النص المفهرس

صفحات 321-340

- الإِسراء -
آ. (١١) قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُو الإِنسانُ بالشرِّ دعاءَه بالخير﴾:
في الباءين ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أنهما متعلُّقتان بالدعاءِ على بابهما نحو:
(دَعَوْتُ بكذا)) والمعنى: أنَّ الإِنسانَ في حالٍ ضَجَرِه قد يَدْعُو بالشرِّ ويُلِحُ
فیه، کما یَدْعُو بالخيرِ ويُلِحُ فيه.
والثاني: أنهما بمعنى ((في)) بمعنى أنَّ الإِنسانَ إذا أصابه ضرُّ دعا
وأَلَحَّ في الدعاءِ واستعجل الفرج، مثلَ الدعاءِ الذي كان يحبُّ أَنْ يدعوَه في
حالة الخير، وعلى هذا فالمَدْعُوُّ به ليس الشرَّ ولا الخيرَ. وهو بعيدٌ. الثالث:
أن تكونَ للسببِ، ذكره أبو البقاء(١)، والمعنى لا يُساعده، والمصدرُ مضافٌ لفاعِلِه.
آ. (١٢) قوله تعالى: ﴿آَيَتّينَ﴾: يجوز أن يكونَ هو المفعولَ
الأولَ، و((الليلَ والنهارَ)) ظرفان في موضع الثاني قُدِّما على الأول، والتقدير:
وجَعَلْنَا آيتين في الليلِ والنهار، والمرادُ بالآيتين: إمَّا الشمسُ والقمرُ، وإمّا
تكويرُ هذا على هذا، وهذا على هذا، ويجوز أنْ يكونَ ((آيَتَيْن)) هو الثاني،
و((الليلَ والنهارَ)) هما الأول. ثم فيه احتمالان، أحدُهما: أنه على حَذْفٍ
مضافٍ: / إمَّا من الأولِ، أي: نَيِّرَي الليل والنهار(٢)، وهما القمرُ والشمسُ، [٥٦٨/ب]
وإمَّا من الثاني، أي: ذَوِي آيتين. والثاني: أنه لا حَذْفَ، وأنهما علامتان
في أنفسِهما، لهما دلالةٌ على شيءٍ آخرَ. قال أبو البقاء(٣): ((فلذلك أضافَ
في موضعٍ، ووَصَف في آخر)» يعني أنه أضافَ الآيةَ إليهما في قولِهِ («آيةً
الليل)) و((آيةَ النهار)) ووصفَهما في موضعٍ آخرَ بأنهما اثنان لقولِه: ((وجَعَلْنا
الليلَ والنهارَ آيتين)). هذا كلُّه إذا جَعَلْنا الجَعْلَ تصييراً متعدِّياً لاثنين، فإن
جَعَلْناه بمعنى ((خَلَقْنا)) كان ((آيتين)) حالاً، وتكونُ حالاً مقدرة.
(١) الإملاء ٨٩/٢.
(٢) انظر: الكشاف ٤٤٠/٢.
(٣) الإملاء ٨٩/٢.
٣٢١

- الإِسراء -
واستشكل بعضُهم(١) أَنْ يكونَ ((جَعَلَ)) بمعنى صَيَّر قال: ((لأنه
يَسْتَدْعِيْ أن يكونَ الليلُ والنهارُ موجودَيْن على حالةٍ، ثم انتقل عنها إلى
أخرى».
قوله: ((مُبْصِرَةً)» فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه مِنْ الإِسنادِ المجازيِّ، لأنَّ
الإبصارَ فيها لأهلِها، كقولِه: ((وآتّنا ثمودَ الناقةَ مُبْصِرَةً))(٢) لمّا كانت سبباً
للإِبْصار. وقيل: «مُبْصِرَة)): مضيئةً، وقيل: هي من بابٍ أَفْعَل، والمرادُ به
غيرُ مَنْ أُسْنِد الفعلُ إليه كقولهم: ((أَضْعَفَ الرجلُ))، أي: ضَعُفَتْ ماشِيتُه،
و ((أَجْبن)) إذا كان أهلُه جبناء، فالمعنى أنَّ أهلَها بُصَراء.
وقرأ(٣) عليّ بن الحسين وقتادةُ ((مَبْصَرة)) بفتح الميم والصاد،
وهو مصدرٌ أقيم مُقام الاسمِ ، وكَثُر هذا في صفاتِ الأمكنة نحو: ((مَذْأَبَة)) (٤).
قوله: ((وَكُلَّ شَيءٍ فَصَّلْناه) فيه وجهان، أحدهما: أنَّه منصوبٌ على
الاشتغال، ورُجِّح نصبُه لتقدُّمِ جملةٍ فعلية. وكذلك ((وكلَّ إنسانٍ أَلْزَمْناه))(٥).
والثاني : - وهو بعيد - أنه منصوبٌ نَسَقاً على ((الحِسابَ))، أي: لتعلموا كلّ
شيءٍ أيضاً، ويكون ((فَصَّلْناه)) على هذا صفةً.
وقرىء(٦) ((في عُنْقِه)) وهو تخفيفٌ شائعٌ.
آ. (١٣) قوله تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ﴾: العامَّةُ على ((نُخْرِجُ)) بنونِ
(١) هو الكرماني كما في البحر ١٤/٦.
(٢) الآية ٥٩ من الإِسراء.
(٣) البحر ١٤/٦.
(٤) المذابة: المكان تكثر فيه الذئاب.
(٥) الآية ١٣ وهي التالية ..
(٦) البحر ١٥/٦. ونسبها في الشواذ ٥٧ إلى أحمد بن موسى.
٣٢٢

