النص المفهرس

صفحات 281-300

- النحل -
وأدغم أبو عمروٍ الدالَ في التاء، ولا ثانيَ له في القرآنِ، أعني أنه
لم تُدْغَمْ دالٌ مفتوحةٌ بعد ساكنٍ(١) إلا في هذا الحرفِ.
قوله: ((وقد جَعَلْتُمْ)) الجملةُ حالٌ: إمَّا مِنْ فاعلِ ((تَنْقُضوا))، وإما من
فاعلِ المصدرِ، وإن كان محذوفاً.
آ. (٩٢) قوله تعالى: ﴿أَنْكاثاً﴾: يجوز فيه وجهان، أظهرُهما: أنه
حالٌ مِنْ ((غَزْلها)). والأنْكاث: جمعُ نِكْث بمعنى مَنْكوث، أي: منقوضٌ.
والثاني: أنه مفعولٌ ثانٍ لتضمين ((نَقَضَتْ)) معنى ((صَيَّرَتْ)). وجَوَّز الزجاجُ(٢)
فيه وجهاً ثالثاً وهو: النصبُ على المصدرية؛ لأنَّ معنى نَقَضَتْ: نَكَثَتْ،
فهو مُلاقٍ لعامله في المعنى.
قوله: ((تَتَّخذون)) يجوز أن تكونَ الجملةُ حالاً من واو ((تكونوا)) أو من
الضمير المستتر في الجارِّ، إذ المعنى: لا تكونوا مُشْبهين كذا حالَ كونِكم
متّخذین.
قوله: ((دَخَلَا بينكم)) هو المفعولُ الثاني لـ «تَتَّخذون)). والدَّخَل: الفسادُ
والدَّغَلُ (٣). وقيل: ((دَخَلَا)): مفعولٌ من أجله. وقيل: الدَّخَل: الداخلُ في
الشيءٍ لیس منه.
قوله: ((أنْ تكونَ))، أي: بسبب أَنْ تكونَ، أو مخافةً أَنْ تكونَ.
و((تكون)) يجوزُ أَنْ تكونَ تامةً، فتكون ((أمَّةُ )) فاعلَها، وأن تكونَ ناقصةٌ،
فتكون ((أمَّةٌ)) اسمَها، و((هي)) مبتدأ، و((أَرْبَىْ)) خبرُه. والجملةُ في محلِّ
(١) الدال المفتوحة دال ((بَعْدَ))، والساكن العين فيها. وانظر: الإتحاف ١١٨/١.
(٢) معاني القرآن ٢١٧/٣.
(٣) الدغل: عيب في الأمر يفسده.
٢٨١

النحل -
نصبٍ على الحال، على الوجه الأول، وفي موضعِ الخبرِ على الثاني.
وجوّز الكوفيون أن تكونَ ((أُمَّةٌ)) اسمَها، و((هي)) عمادٌ، أي: ضميرُ فَصْبِلٍ،
و((أربَى)) خبرُ ((تكون))، والبصريون لا يُجيزون ذلك(١) لأجل تنكيرِ الاسمِ،
فلو كان الاسمُ معرفةً لجاز ذلك عندهم.
قوله: ((به)) يجوز أن يعودَ الضميرُ على المصدر المنسبكِ مِنْ ((أَنْ
تكونَ)) تقديره: إنما يَبْلُوكم الله بكونِ أُمَّة، أي: يختبركم بذلك. وقيل: يعودُ
على ((الربا)) المدلول عليه بقوله ((هي أربَى)) وقيل: على الكثرة، لأنها في
معنى الكثير. قال ابن الأنباري: ((لَمًّا كان تأنيثُها غيرَ حقيقي حُمِلَتْ على
معنى التذكير، كما جُمِلتِ الصيحةُ على الصِّياح)» ولم يتقدمْ للكثرةِ لفظً،
وإنما هي مدلولٌ عليها بالمعنىُ مِنْ قوله ((هي أَرْبَى)).
آ. (٩٤) قوله تعالى: ﴿فَتَزِلُ﴾: منصوبٌ بإضمار ((أَنْ)) على
جواب النهي .
قوله: (بما صَدَدْتُمْ)): ((ما)) مصدريةٌ، و((صَدَدْتُمْ)) يجوز أن يكونَ من
الصُّدود، وأن يكونَ مِن الصَدِّ، ومفعولُه محذوفٌ. ونُكِّرت ((قَدَمٌ)): قال
الزمخشري(٢): ((فإن قلت: لِمَ وُجِّدَتِ القَدَمُ ونُكَّرَتْ؟ قلت: لاستعظامِ أن
تَزِلَّ قدمٌ واحدةٌ عن طريقِ الحق بعد أن ثَبَتَتْ عليه فكيف بأقدامٍ كثيرة؟)).
قال الشيخ (٣): «الجمع تارةً يُلْحَظُ فيه المجموعُ من حيث
هو مجموعٌ، وتارةً يُلحظ فيه كلُّ فردٍ فردٍ. فإذا لُوْحظ فيه المجموعُ كبان
(١) قال سيبويه: ((هذا باب لا تكون ((هو)) وأخواتها فيه فصلاً، ويكنَّ بمنزلة اسم
مبتدأ ... لم يَجعلوه فصلاً وقبله نكرة)). انظر: الكتاب ٣٩٧/١.
(٢) الكشاف ٤٢٧/٢.
(٣) البحر ٥٣٢/٥ - ٠٥٣٣
٢٨٢

