
(٢) الإتحاف ٢٤٧/٢، والبحر ٢٤٧/٦، والقرطبي ٢٠٥/١١.
(٣) الكشاف ٥٣٩/٢.
٤٧

-طه -
آ. (٥١) واليالُ: الفِكْرُ. يقال: خَطَر ببالِه كذا، ولا يُثَنِّى ولا يُجْمَعُ،
وشَذَّ جمعُه على ((بالات)). ويقال للحال المُكْتَرَثِ بها، ولذلك يُقال: مَا بالَيْتُ
. فحذف لامه تخفيفاً.
بالةً، والأصل .
آ. (٥٢) قوله: ﴿قال: عِلْمُها عند ربي﴾: في خبر هذا
المبتدأ أوجة، أحدها: أنه ((عند ربي)) وعلى هذا فقولُه ((في كتاب)) متعلقٌ بما
تعلق به الظرفُ من الاستقرار، أو متعلقٌ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من الضمير
المستتر في الظرف، أو خبرٌ ثان.
الثاني: أنَّ الخبرَ قولُه ((في كتاب)) فعلى هذا قولُه ((عند ربي)) معمولٌ
للاستقرار الذي تعلَّق به ((في كتاب)» كما تقدَّم في عكسه، أو يكون حالاً من
الضمير المستتر في الجارِّ الواقعِ خبراً. وفيه خلاف أعني تقديمَ الحَالِ على
عاملها المعنوي. والأخفش يجيزه ويستدلُّ بقراءة «والسموات مَطْوِيَّاتٍ
بیمینه»(١) وقوله(٢):
٣٢٩٤- رَهْطُ ابنٍ كوزٍ مُحقِبيْ أَدْراعِهِمْ
فيهم ورَهْطُ رَبيعةَ بنِ حُذارٍ
وقال بعضُ النحويين: إنه إذا كان العاملُ معنوياً، والحالُ ظرفٌ
أو عديلُه، حَسُن التقديمُ عند الأخفشِ وغيرِهِ، وهذا منه. أو يكونُ ظرفاً للعلم
نفسه، أو يكونُ حالاً من المضاف إليه وهو الضمير في ((عليها)). ولا يجوزُ أن
يكونَ ((في كتاب)) متعلِّقاً بـ ((عِلْمها)) على قولِنا إنَّ ((عند ربي)) الخبر كما جاز
(١) الآية ٦٧ من الزمر وهي قراءة عيسى والجحدري. انظر: البحر ٤٤٠/٧. وانظر:
مسألة تقديم الحال على العامل الظرفي واستدلال الأخفش في شرح الكافية
الشافية ٧٥٣.
(٢) تقدَّم برقم ٢٧٣٢. وانظر: الدر المصون ٤٢٨/٦.
٤٨

- طه ـ
تعلُّقُ ((عند)(١) به لئلا يلزمَ الفصلُ بين المصدر(٢) ومعموله(٣) بأجنبي، وقد
تقدم أنه لا يُخْبرُ عن الموصول إلاّ بعد تمامٍ صلته.
الثالث: أن يكونَ الظرفُ وحرفُ الجرِّ معاً خبراً واحداً في المعنى،
فيكونَ بمنزلةِ ((هذا حُلْوٌ حامِض)) قاله أبو البقاءِ(٤)، وفيه نظرٌ؛ إذ كلَّ منها يستقلُّ
بفائدة الخبریةِ، بخلاف «هذا حلو حامِضٌ».
والضمير في ((عِلْمُها)) فيه وجهان، أظهرُهما: عَوْدُه على القرون.
والثاني: عَوْدُه على القيامةِ لدلالةِ ذِكْرِ القرون على ذلك؛ لأنه سأله عن بَعْثِ / [٦١٦/ب]
الأممِ ، والبعثُ يدلُّ على القيامة.
قوله: ((لا يَضِلُّ ربي)) في هذه الجملة وجهان، أحدهما: أنها في محلّ
جرّ صفةً لـ ((كتاب))، والعائدُ محذوفٌ، تقديرُه: في كتاب لا يَضِلُّه ربي (٥)،
أو لا يَضِلُّ حِفْظَه ربي، فـ((ربي)) فاعل ((يَضِلَّ)) على هذا التقدير، وقيل:
تقديرُه: الكتابَ ربي. فيكون في ((يَضِلُّ)) ضميرٌ يعود على ((كتاب))، وربي
منصوبٌ على التعظيمِ. وكان الأصلُ: عن ربي، فحُذِفَ الحرفُ اِّساعاً،
يُقال: ضَلَلْتُ كذا وضَلَلْتُه بفتح اللام وكسرها، لغتان مشهورتان وشُهراهما
الفتحُ. الثاني: أنها مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب ساقها تبارك وتعالى لمجرد
الإِخبارِ بذلك حكايةً عن موسى .