- الإِسراء -
العظمة مضارع ((أَخْرَجَ))، و((كتاباً)) فيه وجهان، أحدهما: أنه مفعولٌ به.
والثاني: أنه منصوبٌ على الحالِ من المفعول المحذوف، إذ التقديرُ:
ونُخْرِجُه إليه كتاباً، أي: ونُخْرِجُ الطائرَ.
ورُوِي(١) عن أبي جعفر: ((وَيُخْرَجُ)) مبنيًّاً للمفعول، ((كتابً» نصبٌ على
الحال، والقائمُ مَقامَ الفاعلِ ضميرُ الطائرِ، وعنه أَنَّه رَفَع ((كتابً)). وخُرِّج على
أنَّه مرفوعٌ بالفعلِ المبنيِّ للمفعول، والأُوْلِى قراءة قلقةٌ.
وقرأ الحسن: ((ويَخْرُجُ)) بفتحِ الياءِ وضمِّ الراءِ مضارعَ ((خَرَجَ ))،
((كتابٌ)) فاعلٌ به، وابن محيصن ومجاهد كذلك، إلا أنهما نَصَبا ((كتاباً)) على
الحال، والفاعلُ ضميرُ الطائرِ، أي: ويَخْرُجُ له طائرُه في هذه الحالِ.
وقرىء(٢) ((ويُخْرِجُ)) بضمِّ الياء وكسرِ الراء مضارعَ ((أَخْرَجَ))، والفاعلُ ضميرٌ
الباري تعالى، ((كتاباً» مفعولٌ.
قوله: ((يَلْقَأْه)) صفةٌ لـ ((كتاباً))، و((مَنْشُورا)) حالٌ من هاء ((يَلْقاه)». وجوِّز
الزمخشري(٣) والشيخ(٤) وأبو البقاء(٥) أن يكونَ نعتاً لكتاب. وفيه نظرً: من
حيث إنه يَلْزَمُ تقدُّم الصفةِ غيرِ الصريحة على الصريحةِ، وقد تقدَّم ما فيه.
وقرأ ابنُ عامر(٦) ((يُلَقَّاه)) بضمِّ الياء وفتح اللام وتشديد القاف، مضارعَ
(١) انظر في قراءاتها: النشر ٣٠٦/٢، الإتحاف ١٩٤/٢، البحر ١٥/٦، القرطبي
١٠ / ٢٢٩ .
(٢) نسبها الفراء في معاني القرآن ١١٨/٢ إلى أبي جعفر المدني، ونسبها القرطبي
٢٢٩/١٠ إلى يحيى بن وثاب.
(٤) البحر ١٥/٦.
(٣) الكشاف ٤٤١/٢.
(٥) الإملاء ٨٩/٢.
(٦) السبعة ٣٧٨، النشر ٣٠٦/٢، البحر ١٥/٦، التيسير ١٣٩، القرطبي ٢٢٩/١٠،
الحجة ٣٩٨.
٣٢٣

- الإسراء -
(لَقَّى)) بالتشديد، والباقون بالفتح والسكونِ والتخفيف(١) مضارع لَقِي.
آ. (١٤) قوله تعالى: ﴿اقرَأُ﴾: على إضمارِ القولِ، أي: يُقال
له: اقرأْ، وهذا القولُ: إمَّا صفةٌ أو حالٌ كما في الجملةِ قبله.
قوله: ((كَفَى بِنَفْسِك)) فيه ثلاثةُ أوجهٍ، المشهورُ عند المُعْرِبِينِ: أنَّ
((كفى)) فعلٌ ماضٍ ، وَالفاعلُ هو المجرورُ بالباء، وهي فيه مزيدةٌ، ويَدُلُّ عليه
أنها إذا حُذِفت ارتفع، كقوله(٢):
٣٠٣٨- ويُخْبرني عن غائبِ المَرْءِ هَذْيُه
كَفَىُ الهَدْيُ عَمَّا غَيِّبَ المَرْءُ مُخْبِرا
وقولِ الآخر (٣).
٣٠٣٩-
كَفَىْ الشیبُ والإِسلامُ للمرءِناهيا
وعلى هذا فكان ينبغي أن يُؤَنَّثَ الفعلُ لتأنيث فاعلِه، وإن كان مجروراً
كقوله: ((ما آمنَتْ قبلَهُم مِنْ قريةٍ)» (٤) «وما تأتيهمْ مِنْ آية)»(٥). وقد يقال: إنه
[٥٦٩/أ] جاء على أحد الجائزين فإن التأنيثَ مجازيٌّ. والثاني: أنَّ الفاعلَ / ضميرُ
المخاطبِ، و((كفى)) على هذا اسمُ فعلٍ أمرٍ، أي: اكْتَفِ، وهو ضعيفٌ
القَبولِ ((كَفَى)) علاماتِ الأفعالِ. الثالث: أنَّ فاعلَ ((كَفَىْ)) ضميرٌ يعودُ على
(١) أي فتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف.
(٢) البيت لزياد بن زيد العدوي، وهو في معاني القرآن للفراء ١١٩/٢، واللسان
(هدي)، والبحر ١٥/٦. والهدي: السيرة والسَّمْت.
۔۔
(٣)
تقدم برقم (١١).
الآية ٦ من الأنبياء.
(٤)
الآية ٤ من الأنعام.
(٥)
٣٢٤

- الإِسراء -
الاكتفاء، وقد تقدَّم الكلامُ(١) على هذا مستوفى. و((اليومَ)) نصبٌ بـ ((كفى)).
قوله: ((حَسِيْبًا)) فيه وجهان، أحدُهما: أنه تمييزٌ . قال الزمخشري(٢):
((وهو بمعنى حاسِب، كضَرِيْب القِداح بمعنى ضاربها، وصَرِيْم بمعنى صارِمِ،
ذكرهما سيبويه(٣)، و ((على)) متعلقةٌ به مِنْ قولك: حَسِب عليه كذا، ويجوز
أن يكونَ بمعنى الكافي ووُضِع موضعَ الشهيد، فَعُدَّي بـ ((على)) لأنَّ
الشاهدَ يكفي المُدَّعي ما أهمِّه. فإن قلت: لِمَ ذَكَرَ ((حسيباً))؟ قلت: لأنّه
بمنزلةِ الشاهدِ والقاضي والأمين(٤)، وهذه الأمور يَتَولََّها الرجالُ فكأنَّه قيل:
كفى بنفسِك رجلاً حسيباً، ويجوز أَنْ تُتَأَوَّلَ النفسُ بمعنى الشخصِ، كما
يقال: ثلاثة أنفس)). قلت: ومنه قولُ الشاعر(٥):
٣٠٤٠- ثلاثةُ أنفسٍ وثلاثُ ذَوْدٍ لقد جارَ الزمانُ على عيالي
والثاني : أنه منصوبٌ على الحالِ ، وذُكِرَ لِما تقدَّم. وقيل: حَسِيب
بمعنى مُحاسِب كخَلِيط وجَلِيس بمعنى: مُخالِطُ ومُجالس.
آ. (١٦) قوله تعالى: ﴿أَمَرْنا﴾: قرأ العامَّةُ بالقصرِ والتخفيفِ وفيه
وجهان، أحدُهما: أنه من الأمرِ الذي هو ضِدُّ النهيِ. ثم اختلف القائلون
بذلك في متعلَّق هذا الأمرِ: فعن ابنِ عباس في آخرين: أنه أَمَرْناهم بالطاعةِ
فَفَسَقُوا، وقد رَدَّ هذا الزمخشريُّ (٦) رداً شديداً وأنكره إنكاراً بليغاً في كلامٍ
(١) انظر: الدر المصون ٥٨٦/٣.
(٢) الكشاف ٤٤١/٢
(٣) الكتاب ٢١٥/٢، وذكر أن من ذلك ((عريفاً) بمعنى عارف.
(٤) في مطبوعة الكشاف ((والأمير)).
(٥) تقدم برقم (٤٤١).
(٦) الكشاف ٤٤٢/٢.
٣٢٥

