النص المفهرس

صفحات 481-500

- الكهف -
جائزٌ. ويجوز أن يكونَ الرابطُ محذوفاً، أي: منهم، ويجوز أن يكونَ الرابطُ
العمومَ، ويجوز أن يكونَ الخبرُ قولَه: ((أولئك لهم جناتٌ))، ويكونَ قولُه: ((إنَّا
لا نُضِيعُ)) اعتراضاً. قال ابن عطية: ونحوه في الاعتراض قولُه(١):
٣١٥٢- إنَّ الخليفةَ إِنَّ اللَّهَ أَلْبَسَه
سِرْبالَ مُلْكٍ به تُزْجى الخواتِيمُ
قال الشيخ(٢): ((ولا يتعيّنُ أن يكونَ (إِنَّ اللَّهَ ألبسَه)) اعتراضاً لجوازٍ أَنْ
يكونَ خبراً عن ((إنَّ الخليفة)). قلت: وابن عطيةً لم يَجْعَلْ ذلك متعيّناً بذلك
هو نحوه(٣) في أحد الجائزين فيه. ويجوز أن تكون الجملتان - أعني قوله
(إنَّا لا نُضيعُ)) وقوله ((أولئك لهم جنَّاتٌ)) - خبَريْن لـ((إِنَّ)) عند مَنْ يرى جوازَ
ذلك، أعني تعدُّدَ الخبر، وإنْ لم يكونا في معنى خبرٍ واحد (٤).
وقرأ(٥) الثقفيُّ ((لا نُضَيِّع)) بالتشديدِ، عَدَّاه بالتشديد كما عَدَّاه الجمهورُ
بالهمزة .
آ. (٣١) قوله: ﴿مِنْ أَساوِرَ﴾: في ((مِنْ)) هذه أربعةُ أوجه،
أحدُها: أنَّها للابتداءِ. والثاني: أنها للتبعيض. والثالث: أنها لبيان الجنس،
أي: شيئاً مِنْ أساور. والرابع: أنها زائدةً عند الأخفش (٦)، ويَدُلُّ عليه قوله:
(١) البيت لجرير، وهو في ديوانه ٥٢٧، ومجالس العلماء للزجاجي ٢٩٣، والخزانة
٣٤٤/٤. وسربله: ألبسه. وتزجى: تُساق. الخواتيم: ج خاتام لغة في الخائم.
يريد أن سلاطين الآفاق يرسلون إليه خواتمهم خوفاً منه.
(٢) البحر ١٢١/٦.
(٣) كذا في الأصل وأسلوب العبارة غير مستقيم، لعله ((لم يجعل ذلك متعيناً، وإنما ذكر
أحد الجائزين فيه)).
(٤) انظر: شرح الكافية الشافية ٣٧٢/١.
(٥) انظر: البحر ١٢٢/٦.
(٦) لم يُشِر الأخفش في معانيه إلى زيادتها، في هذا الموضع. وانظر: مذهبه في زيادة =
٤٨١

.
- الكهف -
((وحُلُوا أساوِرَ))(١). ذكر هذه الثلاثةَ الأخيرةَ أبو البقاء(٢).
وأساور جمع أَسْوِرة، وأَسْوِرة جمعُ سِوار، كحِمار وأَحْمِرة، فهو جمعُ
الجمع. وقيل (٣): جمع إشْوار. وأنشد (٤):
كأنَّما وجوهُهمْ أَقْمارُ
٣١٥٣- واللَّهِ لولاً صِبْيَةٌ صِغَارُ
أو لاطِمٌ ليسَ له إسْوارُ
- أخافُ أَنْ يُصِيبَهِمْ إِقْتارُ
ببابِه ما طَلَعَ النَّهِارُ
- لمَّا رآني مَلِكٌ جَبَّارُ
وقال أبو عبيدةٍ(٥): ((هو جمعُ ((إسوار)) على حذف الزيادة، وأصله
أساویرْ.
وقرأ(٦) أبان عن عاصم ((أَسْوِرة)) جمعَ سِوار وستأتي: إنْ شاء الله تعالى
في الزخرف(٧) هاتان القراءتان في المتواتر، وهناك أذكُر إن شاء الله تعالى
الفرقّ.
=
((من)) حيث لا يشترط دخولها على نكرة، وأن تسبق بنفي أو استفهام: معاني
القرآن: ٩٨، ٢٠٩، ٢٥٤.
(١) الآية ٢١ من الإِنسان.
(٢) الإِملاء ١٠٢/٢.
(٣) نسب الزجاج هذا القول إلى قطرب ولكنه أضاف: على حذف الياء لأن جمع إسوار
أساوير. انظر معاني القرآن للزجاج ٢٨٣/٣، وإسوار بكسر الهمزة أثبته في اللسان
((سور)) وفي القاموس بضمها ((سور)).
(٤) رجز لم أهتدٍ إلى قائله. والأبيات في البحر ٩٣/٦، ونسب أبو حيان إنشادها إلى
ابن الأنباري ولم أجدها في المظان المطبوعة له.
(٥) ليس في مجاز القرآن ٤٠١/١ عند شرحه للآية.
(٦) البحر ١٢٢/٦.
(٧) الآية ٥٣. قرأ عاصم في رواية حفص ((أسْوِرَة)) وقرأ الباقون ((أساوِرَة)) السبعة
٠٥٨٧
٤٨٢

- الكهف -
والسِّوارُ يُجمع في القِلَّة على ((أَسْوِرة)) وفي الكثرة على ((سُور)» بسكون
الواو، وأصلُها كقُذُل(١) وحُمُر، وإنما سُكِّنَتْ لأجلِ حرفِ العلة. وقد يُضَمُّ
في الضرورة، قال(٢):
٣١٥٤- عن مُبْرِقاتٍ بالبُرِيْنَ وَتَبْ دُو في الأكفِّ اللامعاتِ سُوُرْ
وقال أهل اللغة: السِّوار ما جُعِل في الذِّراعِ مِنْ ذهبٍ أو فضة
أو نُحاس، فإن كان مِنْ عاج فهو قُلْبٌ.
قوله: ((مِنْ ذهبٍ)) يجوز أن تكونَ للبيان، وأَنْ تكونَ للتبعيض. ويجوز
أَنْ تتعلَّقَ بمحذوفٍ صفةً لأساوِر فموضعُه جر، وأن تتعلَّقَ بنفس ((يُحَلَّوْنَ))
فموضعها نصب .
قوله: ((وَيَلْبَسُون)) عطفُ على ((يُحَلَّوْن)). وبُني الفعل في التحلية
للمفعول إيذاناً بكرامتِهم، وأنَّ غيرَهم يَفعل لهم ذلك ويُزَيِّنُهم به، كقولِ
امرىء القيس (٣) :
٣١٥٥- غرائرُ في كِنِّ وصَوْنٍ ونَعْمةٍ يُحَلَّيْنَ ياقُوتاً وشَذْراً مُفَقَّراً
بخلافِ اللِّس فإِنَّ الإِنسانِ يتعاطاه بنفسه. وقُدِّم التحلِّي على اللَّاس
لأنه أَشْهى للنفسِ .
وقرأ(٤) أبان عن عاصم ((ويَلْبِسُون)) بكسر الباء.
قوله: ((مِنْ سُنْدُسٍ وإِسْتَبْرَقٍ)) ((مِنْ)) لبيانِ الجنس وهي نعتٌ لئياب.
(١) القذال: جماع مؤخر الرأس.
(٢) تقدم برقم ٥٣٧ .
(٣) تقدم برقم ٢٤٣٣.
(٤) البحر ١٢٢/٦.
٤٨٣