وقرأ(٦) الحسنُ وقتادة والجحدريُّ وعيسى الثقفي وابن محيصن
(١) الأصل «عندي» وهو سھو.
(٢) المصدر ((علمها)).
(٣) معموله ((في كتاب)) لأنه متعلقٌ به.
(٤) الإملاء ١٢٢/٢.
(٥) وهو مذهب الفراء في معاني القرآن ١٨١/٢.
(٦) الإتحاف ٢٤٧/٢، والبحر ٢٤٨/٦، والقرطبي ٢٠٨/١١.
٤٩

ـ طه ـ
وحَمَّاد بن سلمة ((لا يُضِلُّ)) بضم الياء أي: لا يُضِلُّ ربي الكتابَ أي: لا يُضَيِّعه
يقال: أَضْلَلْتُ الشيءَ أي: أضعتُه. فـ((ربي)) فاعلٌ على هذا التقدير. وقيل:
تقديره: لا يُضِلُّ أحدٌ ربي عن علمه أي: عن علم الکتاب، فیکون الربُّ
منصوباً على التعظيم.
وفرَّق بعضُهم بين ضَلَلْتُ وأَضْلَلْت فقال: ((ضَلَلْتُ منزلي))، بغيرِ ألفٍ،
و((أَضْلَلْت بعيري)) ونحوَه من الحيوان بالألفِ. نقل ذلك الرمانيُّ عن العرب،
وقال الفراء(١): ((يقال: ضَلَلتُ الشيءَ إذا أخطأْتَ في مكانه وضَلِلْتُ لغتان،
فلم تهتدٍ له، كقولك: ضَلَلْتُ الطريقَ والمنزلَ ولا يُقال: أَضْلَلْتُه إلَّ إذا ضاع
منك كالدَّابة انفلْتَتْ، وشبهِها.
قوله: ((ولا يَنْسَىْ)) في فاعل ((يَنْسَىْ)) قولان، أحدهما: أنه عائدٌ على
(ربي)) أي: ولا يَنْسى ربي ما أَثْبَتَه في الكتاب. والثاني: أنَّ الفاعلَ ضَمِيرٌ
عائدٌ على الكتاب على سبيل المجاز، كما أُسند إليه الإحصاءُ مجازاً في قوله
(إلَّ أَحْصاها))(٢) لمَّا كَان مَحَلَّا للإِحصاء.
آ. (٥٣) قوله: ﴿الذي جَعَلَ لكم﴾: في هذا الموصولِ
وجهان، أحدهما: أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ، أو منصوبٌ بإضمار ((أمدح»، وهو على
هذين التقديرين مِنْ كلام الله تعالى لا مِنْ كلامٍ موسى، وإنما احتجنا إلى ذلك
لأنَّ قولَه ((فَأَخْرَجْنا به))، وقوله ((كُلوا وارْعَوْا أنعامَكم)) وقولَه (منها خَلَقْناكم)) إلى
قوله ((ولقد أَرَيْناه) لا يَتَأَتَّى أن يكونَ مِنْ كلام موسى؛ فلذلك جَعَلْناه من كلامِ
الباري تعالى. ويكون فيه التفاتٌ من ضمير الغَيْبةِ إلى ضمير المتكلّم المعظمِ
نفسه، فإن قلتَ: أجعلُه مِنْ كلامٍ موسى، يعني أنه وَصَفَ ربَّه تعالى بذلك ثم
(١) معاني القرآن ١٨١/٢.
(٢) ﴿لا يغادِرُ صغيرةً ولا كبيرةٌ إلَّ أحصاها﴾ الآية ٤٩ من الكهف.

- طه -
التفتّ إلى الإِخبار عن الله بلفظِ المتكلُّمِ. قيل: إنما جَعَلْناه التفاتاً في الوجهِ
الأول؛ لأنَّ المتكلمَ واحدٌ بخلاف هذا، فإنه لا يتأتّى فيه الالتفاتُ المذكورُ
وأخواتُه من كلام الله.