- الإسراء :-
طويلٍ ، حاصلُه: أنه خُذْفُ ما لا دليلَ عليه، وقدَّر هو متعلَّق الأمرِ: الفسق،
أي: أُمَرْناهم بالفسق قال: ((أي: أَمَرْناهم بالفِسْق، فعملوا، والأمرُ مجازٌ؛
لأنَّ حقيقةَ أمرِهم بالفسقِ أَنْ يقول لهم: افْسُقوا، وهذا لا يكونُ، فبقي: أن
يكونَ مجازاً. ووجهُ المجازِ: أنه صَبَّ عليهم النعمة صَبَّاً، فجعلوها ذريعةً
إلى المعاصي واتِّباع الشهوات، فكأنهم مَأمورون بذلك لِتَسَبُّبِ إيلاءِ النِّعْمَةِ
فيه، وإنما خَوَّلهم فيها ليشكروا)».
ثم قال: ((فإن قلت: فهلَا زَعَمْتَ أنَّ معناه: أَمَرْناهم بالطاعةِ ففسَقُوا:
قلت: لأنَّ حَذْفَ ما لا دليلَ عليه غيرُ جائزٍ، فكيف حَذْفُ ما الدليلُ قائمٌ على
نَقِيضِه؟ وذلك أنَّ المأمور به إنما حُذِف لأنَّ ((فَفَسَقُو)) يدلُّ عليه، وهو كلامٌ
مستغيضٌ يقال: ((أَمَرْتُهُ فقام))، و((أَمَرْتُه فَقَرأ))، لا يُفهم منه إلا أنَّ المأمور به
قيامٌ أو قراءةٌ، ولو ذَهَبْتَ تُقَدِّر غيرَهِ رُمْتَ مِنْ مخاطَبِكِ عِلْمَ الغيبِ، ولا يَلْزِّمُ
[على](١) هذا قولُهم: ((أَمَرْتُه فعصاني)) أو ((فلم يمتثلْ)) لأنَّ ذلك منافٍ للأمرِ
مناقِضٌ له، ولا يكونُ ما يناقض الأمرَ مأموراً به، فكان محالاً أن يُقصّدَ أصلاً
حتى يُجْعَلَ دالا على المأمورِ به، فكان المأمورُ به في هذا الكلامِ غيرَ مَنْوِيٌّ
ولا مُرادٍ؛ لأن مَنْ يتكلّمُ بهذا الكلامِ لا يَنْوي لأمرِهِ مأموراً به، فكأنه يقول:
كان مني أَمْرٌ فكان منه طاعةٌ(٢)، كما أنَّ مَنْ يقول: [((فلان](٣) يأمرُ ويَنْهى
ويعطي ويمنع)) لا يَقْصِدُ مفعولاً. فإن قلت: هلَّ كان ثبوتُ العلمِ بأنَّ اللَّهَ
لا يأمرُ بالفحشاء دليلاً على أنَّ المراد: أَمَرْناهم بالخيرِ (٤)، قلت(٥): لأنَّ قوله
!
(١) زيادة من الكشاف.
(٢) كذا في الأصل ولعله سهو في النقل عن الزمخشري ، وعبارته ((فلم تكن منه طاعة)) ..
(٣) زيادة من ((الكشاف).
(٤) أي : ففسقوا:
(٥) عبارة الكشاف: ((قلت: لا يصح ذلك لأن ... )).
٣٢٦

- الإسراء -
(فَفَسَقوا)» يدافعه، فكأنَّك أظهرْتَ شيئً وأنت تُضْمِرُ خلافَه، ونظيرُ (( أمر)):
((شاء)) في أنَّ مفعولَه استفاضَ حَذْفُ مفعولِه لدلالةِ ما بعدَه عليه. تقول:
لو شاءَ لأحسنَ إليك، ولو شاءَ لأساءَ إليك، تريد: لو شاء الإِحسانَ، ولو شاء
الإِساءةَ، ولو ذَهَبْتَ تُضْمِرُ خلافَ ما أظهرْتَ، وقلت: قد دَلَّتْ حالُ مَنْ
أُسْنِدَتْ إليه المشيئةُ أنه من أهلِ الإِحسان أو من أهلِ الإِساءةِ فاتركِ الظاهرَ
المنطوقَ وأَضْمِرْ ما دَلَّتْ عليه حالُ المسندِ إليه المشيئةُ، لم تكنْ على سَدادٍ».
وتَتَبَّعه الشيخُ(١) في هذا فقال: ((أمَّ ما ارتكبه من المجاز(٢) فبعيدٌ
جداً، وأمَّا قولُه: (لأنَّ حَذْفَ ما لا دليلَ عليه غيرُ جائزٍ)) فتعليلُ لا يَصِحُ فيما
نحن بسبيله، بل ثَمَّ ما يَدُلُّ على حَذْفِه. وقوله: ((فكيف يُحْذَفُ ما الدليلُ
على نقيضِه قائمٌ)) إلى ((عِلْم / الغيب)) فنقول: حَذْفُ الشيءِ تارةً يكونُ لدلالةِ [٥٦٩/ب]
موافِقِهِ عليه، ومنه ما مَثَّل به في قولِه ((أَمَرْتُه فقامَ))، وتارةً يكونُ لدلالةِ
خِلافِه أو ضدِّه أو نقيضِه كقوله تعالى: ((وله ما سَكَن في الليلِ والنهار))(٣)،
أي: ما سَكُنَ وتحرَّكَ، وقوله: ((سَرابيلَ تَقِيكم الحَرَّ)(٤)، أي: والبردَ، وقول
الشاعر(٥):
٣٠٤١- وما أَدْرِيْ إِذا يَمَّمْتُ أرْضاً
أريدُ الخيرَ أيُّهما يَلِيْني
أم الشرُّ الذي هو يَبْتَغيني
أالخيرُ الذي أنا أَبْتَغِيْهِ
أي: وأَجْتَنِبُ الشرَّ، وتقول: ((أَمَرْتُه فلم يُحْسِنْ)) فليس المعنى: أمرتُه
بعدم الإِحسانِ، بل المعنى: أَمَرْتُه بالإِحسانِ فلم يُحْسِنْ، والآيةُ من هذا
(١) البحر ١٩/٦.
(٢) وهو قول الزمخشري ((صبَّ عليهم النعمة صباً فجعلوها ذريعة إلى المعاصي)).
(٣) الآية ١٣ من الأنعام.
(٤) الآية ٨١ من النحل.
(٥) تقدم برقم (٨٣٤).
٣٢٧

- الإسراء -
القبيل، يُستدلُّ على حذف النقيض بنقيضه(١) كما يُسْتَدَلُ على حَذْفِ النظير
بنظيره، وكذلك: ((أَمَرْتُه فأساء إليَّ)) ليس المعنى: أَمَرْتُه بالإِساءة بل أَمَرْتُه
بالإِحسان. وقوله: ((ولا يَلْزم هذا قولَهم: ((أَمَرْتُه فعصاني)). نقول: بل يَلْزَمُ.
وقوله ((لأنَّ ذلك منافٍ))، أي: لأنَّ العِصْيانَ منافٍ. وهو كلامٌ صحيح
وقوله: ((فكان المأمورُ به غيرَ مدلولٍ عليه ولا مَنْوِيٍّ)) لا يُسَلَّم بل مَدْلُولٌ
عليه ومنوِيٌّ لا دلالةُ الموافقِ بل دلالةُ المناقِض، كما بَيَّنًّا. وقوله: ((لا يُنْوي
مأموراً به)) لا يُسَلَّم. وقوله («لأنَّ فَفَسَقُوا يدافعُه، إلى آخره)) قلنا: نعم نَوَىُ
شيئاً ويُظْهِرُ خلافَه، لأنَّ نقيضَه يَدُلُّ عليه. وقولُه: ((ونظيرُ ((أمر)) (( شاء )) ليس
نظيرَه؛ لأنَّ مفعولَ ((أمر)) كَثُر التصريحُ به. قال الله [تعالى]: ((إِنَّ اللَّهَ
لا يَأْمُرُ بالفحشاء))(٢) ((أَمَرَ أَنْ لا تعبدوا إلا إياه)»(٣) (يأمر بالعدل)»(٤) «أَمَر ربي
بالقسط)»(٥) ((أم تأمرُهُمْ أحلامُهم بهذا))(٦)، وقال الشاعر(٧):
٣٠٤٢ - أَمَرْتُك الخيرَ فافْعَلْ ما أُمِرْتُ به
قلت: والشيخُ رَدَّ عليه رَدَّ مُسْتريحٍ من النظرِ، ولولا خَوفُ السآمةِ
على الناظرِ لكان للنظرٍ في كلامهما مجالٌ.
(١) أي: بإثبات نقيضه ..
(٢) الآية ٢٨ من الأعراف.
(٣) الآية ٤٠ من يوسف.
(٤) الآية ٧٦ من النحل.
(٥) الآية ٢٩ من الأعراق.
(٦) الآية ٣٢ من الطور.
(٧) تقدم برقم (٢٢١) .
٣٢٨

- الإسراء -
والوجه الثاني: أنَّ ((أَمَرْنا)) بمعنى كَثِّرْنا، ولم يَرْتَضِ (١) الزمخشريُّ(٢)
في ظاهرٍ عبارتِه فإنَّه قال: ((وفسَّرَ بعضُهم ((أَمَرْنا)) بـ ((كَثِّرْنا))، وجَعَلَه من
بابٍ: فَعَّلْتُه فَفَعَلَ، كَثَبِّرْتُه فَثَبَرِ (٣). وفي الحديثِ(٤): ((خَيْرُ المالِ سِكَّةٌ مَأْبُوْرة
ومُهْرَةٌ مَأْمورة))، أي: كثيرةُ النَّتاج)). قلت: وقد حكى أبو حاتم هذه اللغةَ،
يقال: أَمِر القومُ، وأَمَرهم اللَّهُ، ونقله الواحديُّ أيضاً عن أهل اللغة، وقال
أبو علي (٥): ((الجيِّد في ((أَمَرْنا)) أن يكونَ بمعنى كَثَّرْنا». واستدل أبو عبيدة(٦)
بما جاء في الحديثِ فذكره. يقال: أَمَرَ اللَّهُ المُهْرَة، أي: كَثَّر ولدَها. قال:
((ومَن أنكر ((أمَرَ اللَّهُ القومَ)) أي: كَثَّرهم لم يُلتَفَتْ إليه لثبوتِ ذلك لغةً)).
ويكون ممَّا لَزِمَ وتعدَّى بالحركةِ المختلفة؛ إذ يُقال: أَمِر القومُ كَثُروا، وأَمَرَهم
اللَّهُ كَثَّرهم، وهو من بابِ المطاوعة: أَمَرهم اللَّهُ فَأْتَمَروا كقولِك: شَتْرَ اللَّهُ
عَيْنَه فَشَِرَتْ(٧)، وجَدَعَ أَنْفَه فَجَدِع (٨)، وثَلَمْ سِنَّ فَثَلِمَتْ(٩).
وقرأ(١٠) الحسن ويحيى بن يعمر وعكرمةُ: ((أَمِرْنا)) بكسر الميم بمعنى
((أَمَرْنا)) بالفتح. حكى أبو حاتم عن أبي زيد أنه يُقال: ((أَمَرَ اللَّهُ مَالَهُ،
(١) ش : ولم يرتضه .
(٢) الكشاف ٤٤٢/٢.
(٣) ثبره: حبسه أو ردُّه. وفي اللسان (أمر): (والعرب تقول: أَمِرَ بنوفلان أي كَثُروا)).
(٤) رواه أحمد في مسنده ٤٦٨/٣.
(٥) انظر: الحجة (خ) ٣٤٤/٣.
(٦)
مجاز القرآن ٣٧٣/١.
الشّتّر: استرخاء الجفن الأسفل.
(٧)
(٨)
جَدَع أنفه: قطعه.
(٩) ثَلّم سنه: کسرها.
(١٠) انظر في قراءات ((أمرنا»: السبعة ٣٧٩، الإتحاف ١٩٥/٢، الشواذ ٧٥، القرطبي
٢٣٣/١٠، المحتسب ١٥/٢، النشر ٣٠٦/٢، البحر ٢٠/٦.
٣٢٩

- الإسراء-
وأَمِرَه)) بفتحِ الميم وكسرِها، وقد رَدَّ الفراء (١) هذه القراءةَ، ولا يُلْتَفَتُ لِرَدِّه
لثبوتِها لغةً بنَقْلِ العُدولِ، وقد نَقَلها قراءةً عن ابن عباس أبو جعفر
وأبو الفضل الرازي في ((لوامِحه)) فكيف تُرَدُّ؟
وقرأ عليّ بن أبي طالب وابنُ أبي إسحاق وأبو رجاء في آخرين
(( آمَرْنا)» بالمَدِّ، ورُوِيَتْ هذه قراءةً عن ابنٍ كثير (٢) وأبي عمرو وعاصم
ونافعٍ (٣)، واختارها يعقوبُ، والهمزةُ فيه للتعديةِ.
وقرأ عليّ أيضاً وابنُ عباس وأبو عثمان النهدي: ((أمَّرْنا)) بالتشديد.
وفيه وجهان، أحدُهما: أنَّ التضعيفَ للتعديةِ، عدَّاه تارةً بالهمزة وأخرى
بتضعيفِ العين، كأَخْرِجْته وخَرَّجته. والثاني: أنه بمعنى جعلناهم أُمَراءَ،
[٥٧٠/أ] واللازمُ من ذلك (أُمِّر)). قال الفارسيُّ(٤): ((لا وجهَ لكون ((أَمَّرْنا))/ من
الإِمارة؛ لأنَّ رئاستهم لا تكونُ إِلَّ لواحدٍ بَعْدَ واحدٍ، والإِهلاكُ إنما يكون في
مُدَّة واحدة)). وقد رُوَّ(٥) على الفارسي: بأنَّا لا نُسَلِّم أن الأميرَ هو المَلِك حتى
◌َلْزَمَ ما قلتُ، بل الأميرُ عند العرب مَنْ يَأْمُرُ وَيُؤْتَمَرُ به. ولَئِنْ سُلِّم ذلك
لا يلزم ما قال؛ لأنَّ المُتَّرَفَ إذا مَلَكَ فَفَسَق ثم آخرَ بعده فَفَسَق، ثم كذلك
كَثُر الفسادُ، ونزل بهم على الآخِرِ مِنْ ملوكهم.
آ. (١٧) قوله تعالى: ﴿وكم أهلَكْنا﴾: ((كم)) نصبٌ بأَهْلكنا،
و((من القرونِ)) تمييزٌ لـ ((كم))، و «مِنْ بعدِ نوح)): ((مِنْ)) لابتداء الغاية،
(١) معاني القرآن ١١٩/٢.
(٢) برواية حماد بن سلمةً كما في السبعة ٣٧٩.
(٣) برواية خارجة عنه كما في السبعة ٣٧٩.
(٤) الحجة (خ) ٣٤٦/٣
(٥) انظر: البحر ٢٠/٦.
٣٣٠

