النص المفهرس

صفحات 461-480

- الکھف -
يُعْمِله ويَسْتشهد بالآية(١).
والوَصيْدُ: الباب. وقيل: العَتّبة. وقيل: الصَّعيد والتراب. وقيل:
الفِناء. وأنشد(٢):
٣١٣٨- بأرضِ فضاءٍ لا يُسَدُّ وَصِيْدُها عليَّ ومعروفي بها غيرُ مُنكْرٍ
والعامَّةُ على كسرِ الواوِ مِنْ ((لوِ اطّلعْتَ)) على أصلِ التقاء الساكنين.
وقرأها (٣) مضمومةً أبو جعفر وشيبةُ ونافعُ وابنُ وثاب والأعمش تشبيهاً بواوٍ
الضمير، وتقدَّم تحقيقُه .
قوله: ((فِراراً)) يجوز أَنْ يكونَ منصوباً على المصدرِ مِنْ معنى الفعل
قبلَه، لأنَّ التولِّيَ والفِرارَ مِنْ وادٍ واحدٍ . ويجوزُ أَنْ يكونَ مصدراً في موضع الحال،
أي: فارَّاً، وتكونُ حالاً مؤكدة، ويجوز أن يكونَ مفعولاً له.
قوله: ((رُعْبا)) مفعولٌ ثانٍ. وقيل: تمييز. وقرأ(٤) ابنُ كثير ونافعٌ
(لَمُلْتَ)) بالتشديدِ على التكثيرِ. وأبو جعفر وشيبةُ كذلك إلا أنه بإبدال الهمزةِ
ياءً. والزُّهْري بتخفيف اللام والإِبدال، وهو إبدالٌ قياسيّ. وتقدَّم الخلافُ في
الرعب في آل عمران (٥).
(١) انظر: شرح الكافية الشافية ١٠٤٣/٢.
(٢) يُنسب البيت لزهير، وليس في ديوانه، ونسبه القرطبي ٣٥١/١٠ إلى عبد بن وهب
العبسيّ. ونسبه في الزاهر إلى الأخطل وليس في ديوانه. وهو في الماوردي
٤٧١/٢، والبحر ٩٣/٦.
(٣) الإِتحاف ٢١١/٢، البحر ١٠٩/٦، القرطبي ٣٧٣/١٠.
(٤) انظر في قراءاتها: السبعة ٣٨٩، الحجة ٤١٣، الإتحاف ٢١١/٢، والبحر
١١٠/٦، والنشر ٣١٠/٢، التيسير ١٤٣.
(٥) قرأ ابن عامر والكسائي بضم العين والباقون بالإِسكان. انظر: الدر المصون
٤٣٤/٣.
٤٦١

- الکھف -
آ. (١٩) قوله: ﴿وكذلك بَعَثْنَاهُمْ﴾: الكافُ نعتٌ لمصدرٍ
محذوفٍ، أي: كما أَنْناهم تلك النُّوْمَةَ كذلكِ بَعَثْناهم ادكاراً بقدرتِه.
والإِشارةُ بـ ((ذلك)) إلى المصدرِ المفهومِ مِنْ قوله ((فَضَرَبْنا))، أي: مِثْلَ جَعْلِنَا
إنامتَهم هذه المدةَ المتطاولةَ آيةُ جَعَلْنا بَعْثَهم آيةً. قاله الزجاج(١)
والزمخشري(٢).
قوله: ((ليتساءَلُوا)) اللامُ متعلقةٌ بالبعث، فقيل: هي الصَّيْرورة، لأنّ
الْبَعْثَ لم يكنْ للتساؤلِ. قاله ابنُ عطيةَ. والصحيحُ أنَّها على بابِها مِن
السببية .
قوله: ((كم لَبِْتُمْ)) ((كم)) منصوبةٌ على الظرف، والمُمَيِّزُ محذوفٌ،
تقديرُه: كم يوماً، لدلالةِ الجواب عليه. و((أَوْ)) في قوله: ((أوبعض يوم))
للشكُّ فيهم، وقيل: للتفصيل، أي: قال بعضُهم كذا وبعضُهم كذا.
قوله: ((بوَرِقِكم)): حال مِنْ ((أحدَكم))، أي: مصاحباً لها، وملتبساً بها.
وقرأ(٣) أبو عمروٍ وحمزةُ وأبو بكر بفتحِ الواوِ وسكونِ الرَاءِ والفَكِّ. وباقي
السبعة بكسر الراء، والكسرُ هو الأصلُ، والتسكينُ تخفيفٌ كـ ((نَبْق)) (٤) في
نَبِقِ. وحكى الزجاج(٥) كسرَ الواوِ وسكونِ الراء وهو نَقْلٌ، وهذا كما يقال:
کبد وحبد وكبد.
(١) لم يرد في كتابة «معاني القرآن)).
(٢) الكشاف ٤٧٦/٢ .
(٣) انظر في قراءاتها: السبعة ٣٨٩، التيسير ١٤٣، النشر ٣١٠/٢، البحر ١١٠/٦،
الحجة ٤١٣، الإتحاف ٢١٢/٢.
(٤) النبق: شجر بعينه.
(٥) معاني القرآن ٢٧٥/٣.
۔۔
٤٦٢

