النص المفهرس
صفحات 501-520
- الكهف - بمعنى المصدر، أي: ضرباً كماء. قاله الحوفي. وهذا بناءً منهما على أن (ضَرَب)) هذه متعديةٌ لواحدٍ فقط. والثالث: أنه في موضع المفعول الثاني لـ «اضْرِبْ)) لأنها بمعنى صَيِّرْ. وقد تقدَّم(١). قال الشيخ(٢) بعدما نقل قولَيْ ابن عطية والحوفي: ((وأقولُ: إنَّ ((كماء)) في موضعِ المفعولِ الثاني لقولِه ((واضربْ))، أي: وصَيِّرْ لهم مَثَلَ الحياة، أي: صفتَها شبهَ ماء)). قلت: وهذا قد سبقه إليه أبو البقاء(٣). و ((أَنْزَلْناه) صفةٌ لـ ((ماء). قوله: ((فاختلَطَ به)) يجوز في هذه الباءِ وجهان أحدهما: أن تكون سبيةً. الثاني: أَنْ تكونَ معدِّية. قال الزمخشري(٤): ((فالتفَّ بسببِه وتكاثف حتى خالط بعضه بعضاً. وقيل: نَجَعَ الماءُ في النبات حتى رَوِيَ وَرَفَّ رَفِيْفاً. وكان حقُّ اللفظِ على هذا التفسيرِ: فاختلط بنباتِ الأرضِ . ووجه صحتِه: أنَّ كلَّ مختلطَيْنِ موصوفٌ كلُّ واحدٍ منهما بصفةِ الآخرِ)). قوله: ((فأصبح هَشِيماً)) ((أصبح)) يجوزُ أَنْ تكونَ على بابِها؛ فإنَّ أكثرَ ما يَظْرُقُ مِن الآفاتِ صباحاً، كقوله: ((فأصبح يُقُلِّبُ كَفَّيْه))(٥) ويجوز أَنْ تكونَ بمعنى صار مِنْ غير تقُّدٍ بصَباحٍ كقوله(٦): ٣١٦٧- أَصْبَحْتُ لا أَحْمِلُ السلاحَ ولا أَمْلِكُ رَأْسَ البعيرِ إنْ نَفَر! (١) انظر: الدر المصون ٢٢٣/١. (٢) البحر ١٣٣/٦. (٣) الإملاء ١٠٤/٢ . (٤) الكشاف ٤٨٦/٢. (٥) الآية ٤٢ من الكهف. (٦) تقدم برقم ١٣٧٤ . ٥٠١ - الكهف - والهَشِيمُ: واحدُه هَشِيْمَة وهو اليابس. وقال الزجاج(١) وابن قتيبة (٢): كل ما كان رطباً فَيْسَ. ومنه (كهَشِيم المُحْتَظِرِ))(٣). ومنه: هَشَمْتُ الفَتَّ. ويقال: هَشَمَ الثَّريدَ: إِذا فَتَّه. قوله: ((تَذْرُوْه)) صفةٌ لـ ((هَشيما) والذَّرْوُ: التفريقُ، وقيل: الرفْعُ. والعامَّةُ (تَذْرُوْه)) بالواو. وقرأ(٤) عبد الله ((تَذْرِيه)) من الذُّرْي، ففي لإمه لغتان: الواوُ والياءُ. وقرأ ابن عباس ((تُذْرِيه)) بضم التاء من الإِذْراء. وهذه تحتمل أَنْ تكونَ منَ الذُّرْوِ وأَنْ تكونَ من الذَّرْيِ. والعامَّةُ على «الرياح)» جمعاً. وزيد(٥) بن علي والحسن والنخعي في آخرين ((الرِّيحُ)) بالإِفراد. آ. (٤٦) قوله: ﴿زينةُ الحياة﴾: إنما أفرد «زينة)) وإن كانت خبراً عن بَنِين لأنَّها مصدرٌ، فالتقدير: ذوازِيْنة، إذ جُعلا نفسَ المصدر مبالغةً؛ إذ بهما تَحْصُلُ الزينة، أو بمعنىْ مُزَيِّنَتَيْنِ. وقرىءٍ(٦) شاذاً ((زينتا الحياة)) على التثنية، وسقطت ألفها لفظاً لالتقاء الساكنين فَيُتَوَهَّمُ أنه قرىء بنصب ((زينة الحياة)). آ. (٤٧) قوله: ﴿ويومٍ نُسَيْرٌ﴾: ((يومَ)) منصوبٌ بقولٍ مضمرٍ بعده تقديرُه: نقول لهم نُسَيِّر الجبال: لقد جِئْتمونا. وقيل: بإضمار اذكر. وقيل: هو معطوفٌ على ((عند ربك)) فيكونُ معمولاً لقوله ((خيرٌ». (١) عبارته في معاني القرآن ٢٩١/٣: ((والهشيم: النبات الجاف الذي تسفيه الريح)). (٢) عبارته في تفسير غريب القرآن ٢٦٨: ((والهشيم من النبت المتفتّت)). (٣) ((إنَّا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المُحْتَظِرِ)) الآية ٣١ من القمر. (٤) انظر في قراءاتها: البحر ١٣٣/٦، والشواذ ٨٠، والقرطبي ٤١٣/١٠. (٥) وهي قراءة حمزة والكسائي من السبعة. انظر: الإتحاف ٢١٦/٢، البحر ١٣٣/٦،. (٦) لم أقف على نسبة هذه القراءة. والنشر ٢٢٣/٢، والتيسير ٧٨. ٥٠٢ - الكهف - وقرأ ابن كثير(١) وأبو عمرو وابن عامر بضمُّ التاء وفتح الياء مبنياً للمفعول. ((الجبالُ)) بالرفع لقيامِه مَقامَ الفاعل، وحَذَفَ الفاعلَ للعِلْمِ به وهو الله، أو مَنْ يأمرُه من الملائكة. وهذه القراءةُ موافقةٌ لِما اتُّفق عليه في قولِه ((وسُيِّرَتِ الجبالُ))(٢)، ويؤيِّدها قراءةُ عبدِ الله هنا ((وسُيِّرت الجبال)) فعلًا ماضياً مبنياً للمفعول. والباقون ((نُسَيِّر)) بنون العظمة، والياءُ مكسورةٌ مِنْ ((سَيَّر)) بالتشديد؛ ((الجبالَ)) بالنصب على المفعول به، وهذه القراءةُ مناسِبةٌ لِما بعدها مِنْ قولِه ((وحَشَرْناهم فلم نغادِرْ)). وقرأ الحسنُ كقراءةٍ / ابنِ كثير ومَنْ ذُكِرَ معه إلا أنه بالياءِ مِنْ تحتُ لأنَّ [٥٩٣ب] التأنيثَ مجازيٌّ. وقرأ ابن محيصن، ورواها محبوبٌ عن أبي عمرو: ((تَسِيْر)» بفتحِ التاءِ من فوقُ ساكن الياءِ مِنْ سارَتْ تسيرُ، و((الجبالُ)) بالرفع على الفاعلية . قوله: ((وتَرَىُ الأرضَ بارزةً)) ((بارزةً) حالٌ؛ إذ الرؤيةُ بَصَرِيةٌ. وقرأ(٣) عيسى ((وتُرى الأرضُ)) مبيناً للمفعول، و((الأرضُ)) قائمةٌ مقامَ الفاعل. قوله: ((وحَشَرْناهم)» فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أنه ماضٍ مُرادٌ به، المستقبلُ، أي: ونَحْشُرهم، وكذلك (وعُرِضُوا))(٤) و((ووُضِعَ الكتابُ))(٥). (١) انظر في قراءاتها: السبعة ٣٩٣، النشر ٣١١/٢، التيسير ١٤٤، القرطبي ٤١٦/١٠، البحر ١٣٤/٦، الإتحاف ٢١٦/٢. (٢) الآية ٢٠ من النبأ. (٣) البحر ١٣٤/٦، الكشاف ٤٨٧/٢ . (٤) في الآية ٤٨ . (٥) في الآية ٤٩. ٥٠٣ - الكهف - والثاني: أن تكونَ الواوُ الحالِ، والجملةُ في محلِّ النصب، أي: نفعل التسييرَ في حال حَشْرِهم ليشاهدوا تلك الأهوالَ. والثالث: قال الزمخشري(١): (فإن قلتَ: لِمَ جِيْءَ بـ ((حَشَرْناهم)) ماضياً بعد ((نُسَيِّر)) و ((تَرَىْ))؟ قلت: للدلالة على أنَّ حَشْرَهم قبل التَّسْيِيرِ وقبل البروزِ ليعاينوا تلك الأهوالَ العِظامَ، كأنه قيل: وحَشَرناهم قبل ذلك». قال الشيخ(٢): ((والأُوْلَى أَنْ تكونَ الواوُ للحال)) فَذَكَرَ نحواً ممَّا قدَّمْتُه. قوله: ((فلم نغادِرْ)) عطفٌ على ((حَشَرْناهم)) فإنه ماضٍ معنى. والمغادَرَةُ هنا: بمعنى الغَدْر وهو الترك(٣)، أي: فلم نترْ. والمفاعلةُ هنا ليس فيها مشاركةٌ. وسُمِّيَ الغَدْرُ غَدْراً لأنَّ به تُرِكَ الوفاءُ. وغَديرُ الماءِ مِنْ ذلك لأنَّ السيلَ غادرَه، أي: تَرَكَه فلم يَجِثْهُ أو ترك فيه الماءَ، ويُجْمع على ((غُدُر) و((غُدْران)) كَرَغِيف ورُغْفان، واسْتَغْدَرَ الغَدِيرُ: صار فيه الماء. والغَدِيْرةِ: الشَّعْرُ الذي تُرِكَ حتى طالَ، والجمع غَدائِر. قال امرؤ القيس(٤): ٣١٦٨- غَدَائِرُه مُسْتَشْزِراتٌ إلى العُلا وقرأ(٥) قتادة (فلم تُغادِرْ)) بالتاءِ من فوقُ، والفاعلُ ضميرُ الأرضِ ، أو الغَدْرَةِ المفهومةِ من السياق. وأبان ((يُغادَرْ)) مبنياً للمفعول، ((أحدٌ)) بالرفع. (١) الكشاف ٤٨٧/٢. (٢) البحر ١٣٤/٦. (٣) قال الرغب: ((والغدر يقال لترك العهد ومنه قيل: فلان غادر)) المفردات ٣٥٨. (٤) عجزه: تَضِلُّ المَدارَىْ في مثنى ومُرْسَلٍ وهو في ديوانه ١٧ : مستشزرات: مفتولات. والمدارى: جمع مِذْرَى وهي شوكة تُسَرِّح بها المرأة رأسها. (٥) انظر في قراءاتها: البحر ١٣٤/٦، الكشاف ٤٨٧/٢، الشواذ ٨٠. ٥٠٤ - الكهف - والضحاك: ((تُغْدِرْ)) بضم النونِ وسكونِ العينِ وكسرِ الدالِ مِنْ ((أَغْدَرَ)) بمعنی غَذَر. آ. (٤٨) قوله: ﴿صَفْأَ﴾: حالٌ من مرفوعٍ ((عُرِضوا)) وأصلُه المصدرية. يُقال منه: صَفَّ يَصُفُّ صَفّاً، ثم يُطْلَقُ على الجماعة المُصطَفِّين. واخْتُلِف هنا في ((صَفَّأَ)): هل هو مفردٌ وقع مَوْقع الجمعِ، إذ المرادُ صفوفاً، ويَدُلُّ عليه الحديث الصحيح(١): ((يَجْمَعِ اللَّهُ الأوَّلين والآخرين في صَعيدٍ واحدٍ صُفوفاً». وفي حديث آخر(٢): ((أهلُ الجنةِ مئّةً وعشرون صَفَّاً، أنتم منها ثمانون)). وقيل: ثَمَّ حَذْفٌ، أي: صَفَّاً صَفَّاً. ومثلُه قولُه في موضعٍ: ((وجاء ربُّك والمَلَكُ صَفَّاً صَفّا))(٣). وقال في آخرَ: ((يقومُ الرُّوحُ والملائكةُ صفاً)(٤) يريد: صفاً صفاً، بدليل الآيةِ الأخرى فكذلك هنا. وقيل: بل كلُّ الخلائقِ يكونون صفاً واحداً، وهو أبلغُ في القُدرة. وأمَّا الحديثان فُيُحملان على اختلافِ أحوال، لأنه يومٌ طويلٌ كما شهد له بقوله ((كان مقداره خمسين ألفَ سنة))(٥) فتارةً يكونون فيه صَفّاً واحداً وتارةً صفوفاً. قوله: ((لقد جِئْتُمونا)) على إضمارٍ قولٍ، أي: وقُلْنا لهم: كيت وكيت. وتقدَّم أنَّ هذا القولَ هو