النص المفهرس
صفحات 561-580
- مريم - سورة مريم عليها السلام [٦٠١أ] بسم الله الرحمن الرحيم آ. (٢) قوله: ﴿ذِكْرُ﴾: فيه ثلاثةُ أوجهٍ. أحدُها: أنه مبتدأً محذوفُ الخبر، تقديرُه: فيما يُتْلَى عليكم ذِكْرُ. الثاني: أنه خبرٌ محذوفُ المبتدأ، تقديرُه: المَتْلُوُ ذِكْرُ، أو هذا ذِكْرُ. الثالث: أنه خبرُ الحروفِ المتقطعةِ، وهو قولُ يحيى بن زياد(١). قال أبو البقاء(٢): ((وفيه بُعْدٌ؛ لأن الخبرَ هو المبتدأُ في المعنى، وليس في الحروفِ المقطَّعةِ ذِكْرُ الرحمةِ، ولا في ذكرِ الرحمة معناها)». والعامَّةُ على تسكينٍ أواخرٍ هذه الأحرفِ المقطّعةِ، وكذلك كان بعضُ الْقُرَّاءِ يقفُ على كلِّ حرفٍ منها وَقْفَةً يسيرةً مبالغَةٌ في تمييزِ بعضِها مِنْ بعضٍ . وقرأ(٣) الحسنُ ((كافُ)) بالضم، كأنه جَعَلها معربةً، ومَنَعها من الصِّرْف للعَلَمَيَّةِ والتأنيث(٤). وللقُرَّاء خلافٌ(٥) في إمالة ((يا)) و((ها)) وتفخيمِهما. (١) وهو الفراء في معاني القرآن ١٦١/٢ . (٢) الإِملاء ١١٠/٢. وانظر ردَّ الزجاج في معانيه ٣١٨/٣. (٣) الإتحاف ٢٣٢/٢، القرطبي ٧٤/١١، البحر ١٧٢/٦. (٤) قال القرطبي ٧٥/١١: ((والقولُ فيها ما بيَّنه هرون القارىء قال: كان الحسن يشمُّ الرفعَ، فمعنى هذا أنه كان يُؤْمىء)). وانظر: معاني القرآن للزجاج ٣١٧/٣. (٥) للقراء مذاهب منتشرة في ذلك. انظر: السبعة ٤٠٦، النشر ٧١/٢، الإتحاف ٢٣١/٢، الحجة ٤٣٧، التيسير ١٤٨، البحر ١٧٢/٦. ٥٦١ - مريم - وبعضُعهم يُعَبِّر عن التفخيم بالضمِّ، كما يُعْبِّر عن الإِمالةِ بالكسرِ، وإنما ذكَرْتُه لأنَّ عبارتَهم في ذلك مُوْهِمَةٌ. وأظهر (١) دالَ صاد قبل ذال ((ذِكْرُ)) نافعٌ وابنُ كثير وعاصم لأنه الأصل، وأدغمها فيها الباقون . والمشهورُ إخفاءُ نونِ ((عَيْن)) قبل الصاد؛ لأنها تُقاربها، ويشتركان في الفم، وبعضُهم يُظْهِرُها(٢) لأنها حروف مقطعة يُقْصَدُ تمييزُ بعضِها [من بعض](٣). و(ذِكْرُ)) مصدرٌ مضافٌ. قيل: إلى مفعولِه وهو الرحمةُ، والرحمةُ في نفسها مصدرٌ أيضاً مضافٌ إلى فاعلِهِ، و((عبدَه)) مفعولٌ به. والناصبُ له نفسُ الرحمةِ، ويكونُ فاعلُ الذِّكْرِ غيرَ مذكورٍ لفظاً، والتقدير: أَنْ ذَكَرَ اللَّهُ رحمته عبدَه. وقيل: بل ((ذِكْرُ)) مضافٌ إلى فاعلِه على الاتِّساعِ ويكون ((عبدَهِ)) منصوباً بنفسِ الذِّكْر، والتقديرُ: أَنْ ذَكَرَتِ الرحمةُ عِيدَه، فَجَعَلَ الرحمةَ ذاكرةً له مجازاً. و ((زَكَرِيًّا)) بدلٌ أو عطفُ بيانٍ، أو منصوبٌ بإضمار ((أَعْني)). وقرأ يحيى بن يعمر(٤) - ونقلها الزمخشريُّ (٥) عن الحسن - ((ذَكَّرَ)) فعلاً ماضياً مشدّداً، و((رحمةَ)) بالنصبِ على أنها مفعولٌ ثانٍ قُدِّمَتْ على (١) الإتحاف ٢٣٢/٢، البحر ١٧٢/٦، السبعة ٤٠٦، النشر ٤٢٥/١. (٢) وهو حفص عن عاصم كما في البحر ١٧٢/٦. وانظر: الإملاء ١١٠/٢، الإتحاف ٢٣٢/٢. (٣) ما بين معقوفين مخروم في الأصل، أثبتناه من ( ش). (٤) البحر ١٧٢/٦. (٥) الكشاف ٥٠٢/٢ . ٥٦٢ - مريم - الأولِ، وهو ((عبدَه)) والفاعلُ: إِمَّا ضميرُ القرآنِ، أو ضميرُ الباري تعالی. والتقدير: أَنْ ذَكَّر القرآنُ المتلُوُّ - أو ذَكَّرَ اللَّهُ - عَبْدَه رحمته، أي: جعلَ العبدَ يَذْكرُ رحمته. ويجوز على المجازِ المتقدِّمِ أن تكون («رحمةً ربك)) هو المفعولَ الأولَ، والمعنى: أنَّ اللَّهَ جَعَلَ الرحمةَ ذاكرةً للعبدِ. وقيل: الأصلُ: ذكِّرَ برحمةٍ، فلمَّا انْتُزِعَ الجارُّ نُصِب مجرورُه، ولا حاجةَ إليه. وقرأ الكلبيُّ(١) (ذَكَّرَ)) بالتخفيفِ ماضياً، ((رحمةً» بالنصبِ على المفعول به، ((عبدُه)) بالرفع فاعلاً بالفعلِ قبلَه، ((زكريًّا)) بالرفعِ على البيانِ أو البدلِ أو على إضمارٍ مبتدأ، وهو نظيرُ إضمار الناصب في القراءة الأولى. وقرأ(٢) يحيى بن يعمر - فيما نقله عنه الدانيُّ - (ذَكِّرْ)) فعلَ أمرٍ، ((رحمةً)) و («عبدَه)» بالنصب فيهما على أنهما مفعولان، وهما على ما تقدَّم مِنْ كونِ كلِّ واحدٍ يجوز أَنْ يكونَ المفعولَ الأول أو الثاني، بالتأويلِ المتقدِّم