- الكهف -
وقرأ أبو رجاء وابن محيصن(١) كذلك(٢)، إلا أنه بإدغام القاف.
واستضعفوها مِنْ حيث الجمعُ بين ساكنين على غير حَدَّيهما وقد تقدَّم لك في
المتواترِ ما يُشبه هذه مِنْ نحوِ (نِعْمًا))(٣) ((ولا تَعْدُّوا فِي السَّبْت)) (٤) ... (٥)
ورُوي عن ابنِ محيصن أَنَّه لما أَدْغَمَ كسرَ الراءَ فِراراً مِمَّا ذَكَرْتَ.
وقرأ أميرُ المؤمنين(٦) ((بوارِقِكم)) اسم فاعلٍ، أي : صاحب وَرِقٍ
كـ ((لابِن)». وقيل: هو اسمُ جمعٍ كجامِلٍ وباقر(٧).
والوَرِقُ: الفِضَّةُ المضروبةُ. وقيل: الفضةُ مطلقاً. ويقال لها: ((الرِّقَةُ))
بحذفِ الفاء(٨). وفي الحديث: ((في الرِّقَةِ رُبْع العُشْرِ))(٩) وجُمعت شذوذاً
جَمْعَ المذكرِ السالم، قالوا: ((حُبُّ الرِّقِيْنِ يغطّي أَفْن الْأُفِين))(١٠).
(١) ثمة روايتان عن ابن محيصن:
الأولى بكسر الواو وسكون الراء مع إدغام القاف في الكاف، فتصير كافاً خالصة.
والثانية: بكسر الواو والراء والإِدغام.
انظر: البحر ١١٠/٦ - ١١١.
(٢) كذلك: أي بكسر الواو وسكون الراء كما في حكاية الزجاج.
(٣) من قوله تعالى: ((إن تبدوا الصدقات فنعمًا هي)) حيث روي إسكان العين عن
أبي عمرو. انظر: الدر المصون ٦٠٩/٢، من الآية ٢٧١ من البقرة.
(٤) وهي رواية قالون. انظر: الدر ١٤١/٤، من الآية ١٥٤ من النساء.
(٥) كلمات لم أتبينها.
(٦) وهو عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه كما في البحر ١١١/٦.
(٧) الجامل: جماعة من الإِبل. والجامل والباقر اسما جمع لأنهما لم يكونا على وزن
خاص بالجموع .
(٨) انظر: اللسان (ورق).
(٩) لم أقف على تخريجه.
(١٠) مثل شرحه في اللسان بقوله: ((معناه أن المال يغطي العيوب)). وانظر: شرح الأبيات
للفارسي ٤٠٦.
٤٦٣

۔ الکھف -
قوله: أيُّها أَزْكَىْ: يجوز في ((أيّ)) أن تكونَ استفهاميةً، وأن تكون
موصولةً. وقد عَرَفْتَ ذلك ممَّا تقدَّم لك في قوله: ((أيُّهم أحسنُ عَمَلاً))(١)
فالعملُ واحدٌ. ولا بد مِنْ حذفٍ: ((أيُّ أَهْلِها أَزْكَىْ)). وطعاماً: تمييز. وقيل:
لا حَذْفَ، والضميرُ عائدٌ على الأطعمة المدلول عليها من السياق.
قوله : ((وَلْيَتَلَطَّفْ، قرأ(٢) العامَّةُ بسكونٍ لامِ الأمر، والحسنُ(٢) بكسرِها
على الأصل. وقتيبةِ المَيَّال(٣) ((وليُتْلَّطَّفْ)) مبنياً للمفعول. وأبو جعفر
وأبو صالحٍ وقتيبة ((ولا يَشْعُرَن))(٤) بفتحِ الياءِ وضمِّ العين، ((أحدٌ)) فاعلٌ به.
آ. (٢٠) قوله: ﴿إِنهم﴾: هذا الضميرُ يجوز أن يعودَ على ((أحد)»
لأنه في معنى الجمع، وأنْ يكونَ عائداً على ((أهل)) المضاف الضمير
المدينة(٥)، قاله الزمخشري(٦). ويجوز أَنْ يعودَ على قومِهم لدلالةِ السِّياقٍ
عليهم. وقرأ(٧) زيدُ بن علي ((يُظْهَروا)) مبنيًّ للمفعول و((إذن)) جوابٌ وجزاءً،
أي: إنْ ظَهَروا فلن تُفْلِحوا.
آ. (٢١) قوله: ﴿وكذلك أَعْثَرْنا﴾: أي: وكما أَنَمْناهم وبَعَثْناهم
أَعْثَرْنا، أي: أَطْلَعْنا. وقد تقدَّم الكلامُ على مادة((عثر)) في المائدة(٨)
(١) الآية ٧ من الكهف ..
(٢) البحر ١١١/٦.
(٣) لم أقف على ترجمته. وانظر في هذه القراءة: البحر ١١١/٦.
(٤) البحر ١١١/٦.
(٥) سبق في إعراب قوله ((أيها أزكى)) أن ثمة حذفاً والتقدير: أيُّ أهلها أزكى، وقد ورد
قوله تعالى ((فلينظر أيها أزكى)) بعد قوله ((إلى المدينة)).
(٦) الكشاف ٤٧٧/٢ .
(٧) البحر ١١١/٦.
(٨) انظر: الدر المصون : ٤٧٠/٤
٤٦٤

- الكهف -
و((لِيَعْلَموا)) متعلقٌ بأَعْثَرْنا. والضمير: قيل: يعود على مفعول ((أَعْثَرْنا))
المحذوفِ تقديرُه: أَعْثَرْنا الناسَ. وقيل: يعود على أهل الكهف.
قوله: ((إذ يَتْنازَعون)) يجوز أَنْ يعمل فيه ((أَعْثَرنا)) أو لِيَعْلَموا))، أو لمعنى
((حَقُّ))(١) أو لـ ((وَعْدَ)) عند مَنْ / يَتِّسع في الظرف. وأمَّا مَنْ لا يَتَّسعُ،
فلا يجوز الإِخبارُ عن الموصولِ قبل تمامِ صِلَّتِهِ(٢).
[٥٨٨ ب]
قوله: (بُنْيانا) يجوز أَنْ يكونَ مفعولاً به، جمعَ بُنْيَانَة(٣)، وأن يكونَ
مصدراً.
قوله: ((ربُّهم أعلمُ بهم)) يجوز أن يكونَ مِنْ كلام الباري تعالى، وأن
يكونَ من كلامِ المتنازِعَيْنِ فيهم.
قوله ((غَلَبوا)) قرأ(٤) عيسى الثقفي والحسن بضم الغين وكسرٍ اللام.
آ. (٢٢) قوله: ﴿سَيَقُولون﴾: قيل: إنما أُتي بالسِّينِ في هذا لأنَّ
في الكلامِ طَيّاً وإدماجاً تقديرُه: فإذا أَجَبْتَهم عن سؤالهم عن قصةِ أهلِ.
الكهفِ فَسَلْهُمْ عن عددِهم فإنهم سيقولون. ولم يأتِ بها في باقيةِ الأفعالِ
لأنها معطوفةٌ على ما فيه السينُ فَأُعْطِيَتْ حُكْمَه من الاستقبال.
(١) من قوله ((أنَّ وعد الله حق)).
(٢) إذا قدَّرنا تعُلق ((إذ)) بـ ((وَعْد)) فإننا نكون قد أخبرنا عن الموصول ((أنَّ)) قبل تمام
صلته حيث إن خبر ((أنّ)) قد ورد وهو ((حق )) قبل قوله ((إذ)) الذي هو من تمام
الموصول .
(٣) نقله الراغب في المفردات ٦٢.
(٤) الإتحاف ٢١٢/٢، البحر ١١٣/٦.
٤٦٥