العاملُ في (ويومَ نُسَيِّر الجبالَ))(٦). ويجوز أن يُضمر هذا القولُ حالاً من مرفوعِ ((عُرِضُوا))، أي: عُرِضُوا مَقُولاً لهم كذا. (١) رواه البخاري في كتاب الأنبياء، ٣ باب قول الله عز وجل: ((ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه، الفتح ٣٧١/٦، وابن حنبل ٤/١. (٢) لم أقف على تخريجه . (٣) الآية ٢٢ من سورة الفجر. (٤) الآية ٣٨ من سورة النبأ. (٥) الآية ٤ من المعارج. (٦) في الآية ٤٧ . ٥٠٥ - الكهف - قوله: ((كما خَلَقْناكم))، أي: مجيئاً مُشْبِهاً لخلقِكم الأول حفاةً عُراة غُرْلاً (١)، لا مالَ ولا ولدَ معكم. وقال الزمخشري(٢): ((لقد بَعَتْنَاكم كما أَنْشَأْناكم أولَ مرة)» فعلى هذين التقديرين، يكونُ نعتاً للمصدرِ المحذوفِ، وعلى رأي سيبويه(٣) يكون حالاً مِنْ ضميرِهِ. قوله: ((أنْ لن نجعلَ)) ((أَنْ)) هي المخففةُ، وفُصِلِ بينها وبينُ خبرِها الكونِه جملةً فعليةً متصرفةً غيرَ دعاءٍ بحرفِ النفي. و((لكم)) يجوز أن يكونَ مفعولاً ثانياً(٤) للجعل بمعنى التصيير. و((مَوْعِدً» هو الأول. ويجوز أَنْ يكونَ مُعَلَّقاً بالجَعْلِ، أو يكونَ حالاً مِنْ ((مَوْعداً)) إذا لم يُجعل الجَعْلُ تصبيراً، بل بمعنی لمجردِ الإِیجاد. و«بل)» في قولِهِ: ((بل زَعَمْتُمْ)) لمجردِ الانتقال من غيرِ إبطالٍ . آ. (٤٩) قوله: ﴿وَوُضِع الكتابُ﴾: العامَّةُ على بنائه للمفعول. وزيد(٥) بن علي على بنائه للفاعل، وهو الله أو المَلَك. و ((الكتابَ)) منصوبٌ مفعولاً به. و((الكتابُ)) جنسٌ للكتب؛ إذمن المعلوم أنَّ لكلِّ إنسانٍ كتاباً يَخْصُّه. وقد تقدَّم الوقفُ على ((ما لِهذا الكتابِ)) وكيف فُصِلَتْ لامُ الجرِّ مِنْ مجرورِها خطاً في سورة النساء عند ((فما لهؤلاء القومِ لا يكادُون))(٦). (١) غزلاً: غير مختونين. (٢) الكشاف ٤٨٧/٢. (٣) انظر: الكتاب ١١٦/١. (٤) أي إنه متعلق به، التقدير: نجعل موعداً كائناً لكم. (٥) البحر ١٣٤/٦. (٦) الآية ٧٨ من النساء. وانظر: الدر المصون ٤٦/٤. حيث وقف أبو عمرو والكسائي - بخلاف عنه - على (( ما)). والباقون على لام الجر دون مجرورها إتباعاً للرسم .. ٥٠٦ - الكهف - و ((لا يغادِرُ)) جملةٌ / حالية من ((الكتاب)). والعاملُ الجارُّ والمجرورُ [٥٩٤أ] لقيامِه مَقامَ الفعلِ ، أو الاستقرارُ الذي تعلَّق به الحالُ. قوله: ((إلا أَحْصاها)) في محلٌّ نصب نعتاً لصغيرة وكبيرة. ويجوز أن تكونَ الجملةُ في موضعِ المفعول الثاني؛ لأنَّ يُغَادِرُ بمعنى يترك، و ((يترك)» قد يتعدَّى لاثنين كقوله(١): فقد تَرَكْتُكَ ذا مالٍ وذا نَشَبٍ ٣١٦٩- في أحدٍ الوجهين. آ. (٥٠) قوله: ﴿وإذا قُلْنا﴾: أي: اذْكُرْ. قوله: ((كانَ من الجِنِّ) فيه وجهان، أظهرهما: أنه استئنافٌ يفيد التعليلَ جواباً لسؤالٍ مقدَّر. والثاني: أنَّ الجملةَ حاليةٌ، و((قد)) معها مرادةٌ. قاله أبو البقاء(٢) وليس بالجليِّ . قوله: ((فَفَسَقَ)) السببيةُ في الفاءِ ظاهرةٌ، تَسَبَّبَ عن كونِه من الجنِّ الفِسْقُ. وقال أبو البقاء(٣): إنما أدخل الفاءَ هنا لأنَّ المعنى: ((إلا إبليس امتنع فَفَسَقِ)). قلت: إنْ عَنَى أَنَّ قولَه ((كان من الجنِّ) وُضِعَ موضعَ قولِه ((امتنع)) فُيُحتمل مع بُعْدِه، وإنْ عنى أنه حُذِفَ فِعْلٌ عُطِفَ عليه هذا فليس بصحيحٍ للاستغناء عنه. قوله: ((عَنْ أَمر)) ((عن)) على بابها من المجاوزة، وهي متعلِّقَةٌ (١) تقدم برقم ٢٢١. (٢) الإملاء ١٠٤/٢. (٣) الإملاء ١٠٤/٢. ٥٠٧ ۔ الکھف ـ بـ ((فَسَقِ))، أي: خرج مجاوِزاً أمَرَ ربِّه. وقيل: هي بمعنى الباء، أي: بسيبٍ أمرِه، فإِنه فَعَّالٌ لِما يُريدُ. --- قوله: ((وذُرِّيَّتَه)) يجوز في الواو أَنْ تكونَ عاطفةً وهو الظاهرُ، وأنْ تكونَ بمعنى مع. و ((مِنْ دُوني)) يجوز تعلُّقُه بالاتخاذ، وبمحذوفٍ على أنه صفةٌ أولياء. قوله: ((وهم لكم عدوّ) جملةٌ حاليةٌ مِنْ مفعولِ الاتخاذِ أو فاعلِه؛ لأنّ فيها مصحِّحاً لكلٍ من الوجهين وهو الرابطُ. قوله: ((بِئْسَ)) فاعلُها مضمرٌ مفسَّرٌ بتمييزه. والمخصوص بالذمِّ محذوفٌ تقديرُهُ: بِئْسَ الْبَدَلُ إبليسُ وذريته و((للظالمين)) متعلِّقٌ بمحذوفٍ حالاً مِنْ (بَدَلاً)). وقيل: متعلَّقُ بفعل الذَّمِّ. آ. (٥١) قوله: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ﴾: أي: إبليسَ وذريته، أو ما أشهدْتُ الملائكةَ فكيف تعبدونهم؟ أو ما أشهدْتُ الكفارَ فكيف تَنْسُبون إليَّ ما لا يليق بجلالي؟ أو ما أشهدْتُ جميعَ الخَلْقِ . وقرأ(١) أبو جعفر وشيبةُ والسختياني في آخرين: ((أشهَدْناهم)) على التعظيم . قوله: ((وما كنتُ متَّخِذَ المُضِلَّيْنَ)) وُضع الظاهرُ موضعَ المضمر؛ إذ المراد بالمُضِلِّين مَنْ نفى عنهم إشهادَ خَلْقِ السمواتِ، وإنما نبّه بذلك على وَصْفِهم القبيحِ . وقرأ العامَّةُ ((كُنْتُ)) بضمِّ التاء إخباراً عنه تعالى. وقرأ(٢) الحسن (١) الإتحاف ٢١٧/٢، البحر ١٣٦/٦، النشر ٣١١/٢، القرطبي ٢/١١. (٢) الإِتحاف ٢١٧/٢، النشر ٣١١/٢، القرطبي ٢/١١، البحر ١٣٧/٦. ٥٠٨ - الكهف - والجحدري وأبو جعفر بفتحها خطاباً لنبيِّنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم. وقرأ(١) علي بن أبي طالب رضي الله عنه ((مُتَّخذاً المُضِلَّيْنَ)) نَوَّن اسمَ الفاعلِ ونَصَبَ به، إذ المرادُ به الحالُ أو الاستقبالُ. وقرأ(٢) عيسى ((عَضْداً)) بفتح العين وسكون الضاد، وهو تخفيفُ شائعٌ كقولٍ تميم: سَبْع وَرَجْل في: سَبْع وَرَجُل. وقرأ الحسن ((عُضْدا) بالضم والسكون: وذلك أنه نَقَل حركةَ الضادِ إلى العينِ بعد سَلْبِ العينِ حركتها. وعنه أيضاً ((عَضَداً)) بفتحتين و((عُضُد) بضمتين. والضحاك ((عِضَداً)) بكسر العين وفتحِ الضاد. وهذه لغاتٌ في هذا الحرفِ. والعَضُدُ من الإِنسانِ وغيرِهِ معروفٌ. ويُعَبَّر به عن العونِ والنصير فيقال: فلان عَضُدي. ومنه ((سَنَشُدُّ عَضُدَك بأخيك))(٣) أي: سنُقَوِّي نُصْرَتَك ومعونتك. آ. (٥٢) قوله: ﴿ويومَ يقولُ﴾: معمولٌ لـ «اذكر)) أي: ويوم نقولُ يجري كيت وكيت. وقرأ(٤) حمزة ((نقولُ)) بنون العظمة مراعاةً للتكلم في قوله: ((ما أَشْهَدْتُهم)) إلى آخره. والباقون بياءِ الغَيْبَةِ لتقدُّمِ اسمِ الشريفِ الظاهر. قوله: ((مَوْبِقًا)) مفعولٌ أولُ للجَعْلِ، والثاني الظرفُ المُقَدَّم. ويجوز أن تكونَ متعدِّيةً لواحدٍ، فيتعلَّق الظرفُ بالجَعْلِ أو بمحذوفٍ على الحال مِنْ ((مَوْبِقا)). (١) البحر ١٣٧/٦، الكشاف ٤٨٨/٢. (٢) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٢١٧/٢، القرطبي ٢/١١، البحر ١٣٧/٦. (٣) الآية ٣٥ من سورة القصص. (٤) السبعة ٣٩٣، النشر ٣١١/٢، البحر ١٣٧/٦، التيسير ١٤٤، الحجة ٤٢٠. ٥٠٩ - الکھف ـ والمَوْبِقُ: المَهْلَكُ، يقال: وَبِقَ يَوْبِقِ وَبَقاً، أي: هَلَكَ وَوَبَقَ يَبِقُ وُبُوْقاً أيضاً: هَلَكَ وأَوْبَقه ذَنْبُه. وعن الفراء(١): ((جَعَلَ اللَّهُ تواصُلَهم هَلاك) فجعل البَيْنَ بمعنى الوَصْلِ ، وليس بظرفٍ كقولِه: ((لقد تَقَطَّعَ بينكم))(٢) في وجهٍ(٣). وعلى هذا فيكون ((بينَهم)) مفعولاً أولَ ومَوْبِقاً) مفعولاً ثانياً. والمَوْبِقُ [٥٩٤ب] هنا: يجوز أَنْ يكونَ مصدراً وهو الظاهر. ويجوزُ أَنْ يكونَ مكاناً / . آ. (٥٣) قوله: ﴿مَصْرِفا﴾: المَصْرِفُ: المَعْدِل. قال الهذلي (٤): ٣١٧٠- أزهيرُ هلَ عَنْ شَيْئَةٍ مِنْ مَصْرِفٍ أم لا خُلُوْدَ لباذِلٍ متكلِّفٍ ويجوز أَنْ يكونَ اسمَ مكانٍ أو زمانٍ. وقال أبو البقاء(٥): ((مَصْرِفا: أي انْصِرافاً، ويجوز أَنْ يكونَ مكاناً». قلت: وهذا سَهْوٌ فإنه جَعَلَ المَفْعِل بكسرٍ العينِ مصدراً لِما مضارعُه يَفْعِل بالكسرِ من الصحيح، وقد نصُوا على أنَّ اسِمَ مصدر هذا النوعِ مفتوحُ العين، واسمَ زمانِه ومكانِه مكسوراها نحو: المَضْرَب والمضْرِب. وقرأ(٦) زيدُ بن عليّ رضي الله عنه ((مَصْرَفً)) بفتح الراء جعله مصدراً؛ (١) معاني القرآن ١٤٧/٢. (٢) الآية ٩٤ من الأنعام. (٣) انظر: الدر المصون: ٤٨/٥. (٤) وهو أبو كبير الهذلي. والبيت في ديوان الهذليين ١٠٤/٢، واللسان (صرف)، وتفسير الماوردي ٤٩٠/٢، والمجاز ٤٠٧/١، والبحر ١٣٨/٦، ومعاني القرآن للزجاج ٢٩٦/٣. وزهير مرخم زهيرة. وشيبة: صديقه يرثيه. (٥) الإِملاء ١٠٤/٢. (٦) البحر ١٣٨/٦. ٥١٠ - الكهف - لأَنَّه مكسور العين في المضارع فهو كالمَضْرَب بمعنى الضَّرْب، وليت أبا البقاءِ ذكر هذه القراءةَ وَوَجَّهَها بما ذكره قبلُ. آ. (٥٤) قوله: ﴿مِنْ كل مَثَلٍ﴾: يجوز أَنْ يكونَ ((مِنْ كلِّ)) صفةً الموصوفٍ محذوفٍ، وهو مفعولُ ((صَرَّفنا))، أي: صَرَّفنا مَثَلاً مِنْ كلِّ مَثَل. ويجوز أَنْ تكونَ ((مِنْ)) مزيدةً على رَأيِ الأخفش(١) والكوفيين. قوله: ((جَدَلاً)) منصوبٌ على التمييز. وقوله: ((أكثرَ شيءٍ))، أي: أكثر الأشياء التي يتأتّى منها الجِدال إنْ فَصَّلْتها واحداً واحداً، يعني أنَّ الإِنسانَ أكثرُ جدلاً مِنْ كلِّ شيءٍ يُجادل، فَوَضَعَ («شيءٍ)) مَوْضِعَ الأشياء. وهل يجوزُ أَنْ يكونَ جَدَلاً منقولاً مِنْ اسم كان إذ الأصل: وكان جَدَلُ الإِنسانِ أكثرَ شيء؟ فيه نظرٌ. وكلامُ أبي البقاء مُشْعِرٌ بجوازِه فإنه قال(٢): ((فيه وجهان، أحدُهما: أنَّ شيئاً هنا في معنى مُجادِل؛ لأنَّ أَفْعل يُضافُ إلى ما هو بعضٌ له، وتمييزُه بـ ((جَدّلاً)) يَقْتَضِي أَنْ يكونَ الأكثرَ مُجادلاً. وهذا مِنْ وَضْعِ العامِّ موضعَ الخاصِّ. والثاني: أنَّ في الكلام محذوفاً تقديره: وكان جَدَلُ الإِنسانِ أكثرَ شيءٍ، ثم مَيَّزه)). فقوله: ((تقديرُه: وكان جَدَلُ الإِنسانِ)» يفيد أنَّ إسنادَ ((كان)» إلى الجَدَلِ جائزٌ إلى الجملة، إلا أنه لا بُدَّ من تتميمٍ لذلك: وهو أَنْ تَتَجَوَّزَ فتجعَلَ للجَدَلِ جَدَلاً كقولهم: ((شِعْرٌ شاعرٌ)) يعني أنَّ لجدل الإِنسانِ جَدَلا هو أكثرُ من جَدَلِ سائرِ الأشياءِ . آ. (٥٥) قوله: ﴿وَمَا مَنَع﴾: قد تقدَّم في آخرِ السورة قبلها(٣). (١) لم يُشِر الأخفش إلى زيادتها في هذا الموضع، وانظر أمثلة على مذهبه في معاني القرآن: ٩٨، ٢٠٩، ٢٥٤، حيث لا يشترط تنكير مجرورها وأن تسبق بنفي. (٢) الإملاء ٢/ ١٠٥. (٣) انظر إعرابه للآية ٥٩ من الإِسراء. ٥١١ ۔ الکھف ـ وقوله: ((قُبُلاً)) قد تقدَّم خلافُ القراء(١) فيه وتوجيهُ ذلك. آ. (٥٦) قوله: ﴿لَيُدْحِضُوا﴾: متعلَّقٌ بـ ((يُجادِل)) والإِنْحاض: الإِزْلاق يقال: أَدْحَضَ قدمَه، أي: أَزْلَقَها وأَزَلَّها عن موضعِها. والحجة الداحضة التي لا ثبات لها لزلزلةٍ قَدَمِها. والدَّحْضُ: الطينُ لأنه يُزْلَقُ فيهِ. قال(٢): ٣١٧١- أبا مُنْذِرٍ رُمْتَ الوفاءَ وهِبْتَه وحدْتکماحادالبعیرُ عن الدَّحْضِ وقال آخر (٣) : وحادَ كما حادَ البعیرُ عن الدَّحْضِ ٣١٧٢- وَرَدْتُ ونجِّىُ اليَشْكِيَّ حِذارُه و ((مكانٌ دَحْضٌ)) مِنْ هذا(٤). قوله: ((وما أُنْذِرُوا)) يجوزُ في ((ما)) هذه أَنْ تكونَ مصدريةً، وأَنْ تكونَ بمعنى الذي والعائد محذوف. وعلى التقديرين فهي عطف على ((آياتي)). (١) انظر إعرابه للآية ١١١ من الأنعام في الدر المصون ١١٢/٥. وقد قرأ نافع وابن عامر بكسر القاف وفتح الباء، والكوفيون بضمهما، وأبوعمرو وابن كثير هنا بكسر القاف وفتح الباء. (٢) البيت لطرفة وهو في ديوانه ١٧٣، والقرطبي ٦/١١. (٣) عجز البيت في ديوان طرفة، وصدره كما ورد في البيت السابق. وثمة صدر آخر في القصيدة نفسها ص ١٦٩ : وأَسْتَنْقِذُ المولى من الأمر بعدما وهو في المجاز ٤٠٨/١، واللسان (دحض) برواية ((رَدِيْتُ))، والماوردي ٠٤٩١/٢ (٤) أي هو مَزَّلَّة لا تثبت عليها الأقدام. ٥١٢ - الكهف - و ((هُزُوا)) مفعولٌ ثانٍ أو حالٌ. وتقدَّم الخلافُ في ((هُزُوا))(١). وتقدَّم إعرابُ ما بعد هذه الآية في الأنعام(٢). آ. (٥٨) قوله: ﴿بل لهم مَوْعِدٌ﴾: يجوز في ((المَوْعِد)) أَنْ يكونَ مصدراً أو زماناً أو مكاناً. والمَوْئِلُ: المَرْجِعُ مِنْ وَأَلَ يَئِلُ، أي: رَجَعَ، وهو من التأويل(٣). وقال الفراء(٤): ((المَوْئِلُ: المَنْجِى، وَأَلَتْ نَفْسُه، أي: نَجَتْ)) قال الأعشى (٥): ٣١٧٣- وقد أُخالُِ رَبَّ البيتِ غَفْلَتَهُ وقد يُحاذِرُ مِنِّي ثم ما يَئِلُ أي: ما يَنْجُو. وقال ابن قتيبة(٦): ((المَوْئل: المَلْجَأ)). يقال: وَأَلَ فلان إلى فلان يَئِل وأُلَّ، ووُؤُوْلاً ، إذا لَجأ إليه وهو هنا مصدرٌ. و ((مِنْ دونِهِ)) متعلَّقٌ بالوِجْدان لأنه متعدٍّ لواحدٍ، أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ مِنْ (مَوْئِلًا)). (١) انظر: الدر المصون ٤١٨/١. (٢) انظر إعرابه للآية ٢٥ من الأنعام في الدر المصون ٥٧٦/٤. (٣) يريد المؤلف أن يؤلف بين بعض المعاني الواردة لمادتي: وأل ــ ومنها الموثل - وأول - ومنها التأويل - ولا يعني أن المادة واحدة. فمن معاني التأويل ما قاله ابن الأثير: هو من آل الشيء يؤول إلى كذا أي رجع وصار إليه)). انظر: اللسان: (أول - وأل). وذكر الماوردي في تفسير الموئل: الملجأ والمحرز والوليّ والمنجى. انظر: تفسيره ٤٩٢/٢. (٤) معاني القرآن ١٤٨/٢. (٥) ديوانه ٥٩، ومجاز القرآن ٤٠٨/١، والقرطبي ٨/١١، والبحر ١٣٢/٦. وخلس الشيء: سرقه. (٦) تفسير غريب القرآن ٢٦٩. ٥١٣ - الكهف - وقرأ أبو جعفر(١) ((مَوِلا)) بواوٍ مكسورةٍ فقط. والزُّهري: بوادٍ مشددة فقط. والأَوْلَى أقيسُ تخفيفاً. آ. (٥٩) قوله: ﴿وتلك القُرى﴾: يجوزُ أَنْ يكونا مبتدأ وخبراً، و ((أهلكناهم)) حينئذ: إِمَّا خبرٌ ثانٍ أو حالٌ. ويجوز أن تكونَ ((تلك)) مبتدأ، و ((القرى)) صفتها أو بيان لها أو بدل منها و ((أَهْلكناها)) الخبرُ. ويجوز أن يكون (تلك)) منصوبَ المحل بفعلٍ مقدر على الاشتغال. والضميرُ في ((أَهْلَكْناهم)) عائدٌ على ((أهل)) المضافِ إلى القرى، إذ التقديرُ: وأهل تلك القُرى، فراعى المحذوفَ فأعاد عليه الضمير. وتقِدَّم : ذلك في أول الأعراف(٢) . و(لَّمَّا ظَلَموا)) يجوزُ أَنْ يكونَ حرفاً، وأن يكونَ ظرفاً وقد عُرِف ما فيها(٣) . قوله: (لِمَهْلِكِهِمْ)) قرأ (٤) عاصم(٥) ((مَهْلَك)) بفتح الميم(٦)، والباقون: بضمها(٧)، وحفصٌ بكسر اللام(٨). والباقون بفتحها. فتحصَّل مِنْ ذلك ثلاثُ (١) انظر في قراءاتها: الإتحاف ٢١٨/٢، البحر ١٤٠/٦. (٢) الآية ٤. وانظر: الدر المصون ٢٤٨/٥. (٣) ذهب الجمهور إلى أنها حرف وذهب الفارسي إلى أنها ظرف. انظر: الدر المصون ١٥٩/١. (٤) انظر في قراءاتها: السبعة ٣٩٣، التيسير ١٤٤، النشر ٣١١/٢، البحر ١٤٠/٦، الإتحاف ٢١٨/٢. (٥) في رواية أبي بكر عنه. (٦) وفتح اللام. (٧) وفتح اللام. (٨) وفتح الميم .. ٥١٤ - الكهف - قراءاتٍ، لعاصم قراءتان: فتحُ الميم / مع فتحِ اللامِ ، وهي روايةٌ أبي بكرٍ [٥٩٥أ] عنه. والثانية فتح الميم مع كسر اللام وهي روايةٌ حفصٍ عنه. والثالثةُ: ضمُّ الميم وفتحُ اللام، وهي قراءةُ الباقين. فأمّا قراءةُ أبي بكر فـ((مَهْلَك)) فيها مصدرٌ مضافٌ لفاعلِهِ. وجوَّز أبو عليّ(١) أن يكونَ مضافاً لمفعوله. وقال: إنَّ ((هَلَك)) يتعدَّى دون همز وأنشد(٢) : ٣١٧٤ - ومَهمَهٍ هالكٍ مَنْ تعرُّجا فـ ((مَنْ)) معمولٌ لـ («هالكِ)). وقد مَنَع الناسُ ذلك وقالوا(٣): لا دليلَ في البيتِ لجواز أن يكونَ مِنْ بابِ الصفةِ المشبهةِ. والأصل: هالك مَنْ تعرَّجا. فـ((مَنْ تعرَّج)) فاعلٌ بهالك، ثم أَضْمر في ((هالِك)) ضميرَ ((مَهْمِه)) ونَصَبَ ((مَنْ تعرَّج))(٤) نَصْبَ ((الوجهَ)) في قولِك: ((مَرَرْتُ برجلٍ حَسَنِ الوجهَ)) ثم أضاف الصفة وهي ((هالك)) إلى معمولها، فالإِضافةُ مِنْ نصبٍ، والنصبُ مِنْ رفعٍ . فهو كقولك: ((زيدٌ منطلقُ اللسان ومنبسط الكفِّ))، ولولا تقديرُ النصبِ لامتنعَتِ الإِضافةُ؛ إذ اسمُ الفاعلِ لا يُضاف إلى مرفوعِه. وقد يُقال: لا حاجةً إلى تقديرِ النصب، إذ هذا جارٍ مَجْرَى الصفةِ المشبهة، والصفةُ المشبهةُ تُضافُ إلى مرفوعها، إلا أنَّ هذا مبنيٌّ على خلافٍ آخر وهو: (١) الحجة (خ) ٣ /٤٠٠. (٢) البيت للعجاج وهو في ديوانه ٤٣/٢، والمقتضب ١٨٠/٤، واللسان (هلك)، والخصائص ٢١٠/٢، والمحتسب ٩٢/١. والمهمه: القفر. وبعد البيت: هائلةٍ أهوالُه مَنْ أَدْلَجا والخلاف في ((هلك)) فالكثيرون على أنه لازم، وأبو علي على أنه متعدٍ . (٣) انظر: المقتضب ١٨٠/٤، البحر ١٤٠/٦. (٤) أي: على التشبيه بالمفعول. ٥١٥ ١ - الكهف - هل يقعُ الموصولُ في بابِ الصفة(١) أم لا؟ والصحيح جوازه(٢). قال الشاعر (٣): والطيِّبي كلِّ ما التاثَتْ به الأزْرُ ٣١٧٥- فَعُجْتُها قِبَلَ الأخيار منزلةً وقال الهذلي (٤). ٣١٧٦ - أَسِيْلاتُ أبدانٍ دِقاقٌ خُصورُها وَثِيراتُ ما التَّقَّتْ عليها الملاحِفُ وقال الشيخ (٥) في قراءة أبي بكر هذه: ((إنه زمانٌ)) ولم يذكرُ غيرَه. وجَوَّز غيرُه فيه الزمانَ والمصدرَ. وهو عجيبٌ؛ فإنَّ الفعلَ متى كُسِرَتْ عِينُ مضارعِه فُتِحَتْ فِي المَفْعَل مراداً به المصدرُ، وكُسِرَتْ فيه مراداً به الزمانُ والمكانُ، وكأنه اشتبهَتْ عليه بقراءةِ حفضٍ فإنَّه بكسرِ اللام كما تَقَدَّم، فالمَفْعِلُ منه للزمانِ والمكان. وجَوَّز أبو البقاء(٦) في قراءته (٧) أَنْ يكونَ المَفْعِل فيها مصدراً. قال(٨). (١) أي: المشبهة . (٢) انظر: شرح التصريح ٨٦/٢، والعيني ٦٢٩/٣. (٣) البيت للفرزدق وهو في ديوانه ٢٢١، والعيني ٦٢٥/٣، وشرح التصريح ٨٥/٢، والبحر ١٤٠/٦. وقوله ((فَعُجتها))، أي: الناقة، يُقال: عُجت البعير: إذا عطفت رأسه بالزمام. وقبلهم: نحوهم. التاثت: اختلطت والتفت. ويعني أنهم موصوفون بالعفة . (٤) ليس في ديوان الهذليين والبيت لعمر بن أبي ربيعة. في ديوانه ٤٦٤، والعيني ٦٢٩/٣، وشرح التصريح ٨٦/٢، والبحر ١٤٠/٦. والأسيلة: الطويلة وكل مسترسل: أسيل. والوثيرة: الوطيئة وأراد هنا: وطيئات الأرداف والأعجاز. (٥) البحر ١٠٤/٦. (٦) الإملاء ١٠٥/٢. (٧) أي قراءة حفص. (٨) لم يردْ هنا هذا القول في مطبوعة ((الإِملاء)). ٥١٦ - الكهف - ((وشَذَّ فيه الكسرُ كالمَرْجِعِ)). وإذا قلنا: إنه مصدرٌ فهل هو مضافٌ لفاعلِه أو مفعولِه؟ يجيءُ ما تقدَّم في قراءةِ رفيقِهِ. وتخريجُ أبي عليّ واستشهادُه بالبيت والردُّ عليه، كلُّ ذلك عائدٌ هنا. وأمَّا قراءةُ الباقين(١) فواضحةٌ. و((مُهْلَك)) فيها يجوز أن يكون مصدراً مضافاً لمفعولِهِ، وأَنْ يكون زماناً، ويَبْعُدُ أن يُرادَ به المفعولُ، أي: وجَعَلْنا للشخصِ أو الفريقِ المُهْلَكِ منهم. والمَوْعِدُ : مصدرٌ أو زمان. آ. (٦٠) قوله: ﴿وإذ قال موسى﴾: ((إذ)) منصوبٌ بـ اذكر، أو وقتَ قال لفتاه جرى ما قَصَصْنا عليك مِنْ خبرِهِ . قوله: ((لا أَبْرَحُ)) يجوز فيها وجهان ، أحدهما: أَنْ تكونَ ناقصةً فتحتاجَ إلى خبر. والثاني: أن تكونَ تامةً فلا تحتاج إليه. فإن كانَتِ الناقصةَ ففيها تخريجان، أحدُهما: أن يكونَ الخبرُ محذوفاً للدلالةِ عليه تقديرُه: لا أبرحُ أسيرُ حتى أبلغَ، إلا أنَّ حَذْفَ الخبرِ في هذا البابِ نَصَّ بعضُ النَّحْويين على أنه لا يجوزُ ولو بدليلٍ ، إلا في ضرورة كقوله(٢): ٣١٧٧ - لَهَفي عليكَ لِلَهْفَةٍ مِنْ خائفٍ يَبْغِي جوارَكُ حينَ ليس مُجِيْرُ أي: حين ليس في الدنيا مُجير. والثاني: أنَّ في الكلام حَذْفَ مضافٍ تقديرُه: لا يَبْرَجُ مسيري حتى أبلغَ، ثم حذف ((مسير)» وأقيمت الياء مُقامَه، فانقلبَتْ مرفوعةً مستترة بعد أن كانت مخفوضةً المحلِّ بارزةً، وبقي ((حتى أَبْلُغَ)» على حالِه هو الخبر. (١) أي: مُهْلَك. (٢) تقدم برقم ١١١٦ . ٥١٧ - الكهف ـ وقد خَلَطَ الزمخشريُّ هذين الوجهين فجعَلَهما وجهاً واحداً، ولكنْ في عبارةٍ حسنةٍ جداً، فقال(١): ((فإن قلت: ((لا أبرح)) إن كان بمعنى ((لا أَزُوْلِ)) مِنْ بَرِح المكانَ فقد دَلَّ على الإقامة لا على السفر. وإن كان بمعنى ((لا أزال)) فلا بُدَّ من خبر. قلتُ: هي بمعنى لا أزال، وقد حُذِفَ الخبرُ لأنَّ الحالَ والكلامَ معاً يَدُلُأَن عليه: أمَّ الحالُ فلأنها كانت حالَ سَفَرٍ، وأمَّ الكلامُ فلأنَّ قولَه ((حتى أَبْلُغَ)) غايةٌ مضروبةٌ تَسْتدعي ما هي غايةٌ له، فلا بد أن يكون المعنى: [لا أبرح أسير حتى أبلغَ. ووجهُ آخرُ وهو أَنْ يكونَ المعنى: ](٢) لا يبرح مسيري حتى أبلغَ على أنَّ ((حتى أبلغَ» هو الخبرُ، فلمَّا حُذِفَ المضافُ أُقيم المضافُ إليهِ مُقامه وهو ضميرُ المتكلم، فانقلب