النص المفهرس

صفحات 301-320

- النحل -
آ. (١٢٠) قوله تعالى: ﴿أُمَّةً﴾: تُطْلَقُ الأمَّةِ (١) على الرجل
الجامع لخصالٍ محمودة. وقيل: فُعْلَةُ تدل على المبالغةِ، وإلى المعنى
الأولِ نَظَرَ ابنُ هانىٍ في قوله(٢):
أن يَجْمَعَ العالَمَ في واحِدٍ
٣٠٢٤ - وليس لله بمُسْتَنْكَرٍ
آ. (١٢١) قوله تعالى: ﴿شاكراً﴾: يجوز أن يكونَ خبراً ثالثاً، أو حالاً
مِنْ أحدِ الضميرين في ((قانتاً)) أو (( حنيفاً)).
قوله: ((لِنْعُمِه)) يجوز تعلُّقه بـ((شاكراً)) أو بـ((اجتباه))، و((اجتباه )): إمَّا
حالٌ، وإمَّا خبرٌ آخرُ لـ كان. و((إلى صراط)) يجوز تعلَّقُه بـ(( اجتباه)) وبـ ((هداه))
على قاعدة التنازع.
آ. (١٢٣) قوله تعالى: ﴿ثم أُوْحينا﴾: قال الزمخشري(٣): «في « ثم )»
هذه ما فيها مِنْ تعظيم منزلتِهِ وإجلالٍ مَحَلِّه، والإِيذانُ بأنَّ أَشْرَفَ ما أُوتِي خليلُ
الرحمنِ من الكرامةِ وأَجَلَّ ما أُولِيَ من النعمة اتَّبَاعُ رسول الله صلى الله عليه وسلم (٤)
من قِبَلٍ أنها دَلَّتْ على تباعُدِ هذا النعتِ في الرتبةِ مِنْ بينِ سائرِ النُّعوتِ التي أثنى اللَّهُ
عليه بها)) .
قوله: (أَنِ اتَّبِعْ)) يجوز أن تكونَ المفسِّرةَ، وأن تكونَ المصدريةَ فتكونَ مع
منصوبِها مفعولَ الإِيحاء.
(١) انظر: البحر ٥٤٧/٥.
(٢) وهو أبو نواس، ديوانه ٣٤٩/١، دلائل الإعجاز ١٥٢، والبحر ٥٤٧/٥.
(٣) الكشاف ٤٣٤/٢ .
(٤) عبارة الكشاف ((اتباع ملته)) وكتبها السمين ثم شطبها.
٣٠١

- النحل -
قوله: ((حنيفاً)) حالٌ، وتقدَّم تحقيقُه في البقرة(١). وقال ابن عطية(٢): ((قال
مكي(٣): ولا يكون - يعني حنيفاً - حالاً من ((إبراهيم)) لأنه مضافٌ إليه، وليس كما
قال؛ لأن الحالَ قد تعمل فيها حروفُ الجرِّ إذا عَمِلَتْ في ذي الحال كقولك «مررتُ
بزیدٍ قائماً». قلت: ما ذكره مکيُّ من امتناع الحال من المضاف إليه فلیس(٤) على
إطلاقه لِما تقدَّم تفصيلُه في البقرة (٥). وأمَّا قولُ ابن عطية: إن العاملَ الخافضُ فليس
كذلك، إنما العاملُ ما تعلَّق به الخافضُ، ولذلك إذا حُذِفَ الخافضُ، نُصِبَ
مخفوضُه.
آ. (١٢٤) قوله تعالى: ﴿إِنما جُعِلَ﴾: العامَّةُ على بنائِه للمفعول،
وأبو حَيْوةَ(٦) على بنائه للفاعلِ، ((السَّبْتَ)) مفعول به .
آ. (١٢٥) قوله تعالى: ﴿ادْعُ﴾: يجوز أن يكون مفعولُه مراداً، أي : ادعُ
الناسَ، وأن لا يكونَ، أي: افعلِ الدعاءَ. و((بالحكمة)) حالٌ، أي: ملتبساً بها ..
أ. (١٢٦) قوله تعالى: ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ فعاقِبوا﴾: العامَّةُ على المُفاعلة،
وهي بمعنى فَعَلَ كسافَرٍ، وابنُ سيرين (٧) ((عَقَّبتم)) بالتشديد بمعنى: قَفِيْتُمْ فَقَفُوا
بمثلِ ما فُعِل بكم. وقيل: تَبَّعْتُم(٨). والباءُ مُعَدِّيَةٌ، وفي قراءةِ ابنِ سيرين: إمّا
(١) الآية ١٣٥. وانظر: الدر المصون ١٣٦/٢.
(٢) المحرر ٥٤٣/٨.
(٣) المشكل ٢٢/٢ .
(٤) على تقدير زيادة الفاء، أو توهُّم ((أمَّا)) قبلها.
(٥) انظر: الدر المصون ١٣٦/٢.
(٦) الشواذ ٧٤، الإتحاف ١٩١/٢، البحر ٥٤٩/٥.
(٧) المحتسب ١٣/٢، البحر ٥٤٩/٥.
(٨) وهو تقدير ابن جني في المحتسب، والأول تقدير أبي حيان.
٣٠٢

- النحل -
للسببيةِ، وإمَّا مزيدةٌ.
قوله: ((للصَّابرين)) يجوز أن يكونَ عامَّاً، أي: الصبرُ خيرٌ لجنسِ الصابرين،
وأن يكونَ مِنْ وقوعِ الظاهر موقعَ المضمر، أي : صَبْرُكم خيرٌلكم.
آ. (١٢٧) قوله تعالى: ﴿إِلَّ بالله﴾: أي: بمعونتِهِ فهي للاستعانة.
قوله: ((في ضيق)) ابن كثير(١) هنا، وفي النمل(٢)؛ بكسر الصاد، والباقون
بالفتح . فقيل: لغتان بمعنىَّ في هذا المصدر، كالقَوْل والقِيْل. وقيل: المفتوحُ
مخفَّفٌ من ((ضَيِّق)) كَمَيْت في ((مَيِّت))، أي: في أمرٍ ضَيِّق. ورَدَّه الفارسيُّ(٣): بأنَّ
الصفةَ غيرُ خاصةٍ بالموصوف فلا يجوز ادِّعاءُ الحذفِ، ولذلك جاز: ((مررت بكاتبٍ)»
وامتنع (( بآكلٍ )).
قوله: (مَمَّا يَمْكُرون)) متعلقٌ بـ ((ضَيْق)). و((ما)) مصدريةٌ أو بمعنى الذي،
والعائد محذوفٌ.
[تمَّت بحمد الله]
(١) السبعة ٣٧٦. وقال: ((وكذلك روى أبو عبيد عن إسماعيل بن جعفر، عن نافع
وخلف، عن المسيبي، عن نافع، وهو وهم في روايتهما جميعاً)). وانظر:
البحر ٥٥٠/٥، القرطبي ٢٠٣/١٠، الحجة ٣٩٥، النشر ٣٠٥/٢، الإتحاف
٠١٩١/٢
(٢) الآية ٧٠.
(٣) الحجة (خ) ٣٣٦/٣، فمذهب الفارسي كما بسطه في البحر ٥٥٠/٥ أنهما لغتان،
لأنه لو كان مخففاً من ((ضيِّق)) لزم أن تقام الصفة مقام الموصوف إذا تخصص
الموصوف، وليس هذا موضع ذلك، والصفة إنما تقوم مقام الموصوف إذا تخصص
الموصوف من نفس الصفة كما تقول: ((رأيت ضاحكا))، فإنما تخصص الإِنان،
ولو قلت: ((رأيت بارداً)) لم يَحْسُنْ، و((ضيق)» لا يخصص الموصوف.
٣٠٣

/ سورة الإِسراء
[٥٦٦/أ]
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (١) قوله تعالى: ﴿سُبْحَان﴾: قد تقدَّم الكلامُ عليه مستوفى أول
البقرة(١). و((أسْرى)) و((سَرَىْ)) لغتان، وقد تقدَّم الكلام عليهما في سورة هود(٢)،
وأن بعضَهم خَصَّ ((أَسْرى)) بالليل. قال الزمخشري(٣) هنا: ((فإن قلتَ: الإِسراءُ
لا يكون إلا ليلاً فما معنى ذِكْرِ الليلِ؟ قلت: أراد بقوله ((ليلاً » بلفظ التنكيرِ تقليلَ
مدةِ الإِسراءِ، وأنه أُسْرِي به في بعضِ الليلِ من مكةً إلى الشام مسيرةً أربعين
ليلةً؛ وذلك: أنَّ التنكيرَ دلَّ على البعضية، ويَشْهد لذلك قراءةُ عبدِ الله وحذيفة (٤)
((من الليل))، أي: بعضه كقوله: ((ومِن الليلِ فتهجَّدْ به))(٥). انتهى. فيكون
((سَرَى)) و((أسْرَىْ)) كـ ((سَقَىْ)» و «أَسْقَىْ)» والهمزةُ ليست للتعديةِ، وإنما
المُعَدَّى الباءُ في (( بعبده))، وقد تقدَّم أنها لا تَقْتضي مصاحبةَ الفاعلِ للمفعول
عند الجمهور، في البقرة خلافاً للمبرد(٦).
(١) الآية ٣٢ من البقرة. الدر المصون ٢٦٥/١.
(٢) الآية ٨١ من هود. الدر المصون ٣٦٤/٦.
(٣) الكشاف ٤٣٦/٢.
(٤) البحر ٥/٦.
(٥) الآية ٧٩ من الإِسراء.
(٦) انظر: المغني ١٣٨، والدر المصون ١٦٢/١، وشرح الجمل لابن عصفور
٠٤٩٣/١
٣٠٥

- الإسراء -
وزعم ابنُ عطية(١) أنَّ مفعولَ ((أَسْرى)) محذوفٌ، وأنَّ التعديةَ بالهمزة
فقال: ((ويَظْهر أنَّ ((أَسْرَى)) مُعَدَّاةٌ بالهمزةِ إلى مفعولٍ محذوفٍ، أي:
أَسْرى الملائكةُ بعبدِه، لأنه يَقْلَقُ أَنْ يُسْنَد ((أسرى)) وهو بمعنى ((سرى)) إلى الله
تعالى؛ إذ هو فعلٌ يقتضي النَّقْلة كمشى وجرى وأحضر وانتقل، فلا يَحْسُنُ إسنادُ
شيءٍ من هذا مع وجودٍ مَنْدوحةٍ عنه، فإذا وقع في الشريعة شيءٌ من ذلك تَأَوَّلْنَاه
نحو: أَتَيْتُه هَرْوَلة))(٢).
قلت: وهذا كلُّهِ إنما بناه اعتقاداً على أن التعديةَ بالباء تقتضي مصاحبةً
الفاعلِ للمفعول في ذلك، وقد تقدَّم الردُّ على هذا المذهبِ في أول البقرة في
قوله ((ولو شاء الله لَذَهَبَ بِسمعهم))(٣). ثم جوز أن يكونَ (( أَسْری)» بمعنى
((سَرَىْ)) على حَذْفِ مضافٍ كقولِه: ((ذَهَب اللَّهُ بنورِهِم))(٤)، يعني فيكون
التقدير: الذي أَسْرَى ملائكتُه بعبدِه، والحاملُ له على ذلك ما تقدَّم من اعتقاد
المصاحبة .
قوله: ((لَيْلاً)) منصوبٌ على الظرف. وقد تقدَّم فائدةُ تنكيرِه. و((من
المسجد)) لابتداء الغاية .
قوله: ((حولَه)) فيه وجهان، أظهرُهما: أنه منصوبٌ على الظرف، وقد تقدُّم
(١) انظر: البحر ٤/٦
(٢) ((وإن أتاني يمشي أتيته هرولة)). رواه البخاري. انظر: الفتح ٣٨٤/١٣، ١٥ باب
قول الله تعالى: ويحذركم الله نفسه. من كتاب التوحيد. ورواه أحمد في مسنده
٢٥١/٢.
(٣) الآية ٢٠. وهذا سهرٌ منه فحديثه عن المسألة جاء في الآية ١٧ .
(٤) الآية ١٧ من البقرة.
٣٠٦

- الإسراء -
تحقيقُ القولِ فيه أولَ البقرة(١). والثاني: أنه مفعولٌ. قال أبو البقاء(٢): ((أي:
طَيِّبْنا ونَمَّيْنا)). يعني ضَمَّنه معنى ما يتعدَّى بنفسه، وفيه نظرٌ لأنه لا يَتَصَرَّف.
قوله: ((لِنُرِيَهُ)) قرأ العامَّةُ بنونِ العظمة جَرْياً على ((بارَكْنا)). وفيهما
التفاتان: مِن الغَيْية في قوله ((الذي أسرى بعبده)) إلى التكلُّم في ((بارَكْنا))
و ((لِنُرِيَه))، ثم التفت إلى الغَيْبة في قولِه ((إنه هو)) إن أَعَدْنا الضميرَ على اللَّهِ
تعالى وهو الصحيحُ، ففي الكلام التفاتان .
وقرأ (٣) الحسن ((لِيُرِبَه )) بالياءِ مِنْ تحتُ أي الله تعالى، وعلى هذه القراءةِ
يكون في هذه الآية أربعةُ التفاتات: وذلك أنَّه التفت أولاً من الغَيْبة في قوله ((الذي
أَسْری بعبده)» إلى التكلم في قوله ((بارَكْنا)»، ثم التفت ثانياً من التكلم في ((بارَكْنا)»
إلى الغيبة في ((ليُرِيَه)) على هذه القراءة، ثم التفت بالياء من هذه الغَيْبة إلى
التكلم في (( آياتنا)»، ثم التفت رابعاً من هذا التكلم إلى الغيبة في قوله ((إنه هو))
على الصحيح في الضميرِ أنَّه لله، وأمَّا على قولٍ نقله أبو البقاء (٤) أن الضمير في
(إنه هو)) للنبيُّ صلى الله عليه وسلم، فلا يجيءُ ذلك، ويكون في قراءة العامَّةِ
التفاتٌ واحدٌ، وفي قراءة الحسنِ ثلاثةٌ. وهذا موضعٌ غريبٌ، وأكثرُ ما وَرَدَ
الالتفاتُ [ فيه ] ثلاثُ مرات على ما قال الزمخشري (٥) في قولِ امرىء القيس:
٣٠٢٥- تطاوَلَ ليلُكَ بالإِثْمِدِ
(١) على نحوٍ مختصر. الدر المصون ١٦١/١.
(٢) الإملاء ٨٧/٢.
الإتحاف ١٩٢/٢، البحر ٦/٦، الكشاف ٤٣٧/٢. وقال ابن خالويه في
(٣)
الشواذ ٧٤: ((قراءة الحسن ((لنَريه)) بفتح النون)) ولعله يعني فتح النون والراء.
(٤) الإِملاء ٨٧/٢.
(٥) الكشاف ٦٣/١، وتقدم قول امرىء القيس برقم (٦٤).
٣٠٧

- الإسراء -
الأبيات. وقد تقدَّم النزاعُ معه في ذلك، وبعضُ ما يُجاب به عنه أولَ
الفاتحة(١).
ولو ادَّعَىْ مُدَّعِ أنَّ فيها خمسةَ التفاتات(٢) لاحتاج في دَفْعِه إلى دليلٍ
واضحٍ ، والخامس: الالتفاتُ مِنْ ((إنَّه هو)) إلى التكلم في قوله ((وآتَيْنا
موسى)) الآية .
والرؤيةُ هنا بَصَرِيةٌ. وقيل: قلبية وإليه نحا ابن عطية، فإنه قال(٣):
(ويُحتمل أَنْ يريد: لِنُرِيَ محمداً للناس آيةً، أي: يكون النبي صلى الله
عليه وسلم آيةً في أَنْ يُصنعَ اللَّهُ ببشرٍ هذا الصنعَ)» فتكونُ الرؤيةُ قِلبيةً على
هذا.
آ. (٢) قوله تعالى: ﴿وآتَيْنا﴾: فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أن
[٥٦٦/ب] تُعْطَفَ هذه الجملةُ على الجملةِ السابقة من / تنزيهِ الربِّ تبارك وتعالى
ولا يَلْزَمُ فِي عَطْفِ الجملِ مشاركةٌ في خبرٍ ولا غيرِهِ. الثاني: قال
العسكري (٤): إنه معطوف على ((أسرى)). واستبعده الشيخُ(٥). ووجهُ
(١) انظر: الدر ٥٨/١.
(٢) الأصل: ((التفات)) وهو سهو.
(٣) انظر: البحر ٦/٦.
(٤) كذا في الأصل، وفيه إشكال، ففي مطبوعة البحر (٧/٦) ((العكبري)) وليس في
الإملاء، فلعله تحريف. وورد هذا القول في تفسير القرطبي (٢١٢/١٠) غير
منسوب .
(٥) البحر ٧/٦.
٣٠٨