- الکھف -
وقرأ(١) ابنُ محيصن ((ثَلاثَّ)) بإدغامِ الثاءِ المثلثةِ في تاء التأنيث لقربٍ
مَخْرَجَيْهما، ولأنهما مهموسان، ولأنهما بعد ساکنٍ معتلّ.
قوله: ((رابعُهم كلبُهم)) الجملةُ في محلٌّ رفعٍ صفةٌ لـ ((ثلاثة)).
قوله: ((خَمْسةٌ)) قرأ(٢) ابن كثير في روايةٍ بفتحِ الميم، وهي لغةٌ
كعشَرَة. وقرأ(٣) ابن محيصن بكسر الخاءِ والميم، وبإدغامِ التاءِ في السين،
يعني تاءَ ((خمسة)) في سين ((سادسهم)) وهي قراءةٌ ثقيلةٌ جداً، تتوالى كسرتان
وثلاثُ سيناتٍ، ولا أظنُّ مثلَ هذا إلا غلطاً على مثلِه. ورُوِيَ عنه إدغامُ
التنوينٍ في السين مِنْ غَيرِ غُنَّة.
و (ثلاثةٌ)) و(خمسةٌ)) و((سبعةٌ)) إخبارٌ لمبتدأ مضمرٍ، أي: هم ثلاثةٌ،
وهم خمسةٌ، وهم سبعةٌ. وما بعد ((ثلاثة)) و((خمسة)) من الجملةِ صفةٌ لهما،
كما تقدَّم. ولا يجوزُ أَنْ تكونَ الجملةُ حالاً لعدم عاملٍ فيها، ولا يجوزُ أن
يكونَ التقديرُ: هؤلاء ثلاثةٌ، وهؤلاء خمسةٌ، ويكون العاملُ اسمَ الإِشارة
أو التنبيه. قال أبو البقاء(٤): ((لأنَّها إشارةٌ إلى حاضرٍ، ولم يُشيروا إلى
حاضر)).
قوله: ((رَجْماً بالغَيْب)» فيه أربعةُ أوجهٍ، أحدها: أنه مفعولٌ مِنْ أجله؛
يقولون ذلك لأجل الرمي بالغَيْب. والثاني: أنه في موضعِ الحال، أي:
(١) المحتسب ٢٦/٢، البحر ١١٣/٦.
(٢) المحتسب ٢٧/٢، البحر ١١٤/٦. وفي رواية حسن بن محمد عن شبل. قال
ابن جني «لم يُحرك ميم خمسة إلَّ عن سماع)).
(٣) الإِتحاف ٢١٢/٢، البحر ١١٤/٦.
(٤) الإِملاء ٢ /١٠٠.
٤٦٦

۔۔ الکھف ۔۔
ظانِين. والثالث: أنَّه منصوبٌ بـ ((يقولون)) لأنه بمعناه. والرابع: أنه منصوبٌ
بمقدَّرٍ مِنْ لفظه، أي: يَرْجُمون بذلك رَجْماً.
والرَّجْمُ في الأصلِ: الرَّمْيُ بالرِّجامِ وهي الحجارةُ الصِّغارُ، ثم عُبِّر به
عن الظنِّ. قال زهير(١):
٣١٣٩- وما الحربُ إلا ما عَلِمْتُمْ وَذُقْتُمُ
وما هو عنها بالحديثِ المُرَجَّمِ
أي: المَظْنون.
قوله: ((وثامِنُهُم)) في هذه الواوِ أوجهٌ، أحدُها: أنها عاطفةٌ، عَطَفَتْ(٢)
هذه الجملةَ على جملةٍ قولِه ((هم سبعة)) فيكونون قد أَخْبروا بخبرين،
أحدُهما: أنهم سبعةُ رجالٍ على البَتِّ. والثاني أنَّ ثامنَهم كلبُهم، وهذا يُؤْذِنُ
بأنَّ جملةَ قولِه «وثامنُهم كَلْبُهم)» مِنْ كلام المتنازِعِيْنَ فيهم. الثاني: أنَّ الواوَ
للاستئنافِ، وأنَّه مِنْ كلامِ الله تعالى أخبر عنهم بذلك. قال هذا القائلُ:
وجيءَ بالواوٍ لتعطي انقطاعَ هذا ممَّا قبله. الثالث: أنها الواوُ الداخلةُ على
الصفةِ تأكيداً، ودلالةً على لَصْقِ الصفةِ بالموصوفِ . وإليه ذهب
الزمخشري(٣)، ونَظّره بقوله: ((مِنْ قريةٍ إلا ولها كتابٌ مَعْلوم))(٤).
وَرَدَّ الشيخ (٥) عليه: بأنَّ أحداً من النحاة لم يَقُلْه، وقد تقدَّم القولُ في
ذلك(٦).
(١) تقدم برقم ٥.
(٢) الأصل ((عطف» وهو سهو.
(٣) الكشاف ٢ / ٤٧٩ .
(٤) الآية ٤ من الحجر.
(٥) البحر ١١٥/٦.
(٦) انظر: الورقة ٥٤١ ب.
٤٦٧

- الكهف ـ
الرابع: أنَّ هذه تُسَمَّى واوَ الثمانية، وأنَّ لغةً قريش إذا عَدُّوا يقولون:
خمسة ستة سبعة وثمانية تسعة، فيُدْخلون الواوَ على عَقْدِ الثمانيةِ خاصة. ذكر
ذلك ابن خالويه(١) وأبو بكر راوي عاصم. قلت: وقد قال ذلك بعضُهم في
قوله تعالى: ((وفُتِحَتْ أبوابُها))(٢) في الزمر فقال: دخلَتْ في أبواب الجنة لأنها
ثمانيةٌ، ولذلك لم يُجَأْ بها في أبوابٍ جهنم لأنها سبعةٌ وسيأتي هذا إن
شاء الله .
وقُرِىء: ((كالبُهم))(٣)، أي: صاحبُ كلِهم. ولهذه القراءةِ قدَّرَ بعضُهم
في قراءةِ العامة: وثامنُهم صاحبُ كلِهم.
وثلاثة وخمسة وسبعة مضافةً لمعدودٍ محذوفٍ فقدَّره الشيخ (٤): ثلاثة
أشخاص، قال: ((وإنما قدَّرْنا أشخاصاً لأنَّ رابعَهم اسمُ فاعلٍ أُضيف إلى
الضمير، والمعنى: أنه رَبَعَهم، أي: جَعَلَهم أربعةٌ، وصَيَّرهم إلى هذا
العددِ، فلو قَدَّرناه رجالاً استحال أن يُصَيِّر ثلاثةَ رجالٍ أربعةً لاختلافٍ
الجنسين)). وهو كلامٌ حسنٌ.
وقال أبو البقاء(٥): ((ولا يَعْمل اسمُ الفاعلِ هنا لأنه ماضٍ)). قلت:
يعني أنَّ رابعَهم فيما مضى، فلا يعمل النصبَ تقديراً، والإِضافة محضة.
وليس كما زعم فإنَّ المعنى على: يَصير الكلبُ لهم أربعةً، فهو ناصبٌ تقديراً،
وإنما عَمِلَ وهو ماضٍ لحكاية الحالِ كباسِط (٦).
(١) انظر: الجنى الداني ١٦٧ .
(٢) الآية ٧٣ من الزمر.
(٣) البحر ١١٤/٦.
(٤) البحر ١١٤/٦.
(٥) الإِملاء ١٠٠/٢.
(٦) من الآية ١٨.
٤٦٨