- الكهف -
والسُّنْدُسُ: ما رَقَّ منِ الدِّيباج. والإِستبرق: ما غَلُظَ منه وهما جمعُ سُنْدُسة
واسْتَبْرَقَة. وقيل: ليسا جمعَيْنٍ. وهل ((اسْتَبْرق)) عربيُّ الأصلِ مشتق من
البريق، أو معرَّبُ أصلُه استبره؟ خلافٌ بين اللغويين. وقيل: الإِستبرق اسم
للحرير. وأنشد للمرقش(١):
٣١٥٦- تراهُنَّ يَلْبَسْنَ المشاعِرَ مَرَّةً وإستبرقُ الديباجِ طَوْراً لِياسُها
وهو صالحٌ لِما تقدَّم. وقال ابنُ بحر: ((الإِستبرق: ما نُسج بالذهب)).
أ
وَوَزْنُ سُنْدُس: فُعْلُل ونونُه أصلية .
وقرأ(٢) ابن محيصن ((وأَسْتَبرقَ)) بوصلِ الهمزة وفتح القافِ غيرَ منونة.
فقال ابن جني(٣): هذا سهوٌ أو كالسهو)). قلت: كأنه زعم أنَّه مَنَعه الصرفَ
ولا وجهَ لمنعِه، لأنَّ شَرطَ مَنْعِ الاسمِ الأعجمي أَنْ يكونَ عَلَماً وهذا اسمُ
جنسٍ . وقد وجَّهها غيرُه(٤) على أنه جَعَله فعلاً ماضياً من البريق، واستفْعَلَ
بمعنى فَعَلَ المجرد نحو: قَرَّ واستقرَّ. وقال الأهوازيُّ في ((الإِقناع)): ((وآستبرق
[١٥٩١] بالوصلِ وفتحِ / القاف حيث كان لا يَصْرِفُه)) فظاهرُ هذا أنه اسمٌ، وليس
بفعلٍ وليس لمنعِه وجهٌ، كما تقدَّم عن ابن جني، وصاحب ((اللوامح))(٥) لمَّا
ذكر وَصْلَ الهمزةِ لم يَزِد على ذلك، بل نَصَّ على بقائه منصرفاً ولم يذكر فتح
القاف أيضاً فقال(٦): ((ابن محيصن ((واستبرق)) يوصلِ الهمزة في جميع
(١) البيت في تفسير الماوردي ٤٨٠/٢، والقرطبي ٣٩٧/١٠.
(٢) المحتسب ٢٩/٢، الإتحاف ٢١٣/٢، البحر ١٢٢/٦.
(٣) المحتسب ٢٩/٢.
(٤) وهو أبو حيان في البخر ١٢٢/٦.
(٥) وهو أبو الفضل الرازي وتقدمت ترجمته .
(٦) انظر: البحر ١٢٢/٦.
٤٨٤

۔ الكهف -
القرآن، فيجوز أنه حذف الهمزةَ تخفيفاً على غيرٍ قياسٍ ، ويجوز أنَّه جعله
عربياً مِنْ بَرِق يَبْرَقُ بَرِيْقاً، ووزنُه استفعل، فلمَّا سُمِّي به عامَلَه معاملةَ الفعل
في وَصْلِ الهمزةِ، ومعاملةَ المتمكنةِ من الأسماء في الصرف والتنوين، وأكثرُ
التفاسيرٍ على أنَّه عربية وليس بمستعربٍ، دَخَل في كلامِهم فأعربوه)).
قوله: (مُنَّكئين)) حال. والأرائِكُ: جمعُ أَرِيْكَة وهي الأَسِرَّة بشرط أن
تكونَ في الحِجالِ (١) فإن لم تكنْ لم تُسَمَّ أَرْكَة. وقيل(٢): الأرائِكُ: الفُرُش
في الحِجال أيضاً. وقال الراغب(٣): ((الأَرِيْكة: حَجَلَةٌ على سريرٍ، وتسميتها
بذلك: إمَّا لكونِها في الأرض مُتَّخَذَةٌ مِنْ أَراك، أو مِنْ كونها مكاناً للإِقامة من
قولهم: أَرَك بالمكان أُرُوكاً، وأصل الأروك الإِقامةُ على رَعْيِ الأراكِ، ثم
تُجُوِّز به في غيره من الإِقامات)».
وقرأ(٤) ابن محيصن ((عَلَّرَائك)) وذلك: أنَّه نَقَل حركةَ الهمزةِ إلى لامِ
التعريف فالتقى مِثْلان: لامُ ((على)) - فإنَّ ألفها حُذِفَتْ لالتقاء الساكنين -
ولامُ التعريف، واعتدَّ بحركة النقل فأدغم اللامَ في اللامِ، فصار اللفظُ كما
ترى، ومثلُه قولُ الشاعر(٥):
٣١٥٧- فما أصبحَتْ عَلَّرْضِ نَفْسٌ بريئةٌ ولا غيرُها إلا سليمانُ نالها
يريد ((على الأرض)). وقد تقدَّم قراءةٌ قريبةٌ مِنْ هذه أولَ البقرة(٦): ((بما
أَنْزِلَيْكَ))، أي: أُنزِلَ إليك.
(١) الحجال: ج حُجَلة وهي بيت يُزَيّن بالأسرَّة والستور.
(٢) وهو رأي الزجاج في معانيه ٢٨٤/٣.
(٣) المفردات ١٦ .
(٤) البحر ١٢٢/٦.
(٥) لم أهتدٍ إلى قائله وهو في البحر ١٢٣/٦، والمساعد ١٢٠/٤.
(٦) انظر: الدر المصون ١٠٠/١.
٤٨٥