- الإسراء -
الاستبعادِ: أن المعطوفَ على الصلةِ صلةٌ، فيؤدِّي التقديرُ إلى ضرورةٍ
التركيب: سُبْحان الذي أسرى وآتينا، وهو في قوة: الذي آتينا موسى، فيعود
الضميرُ على الموصولِ ضميرَ تكلمٍ مِنْ غيرِ مسوغ لذلك.
والثالث: أنه معطوف على ما في قوله ((أسرى)) من تقدير الخبر كأنه
قال: أَسْرَيْنا بعبدِنا، وأَرَيْناه آياتِنا وآتَيْنا، وهو قريبٌ مِنْ تفسيرِ المعنى
لا الإعراب.
قوله: ((وَجَعَلْناه)) يجوز أن يعودَ ضميرُ النصبِ للكتاب، وهو الظاهرُ،
وأَنْ يعودَ لموسى عليه السلام.
قوله: ((لبني إسرائيلَ)) يجوز تعلُّقُه بنفس ((هدى)) كقوله: ((يَهْدِي
للحق))(١)، وأَنْ يتعلَّقَ بالجَعْل، أي: جعلناه لأجلِهِم، وأن يتعلَّقَ بمحذوفٍ
نعتاً لـ ((هُدى)).
قوله: ((ألّ تَّخذوا)) يجوز أنْ تكون ((أَنْ)» ناصبةً علی حَذْفِ حرفٍ
العلة، أي: لئلا تَتَّخذوا. وقيل: ((لا )) مزيدةٌ، والتقدير: كراهةَ أَنْ تتخذوا،
وأنْ تكونَ المفسرةَ و((لا)) ناهيةٌ، فالفعلُ منصوبٌ على الأول مجزومٌ على
الثاني، وأَنْ تكونَ مزيدةً عند بعضِهم(٢)، والجملةُ التي بعدها معمولةٌ لقولٍ
مضمر، أي: مقولاً لهم: لا تتخذوا، أو قلنا لهم: لا تتخذوا، وهذا ظاهرٌ في
قراءةِ الخطاب. وهذا مردودٌ بأنه ليس من مواضعِ زيادةٍ ((أَنْ)).
وقرأ أبو عمرٍو (٣) (أَنْ لا يتَّخذوا)) بياء الغَيْبة جَرْياً على قوله ((لبني
إسرائيل)) والباقون بالخطاب التفاتاً.
٠
(١) الآية ٣٥ من يونس.
(٢) ذكره مكي في الكشف ٤٢/٢، والعكبري في الإملاء ٨٧/٢.
(٣) السبعة ٣٧٨، التيسير ١٣٩، القرطبي ٢١٢/١٠، البحر ٧/٦، الحجة ٣٩٦.
٣٠٩
-

- الإسراء :-
آ. (٣) قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ﴾: العامَّةُ على نصبها وفيها أوجنهٌ،
أحدُها: أنها منصوبةٌ على الاختصاصِ، وبه بدأ الزمخشري(١). الثاني: أنَّها
منصوبَةٌ على البدل من ((وَكِيلًا))، أي: أن لا تتخذوا من دونه ذريةَ مَنْ
حَمَلْنا. الثالث: أنها منصوبةٌ على البدلِ مِنْ ((موسى))، ذكره أبو البقاء(٢)
وفيه بُعْدٌ بعيد. الرابع: أنها منصوبةٌ على المفعولِ الأول لـ ((تتخذوا))،
والثاني هو ((وكيلاً)) فَقُدِّم، ويكون ((وكيلاً)) ممَّا وقع مفردَ اللفظ والمَعْنِيُّ به
جمعٌ، أي: لا تتخذوا ذريةً مَنْ حَمَلْنا مع نوح وُكَّلَاءَ كقوله(٣): ((ولا يَأْمُرُكم
أَنْ تَّخذوا الملائكة والنبيين أرباباً».
الخامس: أنها منصوبةٌ على النداء، أي: يا ذريةَ مَنْ حَمَلْنا، وخَصُّوا
هذا الوجهَ بقراءة الخطاب في ((تَتَّخذوا)) وهو واضحٌ عليها، إلا أنه لا يَلْزَمُ،
وإن كان مكيُّ قَد منع منه فإنه قال(٤): ((فأمَّا مَنْ قرأ ((يتَّخذوا)) بالياء فذَرِيَّةً
مفعولٌ لا غيرَ، ويَبْعُدُ النداءُ؛ لأن الياءَ للغَيْبة والنداءَ للخطابِ، فلا يجتمعان
إلا على بُعْدٍ)). وليس كما زعم، إذ يجوزُ أن يُناديَ الإِنسانَ شخصاً ويُخبِرَ عن
آخرَ فيقول: ((يا زيدُ ينطلقُ بكرٌ وفعلتَ كذا)) و ((يا زيدُ ليفعلْ عِمِرٌو کیتَ
و کیت)).
وقرأت(٥) فرقةُ (( ذُرِيَّةُ )) بالرفع، وفيها وجهان، أحدهما: أنها خبرُ
مبتدأ مضمرٍ تقديرُه: هو ذريَّةُ، ذكره [أبو] البقاء(٦) وليس بواضحٍ. والثاني:
(١) الكشاف ٤٣٨/٢
(٢) الإملاء ٨٨/٢.
(٣) الآية ٨٠ من آل عمران.
(٤) المشكل ٢٥/٢.
(٥) وهي قراءة مجاهد كما في الشواذ ٧٤، وانظر: البحر ٧/٦، والكشاف ٤٣٨/٢.
(٦) الإِملاء ٨٨/٢.
٣١٠

- الإسراء-
أنه بدلٌ من واوِ ((تَتَّخذوا)) قال ابن عطية: «ولا يجوز ذلك في القراءةِ بالتاءِ،
لأنك لا تُبْدِلُ من ضميرٍ مخاطب، لو قلت: ((ضربْتُكَ زيداً) على البدل
لم يَجُزْ)».
ورَدَّ عليه الشيخ(١) هذا الإِطلاقَ وقال: ((ينبغي التفصيلُ، وهو إن كان
بدلَ بعضٍ أو اشتمالٍ جاز، وإن كان كلَّ مِنْ كل، وأفاد الإِحاطةً(٢) نحو:
((جئتُمْ كبيرُكم وصغيركم)) جَوَّزه الأخفش والكوفيون. قال: ((وهو الصحيحُ)).
قلت: وتمثيلُ ابنٍ عطيةً بقولِه ((ضَرَبْتُكَ زيدًا) قد يَدْفع عنه هذا الردَّ(٣).
وقال مكي (٤): ((ويجوز الرفعُ في الكلامِ على قراءةٍ مَنْ قرأ بالياء على
البدلِ من المضمرِ في ((يَتَّخذوا)) ولا يَحْسُنُ ذلك في قراءة التاء؛ لأنَّ
المخاطبَ لا يُبْدَلُ منه الغائبُ، ويجوز الخفضُ على البدل من بني إسرائيل».
قلت: أَمَّا الرفعُ فقد تقدَّم أنه قرىء به وكأنه لم يَطَّلِعْ عليه، وأمَّ الجرّ
فلم يُقْرَأْ به فيما عَلِمْتُ ويَرِد عليه في قوله ((لأنَّ المخاطب لا يُبْدَلُ منه الغائبُ))
ما وَرَدَ على ابن عطية، بل أَوْلَى لأنه لم يذكر مثالاً يبِيِّن مرادَه كما فعل
ابنُ عطية / .
[٥٦٧/أ]
(١) البحر ٧/٦. والنص المنقول عن البحر أورده مختصراً، والضابط الذي ذكره النحاة
لا ينسحب على الإبدال من ضمير الغيبة فهو جائز نحو: زره خالداً، وما ذكروه
ينسحب على ضمير الحاضر. انظر: الارتشاف ٦٢٢/٢، شرح ابن عقيل
١٢٦/٣.
(٢) مذهب الأخفش والكوفيين أنه يجوز وإن لم يُفد معنى الإحاطة. انظر: الارتشاف
٦٢٢/٢.
(٣) لأن تمثيله لا يفيد الإحاطة والشمول، فلا يجوز - على مذهب الجمهور - إبدال
((زيداً)) من الكاف.
(٤) المشكل ٢٦/٢.
٣١١