- النحل -
الإِسنادُ معتبراً فيه الجمعيَّةُ، وإذا لُوْحظ فيه كلُّ فردٍ فردٍ كان الإِسناد مطابقاً
للفظِ الجمع كثيراً، فَيُجْمع ما أُسند إليه، ومطابقاً لكلِّ فردٍ فردٍ فُيُفْرد، كقوله
تعالى: ((وَأَعْتَدَتْ لهنَّ مُتَّكَأً وآتَتْ)) لمَّا كان لُوْحِظ في قوله ((لهنَّ» معنى لكلِّ
واحدة، ولو جاء مُراداً به الجمعيةُ أو الكثيرُ في الوجهِ الثاني لجُمِع المتكا،
وعلى هذا المعنى يُحمل قول الشاعر(١):
٣٠١٥- فإِنِي وَجَدْتُ الضَّامِرِيْنَ متاعُهمْ
يَمُوْتُ ويَغْنى فارْضِخِي مِنْ وعائيا
أي: رأيتُ كلَّ ضامٍ؛ ولذلك أَفْرَدَ الضميرَ في ((يموتُ ويَفْنى)) ولمَّا كان
المعنى: لا يَتَّخِذُ كلُّ واحدٍ منكم جاء ((فَزِلَّ قَدَمٌ))، مراعاةً لهذا المعنى، ثم
قال: وَتَذُوْقوا، مراعاةً للمجموع [أو](٢) لِلَفْظِ الجمع على الوجهِ الكثيرِ إذا
قلنا: إن الإِسنادَ لكل فردٍ فرد، فتكون الآية قد تعرَّضَتْ للنهي عن اتخاذ
الأَيْمَانِ دَخَلَّاً باعتبار المجموع ، وباعتبارِ كل فردٍ فرد، ودَلَّ على ذلك بإفراد
((قَدَم)) وبجَمْعِ الضمير في «وتَذُوْقوا)).
قلت: وبهذا التقديرِ الذي ذكره الشيخ يفوتُ المعنى الجَزْلُ الذي
اقتنصَه أبو القاسم مِنْ تنكير «قَدَم)) وإفرادها. وأمَّا البيتُ المذكورُ فإنَّ
النَّحْويين خَرَّجوه على أن المعنى: يموت مَنْ ثَمَّ، ومَنْ ذُكِرَ، فأفرد الضمير
لذلك لما لا لِما ذكر.
آ. (٩٦) قوله تعالى: ﴿ما عندكم يَنْفَدُ﴾: مبتدأ وخبر. والنَّفَادُ:
(١) لم أهتدِ إلى قائله، وهو في البحر ٥٣٣/٥، والمساعد ٨٨/١. قال ابن عقيل في
المساعد: ((أي يموتون فأفرد الضمير، كأنه قال: يموت من ذكره)). وارضخي :
أعطي .
(٢) زيادة من البحر.
٢٨٣

- النحل-
الفناءُ والذَّهابُ يقالٍ(١): نَفِد بكسر العين يَنْفَدُ بفتحها نَفَاداً ونُفُوداً. وأمَّا
((نَفَذَ)) بالذالِ المعجمة فَفِعْلُه نَفَذَ بالفتح يَنْفُذُ بالضم، وسيأتي. ويُقال:
أَنْفَد القومُ: فَنِي زادُهم، وخَصْمٌ مُنافِدٌ، لِيُنْفِد حجةَ صاحبِهِ، يقال: نافَدْتُه
فَنَفِدْتُه.
وقوله (( باقٍ)) قد تقدَّم الكلامُ في الوقف عليه في الرعد(٢).
قوله: ((ولَنَجْزِيَّنَّ الذين)) قرأ(٣) ابن كثير وعاصم وابن ذكوان ((وَلَنَجْزِيَنَّ)»
بنونِ العظمة، التفاتاً من الغَيْبة إلى التكلم. وتقدَّم تقريرُ الالتفاتِ. والباقون
[٥٦٣/ب] بياء الغَيْبة رجوعاً إلى اللَّهِ لتقدُّم ذكرِه العزيز في قوله تعالى / ((وما عند الله
باقٍ».
وقوله: ((بأحسن ما كانوا)) يجوز أن تكونَ أَفْعَل على بابِها من التفضيل،
وإذا جازاهم بالأحسنِ فَلَأَنْ يُجازِيَهم بالحَسَن من باب الأَوْلِى. وقيل: ليسَّتْ
للتفضيلِ ، وكأنهم فَرُوا مِنْ مفهومِ أَفْعل؛ إذ لا يلزم من المجازاةِ بِالأحسنِ
المجازاةُ بالحَسَن. وهو وَهْمٌ لما تقدَّم مِنْ أنه مِنْ مفهوم الموافقة بطريق
الأولى.
آ. (٩٧) قوله تعالى: ﴿مِنْ ذَكَرٍ﴾: ((مِنْ)) للبيان فتتعلقُ
بمحذوفٍ، أي: أَعْنِيُّ مِنْ ذَكَر. ويجوزُ أن يكونَ حالاً مِنْ فاعل ((عَمِل)).
قوله: ((وهو مُؤْمِنٌ)) جملةٌ حاليةٌ أيضاً.
(١) انظر: المفردات ٥٠٠.
(٢) وقف ابن كثير عليها بالياء. انظر: الإِتحاف ١٨٩/٢. وانظر: الدر المصون: الورقة
٥٢٦ أ.
(٣) البحر ٥٣٣/٥، الإتحاف ١٨٩/٢، القرطبي ١٧٣/١، الحجة ٣٩٣،
السبعة ٣٧٥.
٠٠
٢٨٤

- النحل -
قوله: ((وَلَنَجْزِيَنَّهم)) راعى معنى ((مَنْ)) فَجَمع الضميرَ بعد أن راغَىْ
لفظَها فَأَفْرَدَ في ((فَلَنُحْسِنَّه)) وما قبله، وقرأ العامَّةُ ((وَلَنَجْزِيَّنَّهم)) بنونِ العظمةِ
مراعاةً لِما قبله. وقرأ ابنُ عامر(١) في روايةٍ بياء الغيبة، وهذا ينبغي أن يكونَ
على إضمارٍ قَسَمٍ ثانٍ، فيكونَ من عطفٍ جملةٍ قَسَميةٍ على قَسَمِيةٍ مثلِها،
حُذفتا وبقي جواباها.
ولا جائزٌ(٢) أن يكونَ مِنْ عطفِ جوابٍ على جواب لإِفضائِه إلى إخبارٍ
المتكلم عن نفسِه بإخبار الغائب، وهو لا يجوزُ. لو قلت: ((زيد قال(٣): واللَّهِ
لَأَضْرِبَنَّ هنداً ولَينغيَّها)» تريد: ولَينفيَّها زيدٌ، لم يَجُزْ. فإن أَضْمَرْت قسماً آخرَ
جاز، أي: وقال: واللَّهِ لينفينَّها؛ لأنَّ لك في مثلِ هذا التركيبِ أن تحكيَ
لفظه، ومنه ((ولَيَحْلِفُنَّ إنْ أَرَدْنا إلا الحُسْنى)»(٤) وأن تحكيَ معناه، ومنه
(يَحْلِفُون بالله ما قالوا))(٥) ولو جاء على اللفظ لقيل: ما قلنا.
آ. (٩٨) قوله تعالى: ﴿فإذا قَرَأْتَ﴾: أي: فإذا أَرَدْتَ، فأضمرتَ
الإِرادةَ. قال الزمخشري(٦): ((لأنَّ الفعلَ يوجد عند القصدِ والإِرادةِ من غير
فاصلٍ وعلى حسبِه، فكان منه بسببٍ قوي وملابسةٍ ظاهرة)). وقال
ابن عطية (٧): ((فـ ((إذا))(٨) وَصْلةٌ بين الكلامين، والعربُ تستعملها في مثل
(١) في البحر ٥٣٤/٥، والمحرر ٥٠٥/٨: قراءة نافع في روايةٍ عنه.
(٢) انظر: البحر ٥٣٤/٥.
(٣) البحر: ((قلت))، وغير واضحة في نسخة الأصل.
(٤) الآية ١٠٧ من سورة التوبة .
(٥) الآية ٧٤ من سورة التوبة.
(٦) الكشاف ٤٢٨/٢.
(٧) المحرر ٥٠٧/٨.
(٨) عبارة المحرر: الفاء في ((فإذا)) واصلة.
٢٨٥