- الكهف -
آ. / (٢٤) قوله: ﴿إِلا أَنْ يشاءَ الله﴾: قال أبو البقاء(١): ((في [١٥٨٩]
المستثنى منه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: هو مِنَ النَّهْي. والمعنى: لا تقولَنَّ: أفعل
غداً، إلا أَنْ يُؤْذَنَ لك في القول. الثاني: هو من ((فاعلٌ))، أي: لا تقولَنَّ إني
فاعلٌ غداً حتى تَقْرِنَ به قولَ (إن شاء الله))(٢). والثالث: أنه منقطعٌ. وموضعُ ((أَنْ
يشاء اللَّهُ) نصبٌ على وجهين، أحدُهما على الاستثناءِ، والتقدير: لا تقولَنَّ
ذلك في وقتٍ إلا وقتَ أَنْ يشاء الله، أي: يَأْذَنَ، فحذف الوقتّ وهو مُرادٌ.
والثاني: هو حالٌ والتقدير: لا تقولَنَّ أفعل غداً إِلا قائلاً: إن شاء الله، وحَذْفُ
القولِ كثيرٌ، وجَعَل قولَه إلا أن يشاء في معنى: إن شاء وهو ممَّا حُمِلَ على
المعنى. وقيل: التقدير إلا بأَنْ يشاءَ اللَّهُ، أي: إلا ملتبساً بقولٍ: ((إنْ
شاء الله)).
قلت: قد رَدَّ الزمخشريُّ (٣) الوجهَ الثاني، فقال: ((إِلا أَنْ يشاء)) متعلقٌ
بالنهي لا بقوله ((إنِّي فاعِلٌ)) لأنَّه لو قال: إني فاعلٌ كذا إلا أَنْ يشاء اللّهُ كان
معناه: إلا أن تَعْتَرِضَ مشيئةُ اللَّهِ دونَ فِعْلِهِ، وذلك ممَّا لا مَدْخَلَ فيه للنهي)).
قلت: يعني أنَّ النهي عن مثلِ هذا المعنى لا يَحْسُن.
ثم قال: ((وتعلّقُه بالنهي مِنْ وجهين، أحدهما: ولا تقولنَّ ذلك القول
إلا أَنْ يشاءَ الله أَنْ تقولَه بأَنْ يَأْذَنَ لك فيه. والثاني: ولا تقولَّه إلا بأَنْ
يشاءَ الله، أي: إلا بمشيئته، وهو في موضعِ الحال، أي: ملتبساً بمشيئة الله
قائلاً إنْ شاء الله. وفيه وجهً ثالث: وهو أَنْ يكونَ ((إلا أَنْ يشاء)» في معنى
كلمةٍ تأبيد كأنَّه قيل: ولا تقولَنَّه أبداً، ونحوُه: ((وما يكون لنا أن نعود فيها إلا
(١) الإملاء ٢/ ١٠١.
(٢) وهو قول الأخفش في معانيه ٣٩٥ قال: ((أي إلّا أن تقول: إن شاء الله. فأجزأ من
ذلك هذا. وكذلك إذا طال الكلام أجزا فيه شبيه بالإيماء لأن بعضه يدل على
(٣) الكشاف ٤٧٩/٢ .
بعض)).
٤٦٩

- الكهف -
أَنْ يشاءَ اللَّهُ ربّنا))(١) لأنَّ عَوْدَهم في مِلَّتهم ممَّا لم يَشَأ الله)).
وهذا الذي ذكره الزمخشريُّ قد رَدَّه ابنُ عطية بعد أنْ حكاه عن
الطبري(٢) وغيرِه ولم يُوضَّح وجهَ الفسادِ.
وقال الشيخ(٣): ((وإلا أَنْ يشاءَ اللَّهُ استثناءٌ لا يمكن حَمْلُه على ظاهرِه،
لأنه يكونُ داخلاً تحت القول فيكونُ من المقول، ولا ينهاه اللَّهُ أَنْ يقول: إني
فاعل ذلك غداً إلا أَنْ يشاءَ اللَّهُ، لأنه كلامٌ صحيحٌ في نفسِه لا يمكنُ أَنْ يَنْهَىْ
عنه، فاحتيج في تأويلِ هذا الظاهرِ إلى تقديرٍ. فقال ابن عطية: ((في الكلام.
حَذْفٌ يَقْتضيه الظاهرُ، ويُحَسِّنه الإِيجازُ، تقديرُه: إلا أَنْ تقولَ: إِلا أَنْ
يشاء الله، أو إِلا أَنْ تَقولَ: إنْ شاء الله. والمعنى: إلا أَنْ تذكُرَ مشيئةً الله،
فليس ((إلا أن يشاءَ اللَّهُ)) من القول الذي نَھَی عنه)).
آ. (٢٥) قوله: ﴿ثلاثَ مئةٍ سنين﴾: قرأ(٤) الأخَوان بإضافة ((مِثَّةٍ))
إلى سنين. والباقون بتنوين ((مِثَةٍ)). فأمَّا الأولى فأوقع فيها الجمعَ موقعَ المفردِ
كقوله: ((بالأخسرين أَعْمالاً))(٥). قاله الزمخشري (٦) يعني أنه أوقع ((أَعْمالاً))
موقعَ (عَمَلًا)). وقد أنجى أبو حاتم على هذه القراءةِ ولا يُلْتَفَتُ إليه. وفي
مصحفِ عبد الله ((سَنَةِ)) بالإِفراد. وبها قرأ أُبِيّ. وقرأ الضحاك («سِنُون» بالواو
على أنها خبرٌ مبتدأ مضمرٍ، أي: هي سنُون.
(١) الآية ٨٩ من الأعراف.
(٢) تفسير الطبري ٢٢٨/١٥.
(٣) البحر ١١٥/٦.
(٤) انظر في قراءات الآية: السبعة ٣٩٠، التيسير ١٤٣، الحجة ٤١٤، النشر: ٣١٠/٢،
الكشف ٤٨١/٢، البحر ١١٧/٦، الإتحاف ٢١٢/٢.
(٥) الآية ١٠٣ من الكهف.
(٦) الكشاف ٤٨١/٢.
٤٧٠