- الإِسراء -
آ. (٤) قوله تعالى: ﴿مَنْ حَمَلْنا﴾: يجوز أن تكونَ موصولةً
أو موصوفةً.
قوله: ((وَقَضَيْنا)) ((قَضَىْ)) يتعدَّى بنفسِه: ((فلمّا قَضَىْ زيدٌ منها
وَطَرَأ))(١) ((فلمَّا قضى موسى الأجلَ))(٢)، وإنما تَعَدَّى هنا بـ ((إلى)) لتضمُّنه
معنى : أَنْفَذْنا وأَوْحَيْنا، أي: وأَنْفَذْنا إليهم بالقضاءِ المحتومِ. ومتعلَّقُ القضاءِ
محذوفٌ، أي: بفسادِهم. وقوله ((لَتُفْسِدُنَّ)) جوابُ قسمٍ محذوفٍ تقدیرُه:
والله لتفسِدُنَّ، وهذا القسمُ مؤكدٌ لمتعلَّق القضاء. ويجوز أن يكونَ ((لَتُفْسِدُنَّ» جواباً
لقوله: ((وقَضَيْنا)) لأنه ضُمِّن معنى القسمِ، ومنه قولُهم: ((قضاء الله لأفعلنَّ)»
فَيُجْرُون القضاء والنَّذْرَ مُجْرى القسم فَيَتَلَّقَّيَان بما يُتَلَقَّى به القسمُ.
والعامَّةُ على توحيد ((الكتاب)) مُراداً به الجنسُ. وابنُ جبير (٣)
وأبو العالية ((في الكُتُبِ)) على الجمع، جاؤوا به نَصَّأَ في الجمع.
وقرأ العامَّةُ بضمِّ التاءِ وكسرِ السينِ مضارعَ ((أفسدَ ))، ومفعولُه محذوفٌ
تقديره: لَتُفْسِدُنَّ الأديانَ. ويجوزُ أنْ لا يُقَدَّر مفعولٌ، أي: لَتُوْقِعُنَّ الفساد.
وقرأ(٤) ابنُ عباسٍ ونصرُ بن علي وجابر بن يزيد(٥) ((لَتُفْسَدُنَ)) ببنائه
(١) الآية ٣٧ من الأحزاب.
(٢) الآية ٢٩ من القصص.
(٣) البحر ٨/٦، الشواذ ٧٤.
(٤) المحتسب ١٤/٢، القرطبي ٢١٤/١٠، البحر ٨/٦، الكشاف ٤٢٨/٢،
الشواذ ٧٥ .
(٥) في الأصل: ((زيد)) وهو تحريف. وجابر بن يزيد أبو عبد الله الجعفي الكوفي، روى
عن عطاء وعكرمة، وروى عنه شعبة والثوري. مات سنة ١٢٨. انظر: تهذيب
التهذيب ٤٦/٢
٣١٢

- الإسراء -
للمفعولِ ، أي: لَيُفْسِدَنَّكم غيرُكم: إمَّا من الإِضلال أو من الغلبة. وقرأ(١)
عيسى بن عمر بفتحِ التاء وضمِّ السين، أي: فَسَدْتُمْ بأنفسِكم.
قوله: ((مَرَّتَيْنِ)) منصوبٌ على المصدر، والعاملُ فيه ((لِتُفْسِدُنَّ)) لأنَّ
التقديرَ: مرتين من الفساد.
قوله: ((عُلُوَّاً)) العامَّةُ على ضمَّ العين واللامِ مصدرَ علا يَعْلُو. وقرأ(٢)
زيد بن عليَّ ((عِلِيَّاً)) بكسرِهما والياء، والأصلُ الواو، وإنما اعتلَّ على اللغة
القليلة؛ وذلك(٣) أن فُعُولاً المصدرَ الأكثرُ فيه التصحيحُ نحو: عَتَاعُتُوَّاً، والإِعلالُ
قليلٌ نحو ((أشدُّ على الرحمنِ عِنَّا))(٤) على أحدِ الوجهين كما سيأتي، وإنْ كان
جمعاً فالكثيرُ الإِعلالُ. نحو: ((جِئَّاً))(٥) وشَذَّ: بَهْوٌ وبُهُوِّ(٦)، ونَجْوٌ وَنُجُوُ(٧)،
وقاسه الفراء.
آ. (٥) قوله تعالى: ﴿وَعْدُ﴾: أي: مَوْعُود، فهو مصدرٌ واقعٌ
موقعَ مفعول، وتركه الزمخشري(٨) على حالِه، لكن بحذف مضاف، أي:
وَعْدُ عقابٍ أُوْلاهما. وقيل: الوَعْدُ بمعنى الوعيد. وقيل: بمعنى المَوْعِد الذي
يُراد به الوقتُ. فهذه أربعةُ أوجهٍ. والضميرُ عائدٌ على المرتين.
(١) انظر: مراجع القراءة السابقة.
(٣) انظر: الكتاب ٣٨١/٢، الأصول ٢٥٦/٣، شرح الشافية ١٧٣/٣، الممتع ٥٥٠.
(٢) البحر ٩/٦.
(٤) الآية ٨ من مريم، وأصله عُنُوْوُ ثم عُنُوْي ثم عُنُيّ ثم كسر الفاء والعين لمناسبة الياء.
(٥) انظر: شرح الشافية ١٧١/٣، الممتع ٥٥١، وهذا على تقدير لامه واواً فأصله جُثُوْوٌ.
قلبت الواو المتطرفة ياء لأنه جمع على فُعول فصار ((جُثُوْي)) فأعلَّتْ إعلال ((سَيِّد)).
(٦) الْبَهْو: الصدر.
(٧) النجو: السحاب. وانظر: شرح الشافية ١٧١/٣.
(٨) الكشاف ٤٣٨/٢ - ٤٣٩.
٣١٣

