النص المفهرس
صفحات 101-120
- إبراهيم - الإيادي(١): ٢٨٨٧- هو الجَلاءُ الذي يَجْتَثُّ أصلَكُمُ فَمَنْ رَأَىْ مثلَ ذا يوماً ومَنْ سَمِعا وقال الراغب(٢): (جُثَّة الشيءِ شَخْصُه الناتِىءُ، والمَجَثَّةُ: ما يُجَثُّ به، والجَثْئَة: لِما يأتي جُثَّته بعد طَحْنِهِ(٣)، والجَنْجَاتِ نَّبْثٌ)). و ((مِنْ قَرار)) يجوز أن يكونَ فاعلاً بالجارِّ قبلَه لاعتماده على النفي، وأن يكونَ مبتدأً. والجملةُ المنفيَّةُ: إِمَّا نعتُ لشجرة وإما حالٌ مِنْ ضميرٍ (اجننت)). آ. (٢٧) قوله تعالى: ﴿بالقَوْلِ﴾: فيه وجهان، أحدُهما: تعلُّقُه بـ ((يُثَبِّتُ)). والثاني: أنه متعلَّقٌ بـ ((آمنوا)). قوله: ((في الحياةِ)) متعلّقٌ بـ (يُثبّتُ))، ويجوز أن يتعلَّقَ بالثابِتِ. آ. (٢٨) قوله تعالى: ﴿بَدَّلوا نعمةَ اللَّهِ كُفْراً﴾: فيه أوجهٌ: أحدُها: أنَّ الأصلَ بَدَّلوا شكرَ نعمةِ [الله](٤) كفراً، كقوله: ((وتَجْعلون رِزْقَكم أنكم تُكَذِّبون))(٥) [أي](٦): شُكر رزقكم، وَجَبَ عليهم الشكرُ فوضَعُوا موضعه الكفر. (١) ديوانه ٤٧، البحر٥ /٤١٤، والقرطبي ٣٦٢/٩. وقوله ((يوماً)) جاءت في الديوان ((رأياً)). (٢) المفردات ٨٨. (٣) قال في اللسان (جثث): ((النخلة التي كانت نواة فحُفِر لها وحُمِلَتْ بِجُرْثومتها)). (٤) زيادة من (ش). (٥) الآية ٨٢ من الواقعة. (٦) زيادة من (ش). ١٠١ - إبراهيم - الثاني: أنهم بَدَّلوا نفسَ النعمةِ كفراً، على أنهم لمَّاكَفَروها سُلِيوها، فَبَقُوا مَسْلُوبِي النعمةِ موصوفين بالكفر حاصلاً لهم. قالهما الزمخشري(١). قلت: وعلى هذا فلا يُحتاج إلى حَذْفِ مضاف على هذا، وقد تقدَّم أن ((بَدَّل)) يتعدَّى لاثنين، أَوَّلُهما من غير حرف، والثاني بالباء، وأن المجرور هو المتروكُ، والمنصوبَ هو الحاصلُ، ويجوز حَذْفُ الحرفِ، فيكونُ المجرورُ بالباءِ هنا هو «نعمة)» لأنها المتروكةُ. وإذا عَرَفْتَ هذَا عَرَفْتَ أنَّ قَوْلَ الحوفيُّ وأبي البقاء(٢) أنَّ ((كفرا)) هو المفعولُ الثاني ليس بجيدٍ؛ لأنه هو الذي يَصِل إليه الفعل بنفسِه لا بحرف الجر، وما كان كذا فهو المفعولُ الأول. آ. (٢٩) قوله تعالى: ﴿جهنْمَ﴾: فيه ثلاثة أوجهٍ، أحدُها: أنه بدلٌ من (دارَ)). الثاني: أنه عطفُ بيانٍ لها. وعلى هذين الوجهين فالإِحلالُ يقع في الآخرة. الثالث: أَنْ يَنْتصِبَ على الاشتغال بفعلٍ مقدَّر، وعلى هذا فالإِحلالُ يقع في الدنيا، لأنَّ قولَه ((جهنم يَصْلَوْنها)) واقعٌ في الآخرة. ويؤيِّد هذا التأويلَ قراءةُ ابن أبي عبلة(٣) ((جهنمُ)) بالرفع، على أنها مبتدأٌ، والجملةُ بعدها الخبرُ. وتحتمل قراءةُ ابن أبي عبلة وجهاً آخر: وهو أن يرتفعَ على خبرِ ابتداءٍ مضمر، و((يَصْلَوْنها)) حالٌ: إِمَّا مِنْ ((قومَهم))، وإمَّا مِنْ (دارَ))، وإمَّا مِنْ ((جهنم). وهذا التوجيهُ أَوْلِى من حيث إنه لم يتقدَّمْ ما يرجّح النصبَ، ولا ما يَجْعلُهِ مساوياً، والقرَّاءُ الجماهيرُ على النصبِ، فلم يكونوا ليتركُوا الأفصحَ، إلّ لأن المسألة ليستْ من الاشتغالِ في شيءٍ. وهذا الذي ذكرتُه أيضاً مُرَجِّح لنصبهِ على البدليّة أو البيانِ على انتصابِه على الاشتغال ... (١) الكشاف ٣٧٧/٢. (٢) الإِملاء ٦٨/٢. (٣) البحر ٤٢٤/٥ . ١٠٢ -- - إبراهيم - والبَوارُ: الهَلاكُ، قال الشاعر (١): غداةَ الرَّوْعِ إِذ خِيْفَ البوارُ ٢٨٨٨- فلم أرَ مثلَهُمْ أبطال حربٍ وأصلُه من الكساد، كما قيل: كَسّد حتى فَسَد، ولَمًّا کان الکساد يؤدي إلى الفسادِ والهلاكِ أُطْلِقَ عليه البوار. ويقال: بار يُورُ بَواراً وبُوراً، ورجل حائرٌ بائرٌ، وقوله تعالى : ((وكنتم قوماً بُوراً))(٢) يحتمل أن يكون مصدراً وُصِفَ به الجمعُ، وأن يكونَ جمع بائر في المعنى. ومِنْ وقوعِ (بُور)» على الواحد قوله(٣) : ٢٨٨٩ - يا رسولَ المَليكِ إنَّ لساني راتِقٌ ما فَتَقْتُ إذاأنا بُوْرُ أي : مالِكٌ. آ. (٣٠) قوله تعالى: ﴿ليضلُّوا﴾: قرأ(٤) ابن كثير وأبو عمرو هنا: (وجعلوا لله أنداداً لَيَضِلُّوا)) بفتح الياء، والباقون بضمِّها، مِنْ ((أَضَلَّه)). واللامُ هي لامُ الجرِّ مضمرةً ((أنْ)) بعدها، وهي لامُ العاقبةِ لمِّا كان مآلُهم إلى كذلك. ويجوز أن تكونَ للتعليل. وقيل: هي مع فتحِ الياءِ للعاقبةِ فقط، ومع ضَمِّها محتملةٌ للوجهين، كأنَّ هذا القائلَ تَوَهَّم أنهم لم يجعلوا الأندادَ الضلالِهم، وليس كما زَعَم؛ لأنَّ منهم مَنْ كفر عناداً، واتخذ الآلهةَ ليضلَّ بنفسِه . (١) لم أهتدٍ إلى قائله، وهو في البحر ٤١٤/٥، والقرطبي ٣٦٥/٩. (٢) الآية ١٢ من الفتح. (٣) البيت لعبد الله بن الزبعرى أو سفيان بن الحارث، وهو فى مجاز القرآن ٣٤٠/١، واللسان (بور)، والمحرر ٢٤٢/٨. (٤) التيسير ١٣٤، القرطبي ٣٦٥/٩، الحجة ٣٧٨، النشر ٢٩٩/٢، البحر ٤٢٥/٥. ١٠٣ - إبراهيم - قوله: ((فإنَّ مصيرَكم إلى النارِ)) ((إلى النارِ)) خبرُ ((إنَّ)). و((المصير)) مصدرٌ لـ صار التامة، أي: فإنَّ مرجعَكم كائن إلى النار. وأجاز الحوفيُّ أَنْ يتعلقَ ((إلى النار) بـ («مصيرَكم)). وقد ردَّ هذا بعضُهم بأنه لو جعلناه مصدراً (١) صار بمعنى انتقل، و(إلى النار)) متعلقٌ به، بقيَتْ ((إنَّ) بلا خبر، لا يقال: خبرُها حينئذ محذوفٌ؛ لأنَّ حَذْفَه في مثل هذا يَقِلُّ، وإنما يكثرُ حَذْفُه إذا كان [٥٣٧/أ] الاسمُ نكرةً/ والخبرُ ظرفاً أو جارًّاً كقوله(٢): ٢٨٩٠ - إنَّ مَحَلَّاً وإن مُرْتَحَلا وإِنَّ في السَّفْرِ مامَضَىْ مَهَلا آ. (٣١) قوله تعالى: ﴿قُلْ لعبادِيَ الذين آمنوا يُقيموا﴾: فيه أوجهٌ، أحدُها: أنَّ ((يُقيموا)) مجزومٌ بلامِ أمرٍ محذوفةٍ تقديرُه: ليقيموا، فَحُذِفَتْ وبقي عملُها، كما يُحْذَفُ الجارُّ ويبقى عملُه، كقوله(٣): ٢٨٩١ - محمدُ تَفْدِ نَفسَك كلُ نفسٍ إذا ما خِفْتَ مِنْ شيءٍ تَبالا يريد: لِتَقْدِ. أنشده سيبويه(٤)، إلا أنّه خَصَّه بالشعر. قال الزمخشري(٥): ((ويجوزُ أن يكونَ (يُقيموا)) و((يُنْفِقوا)) بمعنى: لِيُقيمُوا ولِيْفقوا، ويكون هذا هو المَقُولَ. قالوا: وإنما جاز حَذْفُ اللامِ لأَنَّ الأمرَ الذي هو ((قُلْ)) ◌ِوَضُ منها، ولو قيل: يقيموا الصلاة ويُنْفقوا ابتداءً بحذف اللام لم يَجُزْ)). قلت: وإلى قريبٍ من هذا نحا ابن مالك (1) فإنه جَعَلَ حَذْفَ (١) الأصل: ((مصدر)) وهو سهو. (٢) البيت للأعشى وهو في ديوانه ٢٣٣، والكتاب ٢٨٤/١، والخصائص ٢٧٣/٢، وابن يعيش ١٠٣/١، والخزانة ٣٨١/٤، والهمع ١٣٦/١، والدرر ١١٣/١. (٣) تقدم برقم (٢٢٨٩). (٤) الكتاب ٤٠٨/١. (٥) الكشاف ٣٧٨/٢. (٦) شرح الكافية الشافية ١٥٦٩/٣. ١٠٤ - إبراهيم - هذه اللامِ على أضرب: قليلٍ وكثيرٍ ومتوسطٍ. فالكثيرُ: أن يكونَ قبلَه قولٌ بصيغة الأمر كالآيةِ الكريمةِ، والقليلُ: أن لا يتقدَّمَ قولٌ كقوله: ((محمدُ تَفْدٍ)) البيت، والمتوسط(١): أن يتقدَّمَ بغيرِ صيغةِ الأمرِ كقوله(٢): ٢٨٩٢- قُلْتُ لبَوَّابٍ لديهِ دارُها تِيْذَنْ فإني حَمْوُها وجارُها الثاني: أنَّ (يُقيموا)) مجزوم على جوابٍ ((قُلْ))، وإليه نحا الأخفش(٣) والمبرد(٤). وقد رَدِّ الناسُ عليهما هذا بأنه لا يلزمُ مِنْ قوله لهم: ((أقيموا)) أَنْ يَفْعلوا، وكم مَنْ تخلَّف عن هذا الأمر. وقد أجيب عن هذا: بأنَّ المرادَ بالعباد المؤمنون، ولذلك أضافهم إليه تشريفاً، والمؤمنون متى أَمَرَهم امْثَلُوا. الثالث: أنه مجزومٌ على جوابٍ المقولِ المحذوف تقديره: قل العبادي: أقيموا وأَنْفِقُوا، يُقيموا وينفقوا. قال أبو البقاء(٥) : - وعزاه للمبرد (٦) - ((كذا ذكره جماعة ولم يتعرّضوا لإِفسادِه. وهو فاسد لوجهين، أحدُهما: أنَّ جوابَ الشرطِ يُخالِفُ الشرطَ: إمّا في الفعلِ أو في الفاعل أو فيهما، فأمَّا إذا كان مثلَه في الفعلِ والفاعلِ فهو خطأً كقولك: قم تقمْ، والتقديرُ على ما ذُكِرَ في هذا الوجه: إنْ يُقيموا يُقيموا. والوجه الثاني: أنَّ الأمرَ المقدَّرَ للمواجهة، و((يُقيموا)) على لفظ الغَيْبةِ وهو خطأً، إذا كان الفاعل (١) وسمَّاه القليل الجائز في الاختيار. (٢) البيت لمنظور بن مرثد، وهو في شرح الكافية الشافية ١٥٦٩/٣، والعيني ٤٤٤/٤، والهمع ٥٦/٢، والدرر ٧١/٢، وضرائر الشعر للقيرواني ١٥٠. (٣) ليس في ((معاني القرآن)) إشارة إلى ذلك، وممن نقل هذا القول منسوباً للأخفش ابن الشجري في ((الأمالي)» ١٩٢/٢. (٤) مذهبه في المقتضب ٨٤/٢ أنَّ((يقيموا)) ليس جواباً لـ ((قل)) ولكن المعنى: قل لعبادي أقيموا یقیموا. (٥) الإِملاء ٦٩/٢. (٦) المقتضب ٨٤/٢. ١٠٥ - إبراهيم - واحداً)). قلت: أمَّ الإِفسادُ الأولُ فقريبٌ، وأمَّا الثاني فليس بشيء؛ لأنه يجوز أن يقول: قل لعبدي أَطِعْني يُطِعْك، وإن كان للغَيْبة بعد المواجهة باعتبارٍ حكاية الحال. الرابع: أنَّ التقديرَ: إن تَقُلْ لهم: أقيموا، يُقيموا. وهذا مَرْوِيٌّ عن سيبويه(١) فيما حكاه ابن عطية (٢). قلت: وهذا هو القولُ الثاني. الخامس: قال ابن عطية(٣): ((يحتمل أن يكونَ ((يُقيموا)) جوابَ الأمرِ الذي يعطينا معناه قولُه ((قُلْ))؛ وذلك أن تجعلَ قوله ((قُلْ)) في هذه الآيةِ بمعنى بَلِّغْ وأَدِّ الشريعةِ يُقيموا)). السادس: قال الفراء(٤): ((الأمرُ معه شرطٌ مقدَّرُ تقول: ((أَطِعِ اللَّهُ يُدْخِلْكَ الجنَّةَ». والفرقُ بين هذا وبين ما قبله: أنَّ ما قبله ضُمِّن فيه الأمرُ نفسُه معنى الشرط، وفي هذا قُدر فعلُ الشرطِ بعد فعلِ الأمرِ مِنْ غيرٍ تضمین. السابع: قال الفارسيُّ(٥): (إنَّه مضارعٌ صُرِف عن الأمرِ إلى الخبرِ ومعناه: أقيموا)). وهذا مردودٌ؛ لأنه كان ينبغي أن يُثْبِتَ نونَه الدالّةَ على إعرابه. وأُجيبَ عن هذا بأنه بُني لوقوعِه موقعَ المبني، كما بُني المنادى في نحو: ((يا زيدُ)) لوقوعِه موقعَ الضمير، ولو قيل بأنه حُذِفَتْ نونُه تخفيفاً على (١) الكتاب ٤٥١/١ - ٤٥٢ بعبارة محتملة. (٢) المحرر ٢٤٤/٨. (٣) المحرر ٢٤٥/٨. (٤) معاني القرآن ٧٧/٢ بعبارة محتملة. (٥) المسائل الحلبيات ١٠٧، ومذهبه في شرح الأبيات المشكلة ٦٥ على تقدير حذف اللام. ١٠٦ - إبراهيم- حَدِّ حَذْفها في قولِه(١) ((لا تَدْخُلوا الجنّة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا)). وفي معمول ((قُلْ)) ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: الأمرُ المقدَّرُ، أي: قُلْ لهم: أقيموا، يُقيموا. الثاني: أنه نفسُ ((يُقيموا)) على ما قاله ابنُ عطية(٢). الثالث: أنَّه الجملةُ من قولِه ((اللَّهُ الذي خَلَق)) إلى آخره، قاله ابن عطية(٣). وفيه تفكيكٌ للنّظْم، وجَعْلُ الجملةِ ((يُقيموا الصلاة)) إلى آخره مُفْلتاً ممّا قبلَه وبعدَه، أو يكونُ جواباً فَصَل به بين القولِ ومعمولِه، لكنه لا يترتَّبُ على قولٍ ذلك إقامةُ الصلاةِ والإِنفاقُ، إلا بتأويلٍ بعيدٍ جداً. قوله: ((سِرَّأَ وعلانِيَةً)) في نصبِهِما ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنهما حالان ممَّا تقدَّم، وفيهما ثلاثةُ التأويلاتِ في ((زيد عَدْل))، أي: ذوي سر وعلانية أو مُسِرِّين ومُعْلِنِين، أو جُعِلوا نفسَ السِّرِّ والعَلانية مبالغةً. الثاني: أنهما منصوبان على الظرف، أي: وَقْتَيْ سِرِّ وعلانية. الثالث: أنهما / منصوبان [٥٣٧/ب] على المصدرِ، أي إنفاق سرّ وإنفاق علانية. قوله: ((مِنْ قبل)) متعلِّقٌ بـ ((يُقيموا)) و((يُنْفِقوا))، أي: يفعلون ذلك قبل هذا اليوم. وقد تقدَّم خلاف القراء في ((لا بَيْعٌ فيه ولا خِلالٌ))(٤). والخِلال: المُخالّة وهي المصاحبةُ. يقال: خالَلْتُه خِلالاً ومُخَالَّةً. قال طرفة (٥): ٢٨٩٣- كلُّ خليلٍ كنتُ خالَلْتُه لا تَرَكَ اللَّهُ له واضِحَهْ (١) سبق تخريجه. انظر: الدر ٢٤٧/٣. (٢) المحرر ٢٤٥/٨. (٣) المحرر ٢٤٥/٨. (٤) انظر: الدر المصون ٥٣٨/٢. (٥) ديوانه ١١٨، واللسان (وضح). والواضحة: الأسنان التي تبدو عند الضحك. ١٠٧ - إبراهيم - وقال امرؤ القيس (١): ٢٨٩٤ - صَرَفْتُ الْهَوَى عنهنَّ مِنْ خشيةِ الرَّدى ولستُ بمَقْلِيِّ الخِلالِ ولا قالٍ: وقال الأخفش(٢): ((خِلال جمعاً لخُلَّة، نحو: بُرْمَة وبِرام))(٣). آ. (٣٢) قوله تعالى: ﴿مِنَ السَّماءِ﴾: يجوز أن يتعلَّق بِأَنْزَل، و ((مِنْ)) لابتداءِ الغاية، وأن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ مِنْ ((ما)) لأنه صفةٌ، في الأصل، وكذلك ((من الثمرات)) في