- الكهف -
وأمَّا الباقون، فلمَّا لم يَرَوْا إضافةً ((مِثَة)) إلى جمعٍ نَوِّنُوا، وجعلوا
(سِنين)) بدلاً مِنْ ((ثلثمئة)) أو عطف بيان. ونَقَل أبو البقاء (١) أنَّه بدلٌ مِنْ «مِئَة)»
لأنها في معنى الجمع. ولا جائزٌ أَنْ يكونَ ((سنين)) في هذه القراءةِ مميّزاً، لأنَّ
ذلك إنما يجيءُ في ضرورةٍ مع إفرادِ التمييز، كقوله(٢):
٣١٤٠- إذا عاش الفَتَى مِئَتين عاماً [فقد] ذَهَب اللَّذاذَةُ والفَتَاءُ
قوله: ((تِسْعا))، أي: تسعَ سنين، حَذَفَ المُمَيِّزَ لدلالةِ ما تقدَّمَ عليه،
إذ لا يُقال: عندي ثلثمئة درهم وتسعة، إلا وأنت تعني : تسعة دراهم، ولو
أَرَدْتَ ثياباً ونحوّها لم يَجُزْ لأنه إلغازٌ. و((تِسْعاً)) مفعولٌ به. وازداد: افتعَلَ،
أُبْدِلَتِ التاءُ دالاً بعد الزاي، وكان متعدَّياً لاثنين نحو: ((وزِدْناهم هُدَى))(٣)،
فلمَّا بُني على الافتعال نَقَص واحداً.
وقرأ(٤) الحسن وأبو عمروٍ في رواية ((تَسْعا)) بفتح التاء كعَشْر.
آ. (٢٦) قوله: ﴿أَبْصِرْ به﴾: صيغةُ تعجبٍ بمعنى ما أبصرَه، على
سبيل المجاز، والهاءُ للَّهِ تعالى. وفي مثلِ هذا ثلاثةُ مذاهبَ: الأصحُ أنه بلفظٍ
الأمرِ ومعناه الخبرُ، والباءُ مزيدةٌ في الفاعل إصلاحاً للَّفْظ. والثاني: أنَّ
الفاعلَ ضميرُ المصدرِ. والثالث: أنه ضميرُ المخاطبِ ، أي: أَوْقِعْ أيها
المخاطبُ. وقيل: هو أمرٌ حقيقةٌ لا تعجبٌ، وأن الهاءَ تعودُ على الهُدى
المفهوم من الكلام.
(١) الإِملاء ١٠١/٢.
(٢) البيت للربيع بن ضبع أو يزيد بن ضبة. وهو في الكتاب ١٠٦/١، واللسان (فتا)،
والعيني ٤ /٤٨١، وابن يعيش ٢١/٦.
(٣) الآية ١٣ من الكهف.
(٤) الإِتحاف ٢١٣/٢، البحر ١١٧/٦، القرطبي ٣٨٧/١٠.
٤٧١

- الكهف -
وقرأ(١) عيسى: ((أَسْمَعَ)) و((أَبْصَرَ)) فعلاً ماضياً، والفاعلُ الله تعالى،
وكذلك الهاءُ في ((به))(٢)، أي: أبصرَ عبادَه وأَسْمعهم.
قوله: ((مِنْ وليّ)) يجوز أَنْ يكونَ فاعلً(٣)، وأَنْ يكونَ مبتدأً .
قوله: ((ولا يُشْرك))، قرأ(٤) ابن عامر بالتاءِ والجزم، أي: ولا تُشْرِكْ أنت
أيها الإِنسانُ. والباقون بالياء من تحتُ ورفعِ الفعلِ ، أي: ولا يُشْرك اللَّهُ في
حكمه أحداً، فهو نفي مَحْضّ.
وقرأ مجاهد: ((ولا يُشْرِْ)) بالتاء من تحتُ والجزم.
قال يعقوب: ((لا أعرفُ وجهه)). قلت: وجهُه أنَّ الفاعلَ ضميرٌ
الإِنسانِ، أُضْمِرُ للعِلْمِ به.
[٥٨٩ب]
والضميرُ في قولِه / ((مالهم)) يعود على معاصري رسولِ اللهِرُصل *. قال
ابن عطية: «وتكون الآيةُ اعتراضاً بتهديد)». كأنَّه يعني بالاعتراضِ أنهم ليسوا
ممِّن سَبَق الكلامُ لأجلهم، ولا يريد الاعتراضَ الصناعيّ .
آ. (٢٨) قوله: ﴿واصبِرْ نفسَك﴾: أي: احبِسْها وثّبّتْها، قال
أبو ذؤيب(٥) :
٣١٤١- فصبَرْتُ عارفةً لذلك حُرَّةٍ تَرْسُو إذا نَفْسُ الجبانِ تَطَلَّعُ
(١) البحر ١١٧/٦.
(٢) أي: تعود على الله تعالى أيضاً.
(٣) لاعتماده على النفي فهو فاعل باستقر لهم و ((من)) زائدة.
(٤) السبعة ٣٩٠، التيسير ١٤٣، البحر ١١٧/٦، النشر ٣١٠/٢، الحجة ٤١٥، البحر
١١٧/٦.
(٥) تقدم برقم ٢٦٦١. والبيت لعنترة وليس لأبي ذؤيب.
٤٧٢