والثاني: أنَّ ((الذي)) صفةٌ لـ((ربي)) فيكونُ في محلِّ رفعٍ أو نصبٍ على
حَسَبٍ ما تقدَّم من إعراب ((ربي)). وفيه ما تقدُّم من الإِشكال في نظم الكلام
مِنْ قوله ((فأخرجنا)) وأخواته من عدم جوازٍ الالتفاتِ، وإن كان قد قال بذلك
الزمخشري(١) والحوفي. وقال ابن عطية(٢): ((إن كلامَ موسى تَمَّ عند قوله
((وأنزلَ مِن السماءِ ماءً)) وإنَّ قولَه ((فأخرَجْنا)) إلى آخره مِنْ كلام الله تعالى)) وفيه
بُعْدً.
وقرأ(٣) الكوفيون ((مَهْداً)) بفتح الميم وسكونِ الهاء من غير ألفٍ. والباقون
(مِهاداً)) بكسرٍ الميم وفتح الهاء وألفٍ بعدها. وفيه وجهان، أحدهما: أنهما
مصدران بمعنى واحد يقال: مَهَدْتُه مَهْداً ومِهاداً، والثاني: أنهما مختلفان،
فالمِهادُ هو الاسمُ والمَهْد هو الفعل (٤)، أو أنَّ مِهاداً جمعُ مَهْد نحو: فَرْخ وفِراخ
وكَعْب وكِعاب. ووَصْفُ الأرضِ بالمَهْدِ: إِمَّا مبالغةً، وإمّا على حذف مضاف
أي : ذات مَهْدٍ.
قوله (شَنَّى)): ((شَتِّی)) فَعْلَی. والفُهللتأنيث، وهو جمعٌلشَتْتنحو: مَرْضی في
جمع مريض، وجرحى في جمع جريح، وقتلى في جمع قتيل. يقال: شَتَّ
(١) الكشاف ٥٤٠/٢.
(٢) المحرر ٨١/١١.
(٣) السبعة ٤١٨، والنشر ٣٢٠/٢، والتيسير ١٥١، والقرطبي ٢٠٩/١١، والحجة
٤٥٣، والبحر ٢٥١/٦.
(٤) أي المصدر.
٥
١

- طه -
الأمر يَشِتُّ شَتَّاً وشَتاتاً فهو شَتَّ أي تفرَّق. وشَتَّان اسمُ فعلٍ ماضٍ بمعثى
افترق، ولذلك لا یکتفی بواحد.
وفي ((شَتَّى)) أوجه، أحدُها: أنَّها منصوبةٌ نعتاً لـ((أَزْواجاً)) أي: أزواجاً
متفرقةٌ بمعنى : مختلفة الألوانِ والطَّعوم. والثاني: أنها منصوبةٌ على الحال مِنْ
(أزواجاً)) وجاز مجيءُ الحالِ من النكرة لتخصُّصِها بالصفةِ وهي ((مِنْ نبات)).
الثالث: أَنْ تنتصِبَ على الحال أيضاً مِنْ فاعل الجارِّ؛ لأنه لَمَّا وقع وصفاً رفع
ضميراً فاعلاً. الرابع: أنَّه في محلٌّ جر نعتاً لـ ((نبات))، قال الزمخشري(١):
(«يجوز أن يكونَ صفةً لنبات، ونبات مصدرٌ سُمِّيَ به النابت كما سُمِّ بالنِّبْت،
فاستوى فيه الواحدُ والجمع، يعني أنها شَتَّى مختلفةُ النفعِ والطعمِ واللونِ
والرائحةِ والشكلِ، بعضُها يَصْلُح للناس، وبعضُها للبهائم)) ووافقه أبو البقاء(٢)
أيضاً. ولكنّ الظاهرَ الأولُ . :
آ. (٥٤) قوله: ﴿كُلوا﴾: منصوبٌ بقولٍ محذوف، وذلك القولُ
منصوبٌ على الحال مِنْ فاعل ((أَخْرَجْنا)) تقديره: فأخرَجْنا كذا قائلين: كُلوا.
وتَرَكَ مفعولَ الأكل على حَدِّ تَرْكِه في قولِه تعالَى ((وكلوا واشربوا))(٣).
((وارْعَوْ)) رَعَىْ يكون لازماً ومتعدِّياً يقال: رَعَىْ دابَتِه / رَعْياً فهو راعيها.
وَرَعَتِ الدابَّةُ تَرْعَىْ رَعْياً فهي راعيةٌ، وجاء في الآيةِ متعدِّياً.
[٦١٧/أ]
والنُّهى فيه قولان، أحدهما: أنه جَمْعُ نُهْيَةٍ كغُرَف جمع غُرْفَة. والثاني:
أنها اسمٌ مفردٌ وهو مصدرٌ كالهُدَى وَالسُّرَى. قاله أبو عليّ. وكنت قد قدَّمْتُ أولَ
(١) الكشاف ٥٤٠/٢.
(٢) الإملاء ١٢٢/٢.
(٣) الآية ٦٠ من البقرة.
٥٢

- طه -
هذا الموضوع(١) أنهم قالوا: لم يأتِ مصدرٌ على فُعَل من المعتل اللام إلَّ سُرَى
وهُدَىْ وبُكَىْ، وأنَّ بعضهم زادَ ((لُقَىْ)) وأنشدْتُ عليه بيتاً ثَمَّة(٢)، وهذا لفظُ آخرُ
فيكون خامساً. والنُّهى: العَقْلُ. قالوا: سُمِّي بذلك لأنه يَنْهى صاحبه عن
ارتكابٍ القبائح.
آ. (٥٦) قوله: ﴿أَرَيْناه آياتِنا﴾: هي مِنْ ((رأىْ)) البصريةِ فَلَّمًّا
دخلَتْ همزةُ النقل تَعَدَّتْ بها إلى اثنين أولُهما الهاء، والثاني ((آياتِنا)»،
والمعنى: أَبْصَرْناه. والإِضافةُ هنا قائمةٌ مقامَ التعريفِ العَهْدي أي: الآياتِ
المعروفةَ كالعصا واليد ونحوهما، وإلّ فلم يُرِ اللَّهُ تعالى فرعونَ جميعَ آیاتِه.
وجَوَّز الزمخشري(٣) أن يُرادَ بها الآياتُ على العموم بمعنى: أنَّ موسى عليه
السلام أراه الآياتِ التي بُعِث بها وعَدَّد عليه الآياتِ التي جاءَتْ بها الرسلُ قبله
عليهم السلام، وهو نبيَّ صادقٌ، لا فرقَ بين ما يُخْبِرُ عنه وبين ما يُشاهَدُ به)).
قال الشيخ (٤): ((وفيه بُعْدٌ؛ لأنَّ الإِخبارَ بالشيءٍ لا يُسَمَّى رؤيةً له إلَّ
بمجازٍ بعيد. وقيل: بل الرؤيةُ هنا رؤيةٌ قلبيةٌ، فالمعنى: أَعْلَمْناه)) وأَيَّد ذلك:
بأنه لم يكن أراه إلَّ اليدَ والعصا فقط. ومَنْ جَوَّز استعمالَ اللفظِ في حقيقتِه
ومجازِه أو إعمالَ المشتركِ في معنَيَيْه يجيزُ أَنْ يُرادَ المعنيان جميعاً. وتأكيدُه(٥)
(١) الدر المصون ٨٧/١.
(٢) البيت الذي أنشده:
وقد زَعْمُوا حِلْماً لُقاك ولم أَزِدْ
بحمدِ الذي أعطاك حِلْماً ولا عَقْلا
(٣) الكشاف ٥٤١/٢.
(٤) البحر ٢٥٢/٦.
(٥) الأصل ((وتأكيد)) وسقطت الهاء سهواً.
٥٣

۔۔
: - طه-
للآيات بـ ((كلَّها)) يدلُّ على إرادةِ العمومِ لأَنَّهم قالوا: فائدةُ التوكيدٍ بـ ((كل))
وأخواتِها رَفْعُ تَوَهُمِ وَضْعِ الأَخَصِّ مَوْضَ الأعمِّ، فلا يُدَّعَى أنه أراد بالآياتِ
آياتٍ مخصوصةً، وهذا يَتَمَثِّى على أن الرؤيةَ قلبيةٌ، ويُراد بالآيات ما يَدُلُّ عَلى
وَحْدانيةِ الله وصِدْقِ المبلِّغ. ولم يذكر مفعولَ التكذيب والإِباءِ تعظيماً له، وهو
معلومٌ .
آ. (٥٨) قوله: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّك﴾: جوابُ قسمٍ محذوفٍ تقديره:
واللَّهِ لَنَأْتِيَنَّك. وقوله: ((بسِحْرٍ)) يجوز أن يتعلَّقَ بالإِتيان، وهذا هو الظاهرُ،
ويجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ مِنْ فاعلِ الإِتيان أي: ملتبسين
بسحرٍ.
