النص المفهرس
صفحات 141-160
- الحجر - ويَدَعُ، ولا يقال ((وَدَعَ)) إلَّ نادراً، وقد قرىءٍ(١) ((ما وَدَعك)) مخفّفاً، وأنشدوا قوله (٢) : ٢٩٢٩ - سَلْ أميري ما الذي غيَّرْ عن وصالي اليومَ حتى وَدَعَهْ و ((يَأْكلوا)) مجزومٌ على جوابٍ الأمر، وقد تقدَّم أنَّ (تَرَكَ)) و((ذَرْ)) يكونان بمعنى صَيَّر، فعلى هذا يكون المفعولُ الثاني محذوفاً، أي: ذَرْهُمْ مُهْمِلين، ولا يكونوا(٣) هو الثاني ولا حالاً؛ إذ كان يجبُ رفعه. آ. (٤) قوله تعالى: ﴿إلا ولها كتابٌ﴾: فيه أوجه، أحدُها: - وهو الظاهرُ - أنها واوُ الحالِ، ثم لك اعتباران، أحدُهما: أن تجعل الحالَ وحدَها الجارِّ، ويرتفع ((كتابٌ)) به فاعلًا. والثاني: أن تجعلَ الجارِّ خبراً مقدماً، و((كتاب)) مبتدأ والجملةُ حالٌ، وهذه الحالُ لازمةٌ. الثاني: أنَّ الواوَ مزيدةٌ، وأيَّد هذا قولَه بقراءة ابن أبي عبلة (٤) ((إلا لها)) بإسقاطِها. والزيادةُ ليسَتْ بالسهلةِ. الثالث: أنَّ الواوَ داخِلةٌ على الجملةِ الواقعة صفةً تأكيداً، قال الزمخشري(٥): (/ والجملةُ واقعةٌ صفةً لقرية، والقياسُ أن لا تتوسطَ هذه الواوُ [٥٤١/ب] بينهما كما في قوله: ((وما أَهْلكنا من قريةٍ إلَّ لها مُنْذِرون)) (٦) وإنما توسَّطَتْ (١) الآية ٣ من الضحى. وهي قراءة عروة بن الزبير وابن عباس وآخرين. البحر ٤٨٥/٨، المحتسب ٣٦٤/٢. (٢) البيت لسويد بن أبي كاهل، وهو في اللسان: (ودع). (٣) لعله يعني أن جملة ((يأكلوا)) لا تكون مفعولاً ثانياً. (٤) البحر ٤٤٥/٥. (٥) الكشاف ٣٨٧/٢. (٦) الآية ٢٠٨ من الشعراء. ١٤١ - الحجر - لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف، كما تقول(١): ((جاءني زيد عليه ثوبُه، وجاءني وعليه ثوبُه)). وقد تَبِعَ الزمخشريَّ في ذلك أبو البقاء(٢) تعالى: وقد سبق له ذلك أيضاً في البقرة عند قوله تعالى: ((وعَسَى أَنْ تكرهوا شيئاً وهو خيرٌ لكم))(٣). قال الشيخ(٤): ((ولا نَعلَمُ أحداً قاله من النحويين، وفي محفوظي أنّ ابنَ جني (٥) سَبَقهما إلى ذلك)). ثم قال الشيخ: ((وهو مبنيٌّ على جوازِ أنَّ ما بعد ((إلا)) يكون صفةً، وقد مَنَعُوا ذلك. قال الأخفش: ((لا يُفْصَل بين الصفةِ والموصوفِ بـ((إلا)). ثم قال: وأمَّا نحوُ: (( ما جاءني رجلٌ إلا راكبٌ)) على (٦) تقدير: إلا رجلٌ راكب، وفيه قُبِحٌ لِجَعْلِكَ الصفةَ كالاسم)). وقال أبو عليّ (٧): ((تقول: ما مررتُ بأحدٍ إلا قائماً، ((قائماً)) حال، ولا تقول: إلا قائمٍ، لأنَّ ((إلَّ)) لا تعترضُ بين الصفةِ والموصوفِ)). وقال ابنُ مالك - وقد ذكر ما ذهب إليه الزمخشريُّ في قوله ((ما مررت بأحدٍ إلا زيدٌ خيرٌ منه)): إنَّ الجملةِ بعد ((إلا)) صفةٌ لـ ((أحد)) -: ((إنه مذهبٌ لا يُعرَف البصريٍّ ولا كوفيٍّ، فلا يُلتفتُ إليه)»، وَأَبْطَلَ قولَه: إن الواوَ توسَّطت لتأكيدِ لُصوقِ الصفةِ بالموصوف. : قلت: قولُ الزمخشريِّ قويٌّ من حيث القياسُ، فإنَّ الصفةَ كالحال في المعنى، وإن كان بينهما فرقٌ مِنْ بعضِ الوجوهِ، فكما أن الواوَ تدخلُ على الجملةِ الواقعةِ حالاً كذلك تَدْخُلُ عليها واقعةً صفةً. ويقوِّيه أيضاً ما نظّره به (١) أي في جملة الخال (٣) الآية ٢١٦ . (٢) الإِملاء ٧٢/٢. (٤) البحر ٤٤٥/٥ . (٥) سر صناعة الإِعراب ٦٥٠/٢. (٦) الأفصح ((فعلى))، وقوله ((أما)) لم يرد في البحر. (٧) انظر: المسائل البصريات ٨٤١/٢. ١٤٢ - الحجر - من الآيةِ الأخرى في قوله ((إلَّ لها مُنْذِرون)) ويُقَوِّيه أيضاً قراءةُ ابن أبي عبلة المتقدمةُ . وقال منذر بن سعيد: ((هذه الواوُ هي التي تعطي أنَّ الحالةَ التي بعدها في اللفظ هي في الزمنِ قبل الحالةِ التي قبل الواوٍ، ومنه قوله تعالى: ((حتى إذا جاؤوها وفُتِحَتْ أبوابُها))(١). آ. (٥) قوله تعالى: ﴿مِنْ أُمةٍ﴾: فاعلُ ((تَسْبِقُ))، و ((مِنْ)) مزيدةٌ للتأكيد، وحُمِل على لفظِ ((أمَّة)) في قوله ((أجلَها)) فأفردَ وأَنَّثَ. وعلى معناها في قوله ((وما يَسْتَأخرون)) فَجَمَعَ وَذَكَّرَ. وحَذَفَ متعلَّق ((يَسْتَأْخِرُون))، تقديرُه: ((عنه)» للدلالةِ عليه، ولوقوعِه فاصلةٌ. آ. (٦) قوله تعالى: ﴿نُزِّل عليه الذِّكْرُ﴾: العامَّةُ على ((نُزِّل)» مشدّداً مبنيًّاً للمفعول، وزيدُ بنُ علي (٢) ((نَزَلَ)) مخففاً مبنياً للفاعل. آ. (٧) قوله تعالى: ﴿لَوْما﴾: حرفُ تحضيضٍ كهَلَّاً، وتكون أيضاً حرفَ امتناعٍ لوجود، وذلك كما أنَّ ((لولا)) مترددةٌ بين هذين المعنيين، وقد عُرِف الفرقُ بينهما: وهو أنَّ التحضيضيَّةَ لا يليها إلا الفعلُ ظاهراً أو مضمراً کقولِهِ(٣): ٢٩٣٠- لولا الكَمِيَّ المُقْنَّعَا والامتناعيةُ لا يليها إلا الأسماءُ لفظاً أو تقديراً عند البصريين. وقولُه (٤): (١) الآية ٧٣ من الزمر. (٢) البحر ٤٤٦/٥ . تقدم برقم (٧٠٢). (٣) (٤) تقدم برقم (٥٢٠). ١٤٣ - الحجر - ٢٩٣١ - ولولا يَحْسَبُون الحِلْمَ عَجْزَاً لَمَا عَدِمَ المُسِيْئُون احتمالي مؤولٌ خلافاً للكوفيين. فمِنْ مجيء ((لَوْمًا)) حرفَ امتناعٍ قولُه (١): ٢٩٣٢ - لَوْما الحياءُ ولوما الدينُ عِبْتُكما ببعضِ ما فيكما إذ عِبْتُمَا عَوَري واخْتُلِف فيها: هل هي بسيطةً أم مركبةٌ؟ فقال الزمخشري(٢): ((لو)) رُكُّبَتْ مع ((لا)) ومع ((ما)) لمعنيين(٣)، وأمَّا ((هل)) فلم تُرَكَّب إلا مع (لا)) وحدَّها للتحضيض. واخْتُلِف أيضاً في ((لوما)): هل هي أصلٌ بنفسِها أو فِرِعٌ على ((لولا))؟ وأن الميمَ مبدلةٌ من اللامِ كفولهم (٤): خالَلْتُه وخالَمْته فهو خِلِّ وِلْمي، أي: صديقي. وقالوا: استولى عليَّ كذا، واستومَى عليه بمعنى؟ خلاف مشهور. وهذه الجملةُ من التحضيضِ دالَّةٌ على جوابِ الشرطِ بعدَها. آ. (٨) قوله تعالى: ﴿مَا تُنَزِّلُ الملائكةَ﴾: قرأ(٥) أبو بكر: ((ما تُنَزَّل)) بضمِّ التاء وفتحِ النونِ والزايِ مشددةً مبنياً للمفعول، ((الملائكةُ)) مرفوعاً لقيامِه مَقامَ فاعلِه، وهو موافقٌ لقولِه: ((ونُزِّل الملائكةُ تَنْزِيلًا))(٦)، ولأنها لا تُنَزَّلُ إلا بأمرٍ مِن اللّه، فغيرُها هو المُنَزِّل لها وهو اللَّهُ تعالى. وقرأ الأخَوان وحفصٌ بضم النون الأولى وفتح الثانية وكَسْرِ الزاي (١) تقدم برقم (٥٢٤). (٢) الكشاف ٣٨٧/٢ (٣) قال: ((وهما معنى امتناع الشيء لوجود غيره ومعنى التحضيض)). (٤) انظر: اللسان (ولي) ونسب هذا القول إلى الأصمعي. (٥) انظر في قراءاتها: الإتحاف ١٧٤/٢، القرطبي ٤/١٠، الحجة ٣٨١، السبعة ٣٦٦، البحر ٤٤٦/٥. (٦) الآية ٢٥ من الفرقان. ١٤٤ - الحجر - مشددةً مبنياً للفاعل المعظّم، وهو الباري تعالى، ((الملائكةَ)) نصباً مفعولاً بها، وهو موافِقٌ لقولِه تعالى ((ولو أننا نَزَّلْنا إليهم الملائكة)»(١)، ويناسِبُ قوله قبل ذلك ((وما أهلكنا))(٢)، وقولُه بعده ((إِنَّا نحن نَزَّلْنا))(٣) وما بعده من ألفاظٍ التعظيمِ. والباقون من السبعةِ ((ما تَنَزَّلُ)) بفتح التاء والنون والزاي / مشددةً، [٥٤٢/أ] و ((الملائكةُ)) مرفوعةً على الفاعلية، والأصل: تَتَنَزَّل بتاءين، فَحُذِفت إحداهما، وقد تقدَّم تقريرُه في ((تَذَكَّرون))(٤) ونحوه، وهو موافقٌ لقولِه («تَنَزَّل الملائكةُ والرُّوحُ فيها)»(٥). وقرأ زيدُ بنُ عليّ ((ما نَزَلَ)) مخفَّفاً مبنياً للفاعل، ((الملائكة)) مرفوعةً بالفاعلية، وهو كقولِه «نَزَل به الرُّوْحُ الأمينُ»(٦). قوله: ((إلا بالحقِّ)) يجوز تعلُّقه بالفعلِ قبله، أو بمحذوفٍ على أنه حالٌ مِنْ الفاعلِ أو المفعولِ، أي: ملتبسين بالحق. وجعله الزمخشريُّ(٧) نعتاً لمصدر محذوف، أي: إِلا تَنُزُّلا ملتبساً بالحقِّ. قوله: ((إِذَنْ)) قال الزمخشري(٨): ((إذن)) حرفُ جوابٍ وجزاءٍ؛ لأنَّها جوابٌ لهم، وجزاءُ الشرطِ مقدرٌ، تقديرُه: ولو نَزَّلْنا الملائكة ما كانوا مُنْظَرين وما أُخِّر عذابُهم. (١) الآية ١١١ من الأنعام. (٢) الآية ٤ من الحجر. (٣) الآية ٩ من الحجر. (٤) الآية ١٥٢ من الأنعام. وانظر: الدر المصون ٢٢٣/٥. (٥) الآية ٤ من القدر. (٦) الآية ١٩٣ من الشعراء. ) (٧) الكشاف ٣٨٧/٢. (٨) الكشاف ٣٨٧/٢. ١٤٥ - الحجر- آ. (٩) قوله تعالى: ﴿نحن﴾: إمَّا مبتدأ، وإمّا تأكيدٌ، ولا يكون فصلًا لأنه لم يقع بين اسمين. والضمير في ((له)) للذُّكْر، وهو الظاهرُ. وقيل: للرسولِ عليه السلام. آ. (١٠) قوله تعالى: ﴿أَرْسَلْنَا﴾: مفعولُه محذوفٌ، أي: أرسلنا رسلاً من قبلك، فـ((مِنْ قبلك)) يجوز أن يتعلَّقَ بـ ((أَرْسَلْن))، وأن يتعلَّق بمحذوفٍ، على أنه نعتٌ للمفعولِ المحذوفِ. و((في شِيَع الأوَّلين)) قال الفراء(١): ((هو من إضافة الموصوفِ لصفتِه، والأصلُ: في الشِّيَع الأولين كصلاة الأولى، وجانب الغربيّ)). والبصريون(٢) يُؤَوِّلونه(٣) على حذفِ الموصوفِ، أي: في شِيَعِ الأممِ الأوَّلين، وجانب المكانِ الغربي، وصلاة الساعة الأولى. آ. (١١) قوله تعالى: ﴿وما يأتيهم﴾: قال الزمخشري (٤) «حكايةٌ حالٍ ماضيةٍ؛ لأنَّ ((ما)) لا تدخُل على مضارعٍ إلا وهو في موضع الحال، ولا على ماضٍ إلا وهو قريبٌ من الحال)). وهذا الذي ذكرَه هو الأكثرُ في لسانِهم، لكنه قد جاءَتْ مقارِئَةً للمضارعِ المرادِ به الاستقبالُ كقوله تعالى: (قُلْ ما يكون لي أن أُبَدِّلَه من تِلْقاءِ نفسي))(٥)، وأنشدوا للأعشى يمدح النبيَّ صلی الله علیه وسلم(٦) :. (١) لم يرد هذا القول في ((معاني القرآن)). (٢) الإنصاف ٤٣٦/٢. (٣) الأصل: «یؤوله» وهو سهو. (٤) الكشاف ٣٨٨/٢. (٥) الآية ١٥ من يونس. (٦) ديوانه ١٣٧، والبحر ٤٤٧/٥. وما يغبُّ: ما ينقطع وما يبطىء. ١٤٦ - الحجر - وليس عطاءُ اليومِ مانِعَه غَدا ٢٩٣٣- له صَدَقاتُ ما يَغِبُّ نَوالُها وقولَ أبي ذؤيب(١): عند الرُّقَادِ وعَبْرةً ما تُقْلِعُ ٢٩٣٤ - أودَى بَنِيَّ وأَوْدَعُونيْ حَسْرة قوله: ((إلا كانوا)) هذه الجملةُ يجوز أن تكونَ حالاً من مفعولٍ (يَأْتِيهِمْ)). ويجوزُ أن تكونَ صفةً لـ ((رسول)) فيكونَ في محلُّها وجهان: الجرُّ باعتبارِ اللفظ، والرفعُ باعتبار الموضعِ ، وإذا كانت حالاً فهي حالٌ مقدرةٌ. آ. (١٢) قوله تعالى: ﴿كذلك نَسْلُكُه﴾: يجوز في الكافِ أن تكونَ مرفوعةَ المحلُّ على أنها خبرُ مبتدأ مضمر، أي: الأمرُ كذلك، و (نَسْلُكُه)) مستأنفٌ. ويجوز أن تكونَ منصوبةً المحلِّ: إمَّا نعتاً لمصدرٍ محذوف، أي: مثلَ ذلك السَّلْكِ ونحوِهِ نَسْلُكُه، أي: نَسْلُكُ الذِّكْرَ، وإمَّ حالاً من المصدرِ المقدَّرِ. والهاءُ في ((نَسْلُكُه)) يجوز عَوْدُها للذِّكْرِ، وهو الظاهر. وقيل: يعودُ للاستهزاء. وقيل: على الشِّرك .! آ. (١٣) والهاء في: ﴿به﴾: يجوز عَوْدُها على ما تقدَّم من الثلاثة، ويكون تأويلُ عَوْدِها على الاستهزاءِ والشُّركِ، أي: لا يؤمنون بسببِه. وقيل: للرسولِ، وقيل: للقرآن. وقال أبو البقاء(٢): ((ويجوز أن يكون حالً، أي: لا يؤمنون مُسْتهزئين» قلت: كأنه جعل ((به)) متعلقاً بالحالِ المحذوفةِ قائماً مَقامَها، وهو مردودٌ؛ لأن الجارَّ إذا وقع حالاً أو نعتاً أو صلةً أو خبراً تعلَّق بكونٍ مطلقٍ لا خاصٍ ، وكذا الظرفُ. (١) ديوان الهذليين ٢/١، والمفضليات ٤٢١، والبحر ٤٤٧/٥. (٢) الإِملاء ٧٢/٢. ١٤٧ - الحجر- ومحلُّ ((لا يُؤمنون)) النصبُ على الحال، ويجوز أَنْ لا يكونَ لها محلٌّ، لأنها بيانٌ لقوله ((كذلك نَسْلُكُه)). وقوله ((وقد خَلَتْ سنَّةُ الأوّلین» استئناف. والسَّلْكُ: الإِدخال. يقال: سَلَكْتُ الخيطَ فِي الْإِبْرة، ومنه ((ما سلَكَكُمْ فِي سَقَرٍ))(١) يُقال: سَلَكَه وأَسْلكه، أي: نَظَمَه، قال الشاعر(٢): ٢٩٣٥- وكنتُ لِزازَ خَصْمِكِ لم أُعَرِّدْ وقد سَلَكُوكَ فِي أَمْرٍ عَصِيْبٍ وقال الآخر في ((أَسْلَكَ))(٣): ٢٩٣٦ - حتى إذا أَسْلَّكُوهِمْ فِي قُتَائِدَةٍ. شَلا كما تَطْرُدُ الجَمَّالةُ الشُّرُدا آ. (١٤) قوله تعالى: ﴿فَظَلُّوا﴾: هي الناقصةُ، والضميرُ في ((فظُلُّوا)) عائدٌ على الكفارِ المُفَّحِ (٤) لهم البابُ. وقيل: يعودُ على الملائكة. وقرأ(٥) الأعمشُ وأبو خَيْوة ((يَعْرِجون)) بكسر الراء، وهي لغةُ هُذَيْلٍ فِي عَرَج يَعْرِج، أي: صَعِد. آ. (١٥) قوله تعالى: ﴿سُكِّرَتْ﴾: قرأ(٦) ابن كثير ((سُكِرَتْ)) (١) الآية ٤٢ من المدثر (٢) تقدم برقم (٢٦٩٢)، والشطر الأول منه مخروم في الأصل أثبتناه من (ش). (٣) البيت لعبد مناف بن رِبْع الهذلي، وهو في ديوان الهذليين ٤٢/٢، واللسان (سلك)، والمحرر٢٨٧/٨. وقتائدة: ثنية جبل. والشُّلَّ: الطرد. والجمالة: أصحاب الجِمال. والشرد: جمع شرود. (٤) كذا في الأصل، والأقرب: المفتوح. (٥) الإتحاف ٢ /١٧٤، البحر ٤٤/٥. (٦) انظر في قراءاتها: السبعة ٣٦٦، النشر ٣٠١/٢، الإتحاف ١٧٤/٢، البحر ٤٤٨/٥، الحجة ٣٨٢، القرطبي ٨/١٠، الشواذ ٧٠، المحتسب ٣/٢. ١٤٨ - الحجر- مبنياً للمفعول مخففَ الكاف، وباقي السبعة كذلك، إلا أنهم شدَّدُوا الكاف. والزهري ((سَكِرَتْ)) بفتح السين وكسرِ الكاف خفيفةً مبنياً للفاعل. فأمَّ القراءةُ الأولى فيجوز أن تكونَ بمعنى المشددة، فإنَّ التخفيفَ يَصْلُح للقليلِ والكثير، وهما مأخوذتان من (( السِّكْر)) بكسرِ السينِ وهو السَّدُّ، فالمعنى: حُبِسَتْ أبصارنا وسُدَّت. وقيل: بمعنى عُطِبَتْ. وقيل: بمعنىْ أُخِذَتْ. وقيل: بمعنى سُحِرَتْ. وقيل: المشدَّدُ مِنْ سِكْرِ الماءِ، والمخفَّفُ بمعنى سُحِرَتْ. / وقيل: المشدَّدُ مِنْ سِكْرِ الماءِ (١) بالكسرِ، [٥٤٢/ب] والمخفّفُ مِنْ سُكْرِ الشَّراب بالضم. والمشهورُ أنَّ ((سَكَر)) لا يتعدَّى فكيف بُني للمفعول؟ فقال أبو علي (٢): ((ويجوز أن يكونَ سُمِع متعدِّياً في البصر)» والذي قاله المحققون مِنْ أهل اللغة أنَّ ((سَكَرَ)): إنْ كان من سَكَرِ الشرابِ، أو مِنْ سَكَرِ الريح (٣)، فالتضعيفُ فيه للتعدية، وإن كان مِنْ سَكَرِ الماءِ فالتضعيفُ للتكثيرِ لأنه متعدٍّ مخففاً، وذلك أنه يُقال: سَكْرَتْ(٤) الريح تَسْكُرُ سَكَراً إذا رَكَدَتْ، وسَكِر الرجلُ من الشراب سَكَراً إذا رَكَد ولم يَنْفُذْ(٥) لحاجته، فهذان قاصران، فالتضعيفُ فيهما للتعدية. ويقال: سَكَرْتُ الماءَ في مجارِيْه: إذا مَنَعْتَه من الجَرْيِ، فهذا متعدٍّ، فالتضعيفُ فيه للتكثير. (١) لم أقف على هذا المصدر، وإنما يقال: ((سِكْر)) لما سُدَّ به، ومصدر هذا الفعل سکْر. (٢) الحجة (خ) ٣١٢/٣. (٣) مصدر سَكّرت الريح: سُكوراً وسَكَراناً، ولم أقف على ما ذكره المؤلف. انظر: اللسان (سكر). (٤) ضبطها المؤلف ((سكِرت)) ولم أجده. (٥) لم ينفذ: لم يمضِ . ١٤٩ - الحجر - وأمَّا قراءةُ ابنِ كثير فإن كانت مِنْ سَكَرِ الماءِ فواضحةٌ لأنه متعدٍّ، وإن كانَتْ مِنْ سَكْرِ الشَّرابِ أو سَكَر الريحِ فيجوز أن يكون الفعلُ استُعْمل لازماً تارةً ومتعدياً أخرى، نحو: رَجَع زيدٌ،، وَرَجَعَه غيرُه، وسَعَدَ وسَعَدَه غيرُه وقال الزمخشري(١): ((وسُكِّرت: حُيِّرَتْ، أو حُبِسَتْ من السِّكَرِ أو السَّكْر، وقُرىء ((سُكِرَتْ)) بالتخفيف، أي: حُبِسَتْ كما يُحْبَسُ النهرُ مِنَ الجَرْيِ)) فجعل قراءة التشديدٍ محتملةً لمعنيين، وقراءةَ التخفيفِ لمعنىً واحدٍ . وأمَّا قراءةُ الزّهريِّ(٢) فواضِحَةٌ، أي: عُطِبَتْ. وقيل: هي مطاوِعُ أَسْكَرْتُ المكانَ فسَكِرَ، أي: سَدَدْتُه فانْسَدَّ. آ. (١٦) قوله تعالى: ﴿جَعَلْنا﴾: يجوز أن يكونَ بمعنى خَلَقْنا، فيتعلَّقَ به الجارُّ، وأن يكونَ بمعنى صَيَّرنا، فيكون مفعولُه الأول ((بُروجاً )»، ومفعولُه الثاني الجارّ، فيتعلَّقُ بمحذوف. و((للناظرين)) متعلِّقٌ بـ ((زيَّنَّاها)). والضميرُ للسماء. وقيل: للبروجِ، وهي الكواكبُ، زَيَّنها بالضوءِ. والنظر عينيٌّ. وقيل: قلبيٌّ. وحُذِف متعلّقُه لِيَعُمَّ . آ. (١٨) قوله تعالى: ﴿إِلا مَنْ اسْتَرَقَ﴾: فيه خمسةُ أوجهٍ، أحدُها: في محلّ نصب على الاستثناءِ المتصلِ ، والمعنى: فإنها لم تُحفَظْ منه، قاله غيرُ واحدٍ. الثاني: منقطع، ومحلُّه النصبُ أيضاً. الثالث: أنه بدلٌ (١) الكشاف ٣٨٩/٢ (٢) سَكِرَتْ. ١٥٠ - الحجر - مِنْ ((كل شيطان)) فيكون محلُّه الجرّ، قاله الحوفي وأبو البقاء(١). وفيه نظر؛ لأن الكلامَ موجَبٌ. الرابع: أنه نعتٌ لـ((كلِّ شيطانٍ))، فيكونُ محلُّه الجرّ على خلافٍ في هذه المسألة. الخامس: أنه في محلِّ رفعٍ بالابتداء، وخبرُه الجملةُ مِنْ قولِه ((فَأَتْبعه)). وإنما دَخَلَتِ الفاءُ لأنَّ ((مَنْ)): إِمَّا شرطيةٌ، وإمّا موصولةٌ مُشَبَّهَةٌ بالشرطية، قاله أبو البقاء(٢)، وحينئذ يكونُ من بابِ الاستثناء المنقطع . والشِّهاب: الشُّعْلَةُ من النار، وسُمِّي بها الكوكبُ لِشِدَّة ضوئِه وبَرِيْقِهِ، ويُجمع على شُهُب في الكثرة، وأَشِبَة. والشُّهْبَةُ: بياضٌ مختلِط بسوادٍ تشبيهاً بالشهاب لاختلاطِه بالدخان، ومنه كتيبةٌ شَهْباءُ لسوادِ القوم وبياضٍ الحديد، ومِنْ ثَمَّ غَلِط الناسُ في إطلاقهم الشُّهْبَةَ على البياضِ الخالص. آ. (١٩) قوله تعالى: ﴿والأرضَ مَدَدْناها﴾: ((الأرض)) نصبٌ على الاشتغالٍ، ولم يُقرأ بغيرِه؛ لأنه راجحٌ مِنْ حيث العطفُ على جملةٍ فعليةٍ قبلها، وهي قوله ((ولقد جَعَلْنا في السماءِ بُرُوْجاً)(٣). قال الشيخ(٤): ((ولمَّا كانَتْ هذه الجملةُ بعدها جملةً فعليةً كان النصبُ أُرجحَ مِنَ الرفع)). قلت: لم يَعُدُّوا هذا من القرائن المرجّحة للنصب، إنما عَدُّوا عطفَها على جملةٍ فعليةٍ قبلَها لا عطفَ جملةٍ فعليةٍ عليها، ولكنه القياسُ، إذ تُعْطَفُ فيه فعليةٌ على مثلها بخلافٍ ما لو رَفَعْتَ، إذ تَعْطِفُ فعليةً على اسميةٍ، لكنهم لم يعتبروا ذلك. والضميرُ في ((فيها)) للأرض. وقيل: للرواسي. وقيل: لهما. (١) الإِملاء ٧٣/٢. (٣) الآية ١٦. (٤) البحر ٤٥٠/٥. (٢) الإملاء ٧٣/٢. ١٥١ - الحجر - قوله: ((مِنْ كلِّ شيءٍ)) يجوز في ((مَنْ)) أن تكونّ تبعيضیةً وهو الصحيحُ، وأن تكونَ مزيدةً عند الكوفيين والأخفش(١). آ. (٢٠) قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَسْتُمْ﴾: يجوز في ((مَنْ)) خمسةٌ أوجهٍ، أحدُها : - وهو قولُ الزجاج(٢) - أنه منصوبٌ بفعلٍ مقدرٍ تقديرُه: [٥٤٣ /أ] وأَعَشْنا مَنْ لستم له برازقين، كالعبيد والدوابِّ / والوحوشِ. الثاني: أنه منصوبٌ عطفاً على ((معايش))، أي: وجعلنا لكم فيها مَنْ لستم له برازقين من الدوابِّ المنتفعِ بها. الثالث: أنه منصوبٌ عطفاً على محلِّ ((لكم)). الرابع: أنه مجرورٌ عطفاً على ((كم)) المجرورِ باللام، وجاز ذلك مِنْ غيرٍ: إعادةِ الجارِّ على رأيِ الكوفيين وبعضِ البصريين، وقد تقدَّم تحقيقُه في سورة البقرة، عند قوله ((وكفرٌ به والمسجدِ))(٣). الخامس: أنه مرفوعٌ بالابتداء، وخبرُه محذوفٌ، أي: ومَنْ لستم له برازقين جَعَلْنا له فيها معایشَ، وسُمِع من العرب ((ضربْتُ زيداً وعمرٌو)) برفع ((عمرو)) مبتدأُ، محذوفَ الخبر، أي: وعمرُو ضربْتُه. و ((مَنْ)) يجوز أن يُرادَ بها العقلاءُ، أي: ومَنْ لستُمْ له برازقين مِنْ مواليكم الذين تزعمون أنّكم ترزقونهم، وأن يُرادَ بها غيرُهم، أي: ومَنْ لَسْتُمْ له برازقين من الدوابِّ، وإن كنتم تزعمون أنكم ترزقونهم، وإليه ذهب جماعةٌ من المفسِّرين. ويجوز أن يُراد بها النوعان، وهو حَسَنٌ لفظاً ومعنى .. (١) لم يُشر الأخفش إلى زيادتها في هذا الموضع. وانظر أمثلة على ذلك في ((معاني القرآن)»: ٩٨، ٢٠٩، فلا يشترط تنكير مجرورها وأن تسبق بموجب. (٢) معاني القرآن ١٧٧/٣. (٣) الآية ٢١٧ من البقرة. وانظر: الدر ٣٩٤/٢. ١٥٢ - الحجر - آ. (٢١) قوله تعالى: ﴿وإنْ مِنْ شيءٍ﴾: ((إنْ)) نافيةٌ، و((مِنْ)) مزيدةٌ في المبتدأ، و((عندنا)) خبرُه، و((خزائنُه)) فاعلٌ به لاعتماده، ويجوز أن يكونَ ((عندنا)) خبراً لما بعده، والجملةُ خبرُ الأولِ ، والأولُ أَوْلِى لِقُرْب الجارِّ من المفرد. قوله: ((إلا بِقَدَر)) يجوزُ أن يتعلَّق بالفعلِ قبلَه، ويجوز أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ من المفعولِ ، أي: إلَّ ملتبساً بقدرٍ. آ. (٢٢) قوله تعالى: ﴿لواقِحَ﴾: حالٌ مقدرةٌ من ((الرياح)). وفي اللواقح أقوال، أحدها: أنه جمع ((مُلْقِح )) لأنه مِنْ أَلْفَحَ يُلْقِحُ فهو مُلْقِحٌ، فحقُّه