- الإسراء-
والأولى للبيان فلذلك اتَّحد متعلَّقُهما. وقال الحوفي: ((الثانية بدلٌ مِن
الأولى، وليس كذلك لاختلاف معنييهما. والباءُ بعد «كَفَى)) تقدَّم الكلامُ
عليها(١). وقال ابن عطية: ((إنما يُجاءُ بهذه الباءِ في موضعٍ مَدْحٍ أوذم)).
والباء في ((بذنوب)) متعلقةٌ بـ ((خبيراً))، وعَلَّقها الحوفيُّ بـ ((كَفَى)). قال
الشيخ (٢): ((وهو وهمٌ)). قلت: إنما جَعَلَه وهماً لأنه لا يَتَعَدَّى بالباء، ولا يليق
به المعنى .
آ. (١٨) قوله تعالى: ﴿مَنْ كان﴾: ((مَنْ)) شرطيةٌ، و((عَجِّلْنا))
جوابُه، و((ما يشاء)) مفعولُه، و((لِمَنْ نريدُ)) بدلُ بعضٍ من كل، من الضمير
في (( له )) بإعادةِ العاملِ، و((لِمَنْ نريد)) تقديرُه: لمَنْ نريدُ تعجيله له.
قوله: ((ثم جَعَلْنا له جهنّمَ)) (( جَعَلَ)) هنا تصییریةٌ.
قوله: ((يَصْلاها)) الجملةُ حالٌ: إمَّا من الضمير في ((له)) وإمَّا مِنْ
((جهنّم))، و((مَذْمُوماً)) حالٌ مِنْ فاعلِ ((يَصْلاها)). قيل: وفي الكلامِ
حَذْفٌ، وهو حَذْفُ المقابل؛ إذ الأصل: مَنْ كان يريد العاجلةَ وسَعَیْ لها
سَعْيَها وهو كافرٌ لدلالةِ ما بعده عليه. وقيل: بل الأصل: مَنْ كان يريد العاجلة
بعمله(٣) للآخرةِ كالمنافِقِ.
آ. (١٩) قوله تعالى: ﴿سَعْيَهَا﴾: فيه وجهان، أحدُهُما: أنه
مفعولٌ به لأنَّ المعنى: وعَمِل لها عملَها. والثاني: أنه مصدرٌ، و((لها))،
أي: مِنْ أجلِها.
(١) انظر: الدر المصون ٥٨٦/٣، والورقة ٥٦٨ ب، ٥٦٩ أ من هذا الجزء.
(٢) البحر ٢٠/٦.
(٣) أي: مقابل عمله للآخرة وبدلاً عنه.
٣٣١

- الإسراء-
قوله: ((وهو مؤمِنٌ)) هذه الجملةُ حالٌ مِنْ فاعل ((سعىْ)).
آ. (٢٠) قوله تعالى: ﴿كُلَّا تُمِدُّ هؤلاء﴾: ((كُلَّ)) منصوب
بـ ((نُمِدُّ)) و((هؤلاء)) بدلُ، ((وهؤلاء)) عطفٌ عليه، أي: كلَّ فريق نُمِدُّ
هؤلاء الساعين بالعاجلة، وهؤلاء الساعين للآخرة، وهذا تقديرُ جيد. وقال
الزمخشري(١) في تقديرِه: ((كلَّ واحد من الفريقين نُمِدُّ). قال الشيخ(٢):
(كذا قَدَّرَه الزمخشريُّ، وأعربوا ((هؤلاء)) بدلاً مِنْ ((كُلَّ)) ولا يَصِحُّ أن يكونَ
بدلاً مِنْ ((كل)) على تقدير: كلَّ واحد، لأنه إذ ذاك بدلُ كل من بعض،
فينبغي أن يكونَ التقدير: كلَّ الفريقين))(٣).
و ((مِنْ عطاء)) متعلقٌ بـ (( نُمِدُّ)). والعطاءُ اسمُ مصدرٍ واقعٌ موقعَ اسم
المفعول.
والمَحْظور: الممنوعُ، وأصله مِن الحَظْرِ وهو: جَمْعُ الشيءِ في
حَظيرة، والحَظيرة: ما يُعْمل مِنْ شجرٍ ونحوِهِ لتَأْوِي إليه الغنم، والمُحْتَظِرِ:
مَنْ يعمل الحظيرة.
آ. (٢١) قوله تعالى: ﴿كيف فَضَّلْنَا﴾: ((كيف)) نصبٌ: إِمَّا على
التشبيه بالظرف، وإمَّا على الحال، وهي معلِّقَةٌ لـ((انظرْ)) بمعنى فَكِّرْ،
أو بمعنى أبصرْ (٤).
(١) الكشاف ٤٤٣/٢.
(٢) البحر ٢١/٦.
(٣) أي فيكون بدل كل من كل على جهة التفصيل، كما قال أبو حيان .
(٤) أي يجوز أن تكون ((انظر)) من نظر الفكر فيكون قلبياً علقه الاستفهام، أو من نظر
البصر فيكون معلقاً بتأويل أن النظر سبب إلى العلم، فجاز أن يعلق. انظر: البحر
٢١/٦.
٣٣٢

- الإسراء-
قوله: ((وأكثر تَفْصيلاً))، أي: من درجاتِ الدنيا، ومِنْ تفضيلِ الدنيا.
آ. (٢٢) قوله تعالى: ﴿فَتَقْعُدَ﴾: يجوز أن تكونَ على بابها(١)،
فينتصِبَ ما بعدها على الحال، ويجوزُ أَنْ تكونَ بمعنى ((صار)) فينتصبَ على
الخبرية، وإليه ذهب الفراء(٢) والزمخشري (٣)، وأنشدوا في ذلك(٤):
ولا الوشاحان ولا الجِلْبابُ
٣٠٤٣- لا يُقْنِعُ الجاريةَ الخِضابُ
ويَقْعُدَ الْأَيْرُ له لُعابُ
من دون أن تلتقي الأرکابُ
أي: ويَصِير. والبصريون لا يَقيسون هذا، بل يَقْتَصِرون به على المَثَل
في قولهم: ((شَحَذَ شفرته حتى فَعَدَتْ كأنها حَرْبَةٌ)).
آ. (٢٣) قوله تعالى: ﴿أَنْ لا تَعْبُدوا إلا إياه﴾: يجوز أَنْ تكونَ
(((أنْ)) مفسِّرةً؛ لأنها بعد ما هو بمعنى القول، و((لا)) ناهيةٌ. ويجوز أَنْ تكونَ
الناصبةَ، و((لا)) نافيةٌ، أي: بأنْ لا، ويجوزُ أن تكونَ المخففةَ، واسمُها
ضميرُ الشأن، و((لا)) ناهيةٌ أيضاً، والجملةُ خبرُها، وفيه إشكالٌ: من حيث
وقوعُ الطلبِ خبراً لهذا الباب. ومثلُه في هذا الإِشكالِ قولُه: ((أَنْ بُوْرِك مَنْ
في النار))(٥)، وقوله: ((أنْ غَضِبَ اللَّهُ عليها))(٦) لكونِه دعاءً وهو طَلَبٌ أيضاً،
ويجوز أَنْ تكونَ الناصبةَ و((لا)) زائدة. قال أبو البقاء(٧): ((ويجوز أَنْ يكونَ
(١) أي فعلاً تاماً.
لم يرد هذا القول في ((معاني القرآن)).
(٢)
(٣) الكشاف ٢ / ٤٤٤.
الأبيات لبعض بني عامر. وهي في اللسان (قعد)، والبحر ٢٢/٦.
(٤)
الآية ٨ من النمل «فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها)».
(٥)
(٦) الآية ٩ من النور، وهي قراءة نافع. انظر: السبعة ٤٥٣.
الإملاء ٢ /٩٠.
(٧)
٣٣٣

- الإسراء -
في موضع نصبٍ، [أي: ] أَلْزَمَ ربُّك عبادتَه و((لا)) زائدةٌ)). قال الشيخ(١):
((وهذا وهمّ لدخولٍ ((إلا)) على مفعولِ ((تَعْبدوا)) فَلَزِم أن يكونَ نَقْيَاً
أو نھیاً».
وقرأ الجمهور ((قَضَى )) فعلاً ماضياً، فقيل: هي على موضوعِها
الأصلي. قال ابنُ عطية: ((ويكون الضمير في ((تَعْبُدُوا)) للمؤمنين من الناسِ
إلى يومِ القيامةِ)) وقيل: هي بمعنىْ أَمَر. وقيل: بمعنى أَوْحَى، وقيل: بمعنى
حَكْم، وقيل: بمعنى أَوْجَبَ أو ألزم.
وقرأ(٢) بعضُ وَلَد معاذٍ بن جَبَل ((وقضاء)) / اسماً مصدراً مرفوعاً
بالابتداء، و((أَنْ لا تَعْبُدوا)) خبرُه.
[٥٧٠/ب]
قوله: ((وبالوالدَيْن إحساناً)) قد تقدَّم نظيرُه في البقرة(٣). وقال الحوفي :
((الباءُ متعلقةٌ بـ ((قضىُ))، ويجوز أن تكونَ متعلقةً بفعلٍ محذوفٍ تقدیرُه:
وأَوْصى بالوالدين إحساناً، وإحساناً مصدر، أي: يُحْسِنون بالوالدين إحساناً».
وقال الواحديُّ: ((الباءُ مِنْ صلة الإِحسانِ فَقُدِّمَتْ عليه كما تقول: بزیدٍ
فأنْزِلْ)). وقد مَنَعَ الزمخشريُّ (٤) هذا الوجهَ قال: ((لأنَّ المصدرَ لا يتقدَّم عليه
معمولُه))(٥). قلت: والذي ينبغي أن يُقال: إن هذا المصدرَ إنْ عَنَى به أنه
يُنْحَلُّ لحرفٍ مصدريٍّ وفِعْلٍ فالأمرُ على ما ذَكَرَ الزمخشريُّ، وإن كان بدلاً
مِنَ اللفظ بالفعلِ فالأمرُ على ما قال الواحديُّ، فالجوازُ والمنعُ بهذين
الاعتبارين.
(١) البحر ٢٥/٢.
(٢) الإتحاف ١٩٥/٢، البحر ٢٥/٦، الشواذ ٧٦.
(٣) الآية ٨٣ من البقرة!
(٤) الكشاف ٤٤٤/٢.
(٥) مطبوعة الكشاف: ((صلته)).
٣٣٤

- الإِسراء -
وقال ابنُ عطية: ((قوله بالوالدَيْن إحساناً عطف على ((أنْ)) الأولى،
أي: أَمَر اللّهُ أَنْ لا تعبدوا إلا إياه، وأن تُحْسِنوا بالوالدَيْن إحساناً)). واختار
الشيخُ(١) أَنْ يكون ((إحساناً)) مصدراً واقعاً موقعَ الفعلِ، وأنَّ ((أنْ))
مفسرةٌ، و((لا)) ناهيةٌ. قال: ((فيكون قد عَطَفَ ما هو بمعنى الأمرِ على نَّهْيٍ
کقوله(٢):
يقولون: لا تَهْلِكْ أَسَىَّ وتَجَمَّلِ
٣٠٤٤-
قلت: و((أَحْسَنَ)) و((أساء)) يتعذَّيان بـ إلى وبالباء. قال تعالى: ((وقد
أَحْسَنَ بي))(٣) وقال كثِر عَزَّةً(٤):
٣٠٤٥- أسِيْئِي بنا أو أَحْسِنِي لا مَلومةٌ
وكأنه ضُمِّن ((أَحْسَن )) لمعنى ((لَطْف)) فتعدَّى تعديته.
قوله: ((إِمَّا يَبْلُغَنَّ)) قرأ الأخَوان(٥) ((يَبْلُغَانٌّ)) بألفِ التثنيةِ قبل نونِ
التوكيدِ المشدَّدةِ المكسورةِ، والباقون دونَ ألفٍ وبفتحِ النون. فأمَّا القراءةُ
الأولى ففيها أوجهٌ، أحدها: أن الألفَ ضميرُ الوالدين لتقدُّم ذكرهما،
و ((أَحَدُهما)) بدلٌ منه، و((أو كلاهما)) عطفٌ عليه. وإليه نحا الزمخشريُّ(٦)
(١) البحر ٢٥/٦.
(٢) تقدم برقم (١٨٢٥).
(٣) الآية ١٠٠ من يوسف.
(٤) تقدم برقم (٢٤٩٩).
(٥) حمزة والكسائي. انظر: السبعة ٣٧٩، البحر ٢٦/٦، التيسير ١٣٩، الحجة ٣٩٩،
النشر ٣٠٦/٢.
(٦) الكشاف ٤٤٤/٢.
٣٣٥