- النحل -
هذا، وتقدير الآية: فإذا أَخَذْتَ في قراءةِ القرآن فاسْتَعِذْ)). قلت: وهذا
هو مذهبُ الجمهورِ من القُرَّاء والعلماء، وقد أخذ بظاهر الآية، فاستعاذ بعد
أن قرأ، من الصحابة أبو هريرة، ومن الأئمة مالك وابن سيرين، ومن القرَّاء
حمزة .
آ. (١٠٠) قوله تعالى: ﴿به يُشْرِكون﴾: يجوز أن يعودَ الضميرُ
على الشيطانِ، وهو الظاهرُ؛ لتتحدّ الضمائرُ. والمعنى: والذين هم مشركون
بسببه. وقيل: والذين هم بإشراكهم إبليس مشركون باللّهِ. ويجوز أن يعودَ
على (( ربهم)).
آ. (١٠١) قوله تعالى: ﴿واللَّهُ أعلمُ بما يُنَزِّل﴾: في هذه الجملةِ
وجهان، أظهرهما: أنّها اعتراضيةٌ بين الشرطِ وجوابه. والثاني: أنها حاليةٌ،
وليس بظاهرٍ. وقوله: ((إنما أنت مُفْتَرٍ) نسبوا إليه صلى الله عليه وسلم الافتراءَ
بأنواعٍ من المبالغات: الحصرِ والخطابِ واسمِ الفاعل الدالُّ على الثبوتِ
والاستقرار. ومفعول ((لا يَعْلمون)) محذوفٌ للعلمِ به، أي: لا يعلمون أنَّ في
نَسْخِ الشرائعِ وبعضِ القرآنِ حِكَماً بالغة.
آ. (١٠٢) قوله تعالى: ﴿لَيُثِّتَ﴾: متعلقُ بـ ((نَزَّله)). و((هدى
وبشرى)) يجوز أَنْ يكونا عطفاً على محلِّ ((ليُثَبِّت)) فيُنْصبان، أو على لفظِه
باعتبارِ المصدرِ المُؤْوَّل فَيُجَرَّان. وقد تقدَّم كلامُ(١) الزمخشريِّ في نظيرِهما،
وما رَدَّ به الشيخُ، وما رُدَّ به عليه. وجوَّز أبو البقاء(٢) ارتفاعَهما خَبَرَيْ مبتدأ
محذوفٍ، أي: وهو هدئً، والجملةُ حالٌ.
(١) انظر: الورقة ٥٥٨ ب من الدر المصون.
(٢) الإملاء ٢ /٨٥.
٢٨٦

- النحل -
وقرىء(١) ((لِيُثْبِتَ)) مخففاً مِنْ أَثْبتَ.
آ. (١٠٣) قوله تعالى: ﴿لسانُ الذي﴾: العامَّة على إضافة
((لسان)) إلى ما بعدَه. واللِّسانُ: اللغة. وقرأ(٢) الحسن ((اللسان)) معرَّفاً بأل،
و ((الذي)) نعتٌ له. وفي هذه الجملة وجهان، أحدُهما: لا محلَّ لها
لاستئنافِها، قاله الزمخشري (٣). والثاني: أنها حالٌ مِنْ فاعل ((يقولون))، أي:
يقولون ذلك والحالُ هذه، أي: عِلْمُهم بأعجميةِ هذا البشرِ وإبانةِ عربيَّةٍ هذا
القرآنِ كان ينبغي أَنْ يمنعَهم من تلك المقالةِ، كقولك: ((تَشْتُمُ فلاناً وهو قد
أحسنَ إليك))، أي: وعِلْمُك بإحسانِه إليك كان يمنعُك مِنْ شَتْمِهِ، قاله
الشيخ (٤). ثم قال: ((وإنما ذهب إلى الاستئنافِ لا إلى الحالِ؛ لأنَّ مِنْ
مذهبِهِ أنَّ مجيءَ الحالِ جملةً اسميةً من غيرٍ واوٍ شاذٌ، وهو مذهبٌ مرجوحٌ
تَّبِع فيه الفراء))(٥).
و ((أعجميٌّ)) خبرٌ على كلتا القراءتين. والأعجميُّ: مَنْ لم يتكلَّمْ
بالعربية. وقال الراغب (٦): ((العَجَمُ خلافُ العرب، والعجميُّ منسوبٌ إليهم،
والأَعْجَم مَنْ في لسانِهِ عُجْمَةٌ عربياً كان أو غيرَ عربي ؛ اعتباراً بقلة فَهْمِهِ من
العُجْمة(٧). والأعجميُّ منسوبٌ إليه، ومنه قيل للبهيمة ((عَجْمَاءُ)) من حيث
(١) نسبها ابن خالويه في الشواذ ٧٤ إلى أبي حيوة. وانظر: البحر ٥٣٦/٥.
(٢) المحتسب ١٢/٢، البحر ٥٣٦/٥، الشواذ ٧٤.
(٣) الكشاف ٤٢٩/٢ .
(٤) البحر ٥٣٧/٥.
(٥) انظر: الارتشاف ٣٦٦/٢.
(٦) المفردات ٣٢٣.
(٧) المفردات: ((عن العجم)).
٢٨٧

- النحل -
إنها لا تُبْنُ، و(صلاةُ النهارِ عَجْماء))(١)، أي: لا يُجْهَرُ فِيها. والعَجَمُ(٢):
النَّوَىُ لاختفائِه. وحروف المعجم(٣)، قال الخليل: ((الحروفُ المقطّعة لأنها
أعجمية)) قال بعضهم: معناه أنَّ الحروفَ المجردة لا تَدُلُّ على ما تَدُلُّ عَليه
الموصولةُ. وأَعْجمتُ الكتاب ضِدُّ أَعْرَبْتُه، وأَعْجَمْتُه: أَزَلْتُ عُجْمَتَهِ كَأَشْكَيْتُه،
أي: أَزَلْتُ شِكايتَه، وسيأتي لهذا أيضاً مزيدُ بيانٍ إنْ شاء الله في الشعراء،
وحم السجدة. وتقدَّم خلافُ القرَّاءِ في ((يُلْحِدُون)) في الأعراف (٤).
آ. (١٠٦) قوله تعالى: ﴿مَنْ كفر بالله﴾: يجوز فيه أوجهٌ،
أحدُها: أن يكونَ بدلاً من ((الذين لا يؤمنون))، أي: إنما يفتري الكذبَ مَنْ
[٥٦٤/أ] كفر. الثاني: أنه بدلٌ مِنَ ((الكاذبون)). والثالث: / مِنْ ((أولئك)) قاله
الزمخشريُّ (٥)، فعلى الأولِ يكون قولُه ((وأولئك هم الكاذبون)) جملةً معترضةً
بين البدلِ والمُبْدلِ مِنْه.
واستضعف الشيخُ(٦) الأوجهَ الثلاثةَ فقال: ((لأنَّ الأولَ يقتضي أنْبه
لا يَقْتري الكذبَ إلا مَنْ كفر بالله من بعدِ إيمانِهِ، والوجودُ يَقْضي أنَّ المفتريَ
مَنْ لا يؤمن، سواءً كفر بالله من بعدِ إيمانِه، أم لا(٧)، بل الأكثرُ الثاني
وهو المفتري)) قال: ((وأمَّا الثاني فَيَؤُوْل المعنى إلى ذلك؛ إذ التقديرُ:
وأولئك: أي: الذين لا يؤمنون هم مَنْ كفر بالله من بعدِ إيمانِه، والذين
(١) حديث الحسن. انظر: النهاية ١٨٧/٣.
(٢) وفيه لغة ثانية: عُجامٍ .
(٣) انظر: اللسان (عجمٍ).
(٤) انظر: الدر المصون ٥٢٢/٥.
(٥) الكشاف ٤٣٠/٢.
(٦) البحر ٥٤٠/٥.
(٧) أي لم يؤمن قط .
٢٨٨

- النحل -
لا يؤمنون هم المُفْترون. وأمَّا الثالثُ فكذلك؛ إذ التقديرُ: إنَّ المشارَ إليهم
هم مَنْ كفرَ بالله من بعد إيمانه، مُخْبِراً عنهم بأنهم الكاذبون)).
الوجه الرابع: أن ينتصبَ على الذمِّ، قاله الزمخشري(١). الخامس:
أن يرتفعَ على خبرِ ابتداءٍ مضمرٍ على الذمِّ أيضاً. السادس: أن يرتفعَ على
الابتداء، والخبرُ محذوفٌ، تقديره: فعليهم غضبٌ لدلالةِ ما بعد ((مَنْ)) الثانية
عليه .
السابع: أنها مبتدأٌ أيضاً، وخبرُها وخبرُ ((مَنْ)) الثانيةِ أيضاً قولُه
((فعليهم غَضَبٌ))، قاله ابن عطية(٢)، قال: ((إذ هو واحدٌ بالمعنى؛ لأنَّ الإِخبارَ
في قولِه ((منْ كفر بالله)) إنما قَصَدَ به الصنفَ الشارحَ بالكفر)». قال
الشيخ(٣): ((وهذا وإنْ كان كما ذكر، إلا أنهما جملتان شرطيتان، وقد فُصِل
بينهما بأداةِ الاستدراك، فلا بد لكلِّ واحدةٍ منهما على انفرادِها مِنْ جوابٍ
لا يشتركان فيه، فتقديرُ الحَذْفِ أَجْرَى على صناعةِ الإِعرابِ، وقد ضَعَّفوا
مذهبَ الأخفشِ في ادِّعائه أنَّ قولَه ((فسلامٌ لكَ من أصحابِ اليمين))(٤)،
وقولُه (فَرَوْحُ ورَيْحان)) جوابُ ((أمَّا))، و((إنْ)) هذا، وهما أداتا شرط وَلِيَتْ
إحداهما الأخرى» .
(١) الكشاف ٢ /٤٣٠.
(٢) المحرر ٥١٦/٨.
(٣) البحر ٥٣٩/٥.
(٤) «فأمَّا إنْ كان من المقرَّبين فَرَوْحُ ورَيْحَانٌ وجنةٌ نعيم، وأمَّا إنْ كان من أصحاب
اليمين فسلامٌ لك من أصحاب اليمين)). الآيات ٨٨ - ٩١ من الواقعة. وقَدَّر
الأخفش في «معاني القرآن)» ٤٩٣، ((فله رَوْحٌ وريحان)) لـ ((أمَّ) الأولى، وقدَّر ((فيُقال
سلام لك)) لـ ((أمَّا)) الثانية .
٢٨٩

- النحل -
الثامن: أن تكونَ «مَنْ)) شرطيةٌ وجوابُها مقدرٌ تقديره: فعليهم غضبٌ؛
لدلالةِ ما بعد ((مَنْ)) الثانيةِ عليه. وقد تقدَّم أن ابنَ عطية(١) جَعَلَ الجزاءَ لهما
معاً، وتقدَّم الكلامُ معه فيه.
قوله: ((إلا مَنْ أُكْرِهِ» فيه أوجهٌ، أحدُها: أنه مستثنى مقدَّمٌ مِنْ قولِه
((فعليهم غَضَبٌ من الله)(٢)، وهذا يكونُ فيه منقطعاً؛ لأنَّ المُكْرَه لم يَشْرَحْ
بالكفرِ صدراً. وقال أبو البقاء(٣): ((وقيل: ليس بمقدَّم فهو كقول لبيد(٤):
٣٠١٦- ألا كلُّ شيءٍ ما خلا اللَّهَ باطلُ.
فظاهرُ كلامِه يَدُلُّ على أنَّ بيتَ لبيدٍ لا تقديمَ فيه، وليس كذلك فإنه
ظاهرٌ في التقديمِ جداً.
الثاني: أنه مستثنى مِنْ جواب الشرط، أو مِنْ خبر المبتدأ المقدر،
تقديرُه: فعليهمْ غضبٌ من الله إلا مَنْ أُكْرِهِ، ولذلك قَدَّر الزمخشري جزاءً
الشرط قبل الاستثناء، وهو استثناءٌ متصلٌ؛ لأنَّ الكُفرَ يكون بالقول: مِنْ غير
اعتقادٍ كالمُكْرَه، وقد يكون - والعياذُ بالله - باعتقادٍ، فاستثنى الصِّنفَ الأول.
قوله: ((وقلبه مطمئنٌ)) جملةٌ حاليةٌ، أي: إلا مَنْ أُكْرِهَ في هذه الحالةِ.
قوله: ((ولكن مَنْ شَرَحَ)» الاستدراكُ واضحٌ؛ لأنَّ قوله: ((إلا مَنْ أُكْرِه)
(١) المحرر ٥١٦/٨.
(٢) الأصل: ((فأولئك عليهم غضبٌ)) وهو سهو.
(٣) الإملاء ٨٦/٢.
(٤) تقدم برقم (٣٨٤).
(٥) الكشاف ٤٣٠/٢.
٢٩٠