مَلاقِحِ، فَحُذِفَتِ الميمُ تخفيفاً. يقال: أَلْقَحتِ الريحُ السحابَ، كما يقالُ: ألقح الفحلُ الأنثى. ومثلُه الطوائح، وأصلُه (المَطاوِح)) لأنه مِنْ أطاح يُطيح قال(١): ومُخْتِطْ مِمَّا تُطيح الطَّائِحُ ٢٩٣٧- لِيُبْكَ يزيدُ ضارِعٌ لخصومةٍ وهذا قول أبي عبيدة(٢). والثاني: أنها جمع لاقِح يُقال: لَقِحَتِ الريحُ: إذا حَمَلَتِ الماءَ. وقال الأزهري(٣): ((حوامِلُ تحملُ السَّحابَ كقولك: أَلْفَحَتِ الناقةُ فَلْقِحَتْ، إذا حَمَلَتِ الجنينَ في بطنِها، فتُبِّهَتْ الريحُ بها، ومنه قوله(٤): (١) تقدم برقم (١٢٠١). (٢) المجاز ٣٤٨/١. (٣) تهذيب اللغة ٥٦/٤. (٤) تقدم برقم (٥٣٦). ١٥٣ - الحجر - ٢٩٣٨ - إذا لَقِحَتْ حربٌ عَوانٌ مُضِرَّةٌ. ضَروسٌ تُهِرُّ الناسَ أنيابُهَا عُصْلُ والثالث: أنها جمعُ ((لاقِح)) على النسَب كـ لابنٍ وتامرٍ، أي: ذاتُ لقاح؛ لأنَّ الريحَ إذَا مَرَّتْ على الماء، ثم مرَّتْ على السحابِ والماءِ كان فيها لِقاحٌ، قاله الفراء (١). وقد تقدَّم الخلافُ في ((معايش)) في الأعراف(٢)، وفي (( يُنْزِّل))(٣)، وفي ((الريح))(٤) في البقرة. ولم يَبْقَ هنا إلا مَنْ أَفْردَ ((الريح))، فإنه يُقال: كيف نصبَ الحالَ مجموعةً عن مفردٍ؟ وقد تقدم أن المراد به الجنسُ وهو جمعٌ في المعنى فلا محذورَ. قوله: ((فَأَسْقَيْنَاكموه)) يقال: أَسْقاه وسَقاه وسيأتي بيانُهما في السورة بعدها فإنه قُرِىء بهما(٥). واتصل الضميران هنا لاختلافِهما رتبةً(٦)، ولو فُصِل ثانيهما لجاز عند غير سيبويه(٧)، وهذا كما تقدَّم في قولِه ((أَنْزِ مُكُموها))(٨). قوله: ((وما أنتم له بخازِنين)) جملةٌ مستأنفة و((له)) متعلُّقٌ بـ ((خازنین )). آ. (٢٣) قوله تعالى: ﴿لَنَحْنُ﴾: ((نحن)) يجوز أن يكونَ مبتدأ، (١) معاني القرآن ٨٧/٢ بعبارة قريبة .. (٢) الآية ١٠، وانظر: الدر ٢٥٧/٥. (٣) انظر: الدر المصون ٥١١/١. (٤) انظر: الدر المصون ٢٠٧/٢. (٥) في الآية ٦٦ من النحل ((نسقيكم ممَّا في بطونه)). وانظر: السبعة ٣٧٤. i (٦) رتبة الأول الخطاب، ورتبة الثاني الغيبة . (٧) الكتاب ٣٨٤/١ _ ٣٨٥. وانظر: أوضح المسالك ٥١. (٨) الآية ٢٨ من هود. وانظر: الدر ٣١٥/٦. ١٥٤ - الحجر - و ((نُحْبِيْ)) خبرُه، والجملةُ خبرُ ((إِنَّا)). ويجوز أن يكونَ تأكيداً لـ((نا)) في (إِنَّا))، ولا يجوز أن يكونَ فَصْلاً لأنه لم يَقَعْ بين اسمين، وقد تقدَّم نظيرُه. وقال أبو البقاء(١): ((لا يكون فَضْلاً لوجهين، أحدهما: أنَّ بعده فعلاً، والثاني : أنَّ معه اللامَ. قلت: الوجهُ الثاني غَلَطِّ فإنَّ / لامَ التوكيد لا يمتنع دخولُها على الفَصلِ ، نصَّ النحاةُ(٢) على ذلك، ومنه قولُه تعالَى: ((إنَّ هذا لهو القَصَصُ))(٣) جَوَّزوا فيه الفصلَ مع اقترانِه باللامِ . [٥٤٣/ب] آ. (٢٦) قوله تعالى: ﴿مِنْ صَلْصالٍ﴾: ((مِنْ)) لابتداء الغاية أو للتبعيضِ. والصَّلْصال: قال أبو عبيدة (٤): ((هو الطينُ المختلِطُ بالرَّمْل، ثم يَجِفُّ، فَيُسمع له صَلْصَلَةٌ، أي: تَصْوِيْت)). وقال الزمخشري(٥): ((الطين اليابسُ الذي يُصَلْصِلُ من غيرِ طبخٍ، فإذا طُبِخَ فهو فَخَّارِ)). وقال أبو الهيثم: «هو صوتُ اللَّجام (٦) وما أشبهه كالقَعْقَعَة في الثوبِ)). وقال الزمخشري أيضاً(٧): ((قالوا: إذا تَوَهَّمْتَ في صوتِهِ مَدَّاً فهو صَليل، وإن توهَّمْتَ فيه ترجيعاً(٨) فهو صَلْصَلَة. وقيل: هو مِنْ تضعيفٍ ((صَلَّ)) إذا أَنْتَنَ)). انتهى. وصَلْصال هنا بمعنى مُصَلْصِل کزَلْزال بمعنى مُزَلْزِل، ويكون فَعْلال أيضاً مصدراً نحو: الزَّلزال. ويجوز كسرُه أيضاً(٩). (١) الإملاء ٧٣/٢. (٢) انظر: الجنى الداني ١٣٢. (٣) الآية ٦٢ من آل عمران. (٤) المجاز ٣٥٠/١ بعبارةٍ قريبة. (٥) الكشاف ٣٩٠/٢. اللجام : الحديدة في فم الفرس. (٦) (٧) الكشاف ٣٩٠/٢. الأصل ((جيعا)» وهو سهو والتصحيح من الكشاف. (٨) (٩) انظر: اللسان (زلل)، ومعاني القرآن للزجاج ٣٥١/٥. ١٥٥ - الحجر - وفي وزن هذا النوع