النص المفهرس
صفحات 21-40
- طه ـ والتأويل الثالث: أنَّ الكَيْدُوْدَةَ بمعنى الإِرادة، ونُسِبت للأخفش(١) وجماعةٍ، ولا ينفعُ فيما قصدوه . والتأويل الرابع: أنَّ خبرَها محذوفٌ تقديره: أكاد آتي به لقُرْبها. وأنشدوا قول ضابىء البرجمي(٣) : ٣٢٨٠- هَمَمْتُ ولم أَفْعَلُ وكِدْتُ وليتني تّرَكْتُ على عثمانَ تَبْكي حلائِلُهْ أي: وكِدْتُ أفعلُ، فالوقفُ على ((أكادُ))، والابتداء بـ((أُخْفيها))، واستحسنه أبو جعفر(٣). وقرأ(٤) أبو الدرداء وابنُ جبير والحسنُ ومجاهدٌ وحميدٌ (أَخْفيها)) بفتح الهمزة. والمعنى: أُظْهرها، بالتأويل المتقدم يقال: خَفَيْتُ الشيءَ: أظهَرْتُه، وأَخْفَيْتُه: سترته، هذا هو المشهور. وقد نُقِل عن أبي الخطاب أنَّ خَفَيْتُ وَأَخْفَيْتُ بمعنىً. وحُكي عن أبي عبيد(٥) أنَّ (أَخْفى)) من الأضدادِ يكون بمعنى أظهر وبمعنى سَتَر، وعلى هذا تَتَّحد القراءتان. ومِنْ مجيءٍ خَفَيْتُ بمعنى أَظهَرْت قولُ امرىء القيس(٦): (١) معاني القرآن ٣٧١/٢ قال: ((وزعموا أن تفسير أكاد: أريد، وأنها لغة؛ لأن أريد قد تُجْعل مكان ((أكاد)) مثل ((جداراً يريد أن يَنْقَضَّ)) أي: يكاد أن ينقضَّ، فكذلك ((أكاد)) إنما هي أريد)). (٢) شرح الأبيات المشكلة للفارسي ٢٢٩، واللسان (قير)، والخزانة ٨٠/٤. (٣) إعراب القرآن ٣٣٥/٢ وهو النحاس. (٤) القرطبي ١٨٢/١١، والمحتسب ٤٧/٢، والبحر ٢٣٢/٦. (٥) ذكره الأنباري في الأضداد ٩٥. (٦) ديوانه ٥١. الأنفاق: أسراب تحت الأرض والودق: المطر. والمجلِّب: الذي له صوت لشدة وَقْعه . ٢١ - طنـهـ ٣٢٨١- خَفَاهُنَّ مِنْ أَنْفاقِهِنَّ كأنما خفاهُنَّ وَدْقٌ مِنْ عَشِيٍّ مُجَلِّبٍ وقول الآخر(١): ٣٢٨٢ - فإنْ تَدْفِئُوا الداءَ لا نَخْفِهِ وإنْ تُوْقِدُوْا الحربَ لا نَفْعُدٍ قوله: ((لِتُجْزَىْ)) هذه لامُ كي، وليسَتْ بمعنى القسمِ أي: لَتُجْزَيَنَّ كما نقله أبو البقاء(٢) عَنْ بعضهم. وتتعلَّق هذه اللامُ بـ ((أُخْفيها)). وجعلها بعضُهم متعلقةً بـ ((آتيةٌ)) وهذا لا يَتِمُّ إلَّ إذا قَدَّرْتَ أنَّ (أكاد أُخْفيها)) معترضةٌ بين المتعلَّقِ والمتعلَّقِ به، أمَّا إذا جعلتها صفةً لآتِيَةٌ فلا يتجه على مذهب البصريين؛ لأن اسمَ الفاعلِ متى وُصِفَ لم يعملْ، فإِنْ عَمِل ثم وُصِف جاز. وقال أبو البقاء (٣): ((وقيل بـ (آتِيَةٌ))، ولذلك وَقَفَ بعضُهم عليه وَقْفَةً يسيرةً إيذاناً بانفصالها عن أخفيها». قوله ((بما تَسْعَى)) متعلقٌ بـ ((تُجْزَىْ)). و ((ما)) يجوز أَنْ تكونَ مصدريةٌ أو موصولةً اسميةً، ولا بدَّ من مضاف أي: تُجْزِى بعقابٍ سَعْيها أو بعقابٍ ما سَعَتْه. .آ. (١٦) قوله: ﴿فلا يَصُدَّنَّكَ عنها مَنْ لا يُؤْمِنُ بها﴾: (مَنْ لا يُؤْمِنُ)) هو المُنْهِيُّ صورةً، والمرادُ غيرُه، فهو من بابِ ((لا أُرَيِنَّك ههنا»(٤). وقیل: إنَّ صَدَّ الکافر عن التصديقِ بها سببٌ للتكذيب، فذكر السبب (١) البيت لامرىء القيس وهو في ديوانه ١٨٦، والأضداد ٩٦. (٢) الإملاء ١٢٠/٢. (٣) الإملاء ١٢٠/٢. (٤) انظر: الكتاب ٤٥٣/١. ٢٢ - طه - ليدُلَّ على المسبّب. والضميران في ((عنها)) و((بها)) للساعة. وقيل: للصلاة. وقيل في ((عنها)) للصلاة، وفي ((بها)) للساعة. قوله: ((فَتَرْدَى)) يجوزُ فيه أَنْ ينتصبَ في جوابٍ النهيِ بإضمارٍ ((أنْ))، وأن يرتفعَ على خبرِ ابتداءٍ مضمرٍ تقديرُه: فأنت تَرْدَى. وقرأ(١) يحيى ((تِرْدَىْ)) بكسر التاء. وقد تقدم أنها لغةً(٢). والرُّدى: الهلاك يقال: رِي يَرْدی رَدی. قال دُرَيْدُ بن الصِّمَّةِ (٣): ٣٢٨٣- تنادَوْا فقالوا أَرْدَتِ الخيلُ فارساً فقلتُ أَعَبْدُ اللَّهِ ذلكُمُ الرِّدِي آ. (١٧) قوله: ﴿وما تلك بيمينك﴾: ((ما)) مبتدأةٌ استفهامية. و ((تلك)) خبره. و((بيمينك)) متعلقٌ بمحذوفٍ لأنه حال كقوله: ((وهذا بَعْلي شيخاً))(٤). والعاملُ في الحال المقدرة معنى الإِشارة. وجَوَّز الزمخشريُّ(٥) أَنْ تكونَ («تلك)) موصولةً بمعنى التي، و((بيمينك)) صلتُها. ولم يذكر ابنُ عطية (٦) غيره، وهذا ليس مذهبَ البصريين، لأنهم لم يجعلوا من أسماءِ الإِشارة موصولاً إلَّ ((ذا)) بشروطٍ ذكرْتُها أولَ هذا الكتاب. وأمّا الکوفیون(٧) فُجیزون ذلك في جميعها، ومنه هذه الآيةُ عندهم أي: ((وما التي بيمينك)) وأنشدوا أيضاً(٨): (١) البحر ٢٣٣/٦، والشواذ ٨٧. (٢) انظر في هذه اللغة وشروطها: الدر المصون ٦٠/١. (٣) الحماسة ٣٩٧/١، وجمهرة أشعار العرب ٦٠١/٢، والمحرر ٦٩/١١. (٤) الآية ٧٢ من هود. (٥) الكشاف ٥٣٣/٢. (٦) المحرر ٦٩/١١. (٧) انظر: الإِنصاف ٧١٧. (٨) تقدم برقم ٥٨٦. ٢٣ -- - طه - ٣٢٨٤- نَجَوْتٍ وهذا تحملينَ طَليِقُ أي: والذي تحملين . آ. (١٨) قوله: ﴿هي عَصاي﴾: ((هي)) تعود على المُسْتَفْهَم عنه. وقرأ العامَّةُ ((عصايَ)) بفتح الياء، والجحدري(١) وابن أبي إسحاق ((عَصَيَّ)) بالقلب والإِدغام. وقد تقدم في أول البقرة(٢) توجيهُ ذلك، ولمَنْ تُنْسَبُ هذه اللغةُ، والشعرُ المَرْوِيُّ في ذلك. ورُوي عن أبي عمرو وابن أبي إسحاق أيضاً ((عَصَأْيْ)) بسكونها وصلاً. وقد فَعَلَ نافعٌ مثلَ ذلك في ((مَحْيَأْيْ))(٣) فجمع بين ساكنين وصلاً، وتقدَّم الكلام هناك. قوله: ((أَتَوَكَّأُ)) يجوز أن يكونَ خبراً ثانياً لـ ((هي))، ويجوز أن يكونَ حالاً: [٦١٣/ب] إمَّا مِنْ ((عصايَ))، وإمَّا من الياء. وفيه بُعْدٌ؛ لأنَّ مجيءَ الحالِ من المضاف/ إليه قليلٌ، وله مع ذلك شروطً (٤) ليس فيه شيءٌ منها هنا. ويجوز أن تكون جملةً مستأنفةً. وجَوَّز أبو البقاء(٥) نقلاً عن غيره أن تكون ((عصايَ)) منصوبةٌ بفعل مقدَّر، و((أتوقّأُ، هو الخبر، ولا ينبغي أَنْ يقال ذلك. والتَوَكُّؤْ: التحامُلُ على الشيءِ، وهو بمعنى الاتكاء. وقد تقدَّم تفسيرُه في يوسف(٦) فهما من مادةٍ واحدة، وذكَّرْتُه هنا لاختلاف وَزْنَيْهما. (١) انظر في قراءاتها: المحتسب ٤٩/٢، والشواذ ٨٧، والقرطبي ١٨٦/١١، والبحر ٢٣٤/٦. (٢) انظر: الدر المصون ٣٠٣/١. (٣) الآية ١٦٢ من الأنعام وانظر: الدر المصون ٢٣٨/٥. (٤) انظر هذه المسألة في شرح الكافية الشافية ٧٥٠. (٥) الإملاء ١٢٠/٢. ... (٦) الآية ٣١ ((وأعتدت لهنَّ متكأ)). وانظر: الدر المصون ٤٧٧/٦. ٢٤ - طه = والهَشُّ - بالمعجمةِ - الخَبْطُ. يقال: هَشَشْتُ الوَرَقَ أَهُثُّه أي: خَبَطْتُه ليسقطَ، وأمَّا هَشَّى يَهِش بكسر العين في المضارع فبمعنى البشاشة، وقد قرأ النخعي(١) بذلك فقيل: هو بمعنىْ أَهُشُّ بالضمِّ، والمفعولُ محذوفٌ في القراءتين أي: أهشُّ الورقَ أو الشجرَ. وقيل: هو في هذه القراءةِ مِنْ هَشَّ هَشاشةٌ إذا مال. وقرأ الحسن وعكرمة ((وأَهُسُّ)) بضم الهاءِ والسينِ المهملة وهو السَّوْقُ، ومنه الهَسُّ(٢) والهَساس، وعلى هذا فكان ينبغي أن يتعدّى بنفسه، ولكنه ضُمِّنَ معنى ما يتعدَّى بـ ((على)) وهو أَقوم(٣). ونقل ابن خالويه(٤) عن النخعي أنه قرأ (وأُهِشَّ))(٥) بضم الهمزة وكسر الهاء مِنْ ((أَهَشَّ)) رباعياً وبالمهملة، ونقلها عنه الزمخشري(٦) بالمعجمة فيكون عنه قراءات. ونقل صاحب ((اللوامح)) عن مجاهد وعكرمة ((وأَهُشُ)) بضم الهاء وتخفيف الشين قال: ((ولا أعرف لها وجهاً)) إلَّ أَنْ يكونَ قد استثقل التضعيف مع تفشّي الشين فخفف، وهي بمعنى قراءة العامة. وقرأ(٧) بعضهم ((غَنْمي)) بسكون النون ولا ينقاس. والمآرب: جمع مَأْرَبة وهي الحاجة وكذلك الإِرْبة أيضاً. وفي راء ((المأربة)) الحركاتُ الثلاثُ. (١) انظر في قراءاتها: المحتسب ٥٠/٢، والقرطبي ١٨٦/١١، والبحر ٢٣٤/٦، والشواذ ٨٧ . (٢) الهَسُّ في الأصل: زجر الغنم. ولعل صواب الهساس: الهَسامِسُ الذي هو المشي. انظر: اللسان (هس). (٣) قوله ((أقوم)) مخروم في الأصل، وأثبتناه من (ش). (٤) الشواذ ٨٧. (٥) في مطبوعة ((الشواذ)) بالشين، والسياق يُفهم السين. (٦) الكشاف ٥٣٣/٢. (٧) البحر ٢٣٥/٦. ٢٥ : - طبه ـ و ((أخرى)) كقوله(١): (الأسماء الحُسْنى)) وقد تقدم قريباً(٢). قال أبو البقاء(٣): (ولو قيل ((أُخَر)) لكانَ على اللفظ)) يعني: ((أُخَر)) بضمُّ الهمزة وفتح الخاء، وباللفظ لفظ الجمع. ونقل الأهوازي(٤) عن شيبة والزهري ((مارب)) قال: ((بغيرٍ همزِ) كذا أَطْلق. والمرادُ بغير همز محقق بل مُسَهَّلٌ بين بين، وإلّ فالحذفُ بالكليّةِ شاذٍّ . آ. (٢٠) قوله: ﴿تَسْعى﴾: يجوز أن يكون خبراً ثانياً عند مَنْ يُجَوِّز ذلك. ويجوز أنْ يكونَ صفةً لـ ((حيَّة)». آ. (٢١) قوله: ﴿سِيْرَتَها﴾: في نصبها أوجه، أحدها: أن تكونَ منصوبةً على الظرف أي: في سيرتها أي: طريقتها. الثاني: أنها منصوبةٌ على أنها بدلٌ من ها ((سنعيدها)) بدلُ اشتمال؛ لأن السيرةَ الصفة أي: سنعيدها صفتها وشكلها. الثالث: أنها منصوبة على إسقاط الخافض أي: إلى سيرتها. قال الزمخشري(٥): ((ويجوز أن يكون مفعولاً (٦)، مِنْ عاده أي: عاد إليه، فیتعدّی لمفعولیْنِ، ومنه بيتُ زهير (٧): ٣٢٨٥- وعادَكَ أَنْ تُلاَقِيَها العَداءُ (١) الآية ١١٠ من الإِسراء. (٢) انظر إعرابه للآية ٨ من طه . (٣) الإملاء ١٢٠/٢. (٤) انظر: البحر ٢٣٥/٦. (٥) الکشاف ٥٣٤/٢. (٦) في المطبوعة ((منقولاً)) ولعله تحريف، ونص ((البحر)) يوافق نص ((الدر)). (٧) ديوانه ٦٢، وصدره: فَصَرِّمْ حَبْلَها إِذْ صَرِّمَتْه وصرّم: اقطع. و((العداء)) فاعل ((عادك)) وهو الشغل أو البعد. ٢٦ - طه ـ وهذا هو معنى قولٍ مَنْ قال: إنه على إسقاط إلى، وكان قد جَوَّز أن يكونَ ظرفاً كما تقدَّم. إلَّ أن الشيخ(١) ردِّه بأنه ظرفٌ مختص، ولا يَصِلُ إليه الفعلُ إلَّ بوساطة ((في)) إلَّ فيما شَذَّ. والسِّيرة: فِعْلَة تدل على الهيئة من السَيْر كالرِّكْبَة من الركوب، ثم أتُّسِع فعُبِّر بها عن المذهب والطريقة. قال خالد الهُذَلي (٢) : ٣٢٨٦- فلا تَغْضَبَنْ مِنْ سِيرَةٍ أنت سِرْتَها فأولُ راضٍ سيرةً مَنْ يَسِيرُها وجَوَّز أيضاً أن ينتصب بفعلٍ مضمرٍ أي: يسير سيرتها الأولى، وتكون هذه الجملةُ المقدرةُ في محلِّ نصبٍ على الحال أي: سنعيدها سائرةً سيرتَها. آ. (٢٢) قوله: ﴿وَاضْمُمْ﴾: لا بدَّ هنا مِنْ حَذْف، والتقدير: واضمُمْ يَدك تنضمَّ، وأَخْرِجْها تَخْرُجْ، فحذف من الأول والثاني، وأبقىْ مقابلَيْهما ليدلا(٣) على ذلك إيجازاً واختصاراً، وإنما احتيج إلى هذا لأنه لا يترتَّبُ على مجردِ الضمِّ الخروجُ. قوله: ((بَيْضاء)) حالٌ مِنْ فاعل ((تَخْرُجْ)). قوله: ((مِنْ غيرٍ سُوْءٍ)) يجوز أن يكونَ متعلُّقاً بـ ((تخرجْ))، وأن تكونَ متعلقةً بـ ((بيضاء)) لِما فيها من معنى الفعل نحو: ابيضَّتْ من غيرٍ سوءٍ. ويجوز أن تكون متعلقةً بمحذوفٍ على أنها حال من الضمير في ((بيضاء)). وقوله: ((من غيرِ سُوءٍ)» يُسَمَّى عند أهل البيان ((الاحتراس)) وهو: أن يؤتى بشيءٍ يرفعُ تَوَهُّمَ (١) البحر ٢٣٦/٦. (٢) تقدم برقم ١٤٣٣. (٣) الأصل ((لیدلان» وهو سهو. ٢٧ :- طه - مَنْ يتوهّمُ غيرَ المراد؛ وذلك أن البياضَ قد يُرادُ بِه الْبَرَصُ والْبَهَقُ (١)، فأتى بقوله: ((مِنْ غير سوءٍ) نفياً لذلك. قوله: ((آيةً)) فيها أوجهٌ، أحدها: أن تكونَ حالاً أعني أنها بدلٌ مِنْ ((بيضاءَ)) الواقعةِ حالاً. الثاني: أنها حالٌ من الضمير في ((بيضاء)). الثالث: أنها حالٌ من الضمير في الجارِّ والمجرور. الرابع: أنها منصوبةٌ بفعلٍ محذوفٍ. فقدَّره أبو البقاء (٢): جَعَلْناها آيةً، أو آتَيْناك آيةٌ. وَقَدَّره الزمخشري(٣): خُذْ آيَةً، وقدَّر أيضاً: دونك آية. وردًّ الشيخُ(٤) هذا: بأن ذلك من باب الإِغراء. ولا يجوز إضمارُ الظروفِ في الإِغراء. قال: لأنَّ العاملَ حُذِفَ، وناب هذا مَنابَه قِلا يجوز أن يُحْذَفَ النائبُ أيضاً. وأيضاً فإنَّ أحكامَها تخالفُ العاملَ الصريحَ، فلا يجوز إضمارُها، وإنْ جاز إضمارُ الأفعال. آ. (٢٣) قوله: ﴿لِتُرِيَكَ﴾: متعلقٌ بما دَلَّتْ عليه («آية)» أي: دَلَلْنَا بها لِنُرِيَكَ، أو بجعلناها، أو بآتيناك المقدَّرِ. وقدَّره الزمخشريُّ(٥) ((لِنريك فَعَلْنا ذلك)). وَجوِّز الحوفيُّ أن يتعلقَ بـ ((اضْمُمْ)). وجَوَّزَ غيرُهُ أَنْ يتعلَّقَ بـ (تَخْرُجْ)). ولا يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بلفظ ((آية)) لأنها قد وُصِفَتْ .. وقدَّره [٦١٤/أ] الزمخشريُّ (٦) أيضاً: ((لِنُرِيَكَ خُذْ هذه الآيةَ أيضاً)). / قوله: ((مِنْ آياتنا الكُبْرى» يجوزُ أَنْ يتعلقَ «مِنْ آیاتنا» بمحذوفٍ على أنه (١) البهق: داء يذهب بلون الجلد. (٢) الإملاء ١٢٠/٢. (٣) الكشاف ٥٣٤/٢. (٤) البحر ٢٣٦/٦، وهذا الردُّ يتعلق بتقدير اسم الفعل فقط، وكلام أبي حيان أورده بالمعنى . (٥) الكشاف ٥٣٤/٢. (٦) الكشاف ٥٣٤/٢. ٢٨ - طه - حالٌ مِن ((الكبرىُ)) ويكون ((الكبرى)) على هذا مفعولاً ثانياً لـ((نُرِيّكَ)). والتقديرُ: لِنُرِيَكِ الكبرىْ حالَ كونِها مِنْ آياتنا، أي: بعض آياتِنا. ويجوز أَنْ يكونَ المفعولُ الثاني نفسَ ((مِنْ آياتنا)»، فتتعلقَ بمحذوفٍ أيضاً، وتكون ((الكبرى)) على هذا صفةً لـ ((آياتنا)» وصفاً لجمع المؤنثِ غيرِ العاقل وصفَ الواحدةِ على حَدِّ ((مآرب أخرى))(١) و((الأسماء الحسنى))(٢). وهذان الوجهان قد نقلهما الزمخشري(٣) والحوفي وأبو البقاء(٤) وابنُ عطية(٥). واختار الشيخُ(٦) الثاني قال: ((لأنه يلزمُ من ذلك أَنْ تكونَ آيَاتُه كلُّها هِي الكُبرَ؛ لأنَّ ما كان بعضَ [الآيات](٧) الکبر صَدَقَ علیه أنه الكبرى، وإذا جَعَلْتَ ((الكبرى)) مفعولاً ثانياً لم تتصِفْ الآياتُ بالكُبَرِ؛ لأنها هي المتصفةٌ بأفعل التفضيل. وأيضاً إذا جَعَلْتَ ((الكُبرى) مفعولاً فلا يمكنُ أَنْ تكونَ صفةً للعصا واليد معاً، إذ كان يلزم التثنية. ولا جائزٌ أَنْ يَخُصَّ إحداهما بالوصف دونَ الأخرى؛ لأنَّ التفضيلَ في كلٍ منهما. ويَبْعُدُ ما قاله الحسنُ: من أنَّ اليدَ أعظمُ في الإِعجاز من العصا؛ فإنه جعل ((الكبرىُ)) مفعولاً ثانياً لِنُرِيَك، وجعل ذلك راجعاً للآية القريبة، وقد ضَعُفَ قولُه بأنَّ منافعَ العصا أكبرُ. وهو غيرُ خفيّ))(٨). انتهى ملخصاً. (١) الآية ١٨ من طه. (٢) الآية ١١٠ من الإسراء. وانظر إعرابه للآية ٨ من طه. (٣) الكشاف ٢/ ٥٣٤. (٤) الإملاء ٢/ ١٢١. (٥) المحرر ٧١/١١. (٦) البحر ٢٣٧/٦. (٧) زيادة من البحر. (٨) قال: ((لأنه ليس في اليد إلَّ تغييرُ اللون. وأمَّا العصا ففيها تغييرُ اللون وخلق الزيادة في الجسم وخلق الحياة والقدرة والأعضاء المختلفة وابتلاع الشجر والحجر ... )). ٢٩ - طـه ـ آ. (٢٥) قوله: ﴿لي صَدْري﴾: ((لي)) متعلق بـ ((اشرح)). قال الزمخشريُّ(١): ((فإنْ قلت: ((لي)) في قوله: ((اشرحْ لي صدري، وَيَسِّر لِي أَمْري)) ما جدواه والأمرُ(٢) مستتبُّ بدونه؟ قلت: قد أبهم الكلامَ أولاً فقال: اشرح لي ويَسِّر لي، فَعُلِمَ أنَّ ثَمَّ مشروحاً ومُيَسِّراً، ثم بَيِّن ورفع الإبهامَ بذكرِهما فكان آكدَ لطلبِ الشرحِ لصدرِه والتيسير لأمره)). آ. (٢٦) ويقال: يَسِّرْتُه لكذا، ومنه ((فسنيسِّرُه لليُسْرِىْ))(٣) ويَشِّرْتُ له كذا، ومنه هذه الآيةُ. آ. (٢٧) قوله: ﴿مِنْ لساني﴾: يجوز أَنْ تتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه صفةٌ لـ ((عُقْدَةً) أي: مِنْ عُقَدٍ لساني. ولم يذكر الزمخشريُّ (٤) غيرَه. ويجوز أن يتعلَّقَ بنفسِ ((احلُلْ)) والأولُ أحسنُ. آ. (٢٩ - ٣٠) قوله: ﴿واجْعَلْ لي وزيراً﴾: يجوز أَنْ يكونَ ((لي)) مفعولاً ثانياً مقدماً، و ((وزيراً» هو المفعولُ الأول. و («مِنْ أهلي» علي هذا يجوز أَنْ يكونَ صفةً لـ ((وزيراً). ويجوز أَنْ يكونَ متعلِّقاً بالجَعْلِ . و ((هارونَ)) بدلٌ مِنْ ((وزيراً)). وجَوَّز أبو البقاء(٥) أن يكونَ ((هارونَ)) عطفَ بيانٍ لـ «وزيراً». ولم يذكر الزمخشريُّ(٦) غيرَه. ولَّمَّا حكى الشيخُ(٧) هذا (١) الكشاف ٥٣٥/٢. (٢) الكشاف: والكلام . (٣) الآية ٧ من الليل. (٤) الكشاف ٥٣٥/٢. الإملاء ١٢١/٢. (٥) (٦) الكشاف ٥٣٥/٢. (٧) البحر ٢٤٠/٦. ٣٠ - طه - لم يُعْقِبْه بنكير، وهو عجيبٌ منه؛ فإنَّ عطفَ البيان يُشترط فيه التوافقُ تعريفاً وتنكيراً، وقد عَرَفْتَ أنَّ ((وزيراً)) نكرةٌ و ((هارونَ)) معرفة، والزمخشري قد تقدَّم له مثلُ ذلك في قوله تعالى: ((فيه آياتٌ بيناتٌ مَقامُ إبراهيم))(١) وقد تقدم الكلام(٢) معه هناك وهو عائد هنا. ويجوز أَنْ يكونَ ((هارونَ)) منصوباً بفعلٍ محذوف كأنه قال: أخصُّ من بينهِم هارون أي: مِنْ بينٍ أهلي. ويجوز أَنْ يكونَ («وزيراً» مفعولاً ثانياً، و((هارونَ)) هو الأول، وقَدَّم الثاني عليه اعتناءً بأَمْرِ الوزارة. وعلى