- النحل -
قد يَسْبق الوهمُ إلى الاستثناء مطلقاً فاستدرك هذا. وقولُه ((وقلبه مطمئنٌ)»
لا ينفي ذلك الوهم. و((مَنْ))(١): إمَّا شرطيةٌ أو موصولةٌ، ولكن متى جُعِلَتْ
شرطيةً فلا بدَّ من إضمارٍ مبتدأ قبلها؛ لأنه لا يليها(٢) الجملُ الشرطيةُ، قاله
الشيخ (٣) ثم قال: ((ومثلُه(٤):
٣٠١٧-
ولكن متى يَسْتَرْفِدِ القومُ أَرْفِدٍ
أي: ولكن أنا متى يَسْتَرْفد)) وإنما لم تقعِ الشرطيةُ بعد ((لكن)) لأنَّ
الاستدراكَ لا يقع في الشُّروط. هكذا قيل، وهو ممنوع.
آ. (١٠٧) قوله تعالى: ﴿ذلك بأنّهم﴾: مبتدأ وخبر، كنظائر
مَرَّتْ، والإِشارةُ بـ ((ذلك)) إلى ما ذُكِرَ من الغضبِ والعذاب؛ ولذلك وُحِّد
كقوله: ((بين ذلك))(٥) و [قولِه](٦):
٣٠١٨- کأنه في الچلْد
وقد مَرَّ ذلك.
آ. (١١٠) قوله تعالى: ﴿ثم إنَّ ربَّكَ للذين هاجَرُوا﴾: في
خبر ((إِنَّ)) هذه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه قولُه ((لَغفورٌ رحيم))، و((إن ربَّك)).
الثانيةُ واسمُها تأكيدٌ للأولى واسمِها، فكأنه قيل: ثم إنَّ ربِّك إنَّ ربَّك لغفورٌ
(١) في قوله ((مَنْ شرح)).
(٢) أي (لكنْ)) لا تلي ((مَنْ)).
(٣) البحر ٥٣٩/٥.
(٤) تقدم برقم (١٩٠).
(٥) من الآية ٦٨ من البقرة. وانظر: الدر المصون ٤١٩/١.
(٦) تقدم برقم (٥٣٩).
٢٩١

- النحل -
رحيم، وحينئذٍ يجوز في قولِه ((للذين)) وجهان: أن يتعلَّقَ بالخبرين على سبيل
التنازعٍ ، أو بمحذوفٍ على سبيلِ البيان كأنه قيل: الغُفرانُ والرحمةُ للذين
هاجرُوا. الثاني: أن الخبرَ هو نفسُ الجارِّ بعدها كما تقول: إنَّ زيداً لك،
أي: هُوَلك لا عليك بمعنى هو ناصرُهم لا خاذِلُهم، قال معناه الزمخشريُّ(١)
[ثم قال ((كما يكون المَلِكُ للرجل لا عليه، فيكون مَحْمِيَّاً مَنْفُوْعاً](٢).
[٥٦٤/ب]
الثالث: أن خبر الأولى مستغنى عنه بخبر الثانية، / يعني أنه محذوفٌ
لفظاً لدلالةِ ما بعده عليه، وهذا معنى قولِ أبي البقاء(٣): ((وقيل: لا خبر
لـ ((إِنَّ)) الأولى في اللفظ؛ لأنَّ خبرَ الثانيةِ أغنى عنه)) وحينئذٍ لا يَحْسُنُ رَدُّ
الشيخِ عليه بقوله(٤): ((وهذا ليس بجيدٍ لأنه أَلْغَى حكمَ الأولى، وجَعَلَ
الحكمَ للثانيةِ، وهو عكسُ ما تقدَّمَ ولا يجوز)).
قوله: ((مِنْ بعدٍ ما فُتِنوا)) قرأ(٥) ابنُ عامر ((فَتَنوا)) مبنياً للفاعل، أي : .
فَتَنُوا أَنْفُسَهم، فإن عباد الضميرُ على المؤمنين فالمعنى: فَتَنُوا أنفسَهم بما
أَعْطَوا المشركين من القولِ ظاهراً، أو أنهم لَمَّا صبروا على عذابِ المشركين
فكأنهم فَتْنُوا أنفسَهم، وإنْ عاد على المشركين فهو واضحٌ، أي: فتنُوا
:
المؤمنين .
والباقون ((فُتِنُوا)) مبنياً للمفعول. والضميرُ في ((بعدها)) للمصادرِ المفهومةِ
من الأفعالِ المتقدمةِ، أي: مِنْ بعد الفتنةِ والهجرةِ والجهادِ والصبرِ. وقال
(١) الكشاف ٤٣٠/١
(٢) ما بين معقوفين مخروم في الأصل، أثبتناه من (ش) والكشاف.
(٣) الإملاء ٨٦/٢.
(٤) البحر ٥٤١/٥.
(٥) السبعة ٣٧٦، البحر ٥٤١/٥، الإتحاف ١٩٠/٢، التيسير ٣٩٥.
٢٩٢