أعني ما تكرَّرت فاؤه وعينُه خلاف، فقيل: وزنه فَعْفَع، كُرِّرَتْ الفاءُ والعينُ ولا لامَ للكلمة، قاله الفراء وغيرُه. وهو غَلَطْ لأنَّ أقلَّ الأصولِ ثلاثةٌ: فاء وعين ولام. الثاني: أنّ وزنَه فَعْفَل وهو قولُ الفَرّاءِ. الثالث: أنه فَعَّل بتشديدِ العينِ وأصلُه صَلَّل، فلما اجتمع ثلاثةُ أمثالٍ أبدل الثاني من جنسٍ فاءِ الكلمةِ وهو مذهبُ كوفي(١). وخصِّ بعضُهم هذا الخلافَ بما إذا لم يختلَّ المعنى بسقوطِ الثالث نحو: لَمْلَمَ وَكَيْكَبَ فإنك تقول فيهما: لَّمَّ وكَبَّ، فلولم يَصِحَّ المعنى بسقوطِه نحو: سِمْسِم، قال: فلا خلاف في أصالةِ الجميع . قوله: ((مِنْ حَمَأْ» فيه وجهان، أحدهما: أنه في محلِّ جرّ صفةً لصَلْصال، فيتعلَّقُ بمحذوف. والثاني: أنه بدلٌ من ((صَلْصال)) بإعادة الجارِّ. والحَمَأُ: الطينُ الأسودُ المُنْتِنُ. قال الليث: ((واحدُه حَمَأة بتحريك العين))، جعله اسمَ جنسٍ، وقد غَلِط في ذلك؛ فإنَّ أهلَ اللغة قالوا: لا يُقال إلا ((حَمْأَة)) بالإِسكان، ولا يُعْرَفُ التحريكُ، نصَّ عليه أبو عبيدة(٢) وجماعة، وأنشدوا لأبي الأسود(٣): ٢٩٣٩ - يجيْءُ بِمِلْئِها طَوْراً وطَوْراً يَجِيْءُ بِحَمْأَةٍ وقليلِ مَاءِ فلا تكون ((الحَمْأَةُ)) واحدةَ ((الحَمَأ)) لاختلاف الوزنين(٤). (١) ولِمَ لا يكون فَعْلَل من الرباعي المجرد؟ (٢) عبارة أبي عبيدة في المجاز ٣٥١/١ ((وهو جميع حمأة)) وضبطها المحقق بتسكين الميم كما يقرر السمين وأبو حيان، في حين أن صاحب اللسان (حمأ) يقول: ((وقال أبو عبيدة: واحدة الحَمَا حَمَأة كقصَبة واحدة القَصَب» .. (٣) ديوانه ١٢٦، والبحر ٤٤٣/٥. (٤) يعني المؤلف أن المفرد ((حَمْأةً)) والجمع ((حَمَأ)) فلا يكون من باب ما يُفَرَّق بين مفرده وجمعه بالتاء لاختلاف وزن المفرد عن وزن الجمع، وما يفرق بين مفرده وجمعه بالتاء يكون فيهما الوزن واحداً مثل تَمْر وتُمْرة. ١٥٦ - الحجر - والمَسْنُون: المَصْبوبُ مِنْ قولهم: سَنْتُ الشرابَ كأَنَّه لرطوبتِهِ جُعِل مَصْبوباً كغيره من المائعات، فكأنَّ المعنى: أَفْرغ صورة إنسانٍ كما تُفْرَغُ الجواهرُ المُذابة. قال الزمخشري(١): ((وحَقُّ مَسْنُون بمعنى مُصَوَّر أن يكون صفةً لصَلْصال، كأنه أَفْرِغ الحَمَأَ فَصَوَّر منه تمثالَ شخصٍ)). قلت: يعني أنه يصيرُ التقدير: مِنْ صَلْصالٍ مُصَوَّر، ولكن يلزم تقديمُ الوصفِ المؤوَّلِ على الصريح إذا جَعَلْنا ((مِنْ حَمَأ)) صفةً لصَلْصال، أمَّا إذا جَعَلْناه بدلاً منه فلا. وقيل: مَسْنُون مُصَوَّر، مِنْ سُنَّةِ الوجهِ وهي صورتُه. قال الشاعر(٢): ٢٩٤٠ - تُرِيكَ سُنَّة وَجْهٍ غيرَ مُفْرِفَةٍ وقال الزمخشري(٣): ((مِنْ سَنَنْتُ الحجرَ بالحجر: إذا حَكَكْتَه به، فالذي يَسِيل بينهما ((سَنِينٌ)) ولا يكون إلا مُنْتِناً». وقيل: المَسْنُون: المنسوبُ إليه، والمعنى: يُنْسَبُ إليه ذُرِّيَّةٌ، وكأن هذا القائلَ أخذه مِنَ الواقع. وقيل: هو من أسِن الماءُ إذا تَغَيّر، وهذا غَلَطِّ لاختلافِ المادتين. آ. (٢٧) قوله تعالى: ﴿والجانَّ خَلَقْنَاه﴾: منصوبٌ على الاشتغال، ورُجِّح نصبُه لعطفِ جملتِه على جملةٍ فعلية. والجانُّ أو الجنّ وهو إبليس كآدم أبي الإِنس. وقيل: اسمٌ لجنسِ الجِنّ. (١) الكشاف ٣٩٠/٢. (٢) عجزه: مُلْساءُ ليس بها خالٌ ولا نَدَبُ وهو لذي الرمة في ديوانه ٢٩/١، والقرطبي ٢٢/٩، واللسان (سنن). والمقرفة: التي دنت من الهجينة. والندب: أثر الجرح. (٣) الكشاف ٣٩٠/٢. ١٥٧ - الحجر- وقرأ(١) الحسن ((والجَأَنَّ)) وقد تقدَّم القولُ في ذلك في أواخر الفاتحة(٢). و((من قبل)) و((مِنْ نار)) متعلقان بـ ((خَلَقْنا))؛ لأن الأولى لابتداءِ الغاية والثانيةَ للتبعيض، وفيه دليلٌ على أن (( مِنْ)) لابتداء الغايةِ في الزمانِ، وتأويلُ البصريين(٣) له ولنظائرِهِ بعيدٌ. والسَّمومُ: ما يَقْتُل من إفراطِ الحَرِّ من شمسٍ أوريحٍ أو نار؛ / لأنها تَدْخُل في المَسامِّ فتقتُلِ. وقيل: السَّموم