- الإسراء -
قوله: ((عِباداً)) العامَّةُ على ((عِباد)) بزنة فِعال، وزيدُ بن علي والحبسنُ
((عبيداً)) على فَعِيْل، وقد تقدَّم الكلامُ على ذلك.
قوله: ((فجاسُوا)) عطفٌ على ((بَعَثْنَا))، أي: تَرَتَّب على بعثنا إياهم
هذا. والجَوْسُ والجُوْس بفتحِ الجيمِ وضمِّها مصدرَ جاسَ يَجُوْسُ، أي:
فَتَّشَ ونقَّبَ، قاله أبو عبيد. وقال الفراء (٣): ((قَتَلُوا)) قال حسان(٤):
٣٠٢٦- ومِنَّا الذي لاقى بسيفِ محمدٍ.
فجاس به الأعداءُ عَرْضَ العساكرِ
وقال أبو زيد: ((الجُوْسُ والجَوْسُ والحَوْسُ والهَوْسُ طَلَبُ الطَّوْف(٥)
بالليل». وقال قطرب: ((جاسُوا: نزلوا)). وأنشد(٦):
٣٠٢٧ - فَجُسْناً ديارَهُمُ عَنْوَةً وَأُبْنا بساداتِهم مُوْثَقِيْنَا
وقيل: ((جاسُوا بمعنى داسوا))، وأنشد(٧):
٣٠٢٨- إليك جُسْنَا الفِيْلَ بالمَطِيِّ
وقيل: الجَوْسُ: التردُّد. وقيل: طَلَبُ الشيءِ باستقصاء. ويقال:
((حاسُوا)) بالحاءِ المهملة، وبها قرأ(٢) طلحة وأبو السَّمَّال، وقرىء(٩)
((فَجُوَّسُوا )) بالجيم بزنة نُكِسُوا.
(١) المحتسب ١٤/٢، البحر ٩/٦، الإتحاف ١٩٣/٢.
(٣) معاني القرآن ١١٦/٢.
(٢) انظر: الدر المصون ٢٧٣/٣.
(٤) ليس في ديوانه، وهو في القرطبي ٢١٦/١٠، وتفسير الماوردي ٤٢٤/٢.
(٥) الطّوْف مصدر طاف بالقوم وعليهم. انظر: اللسان (طوف).
(٦) لم أهتدٍ إلى قائله وهو في القرطبي ٢١٦/١٠، والماوردي ٢٢٤/٢.
(٧) لم أهتدٍ إلى قائله، وهو في تفسير الماوردي ٢٢٤/٢.
(٨) المحتسب ١٥/٢، البحر ١٠/٦، الكشاف ٤٣٨/٢.
(٩) الشواذ ٧٥، الكشاف ٤٣٨/٢.
٣١٤

- الإسراء -
قوله: ((خلالَ)) العامَّةُ على ((خِلال)) وهو محتملٌ لوجهين، أحدهما:
أنه جمعُ خَلَل كجِبال في جَبَل، وجِمال في جَمَل. والثاني: أنه اسمٌ مفردٌ
بمعنى وَسْطِ، ويدلُّ له قراءةُ الحسن(١) ((خَلَلَ الدِّيار)). وقوله: ((وكان وَعْداً))،
أي: وكان الجَوْسُ، أو وكان وَعْدُ أُوْلاهما، أو وكان وَعْدُ عقابهم.
آ. (٦) قوله تعالى: ﴿الكَرَّةَ﴾: مفعولُ ((رَدّدْنا)) وهي في
الأصلِ مصدرُ كَرَّ يَكُرُّ، أي: رَجَعَ، ثم يُعَبَّر بها عن الدَّوْلَةِ والقَّهْر.
قوله: ((عليهم)) يجوز تعلُّقه بـ ((رَدَدْنا))، أو بنفس / الكَرَّة، لأنه يُقال: [٥٦٧/ب]
كَرَّ عليه فتتعذَّى بـ((على)) ويجوز أن تتعلَّقْ بمحذوفٍ على أنها حالٌ من
(( الگرَّة)).
قوله: ((نَفِيْراً)) منصوبٌ على التمييز، وفيه أوجهٌ، أحدها: أنَّه فَعِيْل
بمعنى فاعِل، أي: أكثر نافراً، أي: مَنْ يَنْفِرُ معكم. الثاني: أنه جمع نَقْرٍ
نحو: عَبْد وعَبيد، قاله الزجاج(٢)، وهم الجماعة الصَّائِرون إلى الأعداء.
الثالث: أنه مصدرٌ، أي: أكثرُ خروجاً إلى الغَزْو. قال الشاعر(٣):
٣٠٢٩- فَأَكْرِمْ بِقَحْطانَ مِنْ والدٍ وجِمْيَرَ أكرِمْ بقومٍ نَفيرا
والمفضَّلُ عليه محذوفٌ، فقدَّره بعضُهم: أكثر نفيراً من أعدائكم، وقدَّره
الزمخشري (٤): أكثر نفيراً مِمَّا كنتم.
(١) الإتحاف ١٩٣/٢، البحر ١٠/٦، الكشاف ٤٣٨/٢.
(٢) معاني القرآن ٢٢٨/٣.
(٣) البيت لتُبَع بن بكر، وهو في القرطبي ٢١٧/١٠، والبحر ١٠/٦، والماوردي
٤٢٤/٢.
(٤) الكشاف ٤٣٩/٢.
٣١٥

- الإسراء-
.آ. (٧) قوله تعالى: ﴿فلها﴾: في اللام أوجه، أحدُها: أنها
بمعنى ((على))، أي فعليها كقوله(١):
٣٠٣٠-
فَخَرَّ صريعاً لليدِينِ وللفمِ
أي: على اليدين. والثاني: أنها بمعنى إلى. قال الطبري(٢): ((أي:
فإليها تَرْجِعُ الإِساءةُ)). الثالث: أنها على بابها، وإنما أتى بها دون (( على))
للمقابلة في قوله: ((لأنفسِكم)) فأتى بها ازْدِواجاً. وهذه اللامُ يجوز أن تتعلَّقَ
بفعلٍ مقدرٍ كما تقدَّم في قولِ الطبريِّ، وإمَّا بمحذوفٍ على أنها خبرٌ لمبتدأ
محذوفٍ تقديرُه: فلها الإِساءةُ لا لغيرِها .
قوله: «فإذا جاءَ وَعْدُ الآخرة))، أي: المرة الآخرة فَحُذِفَت ((المرَّة)):
للدَّلالة عليها، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ تقديرُه: بَعَثْناهم.
وقوله: ((لَيَسُوْءُوا وجوهكم)) متعلقٌ بهذا الجوابِ المقدر. وقرأ(٣)
ابن عامر وحمزة وأبو بكر ((لِيَسُوْءَ)) بالياءِ المفتوحةِ وهمزةٍ مفتوحةٍ آخرَ الفعل.
والفاعلُ: إِمَّ اللَّهُ تعالى، وإمَّا الوعدُ، وإمَّ البعثُ، وإِمَّا النفيرُ. والكسائيُّ
(( لِنَسُوْءَ)) بنونِ العظمة، أي: لِنَوْءَ نحن، وهو موافِقٌ لِما قبلَه مِنْ قولِه «بَعْنا
عباداً لنا)) و((رَدَدْنا)) و((أَمْدَدْنا))، وما بعده من قوله: ((عُدْنا)) و((جَعَلْنا)).
(١) البيت لجابر بن حني التغلبي أو للعكبر بن حديد، وصدره:
تناوَلَه بالرُّمْحِ ثم أَّنَى له
وهو في المفضليات ٢١٢، والمغني ٢٨٠، واتّنى: انثنى. ومن شواهد
ابن هشام في المغني: ((دعانا لجنبه)) ((وَتَلَّه للجبين)).
(٢) التفسير ٣١/١٥.
انظر في قراءاتها: السبعة ٣٧٨، النشر ٣٠٦/٢، الحجة ٣٩٧، البحر ١١/٦،
(٣)
التيسير ١٣٩، الشواذ ٧٥، القرطبي ٢٢٣/١٠.
٣١٦

- الإسراء -
وقرأ الباقون ((لِيَسُوْءُوا)) مسنداً إلى ضميرِ الجمع العائد على العباد،
أو على النفير؛ لأنه اسمُ جمعٍ ، وهو موافِقٌ لِما بعدّه من قوله ((وليَدْخلوا
المسجد كما دَخَلُوه أولَ مرةٍ ولِيُتَبِروا ما عَلَوْا)). وفي عَوْدِ الضمير على النفير
نظرٌ؛ لأنَّ النفيرَ المذكورَ من المخاطبين، فكيف يُوصف ذلك النفيرُ بأنه يَسُوْءِ
وجوهَهم؟ اللهم إلا أنْ يريدَ هذا القائلَ أنه عائدٌ على لفظِه دون معناه، من بابٍ
«عندي درهمٌ ونصفُه».
وقرأ أُبَيَّ ((لِنَسُوْءَنْ)) بلامِ الأمرِ ونونِ التوكيدِ الخفيفة ونونِ العظمة،
وهذا جوابٌ لـ((إذا))، ولكن على حَذْفِ الفاء، أي: فَلِنَسُوْءَنْ، ودخلت لامُ الأمرِ
على فعلِ المتكلمِ كقولِه تعالى ((وَلْنَحْمِلْ خطاياكم))(١).
وقرأ عليُّ بنُ أبي طالب ((لَيَسُوْءَنَّ)) و((لَنَسُوْءَنَّ)) بالياء أو النون التي
للعظمةِ، ونونِ التوكيدِ الشديدة، واللامِ التي للقسَمِ. وفي مصحف أُبَيّ
((لِيَسُوْءُ)) بضمِّ الهمزة من غير واوٍ، وهذه القراءةُ تشبه أَنْ تكونَ على لغةٍ مَنْ
يَجْتَزِئُ عن الواوِ بالضمة، كقوله (٢):
٣٠٣١- فلوْ أنَّ الأطبّا كانُ حولي
يريد: ((كانوا)). وقولِ الآخر (٣):
٣٠٣٢- إذا ما الناسُ جاعُ وأَجْدَبُوا
يريد ((جاعُوا))، فكذا هذه القراءةُ، أي: لِيَسُوْءُوا، كما في القراءةِ
الشهيرة، فَحَذَفَ الوَاو.
(١) الآية ١٢ من العنكبوت.
(٢) تقدم برقم (٢١٢٦).
(٣) لم أقف عليه.
٣١٧

- الإسراء -
وقرىء(١) ((لُيُسِيْء)) بضمِّ الياءِ وكسرِ السينِ وياءٍ بعدها، أي: لِيُقْبِّحَ
اللَّهُ وجوهكم، أو ليقبِّح الوعدُ، أو البعثُ. وفي مصحفِ أنس(٢) (وَجْهَكم))
بالإفراد کقوله(٣).
٣٠٣٣- كُلوا في بعضٍ بطنِكُمُ تَعِفُّوا
[ وكقوله : ](٤).
في حَلْقِكم عَظْمٌ وقد شَجِيْنا
٣٠٣٤-
[ وكقوله: ](٥).
.. وأمَّا جِلْدُها نَصَلِيْبُ
٣٠٣٥-
قوله: ((ولِيَدْخُلُوا)) مَنْ جَعَلَ الأولى لامَ ((كي)) كانت هذه أيضاً لامَ
((كي)) معطوفةً عليها، عَطْفَ علةٍ على أخرى، ومَنْ جَعَلَها لامَ أمرٍ كأُبَيّ،
أو لامَ قسمٍ كعليّ بن أبي طالب فاللامُ في ((لِيَدْخُلوا)) تحتمل وجهين: الأمر
والتعليل، و((كما دَخَلُوه)» نعتٌ لمصدرٍ محذوفٍ أو حالٌ من ضميره، كما يقول
[٥٦٨/ أ] سيبويه(٦)، أي: دخولاً كما دخلوه. و ((أولَ مرة)) ظرفُ زمانٍ، وتقدَّم / الكلامُ
عليها في براءة(٧).
[قوله: ] ((ما عَلَوْا)) يجوز في ((ما)) أن تكونَ مفعولاً بها، أي: ليُهْلِكُوا
(١) وهي قراءة أُبَيّ بن كعب كما في البحر ١١/٦.
(٢) البحر ١١/٦.
(٣) تقدم برقم (١٥٣).
(٤)
تقدم برقم (١٥٥):
(٥)
تقدم برقم (١٥٤).
(٦) الكتاب ١١٦/١. وانظر: الدر المصون ١٤١/١.
(٧) الدر المصون ٢٦/٦، وقد فضَّل القول في ((أول)) في مكان آخر: ٣١٦/١.
--
٣١٨