۔ الکھف ـ
وقوله: ((بالغَداة)) تقدَّم الكلامُ عليها في الأنعام(١).
قوله: ((ولا تَعْدُ عَيْناك)) فيه وجهان، أحدهما: أنَّ مفعولَه محذوفٌ،
تقديرُه: ولا تَعْدُ عيناك النظرَ. والثاني: أنه ضُمِّنَ معنى ما يتعدّى بـ ((عَنْ)).
قال الزمخشري (٢): ((وإنما عُدِّيَ بـ ((عَنْ)) لتضمين ((عَدا)) معنى نبا وعلا في
قولك: نَّبَتْ عنه عَيْنُه، وعلَتْ عنه عَيْنُه، إذا اقتحَمَتْه ولم تَعْلَقْ به. فإن قلت:
أيُّ غرضٍ في هذا التضمين؟ وهَلَّ قيل: ولا تَعْدُهم عيناك، أو : ولا تَعْلُ
عيناك عنهم؟ قلت: الغرضُ فيه إعطاءُ مجموعٍ معنيين، وذلك أقوى من
إعطاءِ معنى فَذّ. ألا ترى كيف رَجَعَ المعنى إلى قولك: ولا تَقْتَحِمْهُمْ عيناك
متجاوزتّيْنِ إلى غيرهم. ونحوه ((ولا تأكلوا أموالَهم إلى أموالِكم))(٣)، أي:
ولا تَضُمُّوها إليها آكلين لها)).
ورَدَّه الشيخُ(٤): بأنَّ مذهبَ البصريين أن التضمين لا ينقاس، وإنما
يُصار إليه عند الضرورة. فإذا أمكن الخروجُ عنه فلا يُصار إليه.
وقرأ(٥) الحسن ((ولا تُعْدِ عَيْنَيْكَ)) مِنْ أَعْدى رباعياً. وقرأ هو وعيسى
والأعمش (ولا تُعَدِّ) بالتشديد من عَذَّى يُعَدِّي مُضَعَّفاً، عدَّاه في الأولى
بالهمزةٍ، وفي الثانية بالتثقيلِ ، كقول النابغة (٦):
(١) انظر: الدر المصون ٦٣٩/٤.
(٢) الكشاف ٤٨١/٢.
(٣) الآية ٢ من النساء.
(٤) البحر ١١٩/٦.
(٥) انظر في قراءاتها: المحتسب ٢٧/٢، الإتحاف ٢١٣/٢، البحر ١١٩/٦.
(٦) البيت في ديوانه ٥. وانم: ارفع. والقتود: عيدان الرحل. والأجد: الموثقة الخَلْق
من النوق.
٤٧٣

- الكهف -
٣١٤٢- فَعَدٍّ عمَّا تَرَى إذ لا ارْتِجاعَ له
وانْمِ القُتُوْدَ على عَيْرَانَةٍ أُجُدٍ
كذا قال الزمخشري(١) وأبو الفضل (٢). ورَدَّ عليهما الشيخ (٣): بأنه
لو كان تعدِّيه في هاتين القراءتين بالهمزةِ أو التضعيفِ لَتَعَدَّى لاثنين، لأنه قبل
ذلك متعدٍّ لواحدٍ بنفسه. وقد أقرَّ الزمخشري بذلك حيث قال(٤): ((يقال:
عَدَاهُ إذا جاوزه، وإنما عُدِّي بـ عن لتضمُّنِه معنى علا ونبا، فحينئذٍ يكون .
أَفْعَل وفَعَّلَ مِمَّا وافقا المجردَ)) وهو اعتراضٌ حسنٌ.
قوله: ((تُريد)) جملةٌ حالية. ويجوز أن يكونَ فاعلُ ((تريد)) المخاطب،
أي: تريد أنت. ويجوز أن يكون ضمير العينين، وإنما وُحِّد لأنهما متلازِمان
يجوز أَنْ يُخْبِرَ عنهما خبرُ الواحد. ومنه قولُ امرىء القيس(٥):
٣١٤٣ - لِمَنْ زُحْلُوْقَةٌ زُلَّ
بها العَيْنان تَشْهَلُّ
وقولُ الآخر(٦)
أو سُنْبَلاً كُحِلَتْ بِه فانهَلَّتِ
٣١٤٤- وكأنَّ في العينين حَبَّ قَرَنْفُلٍ.
وفيه غيرُ ذلك. ونسبةُ الإِرادةِ إلى العينين مجازٌ. وقال الزمخشري(٧):
(١) الكشاف ٤٨٢/٢.
(٢) وهو صاحب كتاب (اللوامح)) في القراءات الشاذة.
(٣) البحر ١١٩/٦.
(٤) الكشاف ٤٨١/٢
(٥) تقدم برقم ٦٥٢.
تقدم برقم ٦٥٣ .
(٦)
(٧) الكشاف ٤٨٢/٢
٤٧٤

- الكهف -
((الجملةُ في موضعِ الحال)). قال الشيخ(١): ((وصاحبُ الحالِ إِنْ قُدِّرَ ((عَيْناك))
فكان يكون التركيبُ: تريدان)). قلت: غَفَّل عن القاعدةِ التي ذكرْتُها: من أنَّ
الشيئين المتلازمين يجوز أن يُخْبَرَ عنهما إخبارُ الواحدِ. ثم قال: ((وإن قَدَّر
الكافَ(٢) فمجيءُ الحالِ من المجرورِ بالإِضافةِ مثلَ هذا فيه إشكالٌ،
لاختلافِ العامل في الحالِ وذي الحال. وقد أجاز ذلك بعضُهم إذا كان
المضافُ جزءاً أو كالجزءِ، وحَسَّن ذلك أنَّ المقصودَ نهيُه هو عليه السلام.
وإنما جيْءَ بقوله (عيناك)) والمقصودُ هو لأنهما بهما تكونُ المراعاةُ للشخصِ
والتلفُّتُ له)).
قلت: وقد ظهر لي وَجْهٌ حسنٌ لم أرَ غيري ذَكَرَه: وهو أن يكون ((تَعْدُ))
مُسنداً لضميرِ المخاطَبِ وَ﴿، و((عيناك)) بدلٌ من الضميرِ بدلُ بعضٍ من كل.
و («تُرِيدُ)) على وجهَيْها: مِنْ كونها حالاً مِنْ ((عيناك)) أو من الضمير في تَعْدُ.
إلا أنَّ في جَعْلِها حالاً من الضمير في ((ولا تَعْدُ)) ضَعْفاً: من حيث إنَّ مراعاةً
المبدلِ منه بعد ذِكْرِ البدلِ قليلٌ جداً تقول: ((الجارية حسنُها فاتِنٌ)) ولا يجوز
((فاتنةٌ)) إلا قليلاً، كقوله(٣):
٣١٤٥- فكأنَّه لهِقُ السَّراةِ كأنَّه ما حَاجِبَيْهِ مُعَيِّنٌ بِسَوادِ
فقال: ((مُعَيِّنٌ)) مراعاةً للهاء في ((كأنه))، وكان الفصيحُ أن يقولَ:
((مُعَيِّنان)) مراعاةً لحاجبَيْه الذي هو البدلُ.
قوله: ((أَغْفَلْنا قلبَه)) العامَّة على إسنادٍ الفعل لـ ((نا)) و((قلبَه)) مفعول به.
(١) البحر ١١٩/٦.
(٢) أي: صاحب الحال.
(٣) تقدم برقم ٦٥٠.
٤٧٥