الفعلُ مِنْ ضمير الغائبِ إلى لفظِ المتكلم وهو وجه لطيفٌ)). قلت: وهذا على حُسِْه فيه نظرٌ لا يخفى وهو: خلُّ الجملةِ الواقعةِ خبراً عن ((مسيري)) في الأصل مِنْ رابط يَرْبِطُها به. ألا ترى أنه ليس في قوله ((حتى أبلغ)) ضميرٌ يعودُ على ((مَسيري)» إنما يعودُ على المضاف إليه المستتر، [٥٩٥ب] ومِثْلُ ذلك لا / یُكتفى به. ويمكن أَنْ يُجابَ عنه: بأنَّ العائدَ محذوفٌ، تقديرُه حتى أبلغَ به، أي : بمسيري . وإن كانت التامةَ كان المعنى: لا أبرح ما أنا عليه، بمعنى ألزمُ المسيرّ والطّلَبَ، ولا أفارقه ولا أتركه، حتى أبلغَ، كما تقول: لا أبرحُ المكانَ. قلت: فعلى هذا يُحتاجُ أيضاً إلى حَذْفِ مفعولٍ به كما تقدَّمَ تقريرُه، فالحذفُ لا بُدَّ منه على تقديرَيْ التمامِ والنقصانِ في أحدٍ وجهَيْ النقصان. (١) الكشاف ٢ / ٤٩٠. (٢) سقط من الأصل وأثبتناه من الكشاف. ٥١٨ - الكهف - وقرأ العامَّةُ ((مَجْمَعَ)) بفتح الميمِ وهو مكانُ الاجتماع، وقيل: مصدر. وقرأ(١) الضحاك وعبد الله بن مسلم بن يسار(٢) بكسرها(٣)، وهو شاذ(٤) لفتحٍ عينٍ مضارعِه. قوله: (حُقُبا)) منصوبٌ على الظرفِ وهو بمعنى الدهر. وقيل: ثمانون سنة. وقيل: سنةٌ واحدة بلغة قريش. وقيل: سبعون. وقرأ الحسن(٥): (حُقْبا)) بإسكان القاف فيجوزُ أَنْ يكونَ تخفيفاً، وأن يكونَ لغةً مستقلة. ويُجمع على ((أَحْقاب)) كعُنُقَ وأَعْناق. وفي معناه الحِقْبَةُ بالكسر. قال امرؤ القيس(٦): ٣١٧٨- فإنْ تَنْأَ عنها حِقْبَةً لا تُلاقِها فإِنَّك مِمَّا أَحْدَثَتْ بسالمُجَرِّبٍ والحُقْبَة بالضمّ أيضاً. وتُجمع الأولى على حِقَب بكسر الحاء كقِرَب(٧)، والثانيةُ على حُقَب بضمِّها كَقُرَب(٨). وقوله: ((أو أَمْضِيَ)) فيه وجهان، أظهرُهما: أنَّه منسوقٌ على ((أَبْلُغَ)) يعني (١) المحتسب ٣٠/٢، البحر ١٤٤/٦. (٢) لم أقف على ترجمته سوى إشارة ذكرها ابن سعد في طبقاته ٢٣٩/٧. (٣) أي: كسر الميم الثانية . (٤) حمله ابن جني على نظائر له كالمشرق والمنسِك ... انظر: المحتسب ٣٠/٢، ومعاني القرآن للفراء ١٤٨/٢ حيث عدَّ كسر عين مفعِل الاسم هو القياس وإن كان قليلاً. (٥) البحر ١٤٥/٦، والشواذ ٨١. (٦) تقدم برقم ١٧ . (٧) القِرْبة: ما يُستقى فيه الماء. (٨) القُرْبة: القُرْبى. ٥١٩ ۔ الکھف ـ بأحد أمرين: إمَّا ببلوغِه المَجْمَعَ، أو بمضيِّه حُقُبًا. والثاني: أنه تَغْبِيَةٌ لقوله لا أَبْرَحُ، فيكون منصوباً بإضمارٍ، ((أَنْ)) بعد (أو)) بمعنى ((إلى)) نحو ((لأَلْزَمَنَّكَ أو تقضيني حقي)). قال الشيخ(١): (فالمعنى: لا أبرحُ حتى أبلغَ مَجْمَعَ البحرَيْنِ، إلى أن أَمْضِيَ زماناً أتيقَّنُ معه فواتَ مجمعِ البحرَيْن)» قلت: فيكونُ الفعلُ المنفيُّ قد غُيِّيَ بغايَتَيْن مكاناً وزماناً، فلا بدَّ مِنْ حصولهما معاً نحو: (لأسيرَنُّ إلى بيتِك إلى الظهر)) فلا بُدَّ من حصولِ الغايتين. والمعنى الذي ذكره الشيخ يقتضي أنه يمضي زماناً يتيقُّنُ فِيه فواتَ مجمع البحرين. وجَعَلَ أبو البقاءِ (٢) ((أو)) هنا بمعنى ((إلَّ)) في أحدِ الوجهين، قال: ((والثاني: أنَّها بمعنى: إلا أَنْ أَمْضِيَ زماناً أتيقَّنُ معه فواتَ مجمعِ البحرين)). وهذا الذي ذكره أبو البقاء معنىَّ صحيحٌ، فأخذ الشيخ هذا المعنى، رَكَّبه مع القولِ بأنها بمعنى ((إلى)) المقتضية للغايةِ، فمِنْ ثَمَّ جاء الإِشكالُ. آ. (٦١) قوله: ﴿نَسِيَأْ﴾: الظاهرُ نسبةُ النِّسْيانِ إلى موسى وفتاهِ، يعني نَسِيا تفقَّدَ أَمْرِهِ، فإنه كان علامةً لهما على ما يَطْلبانه. وقيل: نَسِي موسى أن يأمرَه بالإِتيانِ به ونسيَ يوشع أَنْ يفكِّرَه بأمرِه. وقيل: الناسي يوشع فقط، وهو على حذفٍ مضافٍ، أي: نَسِيَ أحدُهما كقولِه: ((يَخْرُجُ منهما اللؤلؤ والمرجان»(٣). قوله: ((في البحرِ سَرَبا)) ((سَرَبا)) مفعولٌ ثانٍ لـ ((اتَّخذ)). و((في البحر)) (١) البحر ١٤٥/٦. (٢) الإملاء ١٠٥/٢. (٣) الآية ٢٢ من الرحمن. أي من الماء الملح لا من العذب، وانظر آراء المفسرين في فتح القدير ١٣٤/٥. ٥٢٠