- الإِسراء -
الذي عَلَوه، وقيل(١): لِيَهْدِمُوْه كقوله(٢):
يُتَبِّرُ ما يَبْني وآخرُ رافِعُ
٣٠٣٦- وما الناسُ إلا عاملان فعامِلٌ
ويجوز فيها أَنْ تكونَ ظرفيةً، أي: مدةَ استعلائِهم وهذا مُحْوجٌ إلى
حذفٍ مفعولٍ، اللهم إلا أَنْ يكونَ القصدُ مجردَ ذِكْرِ الفعلِ نحو: هو يعطي
ويمنع .
آ. (٨) قوله تعالى: ﴿حَصِيرا﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ بمعنى فاعِل،
أي: حاصرةً لهم، مُحيطةً بهم، وعلى هذا فكان ينبغي أن يؤنَّثَ بالتاء
كخبيرة. وأُجيب: بأنَّها على النسَب، أي ذات حَصْرٍ كقولِه: ((السماءُ مُنْفَطِرٌ
به))(٣)، أي ذاتُ انفطارٍ. وقيل: الحَصِيْرُ: الحَبْسُ، قال لبيد (٤):
جِنِّ لدى بابِ الحصیرِ قیامُ
٣٠٣٧ - ومَقامَةٍ غُلْبِ الرجالِ كأنَّهِمْ
وقال أبو البقاء(٥): (لم يؤنَّه لأنَّ فعيلاً بمعنى فاعِل)) وهذا منه سهوً؛
لأنه يؤدِّي إلى أن تكونَ الصفةُ التي على فعيل إذا كانَتْ بمعنى فاعِل جاز
حَذْفُ التاءِ منها، وليس كذلك لِما تقدَّم مِنْ أنَّ فعيلاً بمعنى فاعِل يُلْزَمُ تأنيئه،
وبمعنى مَفْعول يجب تذكيرُه، وما جاء شاذّاً مِنْ النوعين يُؤَوَّل. وقيل: إنما
لم يُؤَنَّثْ لأنَّ تأنيث ((جهنّم)) مجازيٌّ، وقيل: لأنها في معنى السِّجْن
والمَحْبَس، وقيل: لأنها بمعنى فِرَاش.
(١) وهو قول قطرب كما في القرطبي ٢٢٣/١٠.
(٢) البيت للبيد وهو في ديوانه ١٧٠، والقرطبي ٢٢٣/١٠، والماوردي ٤٢٥/٢.
(٣) الآية ١٨ من المزمل.
(٤) تقدم برقم (٨٧٥).
(٥) الإملاء ٨٩/٢.
٣١٩

- الإسراء -
آ. (٩) قوله تعالى: ﴿للتي هي أَقْوَمُ﴾: أي: للحالةِ أو للمِلَّة
أو للطريقة. قال الزمخشري(١): «وأَيَّتَما قدَّرْتَ لم تَجِدْ مع الإِثباتِ ذَوْقَ
البلاغةِ الذي تجده مع الحذف؛ لِما في إبهام الموصوفِ بحذفِه مِنْ فخامةٍ
تُفْقَدُ مع إیضاچِه)».
آ. (١٠) قوله تعالى: ﴿وأنَّ الذين لا يُؤمنون﴾: فيه وجهان،
أحدُهما: أن يكونَ عطفاً على ((أنَّ)) الأولى، أي: يُبَشِّرُ المؤمنين بشيئين:
بأجرٍ كبيرٍ وبتعذيبِ أعدائهم، ولا شكَّ أنَّ ما يُصيبُ عَدُوَّك سُرورٌ لكِ. وقال
الزمخشري(٢): ((ويُحتمل أن يكونَ المرادُ: ويُخبر بأنَّ الذين)).
قال الشيخ(٣): ((فلا يكونُ إذ ذاك داخلاً تحت البشارةِ)). قلتُ: قولُ
الزمخشريِّ يَحْتمل أمرين، أحدُهما: أن يكونَ قولُه ((ويُحتمل أن يكونَ
المرادُ: ويُخْبِرُ بأنَّ) أنه من باب الحذف، أي: حَذَف ((ويُخْبِرُ)) وأبقىْ
معموله، وعلى هذا فيكون ((أنَّ الذين)) غيرَ داخلٍ في حَيِّز البِشارة بلا شك،
ويحتمل أن يكونَ قصدُه: أنه أُريد بالبِشارة مجرَّدُ الإخبار سواءً كان بخيرٍ
أم بِشَرّ، وهل هو فيهما حقيقةٌ أو في أحدِهما، وحينئذٍ یکون جمعاً بين
الحقيقة والمجاز، أو استعمالاً للمشترك في معنييه، وفي المسألتين خلافٌ :
مشهور، وعلى هذا فلا يكون قولُه ((وأنَّ الذين لا يُؤْمِنون)» غيرَ داخلٍ في حَيِّر :
البِشارة، إلا أنَّ الظاهِزَ مِنْ حالِ الزمخشري أنه لا يُجيز الجمعَ بين الحقيقةِ
والمجازِ ولا استعمالَ المشتركِ في مَعْنَيْهِ.
-- ے
(١) الكشاف ٤٣٩/٢
(٢) الكشاف ٤٤٠/٢
(٣) البحر ١٣/٦.
٣٢٠