هذا فقولُه (ي)) يجوز أن يتعلَّق بنفسِ الجَعْل، وأَنْ يتعلقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ مِنْ (وزيراً))؛ إذ هو في الأصل صفةٌ له. و((مِنْ أهلي)) على ما تقدَّم من وَجْهَيْه. ويجوز أن يكون ((وزيراً) مفعولاً أولَ، و((مِنْ أهلي)) هو الثاني. وقوله ((لي)) مثلُ قولِه: ((ولم يكنْ له كُفُواْ أحدٌ))(٣) يَعْنُون أنه به يتمُّ المعنى، ذكر ذلك أبو البقاء(٤). ولَّمَّا حكاه الشيخ(٥) لم يتعقبه بنكير، وهو عجيب؛ لأنَّ شرطَ المفعولَيْن في باب النواسخ صحةُ انعقادِ الجملة الاسمية، وأنت لو ابتّدَأْتَ بـ ((وزير)) وأخبرْتَ عنه بـ ((من أهلي)) لم يَجُزْ إذ لا مُسَوِّغ للابتداءِ به. و ((أخي)) بدلٌ أو عطفُ بيانٍ لـ ((هارونَ)). وقال الزمخشري(٦): ((وإنْ جُعِل عطفَ بيانٍ آخرَ جاز وحَسُنَ. قال الشيخ (٧): ((ويَبْعُدُ فيه عطفُ البيان؛ لأنَّ (١) الآية ٩٧ من آل عمران. (٢) انظر: الدر المصون ٣١٩/٣. (٣) الآية ٤ من الإخلاص. (٤) الإِملاء ١٢١/٢. (٥) البحر ٢٤٠/٦. (٦) الكشاف ٥٣٥/٢. (٧) البحر ٢٤٠/٦. ٣١ - طه. عطفَ البيان الأكثرُ فيهِ أن يكونَ الأولُ دونَه في الشُّهرة وهذا بالعكس». قلت: لم يُرِدْ الزمخشري أنَّ ((أخي)) عطفُ بيانٍ لـ ((هارون)) حتى يقول الشيخ إن الأولَ - وهو ((هارون)) - أشهرُ من الثاني وهو ((أخي))، إنما عَنَى الزمخشريُّ أُنْه عطفُ بيان أيضاً لـ ((وزيراً)) ولذلك قال: ((آخَر)». ولا بُدَّ من الإِتيان بلفظِه لَيُعْرَفَ أنه لم يُرِدْ إلَّ ما ذكرتُه قال(١): ((وزيراً وهارونَ مفعولا قوله ((اجعَلْ))(٢)، أو ((لي وزيراً) مفعولاه، و((هارونَ)) عطفُ بيان للوزير، و((أخي)) في الوجهين بدلٌ من ((هارون))، وإن جُعل عطف بيانٍ آخرَ جاز وحَسُن)). فقوله ((آخر)) تعيّنَ أن يكونَ عطف بيانٍ لما جعله عنه عطف بيان قبل ذلك. وجَوَّز الزمخشري (٣) في ((أخي)) أن يرتفعَ بالابتداء، ويكونَ خبرُه الجملة مِنْ قوله: ((اشْدُدْ به))، وذلك على قراءةِ الجمهور له بصيغة الدعاء، وعلى هذا فالوقفُ على «هارونَ)). وقرأ ابن عامر(٤) ((أَشْدُدْ)) بفتح الهمزة للمضارعة وجزمِ الفعلِ جواباً للأمر، ((وأُشْرِكْهُ)) بضم الهمزة للمضارعة وجزمِ الفعلِ نَسَّقاً على ما قبلَه. وقرأ الباقون بحذف(٥) همزة الوصل من الأول، وفتحِ همزة القطع في الثاني، على أنهما دعاءٌ من موسى لربِّه بذلك. وعلى هذه القراءة تكون هذه الجملةُ قد تُرِكَ فيها العطفُ خاصةً دونَ ما تقدَّمَها مِنْ جمل الدعاء. وقرأ الحسنُ ((أُشَدِّدُ)) مضارعَ شَدَّد بالتشديد. (١) الكشاف ٥٣٥/٢. (٢) قال الزمخشري «قُدِّم ثانيهما على أولهما عنايةً بأمر الوزارة)). (٣) الكشاف ٥٣٦/٢. ١ (٤) انظر في قراءاتها: التيسير ١٥١، والبحر ٢٤٠/٦/٦، والسبعة ٤١٨، والنشر ٣٢٠/٢، والحجة ٤٥٢، والإتحاف ٢٤٦/٢. (٥) عند وصل الفعل بما قبله، وعند الابتداء بضم همزة الوصل. ٣٢ - طه - والوزير: قيل(١): مشتقٌّ من الوِزْر وهو العُقَل. وسُمِّي بذلك لأنه يَحْمل أعباءَ المُلْكِ ومُوَّنَهُ(٢) فهو مُعِيْنٌ على أمر / الملك ويأتّمُ بأمره. وقيل: بل هو من [٦١٤/ب] الوَزّرِ وهو الملجأُ، كقوله تعالى: ((لا وَزْرَ))(٣) وقال(٤): ٣٢٨٧- من السِّباعِ الضَّواري دونَه وَزَرٌ والناسُ شَرُّهُمُ ما دونَه وَزَرُ كم مَعْشرٍ سَلِموا لم يُؤْذِهِمْ سَبُعٌ وما نَرَىْ بَشَراً لم يُؤَذِهِمْ بَشْرُ وقيل: من المُؤَازَرَة وهي المعاونةُ. نقله الزمخشري (٥) عن الأصمعي قال: ((وكان القياسُ أَزِيراً)) يعني بالهمزةِ؛ لأنَّ المادةَ كذلك. قال الزمخشريُّ: (فَقُلِبَت الهمزةُ إلى الواو. ووجهُ قَلْبِها إليها أنَّ فَعيلاً جاء بمعنى مُفاعِل مجيئاً صالحاً كقولهم: عَشِير وجَلِيس وخليط وصديق وخليل ونديم، فلمَّا قُلِبت في أخيه قُلِبَتْ فيه، وحَمْلُ الشيءِ على نظيره ليس بعزيزٍ، ونظراً إلى يُوازِرُ وأخواتِه وإلى المُوَازّرة» . قلت: يعني أنَّ وزيراً بمعنى مُوازِر، ومُوازر تقلب فيه الهمزةُ واواً قلباً قياسياً(٦)؛ لأنها همزةٌ مفتوحةٌ بعد ضمة فهو نظيرُ ((مُوَجَّل))(٧) و ((يُوَاخذكم))(٨) (١) وهو قول ثعلب انظر: الزاهر ٣٠٨/١. (٢) المُون: جمع (مُوَّنَة)) وهي الثقل. (٣) الآية ١١ من القيامة. (٤) لم أهتد إلى قائلهما. وهما في البحر ٢٣٩/٦. (٥) الكشاف ٥٣٥/٢. (٦) انظر: الممتع ٣٦٢. (٧) ((كتاباً مؤجلاً)) وهي قراءة ورش في الآية ١٤٥ من آل عمران. انظر: الدر المصون ٤١٩/٣. (٨) من الآية ٢٢٥ من البقرة. ٣٣ : - طه - وشبهِهِ، فَحُمِل ((أزير)) عليه في القلب، وإن لم يكنْ فيه سببُ القلبٍ ... آ. (٣٣) قوله: ﴿كثيراً﴾: نعتٌ لمصدر محذوف أو حالٌ من ضمير المصدر، كما هو رأيُ سيبويه(١). وجَوَّز أبو البقاء(٢) أن يكون نعتاً لزمانٍ محذوفٍ أي: زماناً كثيراً. آ. (٣٦) قوله: ﴿سُؤُلَكَ﴾: فُعْل هنا بمعنىْ مَفْعول نحو: أْل بمعنى مَأْكول، وخُبْر بمعنى مَخْبور. ولا ينقاس. آ. (٣٧) و((مرة)) مصدرٌ. و((أخرى)) تأنيث آخَر بمعنى غير. وزعم(٣) بعضُهم أنها بمعنى آخِرَة، فتكونُ مقابِلةً للأولى، وتحيَّل لذلك بأن قال: ((سَمَّاها أخرى وهي أُولِىُ لأنها أخرى في الذِّكْرِ)). آ. (٣٨) قوله: ﴿إِذ أَوْحَيْنَا﴾: العاملُ في ((إذ» ((مَنَّا) أي: مَنْنَا عليك في وقتٍ إِلجائنا إلى أمِّك، وأُبْهِم في قوله ((ما يُوحى)) للتعظيم كقوله تعالى: ((فَغْشِيَهم من الْيَمِّ ما غَشِيَهُمْ))(٤). آ. (٣٩) قوله: ﴿أَنِ اقْذِفِيْهِ﴾: يجوز أن تكون ((أنْ)) مفسرةً؛ لأنَّ الوَحْيَ بمعنى القول، ولم يذكر الزمخشريُّ(٥) غيره، وجوّز غيرُه أن تكونَ مصدريةً. ومحلُّها حينئذٍ النصبُ بدلاً مِنْ ((ما يُوحَى)) والضمائرُ في قوله ((أَنِ اقْذِفيه)» إلى آخرها عائدةٌ(٦) على موسى عليه السلام لأنه المُحَدَّثُ عنه. وجوز (١) الكتاب ١١٦/١. (٢) الإملاء ١٢١/٢. (٣) انظر: البحر ٢٤٠/٦. (٤) الآية ٧٨ من طه . (٥) الكشاف ٥٣٦/٢. (٦) الأصل ((عائد)) وهو سهو. ٣٤ - طه ــ بعضُهم أن يعودَ الضمير في قوله(١) «فاقْذِفيه في اليَمِّ)) للتابوت، وما بعده وما قبله لموسى عليه السلام. وعابَه الزمخشريّ(٢) وجعله تنافراً أو مُخْرِجاً للقرآن عن إعجازه فإنه قال: ((والضمائر كلّها راجعة إلى موسى، ورجوعُ بعضها إليه وبعضِها إلى التابوت فيه هُجْنَةٌ لِما يُؤَدِّي إليه من تنافُرِ النّظم. فإن قلت: المقذوفُ في البحر هو التابوتُ وكذلك المُلْقى إلى الساحل. قلت: ما ضرَّك لو جَعَلْتَ المقذوفَ والمُلْقى به إلى الساحل هو موسى في جوفِ التابوت حتى لا تُفَرَّقَ الضمائرُ فيتنافرَ عليك النظمُ الذي هو أمُّ إعجاز القرآن والقانونُ الذي وقع عليه التحدِّي، ومراعاتُه أهمُّ ما يجب على المفسِّر)). قال الشيخ(٣): ((ولقائلٍ أن يقولَ: إن الضمير إذا كان صالحاً لأَنْ يعودَ على الأقربِ وعلى الأبعدِ كان عودُه على الأقربِ راجحاً. وقد نَصَّ النحويون على هذا فَعَوْدُه على التابوتِ في قولِه ((فاقْذِفِيه في اليَمِّ فَلْيُلْقِهِ الیمُّ)» راجحٌ . والجواب: أنَّ أحدَهما إذا كان مُحَدَّثاً عنه والآخرُ فضلةً، كان عودُه على المحدّثِ عنه أرجحَ. ولا يُلْتَفَتُ إلى القُرْبِ؛ ولهذا رَدَدْنا على أبي محمد ابن حزم في دَعْواه: أنَّ الضميرَ في قولِه تعالى: ((فإنه رِجْسٌ))(٤) عائدٌ على (خنزير)) لا على ((لحم)) لكونه أقربَ مذكورٍ، فَيَحْرُمُ بذلك شحمُه وغُضْرُوْفُه وعظمُه وجِلْدُه، فإن المحدَّث عنه هو (لحمَ خنزيرٍ)) لا خنزير)). قلت: قد تقدَّمَتْ هذه المسألةُ في الأنعام(٥) وما تكلّم الناسُ فيها. قوله: ((فَلْيُلْقِهِ اليَمُ)) هذا أمرٌ معناه الخبرُ، ولكونه أمراً لفظاً جُزِم جوابُه في (١) أقحم في الأصل بعد قوله: ((قوله)) ((في)) ولا معنى هنا. (٢) الكشاف ٥٣٦/٢. (٣) البحر ٢٤١/٦. (٤) ((إلَّ أَنْ يكونَ مَيْتَةً أو دماً مَسْفوحاً أو لحم خنزيرٍ فإنه رِجْس» الآية ١٤٥ من الأنعام. (٥) انظر: الدر المصون ٢٠٠/٥. ٣٥ - طـه ـ قوله: ((يَأْخُذْه)). وإنما خَرَج بصيغة الأمر مبالغةً؛ إذ الأمرُ أقطعُ الأفعالِ وآكدُها. وقال الزمخشري(١): ((لَمَّا كانَتْ مشيئةُ اللَّهِ وإرادتُه أَنْ لا تُخْطِىءَ جَرْيَةُ ماءِ الْيَمِّ الوصولَ به إلى الساحل، وألقاه إليه، سلك