النص المفهرس
صفحات 601-620
1 - مريم - الإِطلاق. ونسبوا هذا الوهمَ لأبي عبيدةً لأنه كان ضعيفاً في النحو، وعَدُّوا له غَلَطاتٍ، ولعلَّ ذلك منها. الرابع: أَنْ يكونَ في محلّ رفعٍ خبرِ ابتداءٍ مضمرٍ، تقديرُه: والأمرُ أنَّ الله ربي وربُّكم. ذُكِر ذلك عن الكسائي، ولا حاجةَ إلى هذا الإِضمارِ. الخامس: أَنْ / يكونَ في محلِّ نصبٍ نَسَقاً على ((الكتاب)) في قوله [٦٠٥ب] ((قال: إني عبد الله آتاني الكتابَ)) على أن يكونَ المخاطَبُ بذلك معاصرِي عيسى عليه السلام، والقائلُ لهم ذلك عيسى. وعن وَهْب(١): عَهِدَ إليهم عيسى أنَّ اللَّهَ ربي وربكم. قال هذا القائل: ومَنْ كسرَ الهمزةَ يكون قد عَطَّفَ ((إن الله)) على قوله ((إني عبدُ الله)) فهو داخِلٌ في حَيِّز القولِ. وتكون الجملُ من قوله «ذلك عيسى بن مريم)) إلى آخرها جملَ اعتراض، وهذا من البُعْدِ بمكانٍ. آ. (٣٧) قوله: ﴿مِنْ مَشْهِدٍ﴾: ((مَشْهد)) مَفْعَل: إمَّا من الشهادة، وإمَّا من الشهود وهو الحضورُ. و((مَشْهد)) هنا يجوز أن يُراد به الزمانُ أو المكان أو المصدر: فإذا كان من الشهادة، والمراد به الزمان، فتقديره: مِنْ وقتِ شهادة. وإن أريد به المكانُ فتقديره: من مكانٍ شهادة يوم. وإنْ أريد به المصدرُ فتقديرُه: من شهادةِ ذلك اليومِ، وأَنْ تشهدَ عليهم ألسنتُهم وأيديهم وأرجلُهم والملائكةُ والأنبياءُ. وإذا كان من الشهود وهو الحضورُ فتقديرُه: مِنْ شهود الحساب والجزاء يوم القيامة، أو من مكانٍ الشهود فيه وهو الموقفُ (١) وَهْب بن مُنبّه الصنعاني أبو عبد الله مؤرخ عالِم بالإسرائيليات، تابعي، ولّه عمر ابن عبد العزيز قضاء صنعاء، توفي سنة ١١٤. انظر: شذرات الذهب ١٥٠/١، طبقات ابن سعد ٣٩٥/٥. ٦٠١ ت مريم - : أو من وقتٍ الشهود. وإذا كان مصدراً بحالتيه المتقدمتین فتكون إضافته إلى الظرف من بابِ الاتساعِ ، كقوله ((مالكِ يومِ الدِّيْنِ)»(١). ويجوز أَنْ يكونَ المصدرُ مضافاً لفاعلِه على أن يُجْعَلَ اليومُ شاهداً عليهم: إِمَّا حقيقة وإمّا مجازاً. آ. (٣٨) قوله: ﴿أَسْمِعْ بهم وأَبْصِرْ﴾: هذا لفظُه أمرٌ ومعناه التعجبُ، وأَصَحُ الأعاريبِ فيه كما تقرَّر في علم النحو(٢): أنَّ فاعلَه هو المجرورُ بالباءِ، والباءُ زائدةٌ، وزيادتها لازمةُ إصلاحاً للَّفظِ، لأنَّ أفْعِلْ أمراً لا يكون فاعلُه إلا ضميراً مستتراً، ولا يجوزُ حَذْفُ هذه الباءِ إلا مع أَنْ وأنَّ کقوله(٣): ٣٢٣٩- تَرَدَّدَ فيها ضَوْءُها وشُعاعُها فَأَحْصِنْ وَأَزْبِنْ لامِرِئٍ أَن تَسَرْبَلا أي: بأَنْ تَسَرْبَلَ، فالمجرور مرفوعُ المحلِّ، ولا ضميرَ في أَفْعِلْ. ولنا قولٌ ثانٍ: أن الفاعلَ مضمرٌ، والمرادُ به المتكلمُ كأنَّ المتكلمَ يأمر نفسه بذلك والمجرورُ بعده في محلِّ نصب، ويُعزى هذا للزجاج (٤). (١) الآية ٤ من الفاتحة ؛ (٢) انظر: الارتشاف ٣٤/٣. (٣) البيت لأوس بن حجر وهو في ديوانه ٨٤، واللسان (عزل)، والهمع ٩٠/٢، والدرر ١٢٠/٢، والارتشاف ٣٥/٣. والبيت في وصف الدرع. قال في اللسان: ((يصف الدرع أنك إذا نظرت إليها وجدتها صافية برَّاقة كأن شعاع الشمس وقع عليها)). (٤) شرح في ((معاني القرآن)) ٣٣٠/٣ الآية بقوله: ((المعنى: ما أسمعهم وأبصرهم)). وانظر: الارتشاف ٣٤/٣. ٦٠٢ - مريم - ولنا قول ثالث(١): أن الفاعلَ ضميرُ المصدرِ، والمجرورَ منصوبُ المحلِّ أيضاً، والتقديرُ: أحسِنْ ياحُسْنُ بزيدٍ. ولشّبَهِ هذا الفاعلِ عند الجمهور بالفَضْلة لفظاً جاز حَذْفُه للدلالةِ عليه كهذه الآيةِ فإنَّ تقديره: وَأَبْصِرْ بهم. وفيه أبحاث موضوعُها کتبُ النحو. وقوله ((يَوْمَ يَأْتُوْننا)) معمولٌ لـ ((أَبْصِرْ)). ولا يجوز أن يكونَ معمولاً لـ ((أَسْمِعْ)) لأنه لا يُفْصَلُ بين فعلِ التعجبٍ ومعمولِه، ولذلك كان الصحیحُ أنه لا يجوزُ أن تكونَ المسألةُ من التنازع. وقد جَوَّزه بعضُهم ملتزِماً إعمالَ الثاني، وهو خلافُ قاعدةِ الإِعمال. وقيل بل هو أمرٌ حقيقةً، والمأمورُ به رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، والمعنى: أَسْمِعِ الناسَ وأَبْصِرْهم بهم وبحديثهم: ماذا يُصنع بهم من العذاب؟ وهو منقولٌ عن أبي العالية. وقوله «اليوم» منصوبٌ بما تضمَّنه الجارُّ مِنْ قولِه «في ضلال مبين)»، أي: لكن الظالمون استقروا في ضلال مبين اليوم. ولا يجوز أن يكون هذا الظرفُ هو الخبرَ، والجارُّ لغوٌ؛ لئلا يُخْبَرَ عن الجثةِ بالزمان بخلافٍ قولك: القتال اليوم في دارِ زيدٍ، فإنه يجوز الاعتباران(٢). آ. (٣٩) قوله: ﴿إِذْ قُضِيَ الأمرُ﴾: يجوز أن يكونَ منصوباً بالحَسْرةِ، والمصدرُ المعرَّفُ بأل يعملُ في المفعولِ الصريح عند بعضِهم فكيف بالظرف؟ ويجوز أَنْ يكونَ بدلاً مِنْ ((يوم)) فيكون معمولاً لـ((أَنْذر)) كذا قال أبو البقاء(٣) والزمخشري(٤) وتبعهما الشيخُ(٥)، ولم يَذْكر غيرَ البدل. (١) نسب أبو حيان هذا القول لابن كيسان وابن الطراوة. انظر: الارتشاف ٣٥/٣. (٢) أي: أن يكون الظرف خبراً أو الجار والمجرور. (٣) الإملاء ١١٤/٢. (٤) الكشاف ٥١٠/٢. (٥) البحر ١٩١/٦. ٦٠٣ - مريم - وهذا لا يجوزُ إن كان الظرف باقياً على حقيقته؛ إذ يستحيلُ أَنْ يعملَ المستقبل في الماضي، فإن جَعَلْتَ ((اليوم)) مفعولاً به، أي: خَوِّفْهم نفْسَ اليومِ ، أي: إنهم يخافون اليومَ نفسَه، صَحَّ ذلك لخروجِ الظرفِ إلى حَيِّزٍ المفاعيل الصريحة . وقوله: ((لكِنِ الظالمون)) من إيقاعِ الظاهرِ موقعَ المضمرِ. قوله: ((وهم في غَفْلَةٍ وهم لا يؤمنون)) جملتان حاليتان وفيهما قولان، أحدهما: أنهما حالان من الضميرِ المستترِ في قولِه ((في ضَلالٍ مبين))، أي: استقرُّوا في ضلالٍ مبين على هاتين الحالتين السَّيئتين. والثاني: أنهما حالان مِنْ مفعولِ ((أَنْذِرْهم))، أي: أَنْذِرْهم على هذه الحالِ وما بعدَها، وعلى الأولِ يكون قولُه ((وأَنْذِرْهم)) اعتراضاً. آ. (٤٠) وقرأ العامَّةُ ((يُرْجَعون)) بالياء من تحت مبنياً للمفعول. والسلمي(١) وابن أبي إسحاق وعيسى مبنياً للفاعل، والأعرج بالتاء مِنْ فوقُ مبنياً للمفعول على الخطاب، ويجوز أن يكونَ التفاتاً وأن لا يكونَ. آ. (٤٢) قوله: ﴿إِذ قال لأبيه﴾: يجوز أنْ يكونَ بدلاً من (إبراهيمَ)) بدلَ اشتمال كما تقدَّم في ((إذ انتبذَتْ))(٢) وعلى هذا فقد فَصَل بين البدل والمبدلِ منه بقولِه: ((إنه كان صِدِّيقاً نبيًّاً نحو: ((رأيت زيداً - ونِعْم الرجلُ - أخاك)). وقال الزمخشري(٣): ((ويجوز أن يتعلّقَ ((إذ)) بـ «كان» أو (١) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٢٣٧/٢، البحر ١٩١/٦. (٢) في الآية ١٦ . (٣) الكشاف ٥١٠/٢. ٦٠٤ - مريم - بـ ((صِدِّيقاً نبيًّا))، أي: كان جامعاً لخصائص الصِّدِّيقين والأنبياء حين خاطب أباه تلك المخاطباتِ)). ولذلك جَوَّز أبو البقاء (١) أن يعمل فيه ((صِدِّيقً نبيًّاً)) أو معناه . قال الشيخ (٢): ((الإِعرابُ الأولُ - يعني البدليةَ - يقتضي تصرُّفَ ((إذ)) وهي لا تتصرَّفُ، والثاني فيه إعمالُ ((كان)) في الظرف وفيه خلافٌ، والثالث لا يكون العاملُ مركباً من مجموع لفظَيْنِ بل يكون العملُ منسوباً للفظٍ واحدٍ . ولا جائز أن يكون معمولاً لـ ((صِدِّيقً» لأنه قد وُصِفَ، إلا عند الكوفيين. ويَبْعُدُ أن يكونَ معمولاً لـ ((نبيًّا)) لأنه يقتضي أنَّ التَّنِْئَةَ كانت في وقتٍ هذه المقالة)). قلت: العاملُ فيه ما لخّصه أبو القاسم ونَضَّده بحسنٍ صناعتِه من مجموع اللفظين كما رأيتَ في قوله ((أي: كان جامعاً / لخصائصِ الصِّدِّيقين [٦٠٦أ] والأنبياء حين خاطب أباه». آ. (٤٣) وقد تَقَدَّمت قراءةُ ابن عامر(٣) ((يا أَبَتَ)) وفي مصحف عبد الله (٤) ((وا أبتٍ)) بـ ((وا)) التي للنُّدْبة. آ. (٤٦) قوله: ﴿أراغبُ أَنتَ﴾: يجوز فيه وجهان، أحدُهما: أَنْ يكون ((راغبٌ)) مبتدأُ لاعتمادِه على همزةِ الاستفهام، و((أنت)) فاعلٌ سَدَّ مَسَدًّ الخبر. والثاني: أنه خبر مقدمٌ، و((أنت)) مبتدأ مؤخر ورُجِّح الأولُ بوجهين، (١) الإملاء ٢/ ١١٤. (٢) البحر ١٩٣/٦. (٣) انظر: الدر المصون ٤٣١/٦. (٤) البحر ١٩٣/٦. ٦٠٥ - مريم :- أحدهما: أنه ليس فيه تقديمٌ ولا تأخير؛ إذ رتبهُ الفاعلِ التأخيرُ عن رافعِهِ. والثاني: أنه لا يلزم فيه الفصلُ بين العاملِ ومعمولِه بما ليس معمولاً للعامل؛ وذلك لأنَّ ((عن آلهتي)) متعلقٌ بـ ((راغِبٌ))، فإذا جُعل ((أنت)) فاعلاً فقد فُصِل بما هو كالجزءِ من العامل، بخلافٍ جَعْلِه خبراً فإنه أجنبي إذ ليس معمولاً لـ «راغبٌ)). قوله: ((مَلِيّا)) في نصبه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنه منصوبٌ على الظرفِ الزماني، أي: زمناً طويلاً، ومنه (المَلَوان)) للَّيلِ والنهار، وَمُلاوةُ الدَّهْر بتثليث الميم قال(١): فالحجُّ آیات الرسولِ المحبّبِ ٣٢٤٠- فَعُسْنا بها من الشَّبابِ مَلاوةٌ وأنشد السدِّي على ذلك المهلهل(٢): ٣٢٤١ - فتصَدَّعَتْ صُمُّ الجِبالِ لمَوْتِہ ويكَتْ عليه المُرْمِلَاتُ مَلِيًّا والثاني: أنه منصوبٌ على الحال معناه: سالماً سَويّاً. كذا فَسَّره ابن عباس، فهو حالٌ مِنْ فاعلِ ((اهْجُرْني))، وكذلك فَسَّره ابنُ عطيةً قال: (معناه: مُسْتَبدَّاً، أي: غنيّاً من قولهم هو مَلِيُّ بكذا وكذا)). قال الزمخشري (٣): ((أي: مُطيقً)). والثالث: أنه نعت لمصدر محذوف، أي: هَجْراً مَلِيًَّ يعني: واسعاً متطاولاً كتطاول الزمان الممتد. (١) لم أهتدٍ إلى قائله وهو في البحر ١٩٥/٦. وعسنا: طُفنا بالليل. وحذف الشاعر حركة فاء فعولن من الشطر الثاني وهو قليل في الطويل . (٢) البحر ١٩٥/٦، والقرطبي ١١١/١١، والماوردي ٥٢٧/٢. والمرملات: (٣) الكشاف ٥١١/٢. الفقيرات . ٦٠٦ ۔ - مريم - آ. (٤٧) وقرأ أبو البرهم(١) ((سَلاماً)) بالنصب، وتوجيهُها واضحٌ ممَّا تقدَّم. آ. (٤٩) وقوله: ﴿وَكُلَّ جَعَلْنا نبيًّاً﴾: ((وكُلَّ)) مفعولٌ مقدم هو الأول، و «نبيًّا)» هو الثاني. آ. (٥٢) قوله: ﴿نَجِيَّاً﴾: حالٌ مِنْ مفعولِ («قَرَّبْناه)) وأصلُه نَجِيْوا؛ لأنه مِنْ نجا يُنْجو، والأيْمَن: الظاهر أنه صفةٌ للجانب بدليل أنه تبعه في قوله تعالى: ((وواعَدْناكم جانبَ الطُّور الأيمنَ))(٢). وقيل: إنه صفةً للطور؛ إذ اشتقاقُه من اليُمْن والبركة. آ. (٥٣) قوله: ﴿مِنْ رحمتنا﴾: في ((مِنْ)) هذه وجهان، أحدهما: أنها تعليليةٌ، أي: مِنْ أَجْل رحمتِنا. و((أخاه)) على هذا مفعولٌ به، و ((هرون» بدلٌ أو عطف بيان، أو منصوبٌ بإضمار أَعْني، و((نِّيًّا)) حالٌ. والثاني: أنها تبعيضيةٌ، أي: بعض رحمتِنا. قال الزمخشري(٣): ((وأخاه على هذا بدلٌ، وهرونَ عطف بيان)»(٤). قال الشيخ (٥): ((الظاهرُ أنَّ ((أخاه)) مفعولُ ((وَهَبْنا)»، ولا تُرادِفُ ((مِنْ)) بعضاً فَتُبْدِلُ ((أخاه)) منها)). آ. (٥٥) قوله: ﴿مَرْضِيًّا﴾: العامَّةُ على قراءته كذلك معتلا (١) البحر ١٩٥/٦. (٢) الآية ٨٠ من طه. (٣) الكشاف ٥١٣/٢. (٤) ومثّل على هذا بقوله: ((رأيت رجلاً أخاك زيدا)). (٥) البحر ١٩٩/٦. ٦٠٧ - مريم - وأصلُهُ مَرْضُوْوٌ، بواوينُ: الأولى زائدةٌ كهي في مَضْروب، والثانية لام الكلمة لأنه من الرِّضْوان، فأُعِلَّ بقلب الواو ياءً وأُدْغمت الأخيرة ياءً، واجتمعت الياءُ والواو فَقُلبت الواو ياءً وأُدْغمت ويجوز النطقُ بالأصلِ. وقد تقدَّم تحريرُ هذا. وقرأ(١) ابن أبي عبلة بهذا الأصلِ وهو الأكثرُ، ومن الإِعلالِ قولُه(٢). ٣٢٤٢ - لقد عَلِمَتْ عِرْسِي مُلَيْكَةُ أنني أنا المَرْءُ مَعْدِيَّاً عليه وعادِيا وقالوا: أَرْضٌ مَسِْيَّةٌ ومَسْنُوَّةٍ، أي: مُسْقاة بالسَّانية(٣). آ. (٥٨) قوله: ﴿مِن النَّبيين مِنْ ذريَّةٍ﴾: ((مِنْ)) الأولى للبيان؛ لأنَّ كلَّ الأنبياءِ مُنَعَّمٌ عليهم، فالتبعيضُ مُحالٌ، والثانيةُ للتبعيض، فمجرورُها بدلٌ مما قبلَه بإعادة العاملِ ، بدلُ بعضٍ من كل. قوله: ((وإسرائيلَ)) عطفُ على ((إبراهيم)). قوله: ((ومِمِّنْ هَدَيْنا)) يحتمل أَنْ يكونَ عطفاً على ((مِن النبيين))، وأن يكونَ عطفاً على («مِنْ ذِربةِ آدمَ)». قوله: ((إذا تُتْلَى)) جملةٌ شرطيةً فيها قولان، أظهرهما: أنها لا مَحَلَّ لِهَا لاستئنافِها. والثاني: أنها خبرُ («أولئك)»، والموصولُ قبلها صفةٌ لاسم الإِشارة، وعلى الأول يكون الموصولُ نفسَ الخبر. وقرأ العامَّةُ ((تُتْلَى)) بتاءين مِنْ فوقُ. وقرأ(٤) عبد الله وشيبةُ وأبو جعفر وابن كثير وابن عامر وورشٌ عن نافع في (١) البحر ١٩٩/٦. (٢) البيت لعبد يغوث بن وقاص، وهو في الكتاب ٣٨٢/٢، والمحتسب ٢٠٧/٢، وابن يعيش ٣٦/٥، والمفضليات ١٥٨، والممتع ٥٥٠. (٣) سناها الغيث يَسْنوهافهي مسنوَّة. (٤) البحر ٢٠٠/٦، الكشاف ٥١٤/٢. ٦٠٨ - مريم - رواياتٍ شاذة بالياء أولاً مِنْ تحتُ، والتأنيثُ مجازيٌّ فلذلك جاء في الفعلِ الوجهان . قوله: ((سُجَّدا)) حالٌ مقدرة. قال الزجاج(١): ((لأنهم وقتَ الخُرورِ ليسوا سُجَّداً)). و «بُگِيًّا)» فیه وجهان، أظهرهما: أنه جمع باكٍ، ولیس بقیاسِه، بل قیاسُ جَمْعِه على فُعَلة، كقاضٍ وقُضاة، ولم يُسمع فيه هذا الأصلُ. وقد تقدَّم أنَّ الأخوين يكسِران فاءه على الإِتباع(٢). والثاني: أنه مصدرٌ على فُعُوْل نحو: جَلَسَ جُلُوْساً، وقَعَد فُعودا(٣). والأصلُ فيه على كلا القولين بُكُوْي بواوٍ وياء، فأُعِلَّ الإِعلالَ المشهور في مثله(٤). وقال ابن عطية: ((وبكيًّا بكسر [الباء](٥) وهو مصدرٌ لا يحتمل غيرَ ذلك)). قال الشيخ(٦): ((وليس بسديدٍ بل الإِتباعُ جائزٌ فيه)). وهو جمعُ كقولِهِم عُصِيّ ودُليّ، جمع عَصا ودَلْو، وعلى هذا فيكون ((بكيَّ)): إمَّا مصدراً مؤكداً(٧) لفعلٍ محذوف، أي: وبَكَوْا بُكِيًّاً، أي: بكاءً، وإمَّا مصدراً واقعاً موقع الحال، أي: باكين أو ذوي بكاءً، أو جُعِلوا [نفس] البكاءِ مبالغةً . (١) معاني القرآن ٣٣٥/٣. وعبارته: حال مقدرة. المعنى: خرُّوا مقدِّرين السجود لأن الإنسان في حال خُروره لا یکون ساجداً». (٢) التيسير ١٤٨، البحر ٢٠٠/٦، الحجة ٤٣٩، والأخوان: حمزة والكسائي. (٣) قال الزجاج: ((ومن قال ((بكيًّا)) ههنا مصدر فقد أخطأ، لأنَّ ((سُجّداً)) جمع ساجد و (بكيا)) عطف عليه)). انظر: معاني القرآن ٣٣٥/٣. (٤) حيث اجتمعت الواو والياء وسبقت الأولى بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء. (٥) سقطت سهواً من الأصل وأثبتناها من البحر حيث إنه ينقل كذلك عن ابن عطية . (٦) البحر ٢٠٠/٦. (٧) الأصل ((مصدر مؤكد)» وهو سهو. ٦٠٩ - مريم - آ. (٦٠) قوله: ﴿إلا مَنْ تابَ﴾: فيه وجهان، أظهرهما: أنه استثناءٌ متصلٌ. وقال الزجاج(١): ((هو منقطعٌ)) وهذا بناءً منه على أنَّ المُضَيِّعَ للصلاة من الكفار. وقرأ(٢) عبد الله والحسن والضحاك وجماعةٌ (الصلوات)) جمعاً. والغَيُّ تقدم(٣). وقرأ(٤) الحسنُ هنا وجميعَ ما في القرآن ((يُدْخَلون)) مبنياً للمفعول. ونقل الأخفش(٥) أنه قُرِىء ((يُلَقَّوْن)) بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف، مِنْ لقّاه مضعفاً. وستأتي هذه القراءة لبعض السبعة(٦) في آخر الفرقان. [٦٠٦ب] و((شيئاً»: إمَّا / مصدرٌ، أي: شيئاً من الظلم، وإمَّا مفعولٌ به . آ. (٦١) قوله: ﴿جناتٍ عدن﴾: العامَّةُ على كسر التاء نصباً على أنها بدل مِن ((الجنةَ))، وعلى هذه القراءةِ يكون قولُه ((ولا يُظْلَمون شيئاً)) فيه وجهان، أحدهما: أنه اعتراضُ بين البدل والمبدلِ منه. الثاني: أنه حالٌ، كذا قال الشيخ (٧). وفيه نظرٌ: من حيث إن المضارع المنفيَّ بـ ((لا)) كالمُثْبَتِ في أنه لا تباشِرُه واوُ الحالِ . (١) معاني القرآن ٣٣٦/٣. (٢) الإتحاف ٢٣٧/٢، البحر ٢٠١/٦، وعاد المؤلف إلى الآية ٥٩. (٣) انظر: الدر المصون ٥٤٧/٢. (٤) الإِتحاف ٢٣٧/٢، التيسير ٩٧، البحر ٢٠١/٦، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو كما في الإتحاف والتيسير. (٥) انظر: الشواذ ٨٥، البحر ٢٠١/٦. (٦) قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وحفص. انظر: السبعة ٤٦٨. وهي الآية ٧٥ من ۔۔ الفرقان . (٧) البحر ٢٠١/٦. ٦١٠ - مريم - وقرأ(١) أبو حيوة والحسن وعيسى بن عمر والأعمش ((جناتُ)) بالرفع وفيه وجهان، أحدُهما: أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ تقديرُه: تلك، أو هي جناتُ عدنٍ. الثاني : - وبه قال الزمخشري(٢) - أنها مبتدأ، يعني ويكون خبرُها «التي وُعِد)). وقرأ الحسن بن حيّ (٣) وعلي بن صالح(٤) والأعمشُ في روايةٍ ((جَنَّةَ عَذْنٍ)) نصباً مفرداً. واليماني والحسنُ والأزرقُ عن حمزةَ ((جنةُ)) رفعاً مفرداً، وتخريجُها واضحٌ ممَّ تقدَّم. قال الزمخشري(٥): (لَمَّا كانت مشتملةً على جناتٍ عدنٍ أُبْدِلَت منها كقولِك: ((أَبْصَرْتُ دارَكَ القاعةَ والعلاليَّ))، و ((عَدْنٍ)) معرفةٌ علمٌ بمعنى العَذْنِ وهو الإِقامةُ كما جعلوا فينةً وسحَر وأمسَ - فيمن لم يَصْرِفْه(٦) - أعلاماً لمعاني الفينة والسَّحَر والأمس، فجرىُ مَجْرى العَدْن لذلك، أو هو عَلَمٌ لأرضِ الجنةِ لكونِها دارَ إقامة، ولولا ذلك لمَا ساغَ الإِبدالُ لأنَّ النكرةَ لا تُبْدَلُ من المعرفةِ إلّ موصوفةً، ولَما ساغ وصفُها بالتي)). قال الشيخ(٧): ((وما ذكره متعقّبٌ: أمَّا دعواه أنَّ عَدْناً عَلَمٌ لمعنى العَدْنِ (١) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٢٣٧/٢، البحر ٢٠١/٦، الكشاف ٥١٥/٢. (٢) الكشاف ٥١٥/٢. (٣) الحسن بن صالح بن صالح بن حَيّ، عُرِف بالحسن بن حيّ، الهَمْداني الثوري. قال ابن حجر: ((ثقة فقيه عابد رمي بالتشيع)). مات سنة ١٦٩. انظر: التقريب ١٦١. (٤) علي بن صالح أبو محمد البكالي، أخذ عن عاصم وحمزة. توفي سنة ١٥٤. انظر: طبقات القراء ٥٤٦/١. (٥) الكشاف ٥١٥/٢. (٦) وهم فرقة من تميم. انظر: لغات العرب في ((أمس)). انظر: شرح الكافية ١٢٥/٢. (٧) البحر ٢٠٢/٦ . ٦١١ - مريم - فيحتاج إلى تَوْقيفٍ وسَماعٍ من العرب، وكذا دعوى العَلّميةِ الشخصيةِ فيهِ. وأمَّا قولُه ((ولولا ذلك)) إلى قوله ((موصوفة)) فليس مذهبَ البصريين؛ لأنَّ مذهبَهم جوازُ إبدالِ النكرةِ من المعرفةِ وإن لم تكن موصوفةً، وإنما ذلك شيءٌ قاله البغداديون، وهم مَحْجُوْجون بالسَّماعِ على ما بَيَّناه(١)، وملازمتُه فاسدةً. وأمّا قولُه ((ولَما ساغَ وصفُها بـ (التي)) فلا يتعيَّن كون ((التي)) صفةً، وقد ذَكَرْنا أنه يجوزُ إعرابُه بدلاً)». قلت: الظاهر أنَّ ((التي)) صفةٌ، والتمسُّكُ بهذا الظاهرِ كافٍ، وأيضاً فإنَّ الموصولَ في قوةِ المشتقات، وقد نَصُوا على أنَّ البدلَ بالمشتقِّ ضعيفٌ فكذا ما في معناه. قوله: ((بالغيبِ)) فيه وجهان، أحدهما: أن الباءَ حاليةٌ. وفي صاحب الحالِ احتمالان، أحدُهما: ضميرُ الجنَّة وهو عائدُ الموصولِ، أي: وَعَدَها، وهي غائبةٌ عنهم لا يُشاهدونها. والثاني: أن يكونَ مِنْ «عبادَه))، أي: وهم غائبون عنها لا يَرَوْنها، إنما آمنوا بها بمجردِ الإِخبار منه . والوجه الثاني: أن الباءَ سببيةٌ، أي: بسببٍ تصديقِ الغيب، وبسببٍ الإيمان به . قوله: ((إنه كان)) يجوز في هذا الضميرِ وجهان، أحدُهما: أنه ضميرُ الباري تعالى يعودُ على الرحمن، أي: إنَّ الرحمن كان وعدُه مَأْتِيًّا. والثاني: أنه ضميرُ الأمرِ والشأنِ؛ لأنه مَقامُ تعظيمٍ وتفخيمٍ ، وعلى الأول يجوز أَنْ يكونَ في ((كان)) ضميرٌ هو اسمُها يعودُ على اللَّهِ تعالى، و «وعدُه)) بدلٌ من ذلك الضميرِ بدلُ اشتمال، و((مَأْتِيّا)) خبرُها. ويجوز أَنْ لا يكون فيها ضميرٌ، .-. (١) انظر: الارتشاف ٦١٩/٢ - ٦٢٠. ٦١٢ - مريم - بل هي رافعةٌ لـ ((وَعْدُه)) و((مَأْتِيًّا) الخبرُ أيضاً، وهو نظير: ((إنَّ زيداً كان أبوه منطلقاً» . ومَأْتِيًّا فيه وجهان، أحدُهما: أنه مفعولٌ على بابِهِ، والمرادُ بالوعدِ الجنةُ، أُطْلِقَ عليها المصدرُ أي موعوده نحو: دِرْهَمٌ ضَرْبُ الأميرِ. وقيل: الوَعْدُ مصدرٌ على بابه ومَأْتِيَّاً مفعولٌ بمعنى فاعِل ولم يَرْتَضِه الزمخشريُّ(١) فإنه قال: ((قيل في ((مَأْتِيًّ)) مفعولٌ بمعنى فاعِل. والوجهُ: أنَّ الوعدَ هو الجنة، وهم يَأْتونها، أو هو مِنْ قولِك: أتى إليه إحساناً، أي: كان وعدُه مفعولاً مُنْجَزاً ». آ. (٦٢) قوله: ﴿إِلا سَلاماً﴾: أبدى الزمخشريُّ(٢) فيه ثلاثةَ أوجهٍ أحدُها: أَنْ يكونَ معناه: إنْ كان تَسْلِيمُ بعضِهم على بعض - أو تسليمُ الملائكة عليهم - لغواً، فلا يسمعون لغواً إلا ذلك فهو مِنْ وادي قولِه(٣): ٣٢٤٣ - ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهم بهنَّ غُلولٌ من قراعِ الكتائبِ الثاني: أنهم لا يَسْمعون فيها إلا قولاً يَسْلَمون فيه من العيبِ والنقيصةِ، على الاستثناء المنقطع. الثالث: أنَّ معنى السلامِ هو الدعاءُ بالسلامةِ، ودارُ السلام هي دارُ السلامةِ، وأهلُها عن الدعاءِ بالسلامةِ أغنياءُ، فكان ظاهرُه من باب اللَّغْوِ وفُضولِ الحديث، لولا ما فيه من فائدةِ الإِكرام . قلت: ظاهرُ هذا أنَّ الاستثناءَ على الأول والآخر متصلٌ؛ فإنه صَرَّح بالمنقطع في الثاني. أمَّا اتصالُ الثالثِ فواضحٌ، لأنه أَطْلَقَ اللغوَ على السلامِ (١) الكشاف ٥١٥/٢. (٢) الكشاف ٥١٥/٢. (٣) تقدم برقم ١٥٦١. ٦١٣ - مريم - بالاعتبارِ الذي ذكره، وأمَّا الاتصالُ في الأولِ فَعَسِرٌ؛ إذ لا يُعَدَّ ذلك عيباً (١)، فليس من جنس الأول، وسيأتي تحقيقُ هذا إنْ شاء الله تعالى عند قولِه تعالى ((لا يَذُوْقون فيها الموتَ إلا الموتةَ الأولىْ)»(٢). آ. (٦٣) قوله: ﴿تُوْرِثُ﴾: قرأ(٣) الأعمش (نُوْرِثها)) بإبرازِ عائدٍ الموصول. وقرأ الحسن والأعرج وقتادة ((نُوَرِّثُ)) بفتحِ الواوِ وتشديد الراء مِنْ ((وَرَّثَ)) مضعَّفاً. آ. (٦٤) قوله: ﴿وما تَنَزَّلُ﴾: قال ابن عطية(٤): ((الواو عاطفةً [٦٠٧ أ] جملةَ كلامٍ على أخرى، واصلةً بين القولين وإن لم يكن / معناهما واحداً)). وقد أغربَ النقاشُ في حكايتِه لقولٍ : وهو أنَّ قولَه ((وما نَتَنَزَّل))، متصلٌ بقولِهِ (قال إنما أنا رسولُ ربِّكَ لِأَهَبَ لك(٥)). وقال أبو البقاء(٦): ((وما نَتَنَزَّل، أي: وتقول الملائكةُ)) فَجَعَله معمولاً لقولٍ مضمر. وقيل: هو من كلام أهل الجنة وهو أقربُ ممَّا قبله. ونَتَزَّل مطاوعُ نَزَّل بالتشديدِ ويقتضي العملَ في مُهْلة وقد لا يقتضيها .. قال الزمخشري (٧): ((التَنَزُّلُ على معنيين: معنى النزولِ على مَهْلٍ، ومعنى (١) الأصل: « عيب )» وهو سھو. (٢) الآية ٥٦ من الدخان . (٣) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٢٣٧/٢، البحر ٢٠٢/٦، النشر ٣١٨/٢. (٤) انظر: البحر ٢٠٣/٦. (٥) الآية ١٩. (٦). الإملاء ١١٥/٢. (٧) الكشاف ٥١٦/٢. ٦١٤ - مريم - النزولِ على الإِطلاق كقوله(١): تَنَزَّلَ مِنْ جوِّ السَّماءِ يصوبُ ٣٢٤٤- فَلَسْتُ لِإِنسيِّ ولكنْ لِمَلْأَّكِ لأنه مطاوع نَزَّل، ونزَّل يكون بمعنى أَنْزَلَ، ويكون بمعنى التدريج، واللائقُ بهذا الموضعِ هو النزولُ على مَهْلٍ، والمراد: أنَّ نزولَنا في الأحايين وقتاً غِبُّ وقتٍ))(٢) قلت: وقد تقدم أنه يُفَرَّق بين نزَّل وأنزل في أول هذا الموضع(٣). وقرأ العامَّةُ ((نَتَنَزَّل)) بنون الجمع. وقرأ(٤) الأعرج ((يتنَزَّل)) بياء الغيبة. وفي الفاعل حينئذ قولان، أحدهما: أنه ضميرُ جبريل. قال ابن عطية(٥): ((ويَرُدُّه قولُه ((له ما بين أيدينا وما خَلْفَنا)) لأنه يَطَّرِدُ معه، وإنما يتجه أن يكون خبراً عن جبريل أنَّ القرآن لا يَتَنَزَّل إلا بأمر الله في الأوقات التي يُقَدَّرها)). وقد يُجاب عما قال ابن عطية: بأنَّه على إضمار القول، أي: قائلاً: ((له ما بین أیدینا)). الثاني: أنه يعود على الوَحْي، وكذا قال الزمخشري (٦) على الحكاية عن جبريل، والضميرُ للوحي، ولا بد من إضمار هذا القول الذي ذكرتُه أيضاً. قوله: ((له ما بينَ أَيْدينا)) استدلَّ بعضُ النحاة على أنَّ الأزمنةَ ثلاثةٌ: (١) تقدم برقم ٢٢٧ . (٢) قال الزمخشري: ((ليس إلا بأمر الله وعلى ما يراه صواباً وحكمة)). (٣) انظر: الدر المصون ١٩٨/١. (٤) البحر ٢٠٤/٦، الشواذ ٨٥. (٥) انظر: البحر ٢٠٤/٦. (٦) الكشاف ٥١٦/٢. ٦١٥ - مريم - ماضٍ وحاضرٌ ومستقبلٌ بهذه الآية، وهو كقولٍ زهير(١): ٣٢٤٥- وأعلمُ عِلْمَ اليومِ والأمسِ قبلَه ولكنني عن عِلْمِ ما في غَدٍ عَمِ : آ. (٦٥) قوله: ﴿رَبُّ السمواتِ﴾: فيه ثلاثةُ أقوالٍ، أحدها: كونُه بدلاً مِنْ ((ربُّك)). الثاني: كونُه خبرَ مبتدأ، أي: هو ربُّ. الثالث: كونُه مبتدأٌ، والخبرُ الجملةُ الأمريةُ بعده وهذا ماشٍ على رَأْي الأخفش(٢): أنه يُجَوِّزُ زيادةَ الفاء في خبر المبتدأ مطلقاً. قوله: ((لعبادته)) متعلّقٌ بـ ((اصْطَیْ)) وکان مِنْ حَقِّه تعدیتُه بـ ((على)» لأنها صلتُه كقوله: ((واصطبرْ عليها))(٣) ولكنه ضُمِّن معنى الثبات، لأنَّ العبادةَ ذاتُ تكاليفَ قَلَّ مَنْ يَثْبُتُ لها فكأنه قيل: واثْبُتْ لها مُصْطَبراً. قوله: ((هل تَعْلَمُ)) أدغم (٤) الأخَوان وهشام وجماعة لام ((هل)) في التاء، وأنشدوا على ذلك بيت مزاحم العقيلي(٥): ٣٢٤٦- فدَْ ذا ولكن هَتُّعِيْنُ مُتَيَّماً على ضوءِ بَرْقٍ آخرَ اللیلِ ناصِبٍ آ. (٦٦) قوله: ﴿أإذا ما مِتُّ﴾: ((إذا)) منصوبةٌ بفعلٍ مقدرٍ مدلول. (١) تقدم برقم ١٦٩٦. (٢) انظر أمثلة على إعراب الأخفش في معاني القرآن: ٣٤، ١٢٤ - ١٢٥ - ٢٢٢. (٣) الآية ١٣٢ من طه . (٤) انظر: السبعة ٤١٠، الإتحاف ٢٣٨/٢، البحر ٢٠٤/٦. وهي رواية علي بن نصر عن أبي عمرو كما في السبعة. (٥) البيت من شواهد سيبويه ٤١٧/٢، وابن يعيش ١٤١/١٠. والناصب: المتعب. والمتيم: الذي تيَّمه الحب. وجعل الشاعر البرق متعباً له لما يعانيه من التعرف على مكان مطره . ٦١٦ - مريم - عليه بقوله تعالى ((لَسَوْفَ أُخْرَجُ)) تقديرُه: إذا مِتُّ أُبْعَثُ أو أُحيا. ولا يجوز أن يكونَ العاملُ فيه ((أُخْرِج)) لأنَّ ما بعد لام الابتداء لا يعمل فيما قبلها. قال أبو البقاء(١): ((لأنَّ ما بعد اللامِ وسوف لا يَعْمل فيما قبلها كإنَّ)» قلت: قد جَعَلَ المانعَ مجموعَ الحرفين: أمَّا اللامُ فُمُسَلَّمُ، وأَمَّا حرفُ التنفيسِ فلا مَدْخَلَ له في المنع؛ لأنَّ حرفَ التنفيسِ يَعْمِلُ ما بعده فيما قبله. تقول: زيداً سأضرب، وسوف أضرب، ولكنْ فيه خلافٌ ضعيفٌ، والصحیحُ الجوازُ، وأنشدُوا عليه(٢): ٣٢٤٧- فلمَّا رَأَتْه أمُّنا هانَ وَجْدُها وقالت: أبونا هكذا سوف يَفْعَلُ فـ ((هكذا)) منصوب بـ ((يَفْعل)) بعد حرف التنفيس. وقال ابن عطية(٣): واللامُ في قوله: ((لَسَوْف)) مجلوبةٌ على الحكاية لكلامٍ تقدَّم بهذا المعنى، كأنَّ قائلاً قال للكافر: إذا مِتَّ يا فلان لسوف تُخْرَجُ حَيَّاً، فقرّر الكلامَ على الكلام على جهة الاستبعادِ، وكَرَّر اللامَ حكايةٌ للقول الأول)». قال الشيخ (٤): ((ولا يُحتاج إلى هذا التقدير، ولا أن هذا حكايةٌ لقولٍ تقدَّمَ، بل هو من كلامِ الكافرِ، وهو استفهامُ فيه معنى الجحدِ والاستبعادِ)). وقال الزمخشري (٥): ((لامُ الابتداءِ الداخلةُ على المضارع تعطي معنى (١) الإملاء ١١٥/٢. (٢) البيت للنمربن تولب وهو في جمهرة أشعار العرب للقرشي ٥٤٧/٢، برواية ((كان يفعل))، والمصون ١٥٠، والحيوان ٥٠٣/٦. (٣) انظر: البحر ٢٠٧/٦. (٤) البحر ٢٠٧/٦. (٥) الكشاف ٥١٧/٢. ٦١٧ - مريم - الحالِ فكيف جامَعَتْ حرفَ الاستقبال؟ قلت: لم تجامِعْها إلا مُخَلِّصَةً للتوكيد كما أَخْلَصَت الهمزةُ في ((يا الله)) للتعويض، واضمحلَّ عنها معنى التعريف)). قال الشيخ(١): ((وما ذَكَر مِنْ أنَّ اللامَ تعطي الحالَ مخالَفٌ فيه، فعلى مذهبٍ مَنْ لا يرى ذلك يُسْقط السؤال. وأمَّا قولُه: ((كما أَخْلَصَتَ الهمزة)) فليس ذلك إلا على مذهبٍ مَنْ يزعم أنَّ أصلَه إلاه، وأمَّا مَنْ يزعم أنَّ أصله: لاه(٢)، فلا تكون الهمزةُ فيه للتعويضِ؛ إذلم يُحْذَفْ منه شيءٌ، ولو قلنا: إن أصلَه إلاهُ، وحُذِفَتْ فاءُ الكلمة، لم يتعيَّنْ أَنَّ الهمزةَ فيه في النداء للتعويض، إذ لو كانَتْ عوضاً من المحذوف لثَبَتَتْ دائماً في النداء وغيرِهِ، ولَمَا جاز حذفُها في النداء، قالوا: ((يا لله)) بحَذْفِها، وقد نَصُّوا على أن [قطعَ](٣) همزة الوصل في النداء شاذ)). وقرأ الجمهور ((أإذا)) بالاستفهام