- النحل -
ابن عطية(١): ((عائدٌ على الفتنةِ أو الفَعْلة أو الهجرة أو التوبة)).
آ. (١١١) قوله تعالى: ﴿يومَ يأتي﴾: يجوز أَنْ ينتصبَ
بـ «رحيم))، ولا يلزمُ مِنْ ذلك تقييدُ رحمته بالظرف؛ لأنه إذا رَحِم في هذا
اليوم فرحمتُه في غيرِهِ أَوْلَىْ وأَحْرَىْ، وأن ينتصِبَ بـ ((اذكر)) مقدرةً، وراعى
معنى ((كل)) فأَنَّثَ الضمائر في قوله ((تجادل)) إلى آخره، ومثلُه(٢):
٣٠١٩- جادَتْ عليه كلُّ عَيْنِ ثَرَّةٍ
فتركْنَ كلَّ.
إلا أنَّه زاد في البيت الجمعَ على المعنى، وقد تقدَّم ذلك أولَ هذا
الموضوع. وقوله ((وهم لا يُظْلَمون)) حَمَلَ على المعنى فلذلك جَمَعَ .
آ. (١١٢) قوله تعالى: ﴿والخوفِ﴾: العامَّةُ على جَرِّ
((الخوف)) نسقاً على ((الجوع))، ورُوي(٣) عن أبي عمرو نصبُه، وفيه
أوجه، أحدها: أن يُعطف على ((لباس)). الثاني: أن يُعْطَفَ على موضعٍ
((الجوع))؛ لأنه مفعولٌ في المعنى للمصدرِ. التقدير: (أَنْ أَلْبَسَهم الجوعَ
والخوفَ))، قاله أبو البقاء(٤)، وهو بعيدٌ؛ لأنَّ اللباسَ اسمُ ما يُلْبَسُ،
وهو استعارةٌ بليغةٌ كما سأنّبِّهك عليه. الثالث: أن ينتصِبَ بإِضمارٍ فعلٍ قاله
أبو الفضل الرازي. [الرابع: أن يكونَ على حَذْفِ مضافٍ، أي: ](٥) ولباس
(١) المحرر ٥٢٥/٨.
(٢) تقدم برقم (٢٤٨).
(٣) وهي رواية علي بن نصر وآخرين عنه، ورواية اليزيدي وغيره عنه بالجر. انظر:
السبعة ٣٧٦، والإتحاف ١٩٠/٢، والبحر ٥٤٣/٥، والقرطبي ١٩٤/١٠.
(٤) الإِملاء ٨٦/٢.
(٥) ما بين معقوفين لم يظهر في الأصل، أثبتناه من (ش).
٢٩٣

- النحل :-
الخوف، ثم حُذِف وأقيم [المضافُ إليه](١) مُقامَه قاله الزمخشري (٢)
ووجه الاستعارةِ ما قاله الزمخشري (٣)، فإنه قال: «فإن قُلْتَ الإِذَاقَةُ
واللباسُ استعارتان فما وجهُ صحتِهما؟ والإِذاقةُ المستعارةُ مُوَقِّعَةٌ على اللباس
المستعار فما وجهُ صحةِ إيقاعِها عليه؟ قلت: الإِذاقَةُ جَرَتْ عندهم مَجْرِى
الحقيقةِ لشيوعِها في البلايا والشدائد وما يَمَسُ الناسَ منها، فيقولون: ذَاقَ فلانٌ
البؤسَ والضُّرَّ، وأذاقه العذابُ، شَبَّه ما يُدْرَكُ مِنْ أثرِ الضررِ والألمِ بما يُدْرَكُ
مِنْ طَعْمِ المُرِّ والبَشِع، وأمَّ اللباسُ فقد شبَّه به لاشتماله على اللابسِ
ما غَشِي الإِنسانَ والتبس به من بعض الحوادث. وأمَّا إيقاعُ الإِذاقةِ على
لباس الجوعِ والخوفِ فلأنه لمَّا وقع عبارةً عَمَّا يُغْشَى منهما ويُلاَبَسُ، فكأنه
قيل: فأذاقهم ما غَشِيهم من الجوعِ والخوفِ. ولهم في هذا طريقان،
أحدهما: أن ينظروا فيه إلى المستعار له كما نَظَر إليه ههنا، ونحوُه قول
كثير (٤):
٣٠٢٠ - غَمْرُ الرِّداءِ إذا تَبَسَّم ضاحكاً غَلِقَتْ لضَحْكَتِهِ رِقَابُ المالِ
استعار الرداءَ للمعروفِ لأنه يَصُون عِرْضَ صاحبِهِ صَوْنَ الرداء لِما يُلْقَى
عليه، ووصفه بالغَمْرِ الذي هو وصفُ المعروفِ والنَّوال، لا وصفُ الرداء،
نظراً إلى المستعار له. والثاني: أن ينظروا فيه إلى المستعار كقوله(٥):
(١) زيادة من (ش).
(٢) الكشاف ٤٣٢/٢.
(٣) الكشاف ٤٣١/٢
(٤) ديوانه ٢٨٨، واللسان (غمر)، والمشوف المعلم ٥٥٤/٢. وغمر الرداء: كثير
المعروف، ورقاب المال: أنفسه. وغلقت: حصلت للموهوب له ويئس من ردِّها.
(٥) لم أهتدِ إلى قائلهما، وهما في الكشاف ٤٣٢/٢، وشرح شواهده ٤٠٩/٤ .
والاعتجار: الاعتمام. قال في شرح شواهد الكشاف: ((والمعنى: ينازعني هذا
الرجل سيفي الذي أصون به نفسي وعرضي. فقلت له: أمهل في هذه المنازعة
٢٩٤

- النحل -
رُوَيْدَك يا أخا عمرٍو بن بكر
٣٠٢١- يُنازعني رِدائي عَبْدُ عَمْرٍو
ودونّك فاعْتَجِر منه بشّطْرٍ
ليَ الشَّطْرُ الذي ملكتْ يميني
أراد بردائِه سيفَه ثم قال: ((فاعتجِرْ منه بشَطْر)» فنظر إلى المستعارِ في
لفظِ الاعتجار، ولو نظر إليه فيما نحن فيه لقال: ((فكساهُمْ لباسَ الجوعِ
والخوف))، ولقال كثِّر: ((ضافي الرداءِ إذا تبسُّم)). انتهى. وهذا نهايةُ ما يُقال
في الاستعارة .
وقال ابن عطية (١): ((لمَّا باشرهم ذلك صار كاللباس، وهذا كقول
الأعشى (٢) :
٣٠٢٢- إذا ما الضَّجِيْعُ ثنىْ جِيْدَها تَنَّتْ عليه فكانَتْ لباسا
ومثلُه قولُه تعالى: ((هُنَّ لِياسٌ لكمْ وأنتم لباسٌ / لهنَّ)) (٣)، ومثلُه قولُ [٥٦٥/أ]
الشاعر (٤):
٣٠٢٢ - وقد لَبِسَتْ بعد الزبيرِ مُجاشِعٌ
لباسَ التي حاضَتْ ولم تَغْسِل الدِّما
كأنَّ العارَ لمَّا باشرهم ولصِقَ بهم كأنهم لَبِسُوه)».
وقوله: ((فأذاقهم)) نظيرُ قولِه تعالى: ((ذُقْ إنك [ أنت ] العزيزُ
=
لأني أقاسمك في هذا الطرف الذي في يميني وهو قائم السيف فخذه فاعتجر بطرفه
الآخر وهو صدره، واسْتُرْ به رأسك)).
(١) المحرر ٥٢٨/٨.
(٢) تقدم برقم (٨٦١). والقائل هو النابغة الجعدي لا الأعشى.
(٣) الآية ١٨٧ من البقرة.
(٤) البيت لجرير، وهو في ديوانه ٥٤٦، والمحرر ٥٢٨/٨، والبحر ٥٤٣/٥.
٢٩٥