- الإِسراء -
وغيرُه. واستشكله بعضُهم(١) بأنَّ قولَه ((أحدُهما)) بدلُ بعضٍ مِنْ كل، لا كلِّ
من كل، لأنه غيرُ وافٍ بمعنى الأول، وقوله بعد ذلك ((أو كلاهما)) عطفُ على
البدلِ، فيكونُ بدلاً، وهو مِنْ بدل الكلِّ من الكل؛ لأنه مرادفٌ لألف التثنية.
لكنه لا يجوز أن يكونَ بدلاً لعُرُوِّه عن الفائدة؛ إذ المستفادُ من ألفِ التثنيةِ
هو المستفادُ مِنْ ((كِلاهما)) فلم يُفِدِ البدلُ زيادةً على المبدلِ منه.
قلت: هذا معنى قولِ الشيخِ . وفيه نظرً؛ إذ لقائلٍ أن يقول: مُسَلَّمٌ
أنه لم يُفِدِ البدلُ زيادةً على المبدلِ منه، لكنه لا يَضُرُّ لأنه شأنُ التأكيد،
ولو أفاد زيادةً أخرى غيرَ مفهومةٍ من الأولِ كان تأسيساً لا تأكيداً. وعلى
تقدير تسليمِ ذلك فقد يُجابُ عنه بما قال ابنُ عطية فإنه قال بعد ذِكْره هذا
الوجهَ: ((وهو بدلٌ مُقَسِّمٌ كقولِ الشاعرِ(٣):
٣٠٤٥- وكنت كذي رِجْلَيْنِ رجلٍ صحيحةٍ
ورِجْلٍ رَمَىْ فيها الزمانُ فَشَلَّتِ
إلا أنَّ الشيخ (٣) تعقَّب كلامَه فقال: ((أمَّا قولُه بدلٌ مُقَسِّمٌ كقوله:
((وكنتُ ... )) فليس كذلك؛ لأنَّ شرطَه العطفُ بالواو، وأيضاً فشرطُه: أن
لا يَصْدُقَ المُبْدَلُ منه على أحدٍ قِسْمیه، لكنْ هنا یَصْدُقُ علی أحدٍ قسمَيْه، ألا ترى
أنَّ الألفَ وهي المبدلُ منه يَصْدُقُ على أحدٍ قِسْمَيْها وهو (( كلاهما )» فليس من
البدلِ المقسِّم)). ومتى سُلِّم له الشرطان لزم ما قاله.
الثاني: أن الألفَ ليست ضميراً بل علامةُ تثنيةٍ و((أحدُهما)) فاعلٌ
بالفعلِ قبلَه، و((أو كلاهما)) عطفٌ عليه. وقد رُدَّ هذا الوجهُ: بأن شرطَ
الفعلِ المُلْحَقِ به علامة تثنيةٍ أن يكون مسنداً لمثنَّى نحو: قاما أخواك،
(١) انظر: البحر ٢٦/٦ - ٢٧.
(٣) البحر ٢٧/٦ .
(٢) تقدم برقم (١١٩١).
٣٣٦

- الإِسراء -
أو إلى مُفَرَّق بالعطف بالواو خاصةً على خلاف فيه نحو: ((قاما زيد وعمرو))،
لكنَّ الصحيحَ جوازُه لورودِه سماعاً كقوله(١):
٣٠٤٦-
وقد أَسْلماه مُبْعَدٌ وحميم
والفعلُ هنا مسندٌ إلى ((أحدُهما)) وليس مثنى ولا مفرَّقاً بالعطف بالواو.
الثالث: نُقِل عن الفارسيِّ(٢) أنَّ / ((كلاهما)) توكيدٌ، وهذا لا بدَّ من [٥٧١/أ]
إصلاحِه بزيادةٍ، وهو أن يُجْعَلَ ((أحدُهما)) بدلَ بعضٍ من كل، ويُضْمَرَ بعدَه
فعلٌ رافعٌ لضمير تثنية، ويقع ((كلاهما)) توكيداً لذلك الضميرِ تقديرُه:
أو يَبْلُغا كلاهما، إلا أنَّ فيه حَذْفَ المؤكَّد وإبقاءَ التوكيد، وفيها خلافٌ،
أجازها الخليل وسيبويه(٣) نحو: «مررت بزيدٍ ورأيت أخاك (٤) أنفسهما))
بالرفع والنصب، فالرفعُ على تقديرٍ: هما أنفسُهما، والنصبُ على تقدير
أَعْنِيهما أنفسَهما، ولكنْ في هذا نظرٌ: من حيث إن المنقولَ عن الفارسيِّ مَنَعَ
حَذْفَ المؤكَّد وإبقاءَ توكيدِه، فكيف يُخَرَّجُ قولُه على أصلٍ لا يُجيزُه؟
وقد نصَّ الزمخشريُّ (٥) على مَنْعِ التوكيدِ فقال: فإنْ قلت: لو قيل:
((إِمَّا يَبْلُغَانُّ كلاهما)) كان ((كلاهما)) توكيداً لا بدلاً، فما لكَ زَعَمْتَ أنه بدلٌ؟
قلت: لأنّه معطوفٌ على ما لا يَصِحُّ أن يكون توكيداً للاثنين، فانتظم في
حكمِه، فوجَبَ أن يكونَ مثلَه)). قلت: يعني أنَّ ((أحدُهما)) لا يَصْلُحُ أن
يقعَ توكيداً للمثنى ولا لغيرِهما، فكذا ما عُطِفَ عليه لأنه شريكُه.
(١) تقدم برقم (١٧٨٧).
(٢) الحجة (خ) ٣٤٨/٣ ولكن الفارسي هنا لا يعني التوكيد الصناعي، وإنما من جهة
المعنى .
(٣) انظر: المسألة في: الكتاب ٢٤٧/١.
(٤) مثال الكتاب: وأتاني أخوه .
(٥) الكشاف ٢/ ٤٤٤.
٣٣٧