وهو استبعادٌ كما تقدَّم. وقرأ(٤) ابن ذكوان بخلافٍ عنه وجماعةٌ ((إذا)) بهمزةٍ واحدة على الخبر، أو للاستفهام. وحَذَف أداته للعلمِ بها، ولدلالةِ القراءةِ الأخرىُ عليها . وقرأ طلحة بن مصرف ((لَسَأُخْرَجُ)) بالسين دون سوف، هذا نَقْلُ الزمخشريِّ (٥) عنه، وغيرُهُ(٦) نَقَل عنه ((سَأُخْرِج)) دونَ لامِ ابتداء، وعلى هذه (١) البحر ٢٠٧/٦. (٢) انظر مذاهب العلماء في لفظ الجلالة: معجم مفردات الإبدال والإعلال ص ٢٥. (٣) زيادة من البحر. (٤) النشر ٣٧٢/١، التيسير ١٤٩، البحر ٢٠٦/٦، الإتحاف ٢٣٨/٢، وقال: ((من طريق الصوري، وابن الأخرم عن الأخفش عنه». (٥) الكشاف ٥١٧/٢. (٦) البحر ٦ /٢٠٦. ٦١٨ - مريم - القراءةِ يكونُ العاملُ في الظرف نفسَ ((أُخْرَج))، ولا يمنع حرفُ التنفيسِ على الصحيح. وقرأ العامَّةُ ((أُخْرَجُ)) مبنياً للمفعول. والحسن(١) وأبو حيوة ((أَخْرِجُ)) مبنياً للفاعل. و((حَيَّاً)) حالٌ مؤكِّدة لأنَّ مِنْ لازمِ خروجِه أن يكونَ ((حَيَّاً)) وهو كقولِه: ((أُبْعَثُ حياً)(٢) . وقرأ(٣) نافع وابن عامر وعاصم وجماعة ((يَذْكُرُ)) مخففاً مضارعَ ((ذكر)»، والباقون بالتشديد مضارعَ تَذَكَّر، والأصل ((يتذكَّر)) فأُدْغِمَتْ التاءُ في الذال. وقد قرأ بهذا الأصلِ وهو يَتَذَكَّر: أُبَيِّ. آ. (٦٧) والهمزةُ في قوله ((أَوَلا يَذْكُرُ)) مؤخرةً عن حرف العطف تقديراً كما هو قول الجمهور. وقد رَجَع الزمخشري (٤) إلى رأي الجمهورِ هنا فقال: ((الواوُ عَطَفَتْ ((لا يَذْكُر)) على (يقول)) / ووُسِّطَتْ همزةُ الإِنكار بين [٦٠٧ب] المعطوف(٥) وحرفِ العطف)) ومذهبُه أَنْ يُقْدِّرَ بين حرفِ العطفِ وهمزة الاستفهام جملةً يُعْطف عليها ما بعدها، وقد فعل هذا - أعني الرجوع إلى قولِ الجمهور - في سورة الأعراف كما نَبَّهت عليه في موضعِه. قوله: ((مِنْ قبلُ))، أي: مِنْ قبلٍ بَعْثه. وقَدَّره الزمخشري(٦) ((من قبلِ (١) القرطبي ١٣١/١١، البحر ٢٠٧/٦، معاني القرآن للفراء ١٧١/٢. (٢) الآية ٣٣ من مريم. (٣) انظر في قراءاتها: السبعة ٤١٠، التيسير ١٤٩، البحر ٢٠٧/٦، النشر ٣١٨/٢، الحجة ٤٤٥، القرطبي ١٣١/١١. (٤) الكشاف ٥١٨/٢. (٥) الكشاف ((المعطوف عليه)). (٦) الكشاف ٥١٨/٢. ٦١٩ --- - مريم - الحالةِ التي هو فيها وهي حالةُ بقائه)». آ. (٦٨) قوله: ﴿جِئيًّا﴾: حالٌ مقدرةٌ مِنْ مفعولِ ((لَنُحْضِرَنَّهم)) و ((جِئِيًّا)) جمعُ جاثٍ(١) جمعٌ على فُعُوْل نحو: قاعِد وقُعود وجالِس وجُلوس. وفي لامِه لغتان(٢)، إحداهما الواو، والأخرى الياء يُقال: جثا يَجْثُو جُنُوَّاً، وجَئِيَ يَجْئِي جِثايةً، فعلى التقدير الأول يكون أصلَه ((جُنُوْوٌ) بواوين: الأولى زائدةٌ علامةً للجمع، والثانيةُ لامُ الكلمةِ، ثم أُعِلْتْ إعلالَ عِصِيّ ودُلِيَ، وتقدَّم تحقيقُه في ((عِيًّ))(٣). وعلى الثاني يكون الأصلُ جُثُوْياً، فَأُعِلَّ إعلالَ هَيِّن ومَيِّت. وعن ابن عباس: أنه بمعنى جماعاتٍ جماعاتٍ جمعَ جُثْوَةِ، وهو: المجموعُ من التراب والحجارة. وفي صحتِّه عنه نظرٌ من حيث إنَّ فُعْلَة. لا يُجمع على فُعُوْل. ويجوز في ((جِثِيًّ)) أن يكون مصدراً على فُعول، وأصلُه كما تقدَّم في حالٍ كونِه جمعاً: إمَّ جُثُوٌّ، وإمَّا جُنُوْيٌ. وقد تقدَّم: أنَّ الأخوين يكسران فاءَه، والباقون يَضُمونها(٤) والجُوُّ: القُعُودُ على الرُّكَب. آ. (٦٩) قوله: ﴿أَيُهم أَشَدُّ﴾: في هذه الآيةِ أقوالٌ كثيرةٌ، أَظْهرُها (١) وهو مذهب الراغب في المفردات ٨٨، كما أجاز المصدرية، ولم يذكر الزجاج في معانيه ٣٣٨/٣ غير الجمعية .. (٢) انظر: اللسان ( جثا ). (٣) الآية ٨ من مريم، أي: قلبت الواو المتطرفة ياء لأنه جمع على فُغُوْل فأصبح جُنُوْي فاجتمعت الواو والياء في كلمة وسبقت الأولى بالسكون فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء ثم كُسِر ما قبل الياء للمناسبة. وانظر: معجم المفردات ٧٨. (٤) السبعة ٤٠٧، النشر ٣١٧/٢، البحر ٢٠٨/٦، الحجة ٤٣٩. ٦٢٠