في ذلك سبيلَ المجاز، وجعل اليّمَّ كأنه ذو تمبِيزٍ، أمر بذلك ليطيع الأمرَ ويَمْئِلَ رسمَه)». و ((بالساحل» يحتمل أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أن الباءَ للحالِ أي: ملتبساً بالساحل، وأَنْ يتعلَّقَ بنفسِ الفعل على أنَّ الباءَ ظرفيةٌ بمعنى ((في)). قوله: ((مِنِّي)) فيه وجهان. قال الزمخشري(٢): ((لا يَخْلُو: إِمَّ أَنْ يتعلقّ بـ ((أَلْقَيْتُ)) فيكون المعنى: على أني أَحْبَيْتُك، ومَنْ أحبَّه اللَّهُ أحبَّتْهِ القلوبُ، وإمَّا أن يتعلقَ بمحذوفٍ هو صفةٌ لـ ((محبةً)) أي: محبةً حاصلةً، أو واقعةً مني، قد رَكَرْتُها أنا في القلوبِ وزَرَعْتُها فيها)». قوله: ((ولِتُصْنَعَ)) قرأ العامَّةُ بكسر اللام وضم التاء وفتحِ النون على البناءِ للمفعول، ونصبِ الفعلِ بإضمار أَنْ بعد لام كي. وفيه وجهان، أحدهما: أن هذه العلةَ معطوفةٌ على علةٍ مقدرة قبلها. والتقديرُ: ليتلطّفَ بك ولتُصْنَعَ، أو ليعطفَ عليك وتُرامَ ولتصنعَ. وتلك العلةُ المقدرةُ متعلقةً بقوله: ((وألقيتٌ)) أي: ألقيتُ عليك المحبة لَيَعْطفَ عليك ولتُصْنَعَ. ففي الحقيقة هو متعلقٌ بما قبله من إلقاءِ المحبة. [٦١٥/أ] والثاني: أن هذِه اللامَ تتعلقُ بمضمرٍ / بعدها تقديرُه: ولتُصْنَعَ على عيني فعلتُ ذلك، أو كان كيت وكيت. ومعنى لتُصْنَعَ أي: لِتُرَبَّى ويُحْسَنَ إليك، وأنا مراعِيْكَ ومراقبُكَ كما يراعي الإِنسانُ الشيءَ بعينِه إذا اعتنى به. قاله الزمخشري(٣). (١) الكشاف ٥٣٦/٢. (٢) الكشاف ٥٣٦/٢. (٣) الكشاف ٥٣٦/٢ - ٥٣٧. ٣٦ - طه ـ وقرأ(١) الحسن وأبو نهيك ((ولِتَصْنَعَ)) بفتح التاء. قال ثعلب(٢): ((معناه لتكون حركتُك وتصرُّفُك على عينٍ مني. وقال قريباً منه الزمخشري(٣). وقال أبو البقاء(٤): ((أي لتفعلَ ما آمُرك بمرأى مني)). وقرأ أبو جعفر وشَيْبَةُ ((ولْتُصْنَعْ)) بسكون اللام والعين وضم التاء وهو أمرٌ معناه: لِيُرَبَّ ولُيُحْسَنْ إليك. وروي عن أبي جعفر في هذه القراءةِ كسرُ لامِ الأمر. قلت: ويحتمل مع كسرٍ اللام أو سكونِها حالةَ تسكينِ العين أن تكونَ لامَ كي، وإنما سُكّنَتْ تشبيهاً بكَتْف وكَبْد، والفعل منصوب. والتسكينُ في العين لأجل الإِدغام لأنه لا يُقْرأ في الوصل إلَّ بالإِدغام فقط. آ. (٤٠) قوله: ﴿إِذ تَمْشي﴾: في عاملِ هذا الظرفِ أوجهٌ، أحدها: أن العامل فيه ((ألقيتُ)) أي: ألقيتُ عليك محبةً مني في وقتٍ مَشْيٍ أختك. الثاني: أنه منصوبٌ بقولِه ((ولْتُصْنَعَ)) أي: لتُرَبِّى ويُحْسَنَ إليك في هذا الوقتِ. قال الزمخشري (٥): ((والعاملُ في ((إذ تمشي)) ((ألقيتُ)) أو ((لتُصْنع)). وقال أبو البقاء(٦): ((إذ تمشي)) يجوز أَنْ يتعلَّقَ بأحد الفعلين)). قلت: يعني بالفعلينِ ما تقدَّم مِنْ ألقيتُ أو لتُصْنَعَ. وعلى هذا فيجوز أن تكونَ المسألةُ من بابِ التنازع؛ لأنَّ كلا من هذين العاملين يطلب هذا الظرفَ من حيث المعنى، (١) انظر في قراءاتها: القرطبي ١٩٧/١١، والمحتسب ٥١/٢، والبحر ٢٤٢/٦، والإتحاف ٢٤٦/٢. (٢) انظر: المحتسب ٥٢/٢. (٣) الكشاف ٥٣٧/٢. (٤) الإملاء ١٢١/٢. (٥) الكشاف ٥٣٧/٢. (٦) الإِملاء ١٢١/٢. ٣٧ - طهـ ويكونُ من إعمال الثاني للحذف من الأول. وهذا إنما يتجه كلَّ الاتجاه إذا جعلْتَ ((ولِتُصْنَعَ)) معطوفاً على علةٍ محذوفٍ متعلقةٍ بـ((أَلْقَيْتُ))، أمَّا إذا جعلته متعلقاً بفعلٍ مضمرٍ بعده فيبعدُ ذلك أو يمتنع، لكونِ الثاني صار من جملةٍ أخرى. الثالث: أن تكونَ ((إِذ تمشي)» بدلاً من ((إذ أَوْحَيْنا)). قال الزمخشري(١): («فإن قلت: كيف يَصِحُّ البدل والوقتان مختلفان متباعدان؟ قلت: كما يصحُّ - وإن اتسع الوقت وتباعد طرفاه - أن يقول لك الرجل: لَقِيْت فلاناً سنةً كذا فتقول: وأنا لقيته إذ ذاك، وربما لقيه هو في أولها وأنت في آخره)). قال الشيخ(٢): ((وليس كما ذكر لأن السنةَ تقبل الاتساع، فإذاً وقع لُفِيُهما(٣) فيها، بخلاف هذين الظَّرفينِ فإنَّ كل واحدٍ منهما ضيقٌ ليس بمتسِع لتخصصهما بما أضيفا إليه، فلا يمكن أن يقعَ الثاني في الظرف الذي وقع فيه الأول؛ إذ الأول ليس متسعاً لوقوع الوحيِ فيه ووقوعِ مَشْي الأخت، فليس وقتُ وقوع الفعل(٤) مشتملاً على أجزاءٍ وقع في بعضها المشي بخلاف السنة)). قلت: وهذا تجمُّلٌ منه عليه فإنَّ زمنَ اللُّقِيِّ أيضاً ضيقٌ لا يَسَعُ فِعْلَيْهما، وإنما ذلك مبنيٌّ على التساهل؛ إذ المراد أنّ الزمانَ مشتملٌ على فعليهما. وقال أبو البقاء(٥): ((ويجوز أن يكونَ بدلاً من ((إذ)) الأولى؛ لأنَّ مُشْيَ أختِهِ كان مِنَّةً عليه)) يعني أن قوله ((إذ أَوْحَيْنا)) منصوبٌ بقوله: ((مَنَّ) فإذا جُعِل ((إِذ تمشي)» بدلاً منه كان أيضاً مُمْتَنَاً به عليه. (١) الكشاف ٥٣٧/٢ (٢) البحر ٢٤٢/٦. (٣) من مصادر لقي. (٤) البحر: ((الوحي)). (٥) الإملاء ١٢١/٢. ٣٨ - طه - الرابع: أن يكونَ العاملُ فيه مضمراً تقديره: اذكر إذ تمشي. وهو على هذا مفعولٌ به لفساد المعنى على الظرفية . وقرأ(١) العامّةُ ((كي تَقَرَّ) بفتح التاء والقاف. وقرأَتْ فرقة(٢) ((تَقِرُّ) بكسر القاف، وقد تقدم(٣) أنهما لغتان في سورة مريم. وقرأ جناح بن حبيش ((تُقْرُّ» بضمُّ التاءِ وفتحِ القاف على البناء للمفعول. ((عينُها)) رفعاً لِما لَم يُسَمَّ فاعلُه. قوله: ((فُتُونا) فيه وجهان، أحدُهما: أنه مصدرٌ على فُعُوْل كالقُعود والجُلُوس، إلاّ أنَّ فُعُوْلًا قليلٌ في المتعدِّي. ومنه الشُّكُوْرِ والكُفور والثُّبور واللُّزوم. قال تعالى: ((لمَنْ أراد أن يَذْكَّرَ أو أراد شُكُوراً)) (٤). والثاني: أنه جمعُ فَتْنِ(٥) أو فِتْنَة على تَرْك الاعتداد بتاء التأنيث كـ ((حُجُور) و((بُدُوْر)) فِي حَجْرةٍ(٦) وبَذْرةٍ(٧) أي: فَتَنَّك ضُروباً من الفتن. عن ابن عباس(٨): أنه وُلِد في عامٍ يُقتل فيه الوِلْدَان، وألقتْه أمُّه في البحر، وقتل القبطيَّ وأَجَر نفسَه عشرَ سنين، وضَلَّ عن الطريق، وتفرَّقَتْ غنمُه في ليلةٍ مظلمة. ولمَّا سأل سعيد بن جبير عن ذلك أجابه بما ذكرْتُه، وصار يقول عند كل واحدة: فهذه فتنةً يا ابن جبير. قال معناه الزمخشري (٩). وقال غيره(١٠): بفْتُوْنٍ من الفِتَنِ - أي المِحَنِ - تُخْتبر بها. (١) انظر في قراءاتها: الشواذ ٧٨، والقرطبي ١٩٧/١١، والبحر ٢٤٢/٦. (٢) وهي رواية عبد الحميد عن ابن عامر كما في القرطبي ١٩٧/١١. (٣) انظر: الورقة ٦٠٤ ]. (٤) الآية ٦٢ من الفرقان. (٥) الفَتْرُ: الفنُّ والحال، ومنه ((العيش فَتْنان)) أي لونان: حلو ومُرّ. انظر: القاموس: (فتن). (٦) الحَجْرَة: الناحية، وإذا كانت ((حُجُوز)) فمفردها حِجْزٌ وحُجْزَة من الشدّ والحجز. (٧) الْبَذْرة: جِلْد السَّخْلَة. (٨) انظر: البحر ٢٤٢/٦ - ٢٤٣. (٩) الكشاف ٥٣٧/٢. (١٠) وهو قول أبي البقاء في الإملاء ١٢١/٢. ٣٩ - طبه : - قوله: ((على قَدَرٍ)) متعلقٌ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من فاعل ((جئت)) أي: جئتَ موافقاً لِما قُدِّر لك. كذا قدَّره أبو البقاء (١)، وهو تفسيرُ معنىً. والتفسير الصناعي: ثم جئت مستقراً أو كائناً على مقدار معين. كقول الآخر(٢): ٣٢٨٨- نال الخلافةَ أو جاءتْ على قَدَرٍ كما أتىْ رَبَّه موسى على قَدَرٍ آ. (٤١) ومعنى ((إِصْطَنَعْتُكَ)) أي: أَخْلَصْتُك. واصْطَفَيْتُكَ افتعال من الصُّنْعِ، فَأَبْدِلَتْ التاءُ طاءً لأجل حرف الاستعلاء، وهذا مجازٌ عن قُرْبٍ منزلتِه ودُنُوِّهِ مِنْ ربه؛ لأنَّ أحداً لا يَصْطَنعِ إلَّ مَنْ يختاره. آ. (٤٢) قوله: ﴿ولا تَنِيا﴾: يقال: وَتِىْ يَنِي وَنْياً كَوَعَدَ / يَعِد [٦١٥/ب] وَعْداً إِذا فَتَرو ... (٣) والوَنْيُ الفُتور. ومنه امرأةً أَناة، وصفوها بفُتور القيام كناية عن ضَخامتها قال (٤): ٣٢٨٩- مِنَّا الأناةُ وبعضُ القومِ يَحْسَبُنا أنَّا بِطاءٌ وفي إبطائِنا سَرَعُ والأصل وَناة. فأبدلوا الهمزة من الواو كأَحَدٍ فِي وَحَدَ(٥). وليس بالقياس، وفي الحديث: ((إن فيك لخَصْلتين يحبهما الله: الحِلْمُ والأناة))(٦). (١) الإِملاء ١٢١/٢. (٢) تقدم برقم ٢٢٥ برواية قريبة. (٣) كلمة لم أتبينها. (٤) تقدم برقم ١٤٩٦ (٥) انظر: الممتع ٣٣٥. (٦) رواه ابن ماجه في كتاب الحلم، ١٨ باب الزهد، ١٤٠١/٢، وأحمد ٢٢/٣. ٤٠