- الإسراء :-
ثم قال(١): ((فإنْ قلتَ: ما ضَرَّك لو جَعَلْتَه توكيداً (٢) مع كونٍ المعطوفِ
عليه بدلاً، وعَطَفْتَ التوكيدَ على البدل؟ قلت: لو أريد توكيدُ التثنيةِ لقيل:
((كلاهما)) فحسبُ، فلمَّا قيل: ((أحدهما أو كلاهما)) عُلِمَ أنَّ التوكيدَ غيرُ مرادٍ
فكان بدلاً مثلَ الأول)».
الرابع(٣): أَنْ يُرتفعَ «كلاهما)) بفعلٍ مقدَّر تقديرُه: أو يبلغُ كلاهما،
ويكون (( إحداهما)) بدلاً من ألفِ الضمير بدلَ بعضٍ من كل. والمعنى: إمَّا
يَبْلُغَنَّ عندك أحدُ الوالدَيْن أو يبلُغُ كلاهما.
وأمَّ القراءةُ الثانية(٤) فواضحةٌ، و((إِنْ ما)): هي ((إِنْ)) الشرطية زِيْدَتْ
عليها (( ما)) توكيداً، فَأُدْغِم أحدُ المتقاربين في الآخر بعد أن قُلب إليه،
وهو إدغامٌ واجب. قال الزمخشري(٥): ((هي إنْ الشرطيةُ زِيْدَتْ عليها (( ما))
توكيداً لها ولذلك دَخَلَتْ النون، ولو أُفْرِدَتْ ((إِنْ)) لم يَصِحَّ دخولُها،
لا تقول: إن تُكْرِمَنَّ زيداً يُكْرِمْكَ، ولكن: إمَّ تُكْرِمِنَّه.
وهذا الذي قاله أبو القاسم نصَّ سيبويهِ على خلافِه، قال سيبويه(٦):
((وإن شِئْتَ لم تُقْحِمِ النونَ، كما أنك إن شِئْتَ لم تَجِىءُ بـ((ما)). قال
الشيخ (٧): ((يعني مع النون وعَدَمِها)). وفي هذا نظرٌ؛ لأنَّ سيبويه إنما نصَّ
على أن نونَ التوكيد لا يجبُ الإِتيانُ بها بعد ((أمَّا))، وإن كان أبو إسحاقَ قَال
(١) الكشاف ٤٤٤/٢.
(٢) الأصل: ((بدلاً)) وهو سهو، والتصحيح من الكشاف.
(٣) أي في تخريج قراءةُ ((يَبْلُغَنِّ)).
(٤) أي: يبلغنَّ.
(٥) الكشاف ٢/ ٤٤٤
(٦) الكتاب ١٥٢/٢.
(٧) البحر ٢٦/٢.
٣٣٨

- الإسراء-
بوجوب ذلك. وقوله بعد ذلك ((كما أنّك إنْ شِئْتَ لم تجئْ بـ ((ما))، ليس
فيه دليلٌ على جوازٍ توكيدِ الشرط مع إنْ وحدها.
و ((عندك)» ظرفٌ لـ ((يَبْلُغَنَّ))، و«كِلا)) مثَّةٌ معنىً من غيرٍ خلافٍ،
وإنما اختلفوا(١) في تثنيتها لفظاً: فمذهبُ البصريين أنها مفردةٌ لفظاً، ووزنُها
على فِعَل كـ ((مِعَى)) وألفُها منقلبةٌ عن واوٍ بدليل قلبِها تاءً في ((كِلْتا)) مؤنثَ
((كِلا)) هذا هو المشهور. وقيل: ألفُها عن ياء وليس بشيءٍ. وقال الكوفيون
- وتبعهم السهيليُّ(٢) مستدلِّين على ذلك بقوله(٣):
٣٠٤٧- في كلتِ رِجْلَيْها سُلامى واحدَه
فَنَطَّق بمفردِها -: هي مثنَّةٌ لفظاً، ولذلك تُعْرَبُ بالألفِ رفعاً والياء
نصباً وجراً، فألفُها زائدةً على ماهية الكلمة كألف ((الزيدان))، ولامُها
محذوفةٌ عند السهيليِّ، ولم يأتِ عن الكوفيين نَصِّ في ذلك، فاحتمل أن
يكونَ الأمرُ كما قال السهيليُّ، وأن تكونَ موضوعةً على حرفَّيْن فقط، لأنَّ مِنْ
مذهبِهِم جوازَ ذلك في الأسماءِ المعربة .
وحكمها أنها متى أُضيفت إلى مضمرٍ أَعْرِبت إعرابَ المثنى، أو إلى
ظاهرٍ أُعْرِبَتْ إعرابَ المقصورِ عند جمهورِ العربِ، وبنو كنانةَ يُعْربونها إعرابَ
المثنى مطلقاً فيقولون: رأيت كِلَيْ أَخَوَيْك، وكونُها جَرَتْ مَجْرى المثنى مع
(١) انظر: المسائل البصريات ٨٩٤، سر الصناعة ١٤٩/١، شرح المفصل ٥٤/١،
٦/٦.
(٢) نتائج الفكر ٢٨٣ .
(٣) لم أهتدِ إلى قائله، وهو في اللسان (كلا)، والعيني ١٥٩/١، والهمع ٤١/١،
والدرر ١٦/١، والخزانة ٦٢/١. وبعده:
كلتا هما مقروتَةٌ بزائدَةْ
٣٣٩

- الإسراء بـ
المضمرِ دونَ الظاهر يضيق الوقتُ عن ذكره فإِنِّي حَقْقْتُه في ((شرح التسهيل)).
ومن أحكامِها: أنها لا تُضاف إلا إلى مثنى لفظاً ومعنى نحو: ((كِلا
[٥٧١/ب] الرجلين)، أو معنىٍّ لا لفظاً نحو: / «كِلانا))، ولا تُضاف إلى مُفَرَّقَيْنِ بالعطفِ
نحو: ((كِلا زيد وعمرو)) إلا في ضرورةٍ كقوله(١):
٣٠٤٨- كِلا السيفِ والسَّاقِ الذي ذهبَتْ به
على مَهَلٍ باثنين ألقاه صاحبُهْ
وكذا لا تُضافُ إلى مفردٍ مرادٍ به التثنيةُ إلا في ضرورةٍ كقوله(٢):
وكِلا ذلك وَجْهِ وَقَبَلْ
٣٠٤٩- إنَّ للخير والشرِّ مَدَى
والأكثرُ مطابَقَتُها(٣) فَيُفْرَدُ خبرُها وضميرُها نحو: كلاهما قائمٌ، وكلاهما
ضربتُه، ويجوزُ في قليل: قائمان، وضربتُهما، اعتباراً بمعناها، وقد جَمَعَ
الشاعرُ بينهما في قوله (٤):
٣٠٥٠- كلاهما حينَ جَدَّ الجَرْيُ بينهما قد أقلعا وكِلا أَنْفَيْهما رابي
وقد يَتَعَيِّنُ اعتبارُ اللفظِ نحو: كِلانا كفيلُ صاحبِهِ، وقد يتعيِّنُ اعتبارُ
المعنى، ويُستعمل تابعاً توكيداً، وقد لا يَتْبَعُ فيقع مبتدأً ومفعولاً به ومجروراً.
و((كلتا)) في جميعِ ما ذُكِر كـ ((كلا))، وتاؤها بدلٌ عن واوٍ، وألفُها للتأنيث،
ووزنُها فِعْلی کذكرى. وقال يونس: ألفُها أصلٌ وتاؤها مزيدةٌ، ووزنُها فِعْتَل.
(١) لم أهتدٍ إلى قائله، وهو في ابن يعيش ٣/٣، وشرح التصريح ٢٢/٢.
(٢) تقدم برقم (٤٥٣).
(٣) لأن لفظها مفرد.
(٤) البيت للفرزدق، وهو في ديوانه ٣٣، والخصائص ٤٢١/٢، وابن يعيش ٥٤/١،
والعيني ١٥٧/١.
٣٤٠