- الكهف -
آ. (٣٢) قوله: ﴿رَجُلين﴾: قد تقدَّم(١) أنَّ((ضَرَبَ)) مع المَثَلِ،
يجوز أن يتعدَّى لاثنين في سورة البقرة. وقال أبو البقاء(٢): التقدير: مثلاً مَثَل
رجلين، و(جَعَلْنا)) تفسيرٌ لـ ((مَثَل)) فلا موضعَ له، ويجوز أن يكونَ موضعُه
نصباً نعتً لـ (رَجُلَيْن)) كقولك: مررت برجلين جُعِلَ لأحدِهما جنةً)).
قوله: ((وَحَفَفْناهما)) يقال: حَفَّ بالشيءٍ: طاف به من جميع جوانبِهِ.
قال النابغة(٣):
مِثلَ الزجاجة لم تُكْحَلْ مِن الرَّمَدِ
٣١٥٨- يَحُفُّه جانِبا نِيْقٍ وَتْبِعُهُ
وحَفَّ به القومُ: صاروا طائفين بجوانبِهِ وحافّته، وحَفَقْتُه به، أي :
جَعَلْتُهُ مُطِيْفاً به.
آ. (٣٣) قوله: ﴿كِلْتا﴾: قد تقدَّم في السورة قبلها (٤) حكمُ ((كلتا)»
وهي مبتدأ، و((آَتَتْ)) خبرُها. وجاء هنا على الكثير: وهو مراعاةُ لفظِها دونَ
معناها .
وقرأ(٥) عبد الله - وكذلك هي في مصحفِه ـــ((كلا الجَنَّتين)) بالتذكير
لأنَّ التأنيثَ مجازِيٍّ. ثم قرأ ((أَتَتْ)) بالتأنيث اعتباراً بلفظ (الجنتين)) فهو نظيرُ
((طَلَعَ الشمسُ وأشرقَتْ)). وروى الفراء (٦) عنه قراءةً أخرى: ((كلُّ الجنتين آتِى
أُكُلَه)) أعادَ الضميرَ على لفظِه.
(١) انظر: الدر المصون ٢٢٣/١.
(٢) الإِملاء ١٠٢/٢.
(٣) ديوانه ١٥. والبحر ١٢٣/٦. والنيق: الجبل. ومثل الزجاجة: أي: عيناً صافية.
(٤) انظر إعرابه للآية ٢٣ من الإِسراء.
(٥) البحر ١٢٤/٦.
(٦) معاني القرآن ١٤٣/٢. وانظر: البحر ١٢٤/٦.
٤٨٦

- الكهف -
التشديد وإنما كان كذلك، وهو نهر واحد
قوله: ((وفجّرنا)) العامة على
مبالغةً فيه. وقرأ(١) يعقوب وعيسى بن عمر بالتخفيفِ وهي قراءةُ الأعمش في
سورة القمر(٢)، والتشديدُ هناك أظهرُ لقوله ((عيوناً)).
والعامَّةُ على فتحِ هاء ((نَهَر)) وأبو السَّمال (٣) والفياض بسكونها.
آ. (٣٤) وقوله: ﴿وكان له ثَمَرٌ﴾: قد تقدَّم الكلامُ فيه في الأنعام (٤)
مستوفى، وتقدَّم أنَّ ((الثُّمُرَ) بالضم المالُ. فقال ابنُ عباس: جميع المال مِنْ
ذهبٍ وفِضَّةٍ وحيوانٍ وغير ذلك. قال النابغة (٥):
٣١٥٩- مَهْلًا فداءً لك الأقوامُ كلُّھمُ
وما أُثَمِّرُ مِنْ مالٍ ومِنْ وَلَدِ
وقيل: هو الذهب والفضة خاصةً.
وقرأ(٦) أبو رجاء «بِشَمْرِه)) بفتحة وسكون.
قوله: ((وهو يحاوِرُه)) جملةٌ حالية مُبَيِّنة إذ لا يَلْزَمُ مِنَ القولِ المحاوَرَةُ؛
إذ المحاوَرَةُ مراجعةُ الكلام مِنْ حار، أي: رَجَعَ، قال تعالى: ((إنَّه ظنَّ أَنْ لَنْ
يَخُورَ))(٧). وقال امرؤ القيس (٨):
(١) الإتحاف ٢١٤/٢، البحر ١٢٤/٦.
(٢) الآية ١٢. وهي رواية المفضل عن عاصم. انظر: الشواذ ١٤٧، والبحر ١٧٧/٨.
(٣) البحر ١٢٥/٦.
(٤) الآية ٩٩، والدر المصون ٨٠/٥.
(٥) تقدم برقم ٥٩٤.
(٦) البحر ١٢٥/٦.
(٧) الآية ١٤ من الانشقاق.
(٨) البيت للبيد - وليس لامرىء القيس - وهو في ديوانه ١٦٩، واللسان ((حور)).
٤٨٧

۔ الکھف ـ
يَحُوْرُ رَماداً بعد إذ هُوَ ساطِعُ
٣١٦٠- وما المرءُ إلا کالشِّهاب وضوئِه
ويجوز أَنْ تكونَ حالاً مِنَ الفاعل أو من المفعول.
[٥٩١ ب]
آ. (٣٥) قوله: ﴿جَنْتَه﴾: / إنما أفرد بعد ذِكْرِ التثنية اكتفاءً
بالواحدِ للعِلْمِ بالحال. قال أبو البقاء(١): ((كما اكْتُفِيَ بالواحدِ عن الجمعِ في
قولِ الهُذَلَيّ(٢):
٣١٦١- فالعينُ بعدَهُمُ كأنَّ حِداقَها
:
سُمِلَتْ بِشَوكٍ فَهْي ◌ُورٌ تَدْمَعُ
ولقائلٍ أن يقول: إنما جاز ذلك لأنَّ جمعَ التكسيرِ يجري مَجْرَى
المؤنثة، فالضمير في ((سُمِلَتْ)) وفي ((فهي)) يعود على الحداق لا على حَدَقة
واحدة كما تَوَهُّم .
وقال الزمخشري (٣): ((فإن قلت: لِمَّ أَفْرَدَ الجنَّة بعد التثنية؟ قلت:
معناه: ودخل ما هو جنتُه، ماله جنةٌ غيرُها، بمعنى: أنَّه ليس له نصيبٌ في
الجنة التي وُعِد المتقون. فما ملكه في الدنيا هو جَنَّته لا غير، ولم يَقْصِدْ
الجنتين ولا واحدةً منهما)).
قال الشيخ (٤): (ولا يُتَصَوَّر ما قال؛ لأنَّ قوله: ((ودخل جَنَّته)) إخبارٌ
من الله تعالى بأنَّ هذا الكافرَ دَخَلِ جَنَّتَه فلا بُدَّ أَنْ قَصَدَ فِي الإِخبار أنَّه دَخَل
إحدى جنتيه إذ لا يمكن أَنْ يَدْخُلَهما معاً في وقتٍ واحد)». قلت: ومتى ادَّعَىْ
(١) الإِملاء ١٠٢/٢.
(٢) البيت لأبي ذؤيب في قصيدته المشهورة، وهو في ديوان الهذليين ٣/١،
والمفضليات ٤٢٢. وسملت: فقئت.
(٣) الكشاف ٤٨٤/٢.
(٤) البحر ١٢٥/٦.
٤٨٨