:
قوله: ((مَوْعِداً)) يجوز أن يكونَ زماناً. ويُرَجِّحه قولُه: ((مَوْعِدُكم يومُ
الزينة)) والمعنى: عَيِّنْ لنا وقتَ اجتماع؛ ولذلك أجابهم بقوله: ((مَوْعِدُكم يُومُ
الزِّينة)). وضَعَّفوا هذا: بأنه يَنْبُو عنه قوله: (مَوْعِدُكم يومُ))(١)، وبقوله:
(لا نُخْلِفُه)(٢). وأجاب عن قوله: ((لا نُخْلِفُه)) بأنَّ المعنى: لا نُخْلِفُ الوقتَ في
الاجتماع. ويجوز أن يكون مكاناً. والمعنى: بَيِّنْ لنا مكاناً معلوماً نعرفه نحن
وأنت ... (٣) ويُؤَيِّدُ بقوله: ((مكاناً سُوىٌ)) قال: فهذا يَدُلُّ على أنه مكانَّ، وهذا
يَنْبُوْعنه قوله: ((مَوْعِدُكم يومُ الزِّينة)).
ويجوز أَنْ يكونَ مصدراً(٤)، ويؤيِّد هذا قولُه: ((لا نُخْلِفُه نحن ولا أنت»
(١) كذا في الأصل، ولعل الصواب ((مكاناً سُوى)) لأن ظاهرها المكانية والافتراض أن
الموعد زماني.
(٢) لأن الوعد لا يوصف بالإِخلاف وإنما المواعدة.
(٣) كلمة لم أتبيَّنها.
(٤) نسب أبو حيان هذا القول للقشيري. انظر: البحر ٢٥٢/٦.
٥٤

- طه -
لأنَّ المواعدَة تُوْصَفُ بالخُلْفِ وعدمِه. وإلى هذا نحا جماعةٌ مختارين له. ورُدَّ
عليهم بقولِه: ((موعدُكم يومُ الزينة)) فإنه لا يطابقه.
وقال الزمخشري (١): ((إنْ جَعَلْتَه زماناً نظراً في أن قوله: ((مَوْعِدُكم يومُ
الزينة)) مطابقٌ له لَزِمك شيئان: أن تجعلَ الزمان مُخْلَفاً، وأن يَعْضُلَ(٢) عليك
ناصبُ ((مكاناً))، وإن جَعَلْتَه مكاناً لقوله: ((مكاناً سُوى)» لَزِمك أيضاً أَنْ تُوْفِعَ
الإِخلاف على المكان، وأن لا يطابِقَ قولَه موعدُكم يومُ الزينة، وقراءةُ
الحسن (٣) غيرُ مطابقةٍ له زماناً ومكاناً جميعاً لأنَّه قرأ ((يومَ الزينة)) بالنصب، فبقي
أن يُجْعل مصدراً بمعنى الوَعْدِ، ويقدَّرَ مضافٌ محذوفٌ أي: مكان الوعد(٤)،
ويُجْعلَ الضميرُ في ((نُخلِفُه)) للموعد، و((مكاناً»، بدل من المكان المحذوف.
فإن قلت: فكيف طابقه قولُه: ((موعدُكم يومُ الزينة))، ولا بُدَّ من أن تجعله
زماناً، والسؤالُ واقعٌ عن المكان لا عن الزمان؟ قلت: هو مطابقٌ معنىً، وإن
لم يطابقْه لفظاً؛ لأنهم لا بُدَّ لهم أن يجتمعوا يومَ الزينة في مكانٍ بعينه مُشْتَهٍِ
باجتماعِهم فيه في ذلك الزمان. فبذِكْر الزمانِ عُلِمَ المكانُ. وأما قراءةُ الحسنِ
فالموعدُ فيها مصدرٌ لا غيرَ. والمعنى: إنجازُ وعدِكم يومَ الزينة، وطابقٌ هذا
أيضاً من طريق المعنى. ويجوز أن لا يُقَدَّرَ مضافٌ محذوف، ويكون المعنى:
اجعل بيننا وبينك وعداً لا نُخْلفه)).
وقال أبو البقاء(٥): ((هو هنا مصدر لقوله: ((لا نُخْلِفه نحن ولا أنت)).
(١) الكشاف ٥٤١/٢.
(٢) يعضل: يضيق ويَعْسر.
(٣) وهي رواية عن عاصم وقراءة خلق كثير. انظر: الإتحاف ٢٤٨/٢، والبحر
٢٥٢/٦، والمحتسب ٥٣/٢، والقرطبي ٢١٣/١١.
(٤) الكشاف: موعد.
(٥) الإملاء ١٢٢/٢.
٥
٥

: - طه -
والجَعْلِ هنا بمعنى التصيير. ومَوْعِداً مفعولٌ أولُ والظرفُ هو الثاني.