ما كان ليلاً، والحَرُور ما كان نهاراً. [٥٤٤/أ] آ. (٣٠) قوله تعالى: ﴿أَجْمعون﴾: تأكيدٌ ثانٍ، ولا يفيد الاجتماع في الوقت، خلافاً لبعضهم. قال أبو البقاء(٤): ((لكان حالاً [ لا] توكيداً)) يعني أنه يُفيد إفادةً الحال مع أنه توكيدٌ، وفيه نظر؛ إذ لا منافاةً بينهما بالنسبة إلى المعنى. ألا ترى أنه يجوز ((جاؤوني جميعاً) مع إفادته للتوكيدِ، وقد تقدَّم لك تحريرُ هذا وحكايةُ ثعلب مع ابن قادم(٥) . (١) الإتحاف ١٧٥/٢، البحر٤٥٣/٥. (٢) الدر المصون ٧٤/١. (٣) ذهب الكوفيون إلى جواز ذلك، وذهب البصريون إلى أنه لا يجوز استعمالها في الزمان. الإنصاف ٣٧٠ . (٤) الإِملاء ٧٤/٢، وعبارته: ((وزعم بعضهم أنها أفادت ما لم تُفِدْه ((كلهم)) وهو أنها دلت على أن الجميع سجدوا في حالٍ واحدة، وهذا بعيد ... ولأنه لو کان كما زعم لکان حالاً لا توکیداً». .- (٥) المسألة التي تقدمت حول الفرق بين: ((جاؤوا جميعاً، وجاؤوا معاً)). انظر: الدر المصون ٢٩٨/١، وابن قادم هو محمد بن عبد الله بن قادم أبو جعفر، أستاذ ثعلب، له الكافي والمختصر وغريب الحديث. توفي سنة ٢٥١. انظر: الوافي بالوفيات ٢٩٥/٣، البغية ١٤٠/١. ١٥٨ - الحجر - آ. (٣٣) قوله تعالى: ﴿لَإِسْجُدَ﴾: هذه لامُ الجحودِ. وقوله ((فَقَعُوا له))(١) يجوز أن تتعلَّقَ اللامُ بالفعل قبلها، وأن تتعلَّق بساجدين. وقد تقدم نظائرُ ألفاظِ هذه القصة في البقرة(٢) والأعراف (٣). آ. (٣٨) قوله تعالى: ﴿إلى يوم﴾: يجوز أن يتعلَّقَ بالاستقرار في ((عليك))، ويجوز أن يتعلَّقَ بنفسِ اللعنةِ . آ. (٣٩) والضميرُ في: ﴿لهم﴾: لذرِّيَّةِ آدم، وإن لم يَجْرِ لهم ذِكْرٌ للعِلْمِ بهم. آ. (٤١) قوله تعالى: ﴿هذا صراطٌ﴾: ((هذا)) إشارةٌ إلى الإِخلاص المفهوم من «المُخْلَصين)). وقيل: ((هذا))، أي: انتفاءُ تَزْيينه وإغوائه. و((عليَّ))، أي: مَنْ مَرَّ عليه مَرَّ عليَّ، أي على رضواني وكرامتي. وقيل: على بمعنى إلى، نُقِل عن الحسن. وقرأ(٤) الضحّاك وأبو رجاء وابن سيرين ويعقوب في آخرين ((عَلِيَّ))، أي: عالٍ مرتفعٌ . آ. (٤٢) قوله تعالى: ﴿إِلا مَنِ اتّبعك مِنَ الغاوين): فيه وجهان، أحدُهما: أنه استثناءٌ متصل؛ لأنَّ المرادَ بعبادي العمومُ طائعهم وعاصيهم، وحينئذ يَلْزَمُ استثناءُ الأكثرِ من الأقل، وهي مسألةُ خلافٍ. (١) عاد إلى الآية ٢٩. (٢) الآية ٣٤. (٣) الآية ١١ . (٤) المحتسب ٣/٢، الإتحاف ١٧٥/٢، البحر ٤٥٤/٥، القرطبي ٢٨/١٠. ١٥٩ - الحجر - والثاني: أنه منقطعٌ؛ لأنَّ الغاوين لم يُنْدرجوا في ((عبادي))؛ إذ المرادُ بهم الخُلَّصُ، والإِضافةُ إضافةُ تشريفٍ. آ. (٤٣): و﴿أجمعين﴾: تأكيدٌ. وقال ابن عطية(١): ((تأكيدٌ فيه معنىُ الحال)» وفيه جنوحٌ لِمَنْ يَرَىْ اتحادَ الوقت(٢). قوله: ((لَمَوْعِدُهم أجمعين)) في ((أجمعين)) وجهان أظهرُهما: أنه تأكيدٌ للضمير. والثاني: أنه حالٌ منه، والعاملُ فيه معنى الإِضافة، قاله أبو البقاء (٣). وقد عَرَفْتَ خلافَ الناس في مجيءِ الحالِ من المضافِ إليه. ولا يَعْمِل فيها المَوْعِدُ إن أريد به المكانُ، فإنْ أُريد به المصدرُ جاز أَنْ يعملَ لأنه مصدرٌ، ولكن لا بدَّ مِنْ حَذْفِ مضافٍ، أي: مكان موعدهم. آ. (٤٤) قوله تعالى: ﴿لها سبعةُ أبوابٍ﴾: يجوز في هذه الجملةِ أن تكونَ مستأنفةً وهو الظاهرُ، ويجوز أن تكونَ خبراً ثانياً، ولا يجوز أن تكونَ حالاً من ((جهنم)) لأنَّ ((إنَّ)) لا تعملُ في الحال، قاله أبو البقاء (٤)، وقياسُ ما ذكروه في ليت وكأنَّ ولعلَّ مِنْ أخواتها، مِنْ عملِها في الحال، لأنها بمعنى تَمَّيْتُ وشَبَّهْتُ وترجّيْتُ: أن تعمل(٥) فيها (( إنَّ) أيضاً؛ لأنها بمعنى أكَّدْتُ، ولذلك عَمِلَتْ عَمَلَ الفعلِ ، وهي أصلُ البابِ. قوله: ((منهم)) يجوز أن يكونَ حالاً مِنْ ((جُزْء)) لأنه في الأصل صفةٌ (١) المحرر ٣١٦/٨. (٢) انظر إعرابه للآية ٣٠ من هذه السورة. (٣) الإملاء ٢/ ٧٤. (٤) الإِملاء ٢/ ٧٤. (٥) قوله ((أن تعمل)) خبر ((قياس)). ١٦٠