- الكهف -
وقرأ(١) عمرو بن عبيد وعمرو بن فائد وموسى الأسواري(٢) بفتح اللام ورفع
((قلبُه)) أَسْندوا الإِغفالَ إلى القلبِ. وفيه أوجهُ. قال ابن جني(٣): مَنْ ظَبِّنَا
غافِلِين عنه)). وقال الزمخشري (٤): ((مَنْ حَسِبَنا قلبُه غافلين، مِنْ أَغْفَلْتُه إذا
وَجَدْتَهُ غافلاً،. وقال أبو البقاء(٥): ((فيه وجهان، أحدهما: وَجَدَنا قلبُه :
مُعْرِضين عنه. والثاني: أهملَ أَمْرَنا عن تَذَكُّرِنا».
[١٥٩٠]
قوله: ((فُرُطا) يحتمل أنْ يكون وصفاً / على فُعُل كقولِهِم: ((فَرَسٌ
فُرُطُ))، أي: متقدِّمُ على الخيل، وكذلك هذا، أي: متقدِّماً للحقِّ (٦). وأن
يكون مصدراً بمعنى التفريط أو الإفراط. قال ابنُ عطية: ((الفُرُطُ: يحتمل أن
يكون بمعنى التفريط والتضييع، أي: أمرَه الذي يجب أن يَلْزَمَ، ويُحتملِ أَنْ
يكونَ بمعنى الإفراط والإِسراف.
آ. (٢٩) قوله: ﴿وقُل الحقُّ﴾: يجوز فيه ثلاثة أوجه، أحدُها: أنه
خبرٌ لمبتدأ مضمرٍ، أي: هذا، أي: القرآن، أو ما سمعتم الحقُّ. الثاني: أنه
فاعلٌ بفعلٍ مقدرٍ دَلَّ عليه السياقُ، أي: جاء الحقُّ، كما صَرَّح به في موضعٍ
آخرَ (٧)، إلا أنَّ الفعلَ لا يُضمر إلا في مواضعَ تقدَّم التنبيهُ عليها، منها: أَنْ
(١) المحتسب ٢٨/٢، البحر ١٢٠/٦.
(٢) موسى بن سيار الأسواري البصري، روى عن قتادة والحسن وعطية العوفي. ضعَّفه
يحيى القطان. وقال ابن معين: كان قدرياً. ولم تذكر وفاته. انظر: ميزان
الاعتدال ٤ /٢٠٦.
(٣) المحتسب ٢٨/٢.
(٤) الكشاف ٤٨٢/٢.
(٥) الإملاء ١٠١/٢.
(٦) بمعنى يجعل الحقَّ وراء ظهره. انظر: الكشاف ٤٨٢/٢.
(٧) الآية ٨١ من الإِسراء: ((وقل جاء الحقُّ وَزَهَقَ الباطلُ إن الباطلَ كان زهوقا)).
٤٧٦

- الكهف -
يُجابَ به استفهامٌ(١)، أو يُرَدَّ به نفيٌ (٢)، أو يقعَ بعد فعل مبنيّ للمفعول،
لا يَصْلُحِ إسنادُه لما بعده كقراءة: ((يُسَبِّحُ له فيها بالغُدُوِّ)(٣) كما سيأتي إنْ
شاء الله تحقيقُه في موضعِه. الثالث: أنه مبتدأ وخبرُه الجارُّ بعده.
وقرأ(٤) أبو السَّمَّال قعنب: ((وقُلُ الحقَّ)) بضمِّ اللام حيث وقع، كأنه
إتباعٌ لحركةِ القاف. وقرأ أيضاً بنصب ((الحقَّ)). قال صاحب ((اللوامح)): ((هو
على صفةِ المصدرِ المقدَّر؛ لأن الفعلَ يَدُلُّ على مصدره وإن لم يُذْكَرْ،
فتنصِبُه معرفةً كما تنصِبُه نكرةً، وتقديرُه: وقل القولَ الحقَّ وتُعَلَّقُ ((مِنْ))
بمضمرٍ على ذلك. أي: جاء مِنْ ربكم) انتھی .
وقرأ(٥) الحسن والثقفي بكسرٍ لامَيْ الأمرِ في قوله: ((فَلِيُوْمِنْ))،
و ((فَلِيَكْفُرْ)) وهو الأصل.
قوله: ((فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤُمِنْ)) يجوز في (مَنْ)) أن تكونَ شرطيةً، وهو
الظاهرُ، وأَنْ تكونَ موصولةً، والفاءُ لشَبَهِه بالشرط. وفاعلُ ((شاء)» الظاهرُ أنه
ضميرٌ يعود على ((مَنْ))(٦). وقيل: ضميرٌ يعودُ على الله، وبه فَسَّر ابنُ عباس،
والجمهورُ علی خلافِه.
(١) كقوله تعالى: ((وَلَئِنْ سَأَلْتم مَنْ خَلَقهم؟ ليقولُنَّ الله)).
(٢) كقول الشاعر:
من الوجدٍ شيءٌ قلت: بل أعظم الوَجْدِ
تجلّدْتُ حتى قيل لم يَعْرُ قلبَه
(٣) قرأ ابن عامر وأبو بكر ((يُسَبَّح له فيها بالغدو والآصال رجالٌ)) السبعة ٤٥٦. والباقون
((يَسْبَح)). وانظر: مسألة إضمار الفعل في: شرح التصريح ٢٧٣/١، شرح الكافية
الشافية ٥٩٢/٢.
(٤) البحر ١٢٠/٦.
(٥) البحر ١٢٠/٦.
(٦) الأصل ( ما )» وهو سهو.
٤٧٧