في جَعْلِ الرحمة ذاكرةً مجازاً. آ. (٣) قوله: ﴿إِذْ نادَىْ﴾: في ناصبه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنَّه (ذِكْرُ))، ولم يذكر الحوفيُّ غيرَه. والثاني: أنَّه ((رحمة))، وقد ذكر الوجهين أبو البقاء(٣). والثالث: أنَّه بدلٌ مِنْ ((زكريًّا)) بدلُ اشتمالٍ لأنَّ الوقتَ مُشْتملٌ عليه وسيأتي مِثْلُ هذا عند قولِهِ ((واذكُرْ في الكتابِ مريمَ)»(٤) ونحوه. آ. (٤) وقوله: ﴿قال ربِّ﴾: لا مَحَلَّ لهذهِ الجملةِ لأنها(٥) تفسيرٌ (١) القرطبي ٧٥/١١، البحر ١٧٢/٦. (٢) البحر ١٧٢/٦، القرطبي ٧٥/١١. (٣) الإملاء ١١٠/٢. (٤) الآية ١٦ من مريم. (٥) الأصل ((لا تفسير، وهو سهو والتصويب من (ش). ٥٦٣ - مريم - لقولِه (نادىُ ربَّه )) وبيانٌ، ولذلك تُرِكَ العاطفُ بينهما لشدَّة الوَصْلِ. قوله: ((وَهَنَ)) العامَّةُ على فتحِ الهاء. وقرأ(١) الأعمشُ بكسرِها. وقُرِىء بضمِّها، وهذه لغاتٌ في هذه اللفظةِ. ووَحَّد العظمَ لإِرادةِ الجنسِ ، يعني أنَّ هذا الجنسَ الذي هو عَمُوْدُ البدنِ، وأشدُّ ما فيه وأَصْلِبُه، قد أصابه الوَهُْ، ولو جُمع لكان قصداً آخرَ: وهو أنه لم يَهِنْ منه بعضُ عظامه ولكن كلُّها، قاله الزمخشري (٢). وقيل: أُطْلِقَ المفردُ، والمرادُ به الجمعُ كقولِه(٣): فِيْضٌ وأمَّا جِلْدُها فَصَلِيْبُ ٣٢٠٨- بها جِيَفُ الخَسْرى فأمَّا عِظامُها أي: جلودُها، ومثلُه(٤): ٣٢٠٩- كُلوا في بعضٍ بطنِكمُ تَعِفُّوا فإِنَّ زمانَكُمْ زَمَنْ خَمِیصُ أي: بطونكم. و ((مِنِّي)) حالٌ من (العَظْم)). وفيه رَدُّ على مَنْ يقول: إن الألف واللامَ تكونُ عِوَضاً من الضميرِ المضافِ إليه؛ لأنه قد جُمع بينهما هنا وإن كان الأصلُ: وَهَنَ عَظْمي. ومثلُه في الدَّلالةِ على ذلك ما أنشدوه شاهداً على ما ذَكَرْتُ(٥) : ٣٢١٠- رَجِيبٌ قِطابُ الجَيْبِ منها رَفِيْقَةٌ بجَسِّ النَّدامَى بَضَّةُ الْمُتَجَرَّدِ قوله: ((شَيْباً) في نصبه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها : - وهو المشهورُ - أنه (١) انظر في قراءاتها: البحر ١٧٣/٦، القرطبي ٧٦/١١، الشواذ ٨٣. (٢) الكشاف ٥٠٢/٢. (٣) تقدم برقم ١٥٤ . (٤) تقدم برقم ١٥٣. (٥) تقدم برقم ٢٩٦ . ٥٦٤ - مريم - تمييزٌّ منقولٌ من الفاعلية؛ إذ الأصلُ: اشتعلَ شيبُ الرأسِ. قال الزمخشري(١): ((شبّه الشيبَ بشُواظِ النار في بياضِه(٢) وانتشارِه في الشعر وفُشُوِّه فيه، وأَخْذِه منه كلَّ مَأْخَذٍ باشتعال النار، ثم أخرجه مُخْرَجَ الاستعارةِ، ثم أَسْندَ الاشتعالَ إلى مكانِ الشَّعْرِ ومَنْيَتِه وهو الرأسُ، وأخرج الشَّيْبَ مميّزاً، ولم يُضِفِ الرأسَ(٣) اكتفاءً بعِلْم المخاطب أنه رأسُ زكريا، فمِنْ ثَمَّ / فَصُحَتْ هذه الجملةُ وشُهِد لها بالبلاغةِ)) انتهى. وهذا مِنْ استعارةِ محسوسٍ المحسوسٍ ، ووجهُ الجمع: الانبساطُ والانتشارُ. [٦٠١ب] والثاني (٤): أنه مصدرٌ على غيرِ الصَّدْرِ، فإنَّ معنى ((اشتعلَ الرأسُ» شاب. الثالث: أنه مصدرٌ واقعٌ موقعَ الحالِ ، أي: شائباً أو ذا شيبٍ. قوله: ((بدُعائِك)) فيه وجهان، أظهرُهما: أنَّ المصدرَ مضافٌ لمفعولِه، أي: بدعائي إياك. والثاني: أنه مضافٌ لفاعلِه، أي: لم أكنْ بدعائِك لي (٥) إلى الإِيمانِ شَقِيًّا. آ. (٥) قوله: ﴿خِفْتُ الَوالِيِ﴾: العامّةُ على ((خِفْتُ)) بكسر الحاء وسكونِ الفاء، وهو ماضٍ مسندٌ لتاءِ المتكلم. و((المَوالي)) مفعولٌ به بمعنى: أنَّ مَوالِيَه كانوا شِرارَ بني إسرائيل، فخافَهم على الدِّين. قاله الزمخشري(٦). (١) الكشاف ٥٠٢/٢. (٢) زاد في الكشاف: وإنارته. (٣) أي: لم يقل: واشتعل رأسي. (٤) في إعراب (( شيباً)). (٥) قوله ((لي إلى)) مخروم في الأصل، أثبتناه من (ش). (٦) الكشاف ٥٠٢/٢ . ٥٦٥ - مريم - قال أبو البقاء(١): ((لا بُدَّ مِنْ حَذْفِ مضافٍ، أي: عَدَمَ المَوالي أو جَوْرَ الموالي)). وقرأ(٢) الزُّهري كذلك، إلا أنه سَكَّن ياءَ ((المَواليْ)) وقد تَقَدَّم أنَّه قد تُقَدَّر الفتحةُ في الياء والواوٍ، وعليه قراءةُ زيدِ بنِ عليّ ((تُطْعِمون أَمالِيْكم))(٣) وتقدّم إيضاحُ هذا. وقرأ عثمان بن عفان وزيد بن ثابت وابن عباس وسعيد بن جبير وسعيد بن العاص(٤) ويحيى بن يعمر وعلي بن الحسين في آخرين: ((خَفَّتِ)) بفتحِ الخاءِ والفاءِ مشددةً وتاءٍ تأنيثٍ، كُسِرَتْ لالتقاءِ السَّاكنين. و((المَوالِيْ) فاعلٌ به، بمعنى دَرَجُوا وانقرضُوا بالموت. قوله: ((مِنْ وراثي)) هذا متعلِّقٌ في قراءةِ الجُمهورِ بما تضمَّنه المَوالي مِنْ معنى الفِعْلِ، أي: الذين يَلُوْن الأمرَ بعدي. ولا يتعلق بـ ((خِفْتُ)) لفسادٍ المعنى، وهذا على أَنْ يُرادَ بـ ((ورائي)) معنى خلفي وبعدي. وأمَّا في قراءةِ (خَفَّت)) بالتشديد فيتعلَّق الظرفُ بنفسِ الفعل، ويكونُ ((ورائي)) بمعنى قُدَّامي. والمرادُ: أنهم خقُّوا قدَّامَه ودَرَجُوا، ولم يَبْقَ منهم مَنْ بهِ تَقَوِّ واعْتِضادٌ. ذكر هذين المعنيين الزمخشري(٥) . (١) الإِملاء ٢/ ١١٠. (٢) انظر في قراءاتها: البحر ١٧٤/٦، القرطبي ٧٧/١١، المحتسب ٣٧/٢. (٣) الآية ٨٩ من المائدة، وهي قراءة جعفر الصادق. وانظر القراءة والمسألة في: الدر المصون ١٤٠٧/٤ (٤) سعيد بن العاص الأموي القرشي، صحابي من الأمراء الفاتحين، كان والي المدينة. إلى وفاته، أحد الذين كتبوا المصحف لعثمان. توفي سنة ٥٣، أو ٥٩. انظر: الإصابة رقم ٣٢٦١، سير أعلام النبلاء ٤٤٤/٣. (٥) الكشاف ١٬٥٠٢/٢ ٥٦٦ - مريم - والمَوالي: بنو العمِّ يدلُّ على ذلك تفسيرُ الشاعرِ لهم بذلك في قوله(١): ٣٢١١- مَهْلًا بني عَمِّنا مَهْلًا مَوالَيَنا لا تَنْبُشوا بَيْنَنا ما كان مَدْفُوْنا وقال آخر (٢): ٣٢١٢ - ومَوْلَىَّ قد دَفَعْتُ الضَّيْمَ عنهُ وقد أمْسَىْ بمنزلةِ المُضِيْمِ والجمهورُ على ((ورائي)) بالمدِّ. وقرأ(٣) ابنُ كثير - في روايةٍ عنه - ((وَرايَ)) بالقصر، ولا يَبْعُدُ ذلك عنه فإنه قد قَصَرَ ((شُرَكاي))(٤) في النحل كما تقدَّم، وسيأتي أنَّه قَرَأ ((أَنْ رَأْه اسْتَغْنِىْ)) في العَلَق(٥)، كأنه كان يُؤْثِرُ القَصْر على المدّ لخفَّتِهِ، ولكنه عند البصريين لا يجوزُ سَعَةٌ. و ((مِنْ لَدُنْك)) يجوز أَنْ يتعلَّقَ بـ ((هَبْ)). ويجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ مِنْ ((وليًّا)) لأنه في الأصل صفةٌ للنكرةِ فَقُدِّمَ عليها. آ. (٦) قوله: ﴿يَرِثُنِ ويَرِثُ﴾: قرأ(٦) أبو عمروٍ والكسائي بجزم. الفعلين على أنَّهما جوابُ للأمر إذ تقديرُه: إن يَهَبْ يَرِثْ. والباقون برفعِهما على أنَّهما صفةٌ لـ ((وليّ)). (١) البيت الفضل بن العباس. وهو في الحماسة ١٢٩، والزاهر ٢٢٢/١، والقرطبي ٧٨/١١. (٢) البيت للبيد وهو في ديوانه ١٠١، وتفسير الماوردي ٥١٦/٢، والبحر ١٧٣/٦. (٣) البحر ١٧٤/٦، القرطبي ٧٩/١١. (٤) الآية ٢٧ من النحل. وانظر: الورقة ٥٥١ ب من الدر المصون. (٥) الآية ٧. (٦) السبعة ٤١٧، النشر ٣١٧/٢، الحجة ٤٣٧، البحر ١٧٤/٦، التيسير ١٤٨، المحتسب ٣٨/٢. ٥٦٧ : - مريم - وقرأ عليٌّ أميرُ المؤمنين - رضي الله عنه - وابن عباس والحسن ويحيى بن يعمر والجحدري وقتادة في آخرين: ((يَرِثُني)) بياء الغيبة والرفع، وأَرِثُ)) مُسْنداً لضمير المتكلم. قال صاحب ((اللوامح))(١): ((في الكلامِ تقديمٌ وتأخيرٌ. والتقديرُ: يَرِثُ نبوَّتي إن مِتُّ قبلَه وأَرِثُه مالَه إِنْ مات قبلي))(٢). ونُقِل هذا عن الحسن. وقرأ عليٌّ أيضاً وابن عباس والجحدري (يَرِثُني وارثٌ)) جعلوه اسمَ فاعلٍ، أي: يَرِثُّني بهِ وارِثٌ، ويُسَمى هذا ((التجريدَ)) في علم البيان(٣). وقرأ مجاهد ((أُوَيْرِثّ)) وهو تصغيرُ «وارِث))، والأصلُ وُوَيْرِث بواوين. وَجَبَ قَلْبُ أولاهما همزةً لاجتماعهما متحركتين أولَ كلمةٍ(٤)، ونحو (أُوْصِل)) تصغيرَ ((واصل)). والواو الثانية بدلٌ عن ألفٍ فاعِل. وأُوَيْرِثِ مصروفٌ. لا يُقال: ينبغي أن يكونَ غيرَ مصروفٍ لأنَّ فيه علتين الوصفيةَ ووزْنَ الفعل، فإنه بزنة أُبْطِر مضارعٍ بَيْطَرَ(٥)، وهذا مِمَّا يكون الاسم فيه منصرفاً في التكبير . ممتنعاً في التصغير(٦). لا يُقال ذلك لأنه غَلَطْ بَيِّنٌ؛ لأنَّ ((أُوَيْرِناً)) وزنُه فُوَيْعِل لا أُفَيَّعِلِ بخلافٍ ((أُحَيْمِر)) تصغير ((أَحْمَر)). (١) انظر: البحر ١٧٤/٦. (٢) نَصُّ صاحب ((اللوامح)) كما في البحر: ((فمعناه: فَهَبْ لي من لدنك وليّاً مِنْ آل يعقوب يرثني إن مِتْ قبله، أي: نبوتي، وأرثه إن مات قبلي، أي: ماله)). (٣) انظر: الكشاف ٥٠٣/٢. (٤) انظر: الممتع ٣٣٢/١. (٥) بيطر: عالج الدوابَّ. (٦) هنا ينتهي قول المعترض. ويليه الجواب عنه. ومسألة اختلاف حكم الصرف ومنعه بين التصغير والتكبير تحدَّث عنها النحاة فقالوا: إن مثل ((تَحْلِىُ)) عَلَماً يُصَغَّر على ((تُخَيْلِىء)) فيمنع في التصغير فقط لوجود وزن الفعل فيه مع العلمية، والموجود في التكبير العلمية وحدها، وكذا يتحتم منع ((هند)) مصغرة إذ يُقال: هنيدة والتاء تحتم = ٥٦٨ - مريم - وقرأ الزُّهْري (وارِث)) بكسرٍ الواو، ويَعْنُون بها الإِمالةَ. قوله: ((رَضِيًّا) مفعولٌ ثانٍ، وهو فَعِيْل بمعنى فاعِل، وأصلُهُ رَضِيْوٌ لأنه مِنَ الرِّضْوان. ٢. (٧) قوله: ﴿يَحْيَى﴾: فيه قولان، أحدُهما: أنه اسمٌ أعجميّ لا اشتقاقَ له، وهذا هو الظاهرُ، ومَنْعُه من الصَّرْفِ للعَلَمِيَّةِ والعُجْمةِ. وقيل: بل هو منقولٌ من الفعلِ المضارعِ كما سَمَّوْا بَيَعْمُرَ وَيَعيشَ ويَموتَ، وهو يموتُ بنُ المُزَرِّع(١). والجملةُ مِنْ قولِه: ((اسمُه يَحْيىْ)) في محلِّ جَرِّ صفةً لـ ((غُلام)) وكذلك (لم نَجْعَلْ)). و((سَمِيَّ) كقوله: ((رَضِيًّا)) إعراباً وتصريفاً لأَنَّه من السُّمُوِّ، وفيه دلالةٌ لقول البصريين(٢): أنَّ الاسمَ من الشُّمُوِّ، ولو كان من الوَسْم لقيل: وَسِیما. آ. (٨) قوله: ﴿عِيًّا﴾: فيه أربعةُ أوجهٍ، أظهرُها: أنه مفعولٌ به، أي: بَلَغْتُ عِيًَّ من الكِبَرِ، فعلى هذا ((من الكِبَر)) يجوز أَنْ يتعلَّقَ بـ ((بَلَغْتُ))، ويجوز أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ مِنْ ((عِيًّا)) لأنه في الأصلِ صفةٌ له كما قَدَّرْتُه لك. الثاني: أن يكونَ مصدراً مؤكِّداً مِنْ معنى الفعل، لأنَّ /بلوغَ [١٦٠٢] المنع، وليس في التكبير تاء فجاز فيه الوجهان. والعكس وارد فقد يصرف مصغراً = ما لا يصرف مكبراً مثل ((عمير)) تصغير ((عمر)) لزوالِ العَدْل. انظر: المساعد ٤١/٣ - ٤٢. (١) يموت بن المزرِّع البصري واسمه محمد لكن اشتهر بلقبه. مقرىء أديب، روى عنه أبو بكر بن مجاهد. توفي سنة ٣٠٣ بدمشق. طبقات القراء ٣٩٢/٢. قال في بغية الوعاة ٣٥٣/٢: «المزرَّع)) بفتح الراء والمحدثون يكسرونها. (٢) انظر: الإنصاف ٦/١. ٥٦٩ - مريم - الكِبَر في معناه. الثالث: أنَّه مصدرٌ واقعٌ موقعَ الحالِ من فاعل ((بَلَغْتُ))، أي: عاتياً أو ذاعِتِيّ. الرابع: أنه تمييزٌ. وعلى هذه الأوجهِ الثلاثةِ فـ((مِنْ)) مزيدةً، ذكره أبو البقاء(١)، والأولُ هو الوجهُ. والعُتُوُ(٢): بزنة فُعُوْل، وهو مصدرُ عَتا يَعْتُو، أي: يَبِس وصَلُب. قَال الزمخشري (٣): ((وهو اليُّيْس والجَسَاوَةُ في المفاصِلِ والعظام كالعُوْدِ القاجِل يُقال: عَتَا العُوْدُ وجَسَا(٤)، أو بَلَغْتُ مِنْ مدارجِ الكِبَر ومراتبِهِ ما يُسَمَّى عِيًّا)) يريد بقوله: ((أو بَلَغْتُ)) أنه يجوزُ أَنْ يكونَ مِنْ عتا يَعْتُو، أي: فَسَدَ. والأصل: عُتُوْوٌ بواوين فاسْتُثْقِل واوان بعد ضمتين، فَكُسِرَتِ التَاءُ تخفيفاً فانقلبت الواوُ الأولى ياءً لسكونها وانكسارِ ما قبلها، فاجتمع يَاءٌ وواوٌ، وسَبَقَتْ إحداهما بالسكون، فَقُلبت الواو ياءً وأُدْغمت فيها الياءُ الأولى. وهذا الإِعلالُ جارٍ في المفرد كهذا، والجمعِ نحو: ((عِصِيّ)) إلا أنَّ الكثيرَ في المفردِ التصحيحُ كقولِهِ: ((وعَتَوْا عُتُوَّاً كبيراً)(٥) وقد يُعَلُّ كهذه الآية، والكثيرُ في الجمع الإِعلالُ، وقد يُصَحَّحُ نحو: ((إنكم لتنظرون في نُحُوّ كثيرة))(٦) وقالوا: فُتِيّ وفُتُوَ(٧). (١) الإِملاء ١١١/٢. (٢) انظر: معجم مفردات الإعلال والإبدال في القرآن الكريم ١٨٢، الكتاب ٣٨١/٢، شرح الشافية ١٧٣/٣. (٣) الكشاف ٥٠٣/٢. (٤) كذا في الأصل، وفي الكشاف ((عسا)). وجسا وعسا كلاهما بمعنى يَبِس ضَلُب. (٥) الآية ٢١ من الفرقان. (٦) انظر: الكتاب ٣٨١/٢. (٧) فتو: ج فتى. وانظر: الممتع ٥٥١. ٥٧٠ - مريم - وقرأ الأخَوان(١) (عِتِيًّا)) و((صِلِيًّا))(٢) و((بِكِيًّا)(٣) و((جِئِيًّا))(٤) بكسر الفاء للإِتباع، والباقون بالضمّ على الأصل(٥). وقرأ عبدُ الله بن مسعود بفتح الأول مِنْ ((عَنِيًّا)) و((صَلِيًّا)) جَعَلَهما مصدَرَيْن على زنة فَعيل كالعَجيج والرِّحيل. وقرأ عبد الله ومجاهد ((عُسِيًّا)) بضم العين وكسر السين المهملة(٦). وتقدَّم اشتقاقُ هذه اللفظة في الأعراف وتصريفُها(٧). آ. (٩) قوله: ﴿كذلك﴾: في محلّ هذه الكاف وجهان، أحدهما: أنه رفعٌ على خبرِ ابتداءٍ مضمرٍ، أي: الأمرُ كذلك، ويكون الوقف على: ((كذلك)) ثم يُبْتَدَأ بجملة أخرى. والثاني: أنها منصوبةُ المحلُّ، فَقَدِّره أبو البقاء (٨) بـ أَفْعَلُ مثلَ ما طلبْتَ، وهو كنايةٌ عن مطلوبِهِ، فَجَعَلَ ناصبَه مقدَّراً، وظاهرُه أنَّه مفعولٌ به. وقال الزمخشري(٩): ((أو نصبٌ بـ ((قال)) و((ذلك)) إشارةٌ إلى مُبْهم (١) انظر في قراءاتها: السبعة ٤٠٧، النشر ٣١٧/٢، الحجة ٤٣٩، البحر ١٧٥/٦، الإتحاف ٢٣٤/٢، المحتسب ٣٩/٢، الشواذ ٨٣. (٢) الآية ٧٠ من مريم. (٣) الآية ٥٨ من مريم. (٤) الآية ٧٢ من مريم. (٥) أمَّا حفص عن عاصم فقد كسر أوائل هذه الحروف، إلَّ ((بُكِيًّا)) فإنه يضمُّ أوله. (٦) ضبطها في البحر ١٧٥/٦ بضم العين والسين، وضبطها الفراء في معاني القرآن ١٦٢/٢ كضبط السمين. (٧) لم تتقدم في الأعراف. (٨) الإِملاء ٢/ ١١١. (٩) الكشاف ٥٠٤/٢. ٥٧١ - مريم - يُفَسِّرِه («هو عَلَيَّ هَيِّن))، ونحوُه: (وَقَضَيْنا إليه ذلك الأمرَ أنَّ دابِرَ هؤلاءِ مَقْطِعْ مُصْبِحِين))(١). وقرأ(٢) الحسن ((وهو عَلَيَّ هَيِّنٌ)) ولا يُخَرَّجُ هذا إلا على الوجه الأول، أي: الأمرُ كما قلت، وهو على ذلك يَهُون عليَّ. ووجهٌ آخرُ: وهو أَنْ يُشارَ بـ ((ذلك)) إلى ما تقدَّم من وَعْدِ الله، لا إلى قولِ زكريًّا. و((قال)) محذوفٌ في كلتا القراءتين . - في كلتا القراءتين: يعني قراءةً العامة وقراءةً الحسنٍ - أي: قال هو عليَّ هُيِّن، قال: وهو عَلَيَّ هَيِّن، وإن شئتَ لم تَنْوِهِ، لأنَّ اللَّهَ هو المخاطَب، والمعنى أنه قال ذلك، ووَعْدُه وقولُه الحق». وفي هذا الكلامِ قَلَقُ؛ وحاصلُه يَرْجع إلى أنَّ ((قال)) الثانيةً هي الناصبةُ للكاف. وقوله: ((وقال محذوفٌ)) يعني تفريعاً على أنَّ الكلامَ قد تَمَّ عند «قال ربك)) ويُبْتَدَأ بقوله: ((هو عليَّ هَيِّنٌ)). وقوله: ((وإنْ شِئْتَ لم تَنْوِه)) أي: لم تَنْوِ القولَ المقدَّرَ، لأنَّ اللَّهَ هو المتكلِّمُ بذلك. وظاهرُ كلامِ بعضِهم: أنَّ ((قال)) الأولى مُسْنَدَةً إلى ضميرِ المَلَكِ، وقَد صَرَّح بذلك ابنُ جريٍ، وتبعه ابن عطية. قال الطبري (٣): ((ومعنى قولِه ((قال كذلك))، أي: الأمران اللذان ذكرْتَ مِنَ المرأةِ العاقرِ والكِبرِ هو كذلك، ولكن قال ربُّكِ، والمعنى عندي: قال الملكُ: كذلك، أي: على هذه الحال، قال ربك: هو عليَّ هَیِّنْ)) انتهى. وقرأ(٤) الحسن البصري ((عَلَيِّ)) بكسر ياء المتكلم كقوله(٥): (١) الآية ٦٦ من الحجر. (٢) البحر ١٧٥/٦، الكشاف ٥٠٤/٢. (٣) التفسير ٥١/١٦. (٤) الإتحاف ٢٣٤/٢، البحر ١٧٥/٦. (٥) تقدم برقم ٢٨٨١. ٥٧٢ .. - مريم - ٣٢١٣- عَلَيِّ لعمروٍ نِعْمَةٌ بعد نِعْمَةٍ لوالدِه ليسَتْ بِذاتِ عَقَارِبٍ أنشدوه بالكسر. وقد أَمْعَنْتُ الكلامَ في هذه المسألة في قراءةِ حمزةَ (بمُصْرِخِيٍ))(١). قوله: ((وقد خَلَقْتُكَ)) هذه جملة مستأنفة. وقرأ(٢) الأخَوان ((خَلَقْناك))(٣) أسنده إلى الواحدِ المعظّمِ نفسَه. والباقون (خَلَقْتُكَ)) بتاءِ المتكلم. وقوله: ((ولم يَكُ شيئاً، جملةٌ حاليةٌ، ومعنى نَفْيِ كونِه شيئاً، أي: شيئاً يُعْتَدُّ به كقوله(٤): ٤٠٠٠ إذا رَأَىُ غيرَ شَيْءٍ ظَنَّه رَجُلا ٣٢١٤- وقالوا: عَجِبْتُ مِنْ لا شيء. ويجوز أن يكونَ قال ذلك؛ لأنَّ المعدومَ ليس بشيءٍ. آ. (١٠) قوله: (سَوِيًّاً﴾: حالٌ مِنْ فاعل ((تُكَلِّمَ)). وعن ابن عباس: أنَّ ((سَوِيًّا) من صفةِ الليالي بمعنى كاملات، فيكونُ نصبُه على النعتِ للظرف. والجمهورُ على نصب ميم ((تُكَلُّم)) جعلوها الناصبةَ. وابن أبي عبلة (٥) بالرفعِ ، جَعَلها المخففةَ من الثقيلة، واسمُها ضميرُ شأنٍ محذوف، و((لا)) فاصلةٌ. وتقدَّم تحقيقُه. (١) انظر إعرابه للآية ٢٢ من إبراهيم. (٢) النشر ٣١٧/٢، التيسير ١٤٨، القرطبي ٨٤/١١، السبعة ٤٠٨، الحجة ٤٣٩. (٣) الأصل: خلقنا والتصويب من (ش). (٤) لم أهتدِ إلی قائله، وصدره: وضاقَتِ الأرضُ حتى كان هارِبُهُمْ وهو في البحر ١٧٦/٦، والكشاف ٥٠٤/٢، وشواهده ٤٩٤/٤. (٥) البحر ١٧٦/٦ . ٥٧٣ - مريم- آ. (١١) قوله: ﴿أَنْ سَبِّحُوا﴾: يجوز في ((أَنْ)) أَنْ تكونَ مفسِّرةً لَأَوْحى، وأَنْ تكونَ مصدريةً مفعولةً بالإِيحاء. و ((بُكْرَةً وعَشِيًّاً) ظرفا زمانٍ للتسبيح. وانصرفَتْ ((يُكْرَةً) لأنه لم يُقْصَدْ بها العَلَمِيَّةُ، فلو قُصِد بها العَلَمِيةُ امتنعت من الصرف. وسواءً قُصد بها وقتٌ بعينه نحو: لأسيزنَّ الليلةَ إلى بكرةَ، أم لم يُقصد نحو: بكرةُ وقتُ نشاط، [لأنَّ عَلَمِيَتَها جنسيَّةٌ كأُسامة](١)، ومثلُها في ذلك كله «غدوة)». وقرأ(٢) طلحة (سَيُحُوه) بهاءِ الكِناية. وعنه أيضاً: ((سَبِّحُنَّ)) بإسناد الفعل إلى ضمير الجماعة مؤكّداً بالثقيلة وهو كقوله: ((لَيَقُوْلُنَّ ما يَحْبِسُه))(٣) وقد تقدَّم تصريفه(٤). آ. (١٢) قوله: ﴿بقوة﴾: حالٌ من الفاعل أو المفعول، أي: ملتبساً أنت، أو ملتبساً هو بقوة. و((صَبِيًّا)) حال من هاء ((آتيناه)). آ. (١٣) و﴿حَناناً﴾: يجوز أَنْ يكونَ مفعولاً به نَسَقاً على [٦٠٢ ب] ((الحُكْمَ))، أي: واتَّيْنَاه تَحَتُّناً. والحنانُ: الرحمةُ واللَّيْنُ، وأنشد أبو / عبيدة(٥): ٣٢١٥ - تحنَّنْ عليَّ هداك المليكُ فإِنَّ لكلِّ مقامٍ مَقالا (١) ما بين معقوفين مخروم في الأصل، أثبتناه من (ش). (٢) البحر ١٧٦/٦. (٣) الآية ٨ من هود. (٤) انظر الدر ٢٩١/٦. (٥) مجاز القرآن ٣/٢. والبيت للحطيئة وهو في ديوانه ٢٢٢، والقرطبي ٨٨/١١، واللسان ( حنن ). ٥٧٤ - مريم - قال: ((وأكثرُ استعمالِه مثنَّى كقولهم: حَنانَيْكَ، وقولِه(١): حَنانَيْكَ بعضُ الشرِّ أهونُ مِنْ بعضٍ ٣٢١٦- وجوَّز فيه أبو البقاء(٢) أَنْ يكونَ مصدراً، كأنَّه يريد به المصدرَ الواقعَ في الدعاء نحو: سَقْياً ورَعْياً، فنصبُه بإضمارٍ فِعْلٍ كأخواتِه. ويجوز أَنْ يرتفعَ على خبر ابتداءٍ مضمرٍ نحو: ((فصبرٌ جميلٌ))(٣) و((سَلامٌ عليكم))(٤) في أحد الوجهين. وأنشد سيبويه(٥): ٣٢١٧- وقالَتْ حَنانٌ ما أَتَى بك هَهنا أذو نَسَبٍ أَمْ أنتَ بالحَيِّ عارِفُ وقيل الله تعالى: حَنان، كما يقال له ((رَحيم)) قال الزمخشري(٦): («وذلك على سبيل الاستعارة)). و((مِنْ لَهُنَّا)) صفةٌ له. آ. (١٤) قوله: ﴿وَبَرَّأَ﴾: يجوز أن يكون نَسَقاً على خبر ((كان))، أي: كان تقيَّأَ بَرَّاً. ويجوز أَنْ يكون منصوباً بفعلٍ مقدر، أي: وجَعَلْناه بَرَّاً. وقرأ(٧) الحسن ((بِرَّأ)) بكسر الباء في الموضعين(٨). وتأويلُه واضح كقوله: (٢) الإملاء ١١١/٢ . (١) تقدم برقم ١٣٠٥. (٣) الآية ١٨ من يوسف. (٤) الآية ٤٦ من الأعراف، ٢٤ من الرعد، ٧٣ من الزمر. (٥) الكتاب ١٦١/١، والبيت للمنذر بن درهم الكلبي وهو في المقتضب ٢٢٥/٣، وابن يعيش ١١٨/١، والخزانة ٢٧٧/١، والهمع ١٨٩/١، والدرر ١٦٣/١. (٦) الكشاف ٥٠٤/٢. (٧) الإِتحاف ٢٣٤/٢، البحر ١٧٧/٦. (٨) الموضع الثاني في الآية ٣٢ ((وبراً بوالدتي)). ٥٧٥ - مريم - (ولكنَّ البَرَّ مَنْ آمَنَ))(١) وتقدَّم تأويلُه. و((بوالِدَيْه) متعلّقٌ بـ((بَرًا). -- و((عَصِيًّا)) يجوز أَنْ يكونَ وزنُه فَعُوْلاً، والأصل: عَصُوْيٌ فَفُعِل فيه ما يُفْعَلُ في نظائره، وَفَعُول للمبالغة كصَبُوْر. ويجوز أَنْ يكونَ وزنُه فَعِيْلاً، وهو للمبالغة أيضاً (٢). : آ. (١٦) قوله: ﴿إِذ انْتَبَذَتْ﴾: في ((إذ)) أوجهٌ، أحدُها: أنَّها منصوبةٌ بـ ((اذكُرْ)) على أنها خَرَجَتْ عن الظرفية، إذ يستحيل أَنْ تكونَ باقيةً على مُضِيِّها. والعاملُ فيها ما هو نَصِّ في الاستقبال. الثاني: أنَّه منصوبٌ بمحذوفٍ مضافٍ لمريم تقديره: واذكر خبرَ مريم، أو نّبَأَها، إذِ انْتَبَذَتْ، فـ ((إذ) منصوبٌ بذلك الخبر أو النبأ. والثالث: أنه منصوبٌ بفعلٍ محذوف تقديره: وبَيِّنَ، أي: اللَّهُ تعالى، فهو كلامٌ آخرُ. وهذا كما قال سيبويه(٣) في قوله: ((انْتَهُوا خيراً لكم)) (٤) وهو في الظرف أقوى وإنْ كان مفعولاً به. والرابع: أن يكونَ منصوباً على الحال مِنْ ذلك المضافِ المقدَّر، أي: خبر مريم أو نبأ مريم. وفيه بُعْدُ. قاله أبو البقاءِ(٥). والخامس: أنه بدلٌ مِنْ ((مريمَ)) بدلُ اشتمال. قال الزمخشري(٦): ((لأنَّ الأحيانَ مشتملةً على ما فيها، وفيه: أنَّ المقصودَ بذِكْر مريم ذِكْرُ وقتها هذا لوقوع هذه القصةِ العجيبةِ فيه)) .. قال أبو البقاء(٧) : - بعد أن حكى عن الزمخشريِّ هذا الوجه - ((وهو (١) الآية ١٧٧ من البقرة. وانظر: الدر المصون ٢٤٥/٢. (٢) أي: فأدغمت ياء فعيل بلام الكلمة . (٣) الكتاب ١٤٣/١. (٤) الآية ١٧١ من النساء، وقد قدَّر فعلًا محذوفاً، تقديره: وَأَتُوا خيراً لكم. (٥) الإِملاء ١١١/٢. (٦). الكشاف ٢/ ٥٠٤ _ ٥٠٥. (٧) الإِملاء ١١١/٢. ٥٧٦ - مريم - بعيدٌ؛ لأنَّ الزمانَ إذا لم يكنْ حالاً من الجثة ولا خبراً عنها ولا صفةً لها لم يكن بَدَلاً منها)). وفيه نظرٌ لأَنَّه لا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ صحةٍ ما ذَكَرَ عَدَمُ صحةٍ البدلية، ألا ترى نحو: ((سُلِبَ زيدٌ ثوبُه)) فـ ((ثوبُه)) لا يَصِحُّ جَعْلُه خبراً عن ((زيد)) ولا حالاً منه ولا وصفاً له، ومع ذلك فهو بدلُ اشتمالٍ. السادس(١): أنَّ ((إذ)) بمعنى ((أَنْ)) المصدرية كقولك: ((لا أُكْرِمُك إذ لم تكرِمْني)»، أي: لأنَّك لا تُكرِمُني، فعلى هذا يَحْسُن بدلُ الاشتمال، أي: واذكر مريمَ انتباذَها. ذكره أبو البقاء(٢). والانْتِباذُ: افتعالٌ من النّبْذِ وهو الطَّرْحُ، وقد تقدَّم بيانُه(٣). آ. (١٧) والجمهورُ على ضَمِّ الراء مِنْ (رُوْحِنا)) وهو ما يَحْيَوْن به. وقرأ(٤) أبو حيوة وسهلٌ بفتحها، أي: ما فيه راحةٌ للعباد كقوله: ((فَرَوْحٌ ورَيْحانٌ))(٥). وحكى النقاش أنه قد قُرِىءٍ(٦) (رُوْحَنَّا)) بتشديدِ النون، وقال: هو اسم مَلَكٍ من الملائكة. قوله: ((بَشَراً سَوِيًّا) حالٌ مِنْ فاعل ((تَمَثَّلَ)). وسَوَّعْ وقوعَ الحالِ جامدة وَصْفُها، فلمَّا وُصِفَتِ النكرةُ وقعت حالاً . آ. (١٩) قوله: ﴿لَإِهَبَ﴾: قرأ(٧) نافع وأبو عمرو ((لِيَهَبَ)) بالياء (١) الأصل ((الخامس)) وهو سهو والتصحيح من (ش). (٢) الإملاء ١١١/٢. (٣) انظر: الدر المصون ٢٧/٢. (٤) البحر ١٨٠/٦، والكشاف ٥٠٥/٢. (٥) الآية ٨٩ من الواقعة. (٦) البحر ١٨٠/٦. (٧) السبعة ٤٠٨، الإتحاف ٢٣٤/٢، البحر ١٨٠/٦، التيسير ١٤٨، النشر ٣١٧/٢. ٥٧٧ - مريم - والباقون ((لِأَهَبَ)) بالهمزة. فالأُوْلَى: الظاهرُ فيها أنَّ الضميرَ للربِّ، أي: لَهَبَ الرَّبُّ. وقيل: الأصلُ: لِهَبَ بالهمز، وإنما قُلِبَتِ الهمزةُ ياءً تخفيفاً؛ لأنها مفتوحةً بعد كسرةٍ فتتَّفِقُ القراءتان وفيه بُعْدٌ. وأمَّا الثانيةُ فِالضميرُ للمتكلم، والمرادُ بهِ المَلَكُ وأسنده لنفسِه لأنه سببٌ فيه. ويجوز أَنْ يكونَ الضمير لله تعالى ويكون على الحكاية بقولٍ محذوف. ويُقَوِّي الذي قبله أنَّ في بعض المصاحف: أَمَرَنِي أَنْ أَهَبَ لك. وقوله: ((إنْ كنتَ تَقِيّا)(١) جوابُه محذوفٌ أو متقدم. آ. (٢٠) قوله: ﴿بَغِيًّا﴾: في وزنِه قولان(٢)، أحدُهما - وهو قولُ: المبردِ - أنَّ وزنَه فَعول، والأصل بَغُوْيٌ فاجتمعتِ الياء والواو فَفُعِل فيه ما هو معروفٌ. قال أبو البقاء(٣): ((ولذلك لم تلحَقْ تاءُ التأنيث كما لم تَلْحَقْ في صبور وشكور)). ونَقَل الزمخشري (٤) عن أبي الفتح(٥) أنها فَعِيْل، قال: ((ولو كانَتْ فَعُولاً لقيل: بَغُوٌّ، كما يقال: فلان نَهُوْ عن المنكر)» ولم يُعْقِبْه بنكير. ومَنْ قال: إنها فَعِيْل فهل هي بمعنى فاعِل أو بمعنى مَفْعول؟ فإنْ كانَتْ بمعنى فاعِل فينبغي أَنْ تكونَ بتاء التأنيث نحو: امرأةٌ قديرةٌ وبَصيرة. وقد أُجيب عن ذلك: بأنها بمعنى النسب كحائِض وطالِقٍ، أي ذات بَغْي. وقال أبو البقاء(٦) حين جَعَلها بمعنى فاعِل: ((ولم تَلْحَقِ التاءُ أيضاً لأنها للمبالغة)) فجعل العلةً (١) عاد إلى الآية ١٨. (٢) انظر: معاني القرآن للأخفش ٤٠٢/٢، الممتع ٥٤٩/١، الأشباه والنظائر ٢٣١/٣ (٣) الإملاء ١١٢/٢. (٤) الكشاف ٥٠٥/٢. (٥) وهو مذهب الأخفش في معاني القرآن ٤٠٢/٢ . (٦) الإملاء ١١٢/٢. ٥٧٨ - مريم - في عدم اللَّحاق كونَه للمبالغة. وليس بشيءٍ. وإنْ قيل بأنها بمعنى مَفْعول فَعَدَمُ الیاءِ واضحٌ. آ. (٢١) وقوله: ﴿كذلكِ﴾: تقدَّمَ نظيرُه(١). قوله: ((ولِنَجْعَلَه)) يجوز أن يكونَ علةً، ومُعَلَّلُه محذوفٌ تقديره: لنجعلْه آيةً للناسِ فَعَلْنا ذلك. ويجوز أَنْ يكونَ نَسَقاً على علةٍ محذوفٍ تقديره: لِنُبَيِّنَ به قُدْرَتَنا ولنجعلَه آيةً. والضميرُ عائدٌ على الغلام، واسم ((كان)) مضمرُ فيها، أي: وكان الغلامُ، أي: خَلْقُه وإيجادُه أمراً لا بُدَّ منه /. [٦٠٣أ] آ. (٢٢) قوله: ﴿فَانتَذَتْ به﴾: الجارُّ والمجرورُ في محل نصب على الحال، أي: انتبذَتْ وهو مصاحبٌ لها، كقوله(٢): تَدُوْسُ بنا الجَمَاجِمَ والتَّرِيْيا ٣٢١٨- آ. (٢٣) قوله: ﴿فَأَجاءها﴾: الأصلُ في ((جاء)) أَنْ يتعدَّى لواحدٍ بنفسه، فإِذا دَخَلَتْ عليه الهمزةُ كان القياسُ يقتضي تَعَذِّيَه لاثنين. قال الزمخشري (٣): ((إلا أنَّ استعمالَه قد تغيَّر بعد النقلِ إلى معنى الإِلْجاءِ، ألا تراكَ لا تقول: جِئْتُ المكانَ وأَجَاءَنِيْهِ زيدٌ، كما تقول: بَلَغْتُه وَأَبْلَغَنِيْه، ونظيرُه ((آتى)» حيث لم يُستعمل إلا في الإِعطاء ولم تَقُلْ: أتيت المكانَ وآتانِيه فلان)». وقال أبو البقاء(٤): الأصلُ ((جاءها)) ثم عُدِّيَ بالهمزة إلى مفعولٍ ثانٍ، واسْتُعمل بمعنى أَلْجَأَها)). (١) انظر إعرابه للآية ٩. (٢) تقدم برقم ٤٥٤. (٣) الكشاف ٥٠٦/٢. (٤) الإِملاء ١١٢/٢. ٥٧٩ . - : - مريم - قال الشيخ(١): ((قوله وقولُ [غيرِه](٢): إنَّ ((أجاءها)) بمعنى أَلْجَأَها يحتاج إلى نَقْلِ أئمةِ اللغة المستقرئين لذلك مِنْ لِسانِ العرب. والإِجاءةُ تدلُّ على المُطلق، فَتَصْلُحِ لِما هو بمعنى الإِلجاءِ ولِما هو بمعنى الاختيار، كما تقول: (أَقَمْتُ زيداً) فإنه يَصْلُحُ أَنْ تكونَ إقامتُك له قَسْراً أو اختياراً. وأمّا قوله(٣): ((ألا تراك لا تقول)) إلى آخره فَمَنْ رَأَىُ أنَّ التعديةَ بالهمزة قياسُ أجاز ذلك وإنْ لم يُسْمَعْ، وَمَنْ منع (٤) فقد سُمِع ذلك في ((جاء)»(٥) فيُجيز ذلك. وأمَّا تنظيرُه ذلك بـ ((آتى)) فليس تنظيراً صحيحاً؛ لأنَّه بناه على أنَّ همزته للتعديةِ، وأنَّ أصلَه ((أتَى))، بل ((آتى)) ممَّا بُني على أَفْعَل، ولو كان منقولاً مِنْ ((آتىْ)) المتعدِّي لواحد لكان ذلك الواحدُ هو المفعولَ الثاني، والفاعلُ هو الأولُ، إذا عَدَّيْتَه بالهمزةِ تقولُ: ((أتى المالُ زيداً)) و((آتى عمروٌ زيداً المالّ» فيختلف التركيب بالتعدية لأنَّ ((زيداً)) عند النحويين هو المفعولُ الأول، و ((المالَ)) هو المفعولُ الثاني، وعلى ما ذكره الزمخشري كان يكون العكس، فَدَلَّ على أنَّه ليس على ما قاله، وأيضاً فآتى مُرادِفٌ لَّأَعْطى (٦)، فهو مُخالِفُ من حيث الدَّلالةُ في المعنى. وقوله: ((ولم تَقُلْ: أتيت المكانَ وآتانِيْه))(٧) هذا غيرُ مُسَلَّمٍ بل تقول: ((أتيتُ المكانَ)) كما تقول: ((جئت المكان)). وقال الشاعر(٨) : (١) البحر ١٨٢/٦. (٢) سقط سهواً من الأصل وأثبتناه من البحر. (٣) أي: قول الزمخشري (٤) البحر: ومن لا يراه قياساً. (٥) فقد قالوا ((أجاء)). (٦) البحر: ((من حيث الدلالة في المعنى)). (٧) الأصل: ((آتيته)) والتصحيح من البحر والكشاف و(ش). (٨) البيت لسمير بن الحارث. وهو في الكتاب ٤٠٢/١، والمقتضب ٣٠٧/٢، وابن يعيش ١٦/٤، والهمع ١٥٧/٢، والدرر ٢١٨/٢. ٥٨٠