- الكهف -
دخولهما في وقتٍ واحدٍ حتى يُلْزِمَه بهذا المستحيل في البداية. وأمَّا قوله(١)
((ولم يَقْصِدِ الجنتين ولا واحدةً)) معناه لم يَقْصِدْ تعيينَ مفردٍ ولا مثنى لا أنه
لم يَقْصِدْ الإِخبار بالدخول)).
وقال أبو البقاء(٢): ((إنما أَفْرَدَ لأنهما جميعاً مِلْكُه(٣) فصارا كالشيء
الواحد)).
قوله: ((وهو ظالمٌ)) حالٌ مِنْ فاعل ((دَخَل))، و((لنفسِه)) مفعولُ ((ظالمٌ))
واللام مزيدةٌ فيه لكونِ العامل فرعاً(٤).
((قال له صاحبُهُ)) يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً من الضمير في ((ظالم))، أي:
وهو ظالمٌ في حالٍ كونِهِ قائلاً، ويجوز أن يكون مستأنفاً بياناً لسبب الظلمِ ،
وهو الأحسن.
قوله: ((أَنْ تبيد))، أي: تَهْلَكَ، قال(٥):
لبِما كان يُؤْهَلُ
أهلُه
باد
٣١٦٢- فَلَئِنْ
ويقال: باد يبيدُ بُيُوداً وبَيْدُودة، مثل ((كَيْنُونة)) والعملُ فيها معروفٌ وهو أنه
حُذِفَت إحدى الياءين، ووزنُها فَيْعَلُولة(٦).
(٢) الإملاء ١٠٢/٢.
(١) أي: الزمخشري.
(٣) قوله ((ملكه)) غير واضح في الأصل.
(٤) العامل هو اسم الفاعل ((ظالم)) وكونها فرعاً، أي: عن الفعل. ويسمونها لام
التقوية .
(٥) البيت من مجزوء الخفيف وهو لعمر بن أبي ربيعة في ديوانه ٣٣٢، والهمع
٤٢/٢، والدرر ٤٧/٢، والمساعد ٣٢١/٢.
(٦) أي وزن الأصل.
٤٨٩

۔ الکھفتـ
آ. (٣٦) قوله: ﴿خيراً منها﴾: قرأ(١) أبو عمروٍ والكوفيون ((منها))
بالإِفراد نظراً إلى أقربٍ مذكورٍ، وهو قولُه: ((جَنَّته)) وهي في مصاحفِ العراقِ
دونَ ميمٍ. والباقون (منهما)) بالتثنية نظراً إلى الأصل في قوله(٢): ((جَنْتَيْنَ))
و ((كِلْتا الجنتين)» ورُسِمَتْ في مصاحف الحرمين والشام بالميم، فكلُّ قد وافق
رسم مصحفه».
آ. (٣٧) قوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ﴾: النُّطْفَةُ في الأصل: القطرةُ من الماء
الصافي يقال: نَطَف يَنْطِف، أي: قَطَر يَقْطُر. وفي الحديث(٣): ((فخرجَ
ورأسُه يَنْطِفُ)) وفي رواية: يَقْطُر، وهي مفسِّرةٌ، وأُطلِقٍ على المَنِيِّ ((نُطْفَةٌ))
تشبيهاً بذلك.
قوله: ((رَجُلاً)) فيهٍ وجهان، أحدهما: أنه حال، وجاز ذلك وإنْ [كان]
غيرَ منتقلٍ ولا مشتقٍ لأَنْه جاء بعد ((سَوَّاك)) إذ كان مِنَ الجائز أَنْ يُسَوِّيَه غيرَ
رجلٍ وهو كقولهم (٤): ((خَلَقَ اللَّهُ الزَّرافةَ يَدَيْها أطولَ من رجليها)) وقول
الآخر(٥):
٣١٦٣- فجاءت به سَبْطَ العظام كأنما عِمامتُه بين الرِّجالِ لوَاءُ
(١) السبعة ٣٩٠، التيسير ١٤٣، القرطبي ٤٠٤/١٠، النشر ٣١١/٢، الحجة ٤١٧،
البحر ١٢٦/٦.
(٢) في الآيتين ٣٢ - ٣٣
(٣) رواه البخاري في كتاب الأذان، ٢٤ باب هل يخرج من المسجد لعلة، الفتح
١٢١/٢، المسند لابن حنبل ١٢٢/٢، أبو داود في كتاب الطهارة، ٩٤ باب في.
الجنب يصلي بالقوم وهو ناس ١٦١/١ .
(٤) الكتاب ٧٧/١.
(٥) البيت لرجل من بني جتاب أو لبعض بني العنير وهو في اللسان (سبط))، والخزانة.
٤ /١٤٦، والعيني ٢١١/٣.
٤٩٠

- الكهف -
والثاني: أنه مفعولٌ ثانٍ لـ ((سَوَّاك)) لتضمُّنِه معنى صَيَّرك وجعلك، وهو
ظاهرُ قول الحوفي .
آ. (٣٨) قوله: ﴿لكنَّا هو الله ربي﴾: قرأ(١) ابنُ عامر(٢) بإثباتٍ
الألفِ وَصْلاً وَقْفاً، والباقون بحذفِها وصلاً وبإثباتها وقفاً. فالوَقْفُ وِفاقٌ.
والأصلُ في هذه الكلمةِ: ((لكنْ أنا)) فَنَقَلَ حركةَ همزةٍ ((أنا)) إلى نون
((لكن)) وحَذَفَ الهمزةَ، فالتقى مِثْلان فأدغم. وهذا أحسنُ الوجهین في تخريجِ
هذا. وقيل: حَذَفَ همزةَ ((أنا)) اعتباطاً فالتقى المِثْلان فَأَدْغَمَ، وليس بشيءٍ
لجَرْيِ الأولِ على القواعدِ، فالجماعةُ جَرَوْا على مُقْتَضَى قواعِدهم في
حَذْفِ أَلِفِ ((أنا)) وَصْلًا وإثباتِها وَقْفاً، وكان تقدَّم لك(٣): أنَّ نافعاً يُثْبت ألفَه
وَصْلًا قبلَ همزةٍ مضمومةٍ (٤) أو مكسورة(٥) أو مفتوحة(٦) بتفصيلٍ مذكورٍ في
البقرة، وهنا لم يُصادِفْ همزةً، فهو على أصلِه أيضاً، ولو أثبتَ الألفَ هنا
لكان أقربَ مِنْ إثباتِ غيرِه لأنه أثبتها في الوصلِ في الجملةِ.
وأمَّا ابنُ عامٍ، فإنه خَرَجَ عن أصلِه في الجملة؛ إذ ليس من مذهبهِ
(١) السبعة ٣٩١، البحر ١٢٨/٦، الحجة ٤١٧، التيسير ١٤٣، النشر ٣١١/٢،
القرطبي ٤٠٤/١٠.
(٢) قال في السبعة ٣٩١ ((وقرأ نافع في رواية المسيبي ((لكنَّا)) يثبت الألف في الوصل
والوقف، وقرأ ابن جماز وإسماعيل بن جعفر وورش وقالون عن نافع بغير ألف في
الوصل ويقف بالألف)).
(٣) انظر: الدر المصون ٥٥٣/٢.
(٤) نحو قوله تعالى: ((أنا أُحْيي)).
(٥) بخلافٍ عنه نحو قوله تعالى: ((إنْ أنا إلّ نذيرٌ)).
(٦) نحو قوله تعالى: ((وأنا أول)).
٤٩١

- الكهف -
[١٥٩٢] إثباتُ / هذه الألفِ وَصْلاً في موضعٍ ما ، وإنما اتَّبَعَ الرسمَ. وقد تقدَّم أنها
لغةُ تميمٍ أيضاً(١).
وإعرابُ ذلك: أن يكونَ ((أنا)) مبتدأ و ((هو)) مبتدأ ثانٍ، و ((هو)» ضمير
الشأن، و((اللَّهُ)) مبتدأ ثالث. و((ربي)) خبر الثالث، والثالث وخبره خبرُ
الثاني، والثاني وخبرُه خبر الأول. والرابطُ بين الأولِ وبين خبرِهِ الياءُ في
((ربي)). ويجوز أَنْ تكونَ الجلالةُ بدلاً مِنْ ((هو) أو نعتاً أو بياناً إذا جُعِل ((هو)
عائداً على ما تقدَّمَ مِنْ قولِهِ ((بالذي خَلَقك مِنْ ترابٍ)) لا على أنَّه ضميرُ
الشأنِ، وإن كان أبو البقاء (٢) أطلق ذلك، وليس بالبيِّن. ويجوز أَنْ يكونَ
((هو) مبتدأَ، وما بعده خبرُه، وهو وخبرُهُ خبرُ ((لكنَّ)). ويجوز أَنْ يكونَ(٣)
تأكيداً للاسم، وأَنْ يكونَ فصلاً. ولا يجوزُ أَنْ يكونَ ضميرَ شأنٍ، لأنه حينئذٍ
لا عائدَ على اسمِ ((لكنَّ)) من هذه الجملةِ الواقعةِ خبراً . :
وقرأ أبو عمروٍ ((لكنَّه)) بهاءِ السكت وقفاً؛ لأن القَصْدَ بيانُ حركةٍ نون
((أنا))، فتارةً تُبَيِّنُ بالألفِ وتارةً بهاءِ السكتِ. وعن حاتم الطائي(٤): ((هكذا
فَرْدِي أَنَهْ».
وقال ابنُ عطية عن أبي عمرو: ((رَوَى عنه هارون (لكنَّهُ هوالله)):
بضمير لَحِقَ ((لكن)). قلت: فظاهر هذا أنه ليس بهاءِ السكتِ، بل تكون الهاءُ
ضميراً اسماً لـ ((لكن)) وما بعدها الخبرُ. وخَرَّجه الفارسيُّ(٥) على وجهٍ
(١) انظر: الدر المصون ٥٥٣/٢.
(٢) الإِملاء ١٠٣/٢.
(٣) أي: ((هو)).
(٤) انظر: شرح المفصل ٨٤/٩.
(٥) الحجة (خ) ٣٩٢/٣.
٤٩٢

۔ الکھف ـ
غريبٍ: وهو أَنْ تكونَ ((لكنَّا) لكنَّ واسمها وهو ((نا)»، والأصل: ((لكنَّنا» فحذف
إحدى النونات نحو: ((إنَّا نحنُ))(١)، وكان حقُّ التركيبِ أن يكون ((ربنا))،
((ولا نُشرك بربِّنا)) قال: ((ولكنه اعتبر المعنى فأفرد)). وهو غريب جداً.
وأمَّا في قراءةِ العامّة(٢): فلا يجوزُ أَنْ تكونَ ((لكنَّ)) مشددةً عاملةً لوقوعٍ
الضمير بعدها بصيغةِ المرفوع.
وقرأ عبدُ الله ((لكنْ أنا هو)) على الأصلِ من غير نَّقْلٍ ولا إدغامٍ.
ورَوَى عنه ابن خالويه(٣) (لكنْ هو الله)) بغير ((أنا)). وقرىء أيضاً ((لكنّنَا))(٤).
وقال الزمخشري (٥): وحَسَّن ذلك - يعني إثباتَ الألفِ في الوصلِ -
وقوعُ الألفِ عوضاً مِنْ حَذْفِ الهمزةِ)). [وقال(٦):] ((ونحوه - يعني إدغامَ نون
(لكن)) في نون ((نا)» بعد حَذْفِ الهمزةِ - قولُ القائل(٧):
٣١٦٤- وتَرْمِيْنَنِيْ بالطَّرْفِ أَيْ أنت مُذنِبٌ وَتَقْلِيْني لكنَّ إياكِ لا أَقْلِيْ
الأصل: لكنَّ أنا، فَقَلَ وحَذَفَ وأَدْغم (٨). قال الشيخ(٩): ((ولا يتعيَّنُ
(١) الآية ٩ من الحجر.
(٢) بحذف الألف وصلاً وإثباتها وقفاً.
(٣) الشواذ لابن خالويه ٨٠ وحكاها عن عبد الله بن مسعود.
(٤) قال في البحر ١٢٨/٦: ((بحذف الهمزة وتخفيف النونين)).
(٥) في توجيه قراءة ابن عامر بإثبات الألف في الوصل والوقف. الكشاف ٤٨٤/٢.
(٦) هذا نص آخر للزمخشري في تخريج قراءة العامة، ورد قبل النص الذي سبقه.
(٧) لم أهتدِ إلى قائله وهو في معاني القرآن للفراء ١٤٤/٢، وابن يعيش ١٤٠/٨،
والخزانة ٤٩٠/٤، والهمع ١٤٨/١، والدرر ٢٠٧/١. وقلاه يقليه، أي: أبغضه.
(٨) أي نقل حركة الهمزة إلى نون ((لكن )) ثم حذف الهمزة فالتقى مثلان فأدغم.
(٩) البحر ١٢٨/٦.
٤٩٣