۔۔
- النحل -
الكريم»(١)، ونظيرُ قولِ الشاعر(٢):
٣٠٢٣ - دونَكَ ما جَنَيْتَه فاحْسُ وذُقْ
وفي قراءةِ عبد الله ((فأذاقها اللَّهُ الخوفَ والجوعَ))، وفي مصحف أُبَيّ
(باسَ الخوف والجوعِ)).
وقوله: ((بأنْعُمِ اللَّهِ) أتى بجمعِ القِلَّةِ، ولم يَقُلْ ((بنِعَمِ اللَّهِ) جمعَ
كثرةٍ تنبيهاً بالأدْنى على الأَعْلى؛ لأنَّ العذابَ إذا كان على كُفْرانِ الشيءِ
القليلِ فكونُه على النِّعَم الكثيرةِ أَوْلَى .
و ((أنْعُم)) فيها قولان، أحدُهما: أنها جمعُ ((نِعْمةٍ )) نحو: شِدَّةَ:
أَشُدّ. قال الزمخشري(٤): ((جمعُ ((نِعْمة)) على تَرْكِ الاعتداد بالتاء كَدِرْع
وَأَدْرُع)). وقال قطرب(٥): ((هي جمع نُعْم، والنُّعْمُ: النَّعيم، يقال: ((هذه أيامُ
طُعْمٍ ونُعْم)). وفي الحديث(٦): ((نادى مُنادي رسول الله صلى الله عليه وسلم
بالمَوْسم بمِنى: ((إنها أيام طُعْمٍ ونُعْمٍ فلا تَصُوموا)).
قوله: ((بما كانوا)» يجوز أَنْ تكونَ مصدريةً، أو بمعنى الذي، والعائدُ
(١) الآية ٤٩ من الدخان.
(٢) لم أهتدِ إلى قائله، وهو في المحرر ٥٢٩/٨، والبحر ٥٤٣/٥. وحسا الطائرُ الماءَ:
· شربه .
(٣) البحر ٥٤٣/٥ - ٥٤٤.
(٤) الكشاف ٤٣١/٢
(٥) انظر: المحرر ٥٢٧/٨.
(٦) انظر: مجاز القرآن ٣٦٩/١. وفي المسند ٢٢٩/٢ عن أبي هريرة قال: قال
رسول اللّه ◌ّ﴾: ((أيام التشريق أيام طعمٍ وذكر الله. قال مرة: أيام أكل وشرب)).
٢٩٦

- النحل -
محذوفٌ، أي: بسبب صُنْعهم أو بسببِ الذي كانوا يصنعونه. والواو في
((يَصْنعون)) عائدةٌ على أهل المعذَّب. قيل: قرية، وهي نظيرةُ قولِه ((أوهم
قائلون))(١) بعد قولِه ((وكم مِنْ قریةٍ أَهْلكناه)» .
آ. (١١٤) قوله تعالى: ﴿واشكروا نِعْمَةَ الله﴾: صَرَّح هنا
بالنعمة لتقدُّمِ ذِكْرها مع مَنْ كفر بها، ولم يَجِئء ذلك في البقرة، بل قال:
((واشكروا لِلَّه))(٢) لمَّا لم يتقدمْ ذلك، وتقدَّم نظائرُها هنا.
آ. (١١٦) قوله تعالى: ﴿ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألسنتكم
الكذبَ﴾: العامَّةُ على فتح الكافِ وكسرِ الذالِ ونصب الباءِ. وفيه أربعةٌ
أوجهٍ، أظهرُها: أنه منصوبٌ على المفعولِ به وناصبُه ((تَصِفُ)) و((ما))
مصدريةٌ، ويكونُ معمولُ القولِ الجملةَ مِنْ قوله ((هذا حَلالٌ وهذا حَرامٌ))
و ((لِما تَصِفُ)) علةٌ للنهي عن القول ذلك، أي: ولا تقولوا: هذا حَلالٌ وهذا
حَرامٌ لأجل وَصْفِ ألسنتِكم الكذبَ، وإلى هذا نحا الزَجَّاجُ(٣) والكسائيُّ،
والمعنى: لا تُحَلِّلوا ولا تُحَرِّمُوا لأجلِ قولٍ تَنْطِقُ به ألسنتُكم من غير حُجَّةٍ.
الثاني: أن ينتصِب(٤) مفعولاً به للقولٍ، ويكون قوله: ((هذا حَلالٌ))
بدلًا مِنَ ((الكذب)) لأنه عينُه، أو يكون مفعولاً بمضمرٍ، أي: فيقولوا: هذا
حَلالٌ وهذا حَرامٌ، و((لِما تَصِفُ)) علةٌ أيضاً، والتقديرُ: ولا تقولوا الكذب
(١) الآية ٤ من الأعراف.
(٢) الآية ١٧٢ من البقرة ((يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا
لله .. . )).
(٣) معاني القرآن ٢٢٢/٣.
(٤) أي ((الكذب)).
٢٩٧