- الكهف -
قوله: ((أحاطَ بهم سُرادِقُها)) في محلٌّ نصبٍ صفةً لـ ((ناراً)). والسُّرادِقُ:
قيل: ما أحاط بشيءٍ كالمِصْرَب(١) والخِباء(٢). وقيل للحائط المشتمل على
شيء: سُرادِق. قاله الهَرَوِيُّ. وقيل(٣): هو الحُجْرَةُ تكونُ حول الْفُسْطَاطِ.
وقيل: هو ما يُمَدُّ على صحنِ الدار. وقيل: كلُّ بيتٍ من كُرْسُفِ (٤) فهو
سُرادِق، قال رؤبة (٥):
٣١٤٦- يا حَكُمُ بْنَ المننذرِ بن الجارُوْدْ
سُرادِقُ المجدِ عليك مَمْدُودْ
ويُقال: بيت مُسَرْدَق. قال الشاعر (٦):
صدورُ الفُيولِ بعد بيتٍ مُسَرْدَقٍ
٣١٤٧- هو المُدْخِلُ النُّعْمانَ بيتاً سماؤه
وكان أبرويز ملكُ الفرس قد قتل النعمان بن المنذر تحت أَرْجُلِ الفِيلة.
والفُيول: جمع فِيل. وقيل: السُّرادق: الدِّهليز. قال الفرزدق(٧):
تركْتَ لهم قبلَ الضُّراب السُّرادقا
٣١٤٨- تَمَنَّيْتَهم حتى إذا ما لَقِيْتَهُمْ
والسُّرادق: فارسيٌّ معرَّبٌ أصله: سرادَة، قاله الجواليقي(٨)، وقال
(١) المضرب: بيت من الشعر وهو الفسطاط.
(٢) الخباء: من بيوت الأعراب.
(٣) وهو قول ابن قتيبة في تفسير غريب القرآن ٢٦٧.
(٤) الكرسف: القطن.
(٥) تقدم برقم ١٢١٧ .
(٦) البيت لسلامة بن جندل. وهو في الصحاح واللسان (سردق)، ومجاز القرآن ٣٩٩/١،
والقرطبي ٣٩٣/١٠.
:
(٧) ديوانه ٥٨٦/١، والبحر ٩٣/٦.
(٨) المعرب ٢٤٨.
٠٤٧٨

- الكهف -
الراغب(١): ((فارسيَّ معرَّبٌ، وليس في كلامهم اسمٌ مفردٌ، ثالثُ حروفِه ألفّ
بعدها حرفان».
قوله: ((وإن يَسْتَغيثوا))، أي: يَطْلُبُوا العَوْنَ. والياءُ عن واوٍ، إذ الأصل:
يستَغْوِثوا، فَقُلبت الواو ياءً لتصريفٍ ذُكِر في الفاتحة عند قوله: ((نَسْتعين))(٢)،
وهذا الكلامُ من المشاكلةِ والتجانُسِ ، وإلا فأيُّ إغاثةٍ لهم في ذلك؟ أو من
باب التهكُّم كقوله(٣):
فَأُعْتِبُوا بِالصُّيْلَمِ
٣١٤٩-
[وكقوله](٤):
تَحِيَّةُ بینھم ضَرْبٌ وَجیعُ
٣١٥٠-
وهو کثیر.
و(( كالمُهْلِ)) صفةٌ لـ «ماء)). والمُهْلُ: دُرْدِيُّ الزيت(٥)، وقيل: ما أُذِيْب
من الجواهر كالنَّحاس والرصاص. والمَهَل بفتحتين: التَّوَّدَة والوقار. قال:
((فَمَهِّل الكافرين))(٦).
(١) المفردات ٢٣٠ .
(٢) الآية ٤. الدر المصون ٥٩/١ حيث استثقلت الكسرة على الواو فنقلت إلى الغين
قبلها فصار: يَسْتَغِوْئوا. سكنت الواو إثر كرة فقلبت ياء.
(٣) البيت لبشر بن أبي خازم وتمامه:
غَضِبَتْ تميمٌ أن تَقَتَّلَ عامِرٌ يومِ النِّسارٍ .
وهو في اللسان (صلم)، والكشاف ٤٨٢/٢، والصيلم: السيف.
(٤) تقدم برقم ٦٦٥ .
(٥) دُرْدِيُّ الزيت: ما يبقى في أسفله. انظر: اللسان (درد).
(٦) الآية ١٧ من الطارق.
٤٧٩

- الكهف-
قوله: ((يَشْوِي الوجوهَ)) يجوزُ أَنْ تكونَ الجملةُ صفةً ثانيةً، وأن تكونَ
حالاً مِنْ ((ماء)) لأنه تخصَّصَ بالوصف، ويجوز أَنْ تكونَ حالاً من الجارِّ وهو
الكاف .
والشِّيُّ : الإِنضاجُ بالنارِ من غير مَرَقَّةٍ تكون مع ذلك الشيءِ المَشْوِيِّ.
قوله: ((بِئْس الشَّرابُ)) المخصوصُ محذوفٌ تقديره: هو، أي: ذلك
الماءُ المستغاثُ به.
قوله: ((وساءَتْ مُرْتَفَقًا)) ((ساءَتْ)) هنا متصرفةٌ على بابها. وفاعلُها ضميرُ
النار. ومُرْتَفَقَا تمييز منقولٌ من الفاعلية، أي: ساء وقَبُحَ مُرْتَفَقُها. والمُرْتَفَقُ:
المُتَّكأ. وقيل: المنزل، وقيل: هو مصدرٌ بمعنى الارتفاق، وهو من بابٍ
المقابلة أيضاً كقوله في وصفِ الجنة بعدُ: ((وحَسُنَتْ مُرْتفقًا)(١)، وإلّ فأيُّ
ارتفاقٍ في النار؟ قال الزمخشري(٢): إلا أَنْ يكون من قوله(٣):
كأنَّ عَيْنِيَ فيها الصابُ مَذْبوخُ
٣١٥١- إني أَرِقْتُ قَبِتُّ الليلَ مُرْتَفِقا
يعني من باب التهكم.
آ. (٣٠) قوله: ﴿إِنَّا لا نُضِيْعُ﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ خبرَ ((إنَّ الذين)).
[٥٩٠ب] والرابطُ: إِمَّا تَكَرُّرُ الظاهرِ بمعناه، وهو قولُ الأخفش(٤). ومثلُه في الصلة /
(١) الآية ٣١ من الكهف.
(٢) الكشاف ٤٨٣/٢.
(٣) البيت لأبي ذؤيب الهذلي وهو في ديوان الهذليين ١٠٤/١ برواية ((مشتجرا))،
والقرطبي ٣٩٥/١٠، واللسان: صوب، والكشاف ٤٨٣/٢. والصاب: عصارة
شجر مُرّ.
(٤) معاني القرآن ٣٩٦.
٤٨٠