- الكهف -
ما قاله في البيت لجوازٍ أَنْ يكونَ حَذَفَ اسمَ ((لكنَّ»، وحَذْفُه لدليلٍ کثیرٌ،
وعليه(١) :
٣١٦٥- فلو كنتَ ضَبِّيَاً عَرَفْتَ قَرابتي
ولكنَّ زَنْجِيٌّ عظيمُ المَشافِرِ
أي: ولكنَّك، وكذا هنا: ولكنَني إياك)). قلت: لم يَدَّعِ الزمخشريُّ
تعيّنَ ذلك في البيت حتى يُرُدَّ عليه بما ذكره.
وَيَقْرُبُ مِنْ هذا ما خَرِّجه البصريون(٢) في بيتٍ استدل به الكوفيون
عليهم في جوازِ دخولٍ لامِ الابتداء في خبر ((لكنَّ)) وهو (٣):
ولكِنَّني مِنْ حُبِّها لَعَمِيْدُ
٣١٦٦-
فأدخل اللامَ في خبر ((لكنَّ)). وخَرَّجه البصريون على أن الأصل: ولكنْ
إني مِنْ حُبِّها، ثم نَقَلَ حركةَ همزةِ ((إنِّي)) إلى نون ((لكن)) بعد حذف الهمزة،
وَأَدْغَمَ على ما تقدَّم، فلم تدخلِ اللامُ إلا في خبر ((إِنَّ))، هذا على تقديرٍ
تسليمِ صحةِ الروايةِ، وإلا فقالوا: إنَّ البيتَ مصنوعٌ، ولا يُعرف له قائلٌ.
والاستدراكُ مِنْ قوله ((أكفرْتَ))، كأنَّه قال لأخيه: أنت كافرٌ؛ لأنه
(١) البيت للفرزدق، وهو في ديوانه ٤٨١، والكتاب ٢٨٢/١، والمحتسب ١٨٢/٢،
وابن يعيش ٨١/٨، والخزانة ٣٧٨/٤. وأصل المشفر البعير وجعله لشفة مَنْ
يهجوه .
(٢) انظر: الإِنصاف ٢٠٩.
(٣) قال في الخزانة: ((لا يُعرف له قائل ولا تتمة ولا نظير)). والبيت في الإنصاف ٢٠٩،
وابن يعيش ٦٢/٨، والخزانة ٣٤٣/٤، والعيني ٢٤٧/٢، والهمع ١٤٠/١، والدرر
١١٦/١. وأثبت له ابن عقيل ٣٢٢/١ صدراً وهو:
يلومونني في حُبِّ لیلی عوادلي
والعميد: مَنْ هَدَّه العشق.
٤٩٤

- الكهف -
استفهامُ تقريرٍ، لكني أنا مؤمنٌ نحو قولك: ((زيدٌ غائبٌ لكنَّ عمراً حاضرٌ))
لأنه قد يُتَوَهِّمُ غَيْبَةُ عمروٍ أيضاً.
آ. (٣٩) قوله: ﴿ولولا إذْ دَخَلْتَ جَنَّتَك قلتَ﴾: ((لولا))
تحضيضية داخلةٌ على ((قلتَ)) و((إذ دَخَلْتَ)) منصوبٌ بـ ((قلتَ)) فُصِلَ به بين
(لولا)» وما دَخَلَتْ عليه، ولم يُبالَ بذلك لأنه ليس بأجنبي، وقد عَرَفْتَ أنَّ
حرف التحضيض إذا دخل على الماضي كان للتوبيخ.
قوله: ((ما شاء الله)) يجوزُ في ((ما)) وجهان، أحدُهما: أَنْ تكونَ شرطيةً،
فتكونَ في محلِّ نصبٍ مفعولاً مقدماً وجوباً بـ ((شاء)) أي: أيّ شيءٍ شاء اللّهُ.
والجواب محذوف، أي: ما شاء الله كان ووقَعَ. والثاني: أنها موصولةٌ بمعنى
الذي، وفيها حينئذٍ وجهان، أحدهما: أن تكونَ مبتدأةً، وخبرُها محذوفٌ،
أي: الذي شاءه اللَّهُ كائنٌ وواقعٌ. والثاني: أنها خبرُ مبتدأ مضمرٍ تقديرُه(١):
الأمرُ الذي شاءه الله. وعلى كلِّ تقديرٍ: فهذه الجملة في محلّ نصب بالقول.
قوله: ((إلا بالله)) خبرُ ((لا)) التبرئَةِ، والجملةُ أيضاً منصوبةٌ بالقولِ ، أي:
لولا قُلْتَ هاتين الجملتين.
قوله: ((إنْ تَرَني(٢) أنا أقلَّ)) يجوز في ((أنا)) وجهان. أحدُهما: أنْ يكونَ
مؤكّداً لياء المتكلم. والثاني: أنه ضميرُ الفصلِ بين المفعولين. و ((أَقَلَّ))
مفعولٌ ثانٍ أو حالٌ بحسبِ الوجهين في الرؤية: هل هي بَصَرِيةٌ أو عِلْميةٌ؟ إلا
أَنَّك إذا جعلتَها بَصَرِيةً تعيّن في ((أنا) أَنْ تكونَ توكيداً لا فصلاً؛ لأنَّ شرطَه أَنْ
يقع بين مبتدأ وخبرٍ، أو ما أصلُه المبتدأ والخبرُ.
(١) وهو إعراب الزجاج في ((معاني القرآن)) ٢٨٨/٣.
(٢) كذا بإثبات الياء على الأصل.
٤٩٥