والجملةُ مِنْ قوله: ((لا نُخْلِفُه)) صفةٌ لموعداً. و((نحن)) توكيدُ مُصَحِّحٌ للعطفِ
على الضميرِ المرفوعِ المستترِ في ((نُخْلفه))(١) و((مكاناً) بدلٌ من المكان
المحذوف(٢) كما قرره الزمخشري. وجَوَّز أبو علي الفارسي وأبو البقاءِ(٣) أن
ينتصِبَ (مكانًا) على المفعول الثاني لـ ((اجعَلْ)) قال: ((ومَوْعداً على هذا مكانٌ
[٦١٧/ب] أيضاً، ولا ينتصِبُ بـ مُوْعد لأنه / مصدرٌ قد وُصِف)) يعني أنه يَصِحُّ نصبُه مفعولاً
ثانياً، ولكنْ بشرطِ أن يكونَ المَوْعِدُ بمعنى المكان؛ ليتطابقَ المبتدأُ أو الخبرُ
في الأصل. وقوله: «ولا ینتصِبُ بالمصدر)» يعني أنه لا يجوزُ أن يُدعى انتصابُ
((مكاناً)) بـ مَوْعد. والمرادُ بالموعد المصدرُ وإنْ كان جائزاً مِنْ جهة المعنى؛ لأنَّ
الصناعةَ تَأْباه وهو وصفُ المصدرِ، والمصدرُ شرطُ إعمالِهِ عَدَمُ وصفِه قبل
العملِ عند الجمهور.
وهذا الذي منعه الفارسيُّ وأبو البقاء، جَوَّزه الزمخشريُّ وبدأ به فقال (٤):
(فإن قلتَ: فبمَ ينْتَصِبُ مكاناً؟ قلت: بالمصدرِ، أو بما يَدُلُّ عليه المصدر. فإِنْ
قلت: كيف يطابقُه الجوابُ؟ قلت: أمَّا على قراءةِ الحسن (٥) فظاهرٌ، وأمَّا على
قراءةِ العامَّةِ فعلى تقدير: وَعْدُكُمْ وَعْدُ يومٍ الزينة)).
قال الشيخ (٦): ((وقوله: إنَّ مكاناً ينتصب بالمصدر ليس بجائزٍ؛ لأنه قد
وُصِف قبل العملِ بقوله: ((لا نُخْلِفُه)) وهو موصولٌ، والمصدر إذا وُصِفَ قبل
(١) هذا مذهب البصريين. انظر: الإنصاف ٤٧٤/٢.
(٢) أي مكانَ الموعد مكاناً.
(٣) الإملاء ١٢٣/٢.
(٤) الكشاف ٥٤٢/٢
(٥) ((موعدكم يومَ الزينة)).
(٦) البحر ٢٥٣/٦. وثمة سقط في مطبوعة البحر.
٥٦
۔۔

- طه ـ
العملِ لم يَجُزْ أَنْ يعملَ عندهم)). قلت: الظروفُ والمجروراتُ يُتَّسعُ فيها
ما لم يُتْسَعْ في غيرِها(١). وفي المسألة خلافٌ مشهورٌ وأبو القاسم نحا إلى جواز
ذلك .
وجعل الحوفيُّ انتصابَ (مكاناً)) على الظرف، وانتصابه بـ ((اجعل)).
فتحصَّل في نصبٍ ((مكاناً)) خمسةُ أوجهٍ، أحدها: أنه بدلٌ مِنْ ((مكاناً))
المحذوفِ. الثاني: أنه مفعولٌ ثانٍ للجَعْل. الثالث: أنه نُصِب بإضمار فعل.
الرابع: أنه منصوبٌ بنفس المصدر. الخامس: أنه منصوبٌ على الظرف بنفس
(«اجْعَلْ)).
وقرأ(٢) أبو جعفرٍ وشيبةُ ((لا نُخْلِفْه)) بالجزم على جوابِ الأمر، والعامّةُ
بالرفع على الصفةِ لِمَوْعِد، كما تقدَّم.
وقرأ(٣) ابن عامر وحمزة وعاصم والحسن (٤) (سُوَىَّ)) بضم السينٍ منوناً
وصلاً. والباقون بكسرِها. فالكسرُ والضمُّ على أنها صفةً بمعنى مكانٍ عَدْلٍ،
إلا أنَّ الصفةَ على فُعَلٍ كثيرةٌ نحو: لُبُد وحُطَم، وقليلةٌ على فِعَل. وحكى
سيبويه(٥) ((لحم زِيَم)) ولم يُنَوِّن الحسنُ ((سُوَى)) أَجْرىُ الوصلَ مُجْری الوقف.