- النحل -
لوصفٍ ألسنتكم. وهل يجوزُ أن تكونَ المسألةُ من التنازع على هذا الوجهِ،
وذلك: أن القولَ يَطْلُبُ ((الكذب)) و((تَصِفُ)) أيضاً يطلبه، أي: ولا تَقُوْلوا
الكذب لما تصفه ألسنتكم؟ فيه نظرٌ.
الثالث: أن ينتصِبَ على البدلِ من العائدِ المحذوف على ((ما)) إذا
قلنا: إنها بمعنى الذي؛ التقدير: لِما تصفُه، ذكر ذلك الحوفيُّ وأبو البقاءِ(١).
الرابع: أن ينتصبَ بإضمار أعني، ذكره أبو البقاء(٢)، ولا حاجةً إليه،
ولا معنی علیه.
وقرأ(٣) الحسن وابن يعمر وطلحةُ ((الكذبِ)) بالخفضِ وفيه وجهان،
أحدُهما: أنه بدلٌ من الموصول ، أي: ولا تقولوا لوصفِ ألسنتكم الكذبِ،
أو للذي تصفه ألسنتكم الكذبِ، جعله نفسَ الكذبِ لأنه هو. والثاني : ذكره
الزمخشري (٤) أن يكون نعتاً لـ ((ما)) المصدريةِ. وَرَدَّه الشيخُ(٥):
بأنَّ النحاةَ نصُّوا على أن المصدرَ المنسبكَ مِنْ أنْ والفعلِ لا يُنْعَتُ، لا يُقال:
«يعجبني أن تخرجَ السريعُ)» ولا فرقَ بين هذا وبين باقي الحروفِ
المصدرية .
وقرأ(٦) ابن أبي عبلة ومعاذ بن جبل بضمُّ الكاف والذال، ورفعِ الباءِ
(١) الإِملاء ٨٦/٢.
(٢) الإِملاء ٨٦/٢.
(٣) الإتحاف ١٩٠/٢، البحر ٥٤٥/٥، القرطبي ١٩٦/١٠، المحتسب ١٢/٢.
(٤) الكشاف ٤٣٣/٢ .
(٥) البحر ٥٤٥/٥، وقال بعد هذا: ((بخلاف صريح المصدر فإنه يجوز أن ينعت،
وليس لكل مقدر حكم المنطوق به، وإنما يتبع في ذلك ما تكلمت به العرب)».
(٦) المحتسب ١٢/٢، البحر ٥٤٥/٥، القرطبي ١٩٦/١٠.
٢٩٨

- النحل -
صفةً للألسنة كصَبُور وصُبُر، أو حمع كاذِب كشارِف وشُرُف(١)، أو جمع
« کذاب » نحو: کِتاب وكُتُب.
وقرأْ مَسْلَمَةُ بنُ محارِبٍ فيما نقله ابن عطية(٢) كذلك، إلا أنَّه نصب
الباءَ، وفيه ثلاثةُ أوجهٍ، ذكرها الزمخشري (٣). أحدُها: أن تكونَ منصوبةً على
الشتم، يعني وهي في الأصل نعتٌ للألسنة كما في القراءة قبلها. الثاني: أن
تكون بمعنى الكَلِمِ الكواذب، يعني أنها مفعولٌ بها، والعامل فيها: إمَّا
((تَصِفُ))، وإمَّا القولُ/ على مامَرُ، أي: لا تقولوا الكَلِمَ الكواذبَ، [٥٦٥/ب]
أو لِما تَصِفُ ألسنتُكم الكلمَ الكواذبَ. الثالث: أن يكونَ جمع الكِذاب مِنْ
قولك ((كَذِب كذابً» يعني فيكون منصوباً على المصدر؛ لأنه مِنْ معنى وَصْفٍ
الألسنةِ فيكون نحو: كُتُب في جمع كِتاب، وقد قرأ الكسائيُّ: ((ولا كذابً)) (٤)
بالتخفيف كما سيأتي في النبأ.
قوله: ((لِتَفْتَرُوا)) في اللامِ ثلاثةُ أوجه، أحدها: قال الواحدي: ((إنه
بدلٌ مِنْ ((لِما تَصِفُ)) لأنَّ وصفَهم الكذبَ هو افتراءٌ على الله)). قال
الشيخ (٥): ((فهو على تقدير جَعْلِ ((ما)) مصدريةً، أمّا إذا كانت بمعنى الذي
فاللامُ فيها ليست للتعليل فَيُبْدِل منها ما يُفْهِمُ التعليلَ، وإنما اللامُ في ((لِما))
متعلقةٌ بـ ((لا تقولوا)) على حَدٍّ تَعَلَّقِها في قولك: لا تقولوا لِما أَحَلَّ اللَّهُ: هذا
(١) الشارف من الدواب: المُسِنّ. وثمة جموع أخرى. شوارف وشُرِّف وشُرُوف. انظر:
اللسان (شرف).
(٢) المحرر ٥٣٦/٨ (الكُذُبَ)).
(٣) الكشاف ٤٣٣/٢.
(٤) الآية ٣٥ من النبأ. وانظر: السبعة ٦٦٩.
(٥) البحر ٥٤٥/٥ - ٥٤٦.
٢٩٩

- النحل -
حرامٌ، أي: لا تُسَمُّوا الْحَلالَ حراماً وكما تقول: لا تقلْ لزيدٍ عمراً، أي:
لا تُطْلِقْ عليه هذا الاسمَ)». قلت: وهذا وإن كان ظاهراً، إلاّ أنه لا يمنع من
إرادةِ التعليل، وإنْ كانت بمعنى الذي.
الثاني: أنها للصيرورة إذ لم يَفْعلوه لذلك الغرضِ .
الثالث: أنها للتعليلِ الصريح، ولا يَبْعُدُ أن يَصْدُرَ عنهم مثلُ ذلك.
آ. (١١٧) قوله تعالى: ﴿متاعٌ﴾: فيه وجهان، أحدُهما: أنه
مبتدأٌ، و((قليل)) خبره، وفيه نظرٌ للابتداءِ بنكرةٍ مِنْ غيرٍ مُسَوِّغ. فإن ادُّعِي
إضافته نحو: متاعُهم قليل، فهو بعيدٌ جداً. الثاني: أنه خبرُ مبتدأ مضمرٍ،
أي: بَقاؤهم(١) أو عيشُهم(٢) أو منفعتُهم (٣) فيما هم عليه .
آ. (١١٨) قوله تعالى: ﴿مِنْ قبلُ﴾: متعلَّقٌ بـ((حَرَّمْنا)
أو بـ ((قَصَصْنَا)) والمضافُ إليه ((قبلُ)) تقديرُه: ومِنْ قبلِ تحريمِنا على
أهلٍ مِلَّتِك.
آ. (١١٩) قوله تعالى: ﴿مِنْ بعدِها﴾: أي: مِنْ بعدِ عَمَلٍ
السوءِ والتوبةِ والإِصلاح، وقيل: على الجهالةِ. وقيل: على السوءِ؛ لأنه في
معنى المعصية .
و ((بجهالة)) حالٌ مِنْ فاعل ((عَمِلوا)).
(١) وهو تقدير العكبري في الإملاء ٨٧/٢.
(٢) وهو تقدير ابن عطية في المحرر ٥٣٨/٨.
(٣) وهو تقدير الزمخشري في الكشاف ٤٣٣/٢.
٣٠٠