- الكهف-
وقرأ(١) عيسى بن عمر(( أَقَلُّ)) بالرفع، ويَتَعَيَّن أن يكونَ (أنا)) مبتدأ،
و ((أقلُّ)) خبرُه. والجملةُ: إِمَّا في موضعِ المفعولِ الثاني، وإمَّا في موضع
الحال على ما تقدَّم في الرؤية.
و ((مالاً وَوَلَداً)) تمييز. وجوابُ الشرطِ قولُه ((فعسى ربي)).
[٥٩٢ ب]
آ. (٤٠) قوله: ﴿حُسْباناً﴾: الحُسْبانُ / مصدرُ حَسَب الشيءَ
يَحْسُبه، أي: أَحْصاه. قال الزجاج(٢): ((أي عذابَ حُسْبَان، أي: حسابَ
ما كسبت يداك)). وهو حسن. وقال الراغب(٣): ((قيل: معناه ناراً وعذاباً،
وإنما هو في الحقيقة ما يُحاسَبُ عليه فُجازَىْ بحَسَبِه)) وهذا موافقٌ لِما قاله
أبو إسحاق، والزمخشري (٤) نحا إليه أيضاً، فقال: ((والحُسْبانُ مصدرٌ
كالغُقْرانِ والبُطْلانِ بمعنى الحِساب، أي: مقداراً حَسَبه الله وقَدَّرَه، وهو
الحُكْمُ بتخريِها)). وقيل: هو جمع حُسْبانة وهي السَّهْمُ. وفي التفسير: أنّها
قِطَعٌ مِنْ نارٍ. وفيه: هي الصواعِقُ.
آ. (٤١) قوله: ﴿أَوْ يُصْبِحَ﴾: عطفُ على ((يُرْسِلَ)) قال الشيخ(٥):
((و((أو يُصْبِحَ)) عطفُ على قوله: ((ويُرْسِلَ)) لأنَّ غُوُوْرَ الماءِ لا يَتَسَبَّبُ عن الآفَةِ
السماويةِ، إلا إنْ عَنَى بَالحُسْبانِ القضاءَ الإِلَهِيَّ، فحينئذٍ يتسَبَّبُ عنه إِصباحُ
الجنة صعيداً زَلَقاً، أو إِصباحُ مائِها غَوْراً.
۔۔
والزَّلَقُ والغَوْرُ في الأصلِ : مصدران وُصِف بهما مبالغةٌ.
(١) البحر ١٢٩/٦، الكشاف ٤٨٥/٢.
(٢) لم يرد هذا النص في ((معاني القرآن)). وورد النص في الكشاف ٤٨٥/٢.
(٣) المفردات ١١٦.
(٤) الكشاف ٤٨٥/٢.
(٥) البحر ١٢٩/٦.
٤٩٦

- الكهف -
والعامَّةُ على فتحِ الغين. غار الماءُ يغورُ غَوْراً: غاض وذهب في الأرض.
وقرأ(١) البرجميُّ(٢) بضمِّ الغين لغةً في المصدر. وقرأتْ طائفةٌ(غُوراً)) بضمِّ الغينِ
والهمزةٍ وواوٍ ساكنة. وهو مصدرٌ أيضاً يُقال: غار الماءُ غُوُوراً مثل: جَلَسَ
جُلوساً .
آ. (٤٢) قوله: ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيه﴾: قُرىء(٣) «تَقَلَّبُ كَفَّاه)»، أي:
تتقلَّب كفَّاه. و((أصبح)): يجوزُ أَنْ تكونَ على بابِها، وأَنْ تكونَ بمعنى صار،
وهذا كنايةٌ عن الندمِ لأنَّ النادمَ يَفْعل ذلك.
قوله: ((على ما أَنْفَقَ)) يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بـ ((يُقَلُّب))، وإنما عُذِّيَ بـ ((على))
لأَنَّه ضُمِّن معنىْ يَنْدَمُ.
وقوله: ((فيها))، أي: في عِمارتها. ويجوز أَنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنَّه
حالٌ مِنْ فاعلِ ((يُقَلِّبُ))، أي: مُتَحَسِّراً. كذا قَدَّره أبو البقاء(٤). وهو تفسيرُ
معنى. والتقديرُ الصناعيُّ إنما هو كونٌ مطلقٌ.
قوله: ((ويقولُ)) يجوز أَنْ يكونَ معطوفاً على ((يُقَلَّبُ))، ويجوز أَنْ يكونَ
حالاً (٥).
آ. (٤٣) قوله: ﴿ولم تَكُنْ له فِئَةٌ﴾: قرأ الأخَوان(٦) ((يَكُنْ)) بالياء
(١) البحر ١٢٩/٦.
(٢) عبد الحميد بن صالح التيمي أبو صالح الكوفي، مقرىء ثقة أخذ عن أبي بكر ابن
عياش. توفي سنة ٢٣٠. انظر: طبقات القراء ٣٦٠/١.
(٣) الإِملاء ١٠٣/٢.
(٤) الإِملاء ١٠٣/٢.
(٥) يرى النحاة ضعف اقتران جملة الحال - التي فعلها فعل مضارع - بالواو.
(٦) السبعة ٣٩٢، التيسير ١٤٣، الحجة ٤١٨، البحر ١٣٠/٦.
٤٩٧