ولا جائزٌ أَنْ يكونَ مَنَعَ صَرْفَه للعَدْل على فُعَلٍ كُعُمَر لأن ذلك في الأعلام. وأمَّا
فُعَل في الصفاتِ فمصروفَةٌ نحو: حُطَم ولُبَد.
(١) ولكن الوصف هنا بقوله ((لا نُخْلفه)) وليس بالظروفِ والمجرورات وهذا لا يتسع فيه.
(٢) الإتحاف ٢٤٧/٢، والبحر ٢٥٣/٦، والنشر ٣٢٠/٢، والقرطبي ٢١٢/١١.
(٣) انظر في قراءاتها: السبعة ٤١٨، والنشر ٣٢٠/٢، والحجة ٤٥٣، والبحر ٢٥٣/٦،
والتيسير ١٥١، والقرطبي ٢١٢/١١، والإتحاف ٢٤٨/٢ .
(٤) قراءة الحسن من غير تنوين كما سيأتي.
(٥) لحم زيم: متفرق. وليس في الكتاب. وإنما فيه ((قوم عِدَىّ)). وانظر: الممتع
٦٣/١ حيث عَدَّها اسماً في الأصل وُصِف به.
٥٧

سـ طه ـ
وقرأ عيسى بن عمر ((سِوى)) بالكسر من غيرِ تنوين. وهي كقراءة الحسنِ
في التأويل.
وسوى معناه ((عَدْلاً وَنَصَفَة)). قال الفارسي(١): ((كأنه قال: قُرْبُه منكم
قُرْبُهُ مِنَّا)). قال الأخفش(٢): ((سوى)) مقصورٌ إِنْ كَسَرْتَ سينه أو ضَمَمْتَ،
وممدودٌ إنْ فَتَحْتَها، ثلاثُ لغات، ويكون فيها جميعِها بمعنى غير، وبمعنى
عَدْل ووسط بين الفريقين. قال الشاعر(٣):
٣٢٩٥- وإنَّ أبانا كان حَلَّ ببلدةٍ.
سِوَىَّ بين قَيْسٍ قيسٍ غَيْلانَ والفِزْرِ
قال: ((وتقول: مزرتُ برجلٍ سِواك وسُواك وسَوائِك أي: غيرِك ويكون
للجميع)) وأعلى هذه اللغاتِ الكسرُ، قاله النحاس(٤). وزعم(٥) بعضُ أهلِ
اللغة والتفسير أنَّ معنى مكاناً سوى: مستوٍ من الأرض، لا وَعْرَ فيه
ولا حُزُوْنَةٍ (٦) .
آ. (٥٩) قوله: ﴿مَوْعِدُكم يومُ الزينة﴾: العامّةُ علی رفع
(يومُ الزينة)) خبراً لـ ((موعدُكم)). فإنْ جَعَلْتَ ((موعدكم)) زماناً(٧) لم تَحتجْ إلى
(١) الحجة (خ) ٤٧٢/٣.
(٢) لم يرد هذا النص في «معاني القرآن))، وورد في اللسان (سوى) منسوباً له.
(٣) البيت لموسى بن جابر، وهو في المجاز ٢٠/٢ واللسان (سوى)، والبحر ٢٥٣/٦،
والقرطبي ٢١٢/١١، والخزانة ١٤٦/١. وقال أبو عبيدة في مجاز القرآن:
«والفِزْر: سعد بن زيد مناة)».
(٤) إعراب القرآن ٣٤١/٢.
(٥) انظر: البحر ٢٥٤/٦.
(٦) حَزُن المكان حُزُونة: خَشُن وَغلُظ.
(٧) وهو مذهب الزجاج في معاني القرآن ٣٦٠/٣.
٥٨

- طـه ــ
حَذْفٍ مضاف؛ إذ التقديرُ: زمانُ الوعدِ يومُ الزينة، وإن جعلتَه مصدراً احتجْتَ
إلى حَذْفِ مضافٍ تقديرُه: وَعْدُكم وَعْدُ يومِ الزينة.
وقرأ(١) الحسن والأعمش وعيسى وعاصم في بعض طُرُقِه وأبو حيوة وابن
أبي عبلة وقتادة والجحدري وهبيرة ((يومَ)) بالنصب. وفيه أوجهٌ، أحدها: أن .
يكونَ خبراً لـ «موعدكم)) على أنَّ المرادَ بالموعد المصدرُ أي: وَعْدُكم كائن في
يوم الزينة كقولك: القتالُ يومَ كذا والسفر غداً.