- الكهف -
مِنْ تحتُ. والباقون مِنْ فوقُ، وهما واضحتان؛ إذ التأنيثُ مجازيٌّ، وحَسَّن
التذكيرَ الفصلُ.
قوله: ((يَنْصُرُوْنِه) يجوزُ أَنْ تكونَ هذه الجملةُ خبراً وهو الظاهِرُ، وأَنْ
تكونَ حالية (١)، والخبرُ الجارُّ المتقدِّمُ، وسوَّغ مجيءَ الحالِ من النكرة تقدُّمُ
النفيِ . ويجوز أَنْ تكونَ صفةً لـ «فئة)) إذا جَعَلْنا الخبرَ الجارّ.
وقال: ((يُنْصُرونه)) حَمْلًا على معنى ((فِئَة)) لأنهم في قوةِ القوم والناس،
ولو حُمِل على لفظِها لُأُفْرِد كقولِه تعالى(٢): ((فئةٌ تُقاتِلُ في سبيل الله وأخرى
كافرةٌ)).
وقرأ(٣) ابن أبي عبلة: ((تَنْصُرُه)) على اللفظ. قال أبو البقاء(٤): ((ولو
كان ((تَنْصُرِه)) لكان على اللفظ)). قلت: قد قرىء بذلك كما عَرَفْتَ.
آ. (٤٤) قوله: ﴿هنالك الولايةُ لله﴾: يجوز أَنْ يكونَ الكلامُ تَمَّ
على قوله ((منتصراً)) وهذه جملةٌ منقطعةٌ عمَّا قبلَها، وعلى هذا فيجوز في
الكلامِ أوجهٌ، أحدُها: أَنْ يكونَ ((هنالك الولايةُ)) مقدَّراً بجملةٍ فعليةٍ، فالولايةُ
فاعلٌ بالظرف قبلها، أي: استقرَّتِ الولايةُ لله، و(للّه)) متعلقٌ بالاستقرار،
أو بنفسِ الظرفِ لقيامِهِ مَقامَ العاملِ أو بنفسِ الولاية، أو بمحذوفٍ على أنه
حالٌ من ((الولاية))، وهذا إنما يتأَتَّى على رَأْيِ الأخفش من حيث إنَّ الظرفَ
يرفعُ الفاعلَ مِنْ غيرِ اعتماد.
والثاني: أَنْ يكونَ ((هنالك)) منصوباً على الظرف متعلقاً بخبر ((الولاية))
(١) من الضمير المستتر في الخبر ((له)).
(٢) الآية ١٣ من آل عمران.
(٣) البحر ١٣٠/٦.
(٤) الإملاء ١٠٣/٢.
٤٩٨

- الكهف -
وهو (لله)) أو بما تعلَّق به (الله)) أو بمحذوفٍ على أنَّه حالٌ منها، والعاملُ
الاستقرار في (له)) عند مَنْ يُجيز تقدُّمَ الحالِ على عامِلها المعنويِّ، أو يتعلَّق
بنفس «الولایة».
والثالث: أَنْ يُجْعَلَ ((هنالك)) هو الخبر، و ((الله)) فَضْلَةٌ، والعاملُ فيه
ما تقدَّم في الوجه الأول.
ويجوز أن يكونَ («هنالك)) مِنْ تتمة ما قبلها فلم يَتِمَّ الكلامُ دونَه، وهو
معمولٌ لـ ((منتصراً))، أي: وما كان منتصِراً في الدار الآخرة، و((هنالك)) إشارةٌ
إليها. وإليه نحا أبو إسحاق(١). وعلى هذا فيكون الوقفُ على ((هنالِك)) تامًّاً،
والابتداءُ بقولِهِ ((الولايةُ لله)) فتكونُ جملةً مِنْ مبتدأ وخبر.
والظاهرُ في ((هنالك)): أَنَّه على موضوعِه مِنْ ظرفية المكان كما تقدَّم
معناه(٢). وتقدَّم أنَّ الأُخَوين يَقْرآن ((الولاية)» بالكسرِ، والفرقُ بينها وبين قراءةِ
الباقين بالفتح في سورة الأنفال(٣) فلا معنى لإعادته.
وحُكي عن أبي عمروٍ والأصمعيِّ (٤) أنَّ كسرَ الواوِ هنا لحنٌ. قالا : لأنَّ
فِعالة إنما تجيءُ فيما كان صنعةً(٥) أو معنى متقلداً(٦)، وليس هناك تَوَلِّي
أمورٍ .
(١) لم يَرِدْ ذلك في إعرابه للآية في ((معاني القرآن)) ٢٨٩/٣.
(٢) انظر: الدر المصون ١٤٧/٣.
(٣) انظر: الدر المصون ٦٤٠/٥.
(٤) انظر: البحر ١٣٠/٦.
(٥) نحو: نجارة وخياطة. قال سيبويه: ((وقالوا: النجارة والخياطة والقصابة وإنما أرادوا
أن يخبروا بالصنعة التي تليها)). الكتاب ٢١٧/٢.
(٦) قال سيبويه: ((وأما الوكالة والوصاية والجراية ونحوهن فإنما شبهن بالولاية لأن معناهن
القيام بالشيء، وعليه الخلافة والإمارة ... )) الكتاب ٢١٦/٢ - ٢١٧.
٤٩٩

۔ الکھف ـ
قوله: ((الحق)) قرأ(١) أبو عمروٍ والكسائيُّ برفع ((الحقُّ)) والباقون بجرِّه،
[٥٩٣أ] والرفعُ / من ثلاثةِ أوجهٍ، أحدُها: أنه صفةٌ للولاية. الثاني: أنه خبرُ مبتدأ
مضمرٍ ، أي : هو، أي: ما أَوْحيناه إليك. الثالث: أنه مبتدأٌ، وخبرُه
مضمرٌ، أي: الحقُّ ذلك. وهو ما قُلْناه.
والجرُّ على أنه صفةٌ للجلالةِ الكريمة.
وقرأ(٢) زيدُ بن علي وأبو حيوة وعمرو بن عبيد ويعقوب ((الحقَّ)) نصباً
على المصدرِ المؤكَّد لمضمون الجملة كقولك: هذا عبدُ اللَّهِ الحقّ
لا الباطلَ)».
قوله: ((عُقبا)) قرأ(٣) عاصمٌ وحمزةُ بسكونِ القافِ، والباقون بضمها.
فقيل: لغتان كالقُدُس والقُدْس(٤). وقيل: الأصل الضمُّ، والسكونُ تخفيفٌ.
وقيل: بالعكس كالعُشْرِ والْيُسْرِ، وهو عكسُ معهودِ اللغةِ. ونصبُها ونصبُ
(ثواباً)) و((أمَلا))(٥) على التمييز لأفعل التفضيل قبلها. ونقل الزمخشري (٦) أنه
قُرىء ((عُقْبِى)) بالألف وهي مصدرٌ أيضاً كُبُشْرِى، وتُروى عن عاصم.
آ. (٤٥) قوله: ﴿كماءٍ﴾: فيه ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أن تكونَ خبر
مبتدأ مضمرٍ، فقدَّره ابنُ عطية هي، أي: الحياة الدنيا. والثاني: أنه متعلقٌ
(١) السبعة ٣٩٢، البحر ١٣١/٦، التيسير ١٤٣، النشر ٣١١/٢، القرطبي ٤١١/١٠،
الحجة ٤١٩.
(٢) البحر ١٣١/٦، معاني القرآن للفراء ١٤٦/٢.
(٣) السبعة ٣٩٢، التيسير ١٤٣، الحجة ٤١٩، البحر ١٣١/٦، القرطبي ٤١١/١٠
(٤) انظر: اللسان (قدس).
(٥) في الآية ٤٦ .
(٦) الكشاف ٤٨٦/٢.
٥٠٠