الثاني: أن يكونَ ((موعدُكم)) مبتدأً، والمرادُ به الزمان، و ((ضُحَى)) خبرُه
على نيةٍ التعريفِ فيه؛ لأنه ضحى ذلك اليوم بعينه، قاله الزمخشري(٢)،
ولم يُبَيِّنْ ما الناصبُ لـ ((يومَ الزينة))؟ ولا يجوز أن يكونَ منصوباً بـ ((موعدُكم))
على هذا التقديرِ؛ لأنَّ مَفْعِلًا مراداً به الزمانُ أو المكانُ لا يعملُ وإنْ كان مشتقاً،
فيكونُ الناصبُ له فعلاً مقدَّراً. وواخذه الشيخ(٣) في قوله ((على نيةِ التعريف»
قال: ((لأنَّه وإن كان ضُحى ذلك اليومِ بعينه فليس على نية التعريفِ، بل هو
نكرةً، وإن كان من يومٍ بعينه؛ لأنه ليس معدولاً عن الألف واللام كسَحَر ولا هو
معرَّفٌ بالإِضافةِ. ولو قلت: ((جئت يوم الجمعة بَكْرًا)(٤) لم نَدَّعِ أَن بَكَرَاً معرفةٌ
وإن كنتَ تعلمُ أنه من یومٍ بعينه)».
الثالث: أن يكونَ ((موعدُكم)) مبتدأٌ، والمرادُ به المصدرُ و «يومَ الزينةِ)»
ظرفٌ له. و((ضُحَىْ)) منصوبٌ على الظرفِ خبراً للموعد، كما أخبر عنه في
الوجهِ الأول بيوم الزينة نحو: ((القتالُ يومَ كذا)».
(١) سبق تخريج هذه القراءة.
(٢) الكشاف ٥٤٢/٢.
(٣) البحر ٢٥٣/٦.
(٤) الأصل ((بكر)) ولا وجه لمنعه من الصرف، واللفظة في البحر مصروفة.
٥٩

- طـه ـ
قوله: ((وأَنْ يُحْشَرَ) في محلٌّه وجهان، أحدُهما: الجرُّ نَسَقاً على الزينة
أي: موعدُكم يومُ الزينة ويومُ أَنْ يُحْشر. أي: ويومُ حَشْرِ الناس. والثاني :
الرفعُ (١) نَسَقاً على ((يومُ)) التقديرُ: موعدُكم يومُ كذا، وموعدكم أَنْ يُحْشَرَ الناسُ
أي: حَشْرُهم.
وقرأ(٢) ابن مسعود والجحدري وأبو نهيك وعمرو بن فائد ((وأن تَحْشُرَ
[٦١٨/أ] الناسَ)) بتاء الخطاب في ((تَحْشُرَ)، ورُوي / عنهم ((يَحْشُرَ)) بياءِ الغَيْبة.
و ((الناسَ)) نصبٌ في كلتا القراءتين على المفعولِيَّة. والضميرُ في القراءتين
الفرعونَ أي: وأَنْ تَحْشُرَ أنت يا فرعونُ، أو وأن يَحْشُرَ فرعونُ. وجوَّز بعضُهم أَنْ
يكونَ الفاعلُ ضميرَ اليوم في قراءة الغَيْبة؛ وذلك مجازٌ لمّا كان الحشرُ واقعاً فيه
نُسِبٌ إليه نحو: نهارُه صائمٌ وليلُه قائمٌ .
و((ضُحَىَّ)) نصبٌ على الظرف، العاملُ فيه ((يُحْشَر)) وتُذَكَّر وتؤْنِّث.
والضَّحاء بالمد وفتح الضاد فوق الضحى؛ لأن الضُّحى ارتفاعُ النهارِ، والضَّجاء
بعد ذلك، وهو مذكّرٌ لا غیر.
آ. (٦٠) قوله: ﴿کیده﴾: فيه حذفُ مضافٍ أي: ذوي کیده.
آ. (٦١) قوله: ﴿فَيُسْحِتَكم﴾: قرأ(٣) الأخَوان وحفص عن
عاصم ((فُسْحِتَكم)) بضم الياء وكسر الحاء. والباقون بفتحهما. فقراءة الأخوين
مِنْ أَسْحَتَ رباعياً وهي لغةُ نجدٍ وتميم. قال الفرزدق التميمي (٤):
(١) وهو مذهب الزجاج في معاني القرآن ٣٦٠/٣.
(٢) القرطبي ٢١٤/١١، والبحر ٢٥٤/٦.
(٣) السبعة ٤١٩، والتيسير ١٥١، والقرطبي ٢١٥/١١، والحجة ٤٥٤، والبحر
٢٥٤/٦.
(٤) تقدم برقم ١٠٢٥.
٦٠