الوجهين. وجَوَّز الزمخشريُّ (٤) وابنُ عطيةً(٥) أن تكونَ « مِنْ)) لبيانِ الجنسِ ، أي: رِزْقاً هو الثمرات. ويُرَدُّ عليهما: بأنَّ التي للبيان إنما تجيء بعد المبهم. وقد يُجاب عنهما: بأنهما أرادا ذلك من حيث المعنى لا الإِعراب. وقد تقدَّم الكلامُ في ذلك في البقرة(٦). و ((بأَهْرِه)) يجوز أنْ يكونَ متعلِّقاً بـ ((تَجْري))، أي: بسببِه، أو بمحذوفٍ على أنها للحالِ، أي: ملتبسةً به. آ. (٣٣) قوله تعالى: و﴿دائِبَيْنْ﴾: حالٌ مِنَ الشمسِ والقمرِ، وتقدَّم اشتقاقُ الذَّأْب (٧). (١) ديوانه ٣٥، والمحرر٢٤٥/٨. والمقلي: المُبْغَض، والقالي: المبغِض. (٢) معاني القرآن ٣٧٦/٢°. ولكنَّه مَثَّل بقُلَّه وقِلال. (٣) الْبُرْمة: القِدْر من الحجارة. (٤) الكشاف ٣٧٩/٢. (٥) المحرر ٢٤٦/٨. (٦) انظر: الدر ١٩٣/١. (٧) انظر: الدر ٣٩/٣. ١٠٨ - إبراهيم - آ. (٣٤) قوله تعالى: ﴿مِنْ كلِّ ما سَأَلْتموه﴾: العامَّةُ على إضافةٍ ((كُلّ)) إلى ((ما )). وفي ((مِنْ)) قولان، أحدُهما: أنها زائدةً في المفعولِ الثاني، أي: كُلَّ ما سألتموه، وهذا إنما يتأتّى على قولِ الأخفش(١). والثاني: أن تكونَ تبعيضيَّةً، أي: آتاكم بعضَ جميعٍ ما سألتموه نظراً لكم ولمصالحكم، وعلى هذا فالمفعولُ محذوفٌ، تقديرُه: وآتاكم شيئاً مِنْ كُلِّ ما سألتموه، وهو رأيُ سيبويه(٢). و (( ما )) يجوز فيها أن تكونَ موصولةً اسمية أو حرفية أو نكرةً موصوفةً، والمصدرُ واقعٌ موقعَ المفعولِ، أي: مَسْؤولكم. فإن كانت مصدريَّةً فالضميرُ في ((سَأَلْتموه)) عائدٌ على الله تعالى، وإن كانتْ موصولةً أو موصوفةٌ كان عائداً عليها، ولا يجوزُ أن يكون عائداً على اللَّهِ تعالى، وعائدُ الموصولِ أو الموصوفِ محذوفٌ؛ لأنه: إمَّا أن يُقَدَّر متصلاً: سألتموهوه أو منفصلًا: سألتموه إياه، وكلاهما لا يجوز فيه الحَذْفُ لِما قدَّمْتُ لك أولَ البقرةِ في قوله (وممَّا رَزَقْناهم يُنْفِقُون)). وقرأ(٤) ابنُ عباس ومحمد بن علي(٥) وجعفر بن محمد والحسن والضحّاك وعمرو بن فائد وقتادة وسلام ويعقوب ونافع في روايةٍ: ((مِنْ كُلٍ)) منونةً. وفي (( ما )) على هذه القراءة وجهان، أحدُهما: أنها نافية، وبه بدأ الزمخشري فقال(٦): ((وما سَأَلْتموه نفيٌ، ومحلُّه النصبُ على الحال، أي: (١) لا يشترط الأخفش أن تسبق بنفي وأن تدخل على نكرة. انظر: معاني القرآن ٩٨/١. ومذهبه في إعراب هذه الآية على غير ذلك. انظر: المعاني ٣٧٦/٢. (٢) لم أقف عليه . (٣) انظر: الدر ٩٥/١. (٤) الشواذ ٦٨، الإتحاف ١٦٩/٢، المحتسب ٣٦٣/١، البحر ٤٢٨/٥. (٥) وهو الباقر وتقدمت ترجمته. (٦) الكشاف ٣٧٩/٢. ١٠٩ ١ - إبراهيم ــ آتاكم من جميعِ ذلك غيرَ سَائِليه)». قلت: ويكون المفعولُ الثاني هو الجارَّ مِنْ قوله ((مِنْ كُلٍ ))، كُقوله: ((وأُوتِيَتْ مِنْ كلِّ شيءٍ))(١). والثاني: أنها موصولةٌ بمعنى الذي، هي المفعول الثاني لآتاكم. وهذا التخريجُ الثاني أَوْلَى؛ لأنَّ في الأول منافاةً في الظاهر لقراءةِ العامَّة. قال الشيخ (٢): ((ولما أحسَّ الزمخشريُّ بظهورِ التنافي بين هذه القراءة وبين تلك قال(٣): ((ويجوز أن تُكونَ ((ما)) موصولةٌ على: وآتاكم مِنْ كُلِّ ذلك ما احتجتم إليه، ولم تصلُحْ أحوالُكُم ولا معائِشُكم إلا به، فكأنكم طلبتموه أو سألتموه بلسان الحال، فتأوَّل ((سَألْتموه)» بمعنى ما احتجتم إليه)». قوله: ((نعمةً)) في معنى المُنْعَمِ به، وخُتِمَتْ هذه بـ ((إنَّ الإِنسانَ لَظلومٌ))، ونظيرتُها في النحل بـ((إِنَّ اللَّهَ لَغفورٌ رحيم))(٤)، لأنَّ في هذه تقدَّمَ قولُه ((ألم تَرَ إلى الذين بَدَّلوا نِعْمَةَ اللَّهِ كفراً))(٥)، وبعده ((وجعلوا لله أَنْداداً))(٢) فجاء قولُه ((إنَّ الإِنسانَ)) شاهداً بقُبْحِ مَنْ فَعَلَ ذلك، فناسَبَ خَتْمَها بذلك، والتي في النحل ذكر فيها عدةً تفصيلاتٍ وبالَغَ فيها، وذكر قولَه ((أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ)) (٧)، أي: مَنْ أوجَدَ هذه النِّعَمَ السابقَ ذكرُها كَمَنْ لم يَقْدِرْ منها على شيءٍ، فَذَكَرَ أيضاً أنَّ مِنْ جملة تَفْضُّلاتِه اتصافَه بهاتين الصفتين. (١) الآية ٢٣ من النمل (٢) البحر ٤٢٨/٥. (٣) الكشاف ٢/ ٣٧٩. (٤) الآية ١٨ من النحل (٥) الآية ٢٨ من إبراهيم. (٦) الآية ٣٠ من إبراهيم. (٧) الآية ١٧ من النحل. ١١٠ - إبراهيم - آ. (٣٥) قوله تعالى: ﴿هذا البلدَ آمِناً﴾: مفعولا الجَعْلِ التصييري، وقد تقدَّم تحريرُه في البقرة(١). قال الزمخشري(٢): ((فإن قلت: أيُّ فَرْقٍ بين قولِه ((اجْعَلْ هذا بلداً آمِناً)(٣) وبين قولِه ((هذا البلدَ آمِناً)؟ قلت: قد سأل في الأول أن يجعلَه مِنْ جملة البلادِ التي يأْمَنُ أهلُها ولا يخافون، وفي الثاني أن يُخْرِجَه مِنْ صفةٍ كان عليها من الخوفِ إلى ضِدِّها من الأمنِ، كأنه قال: هو بلدٌ مَخُوفٌ فاجْعَلْه آمِناً». قوله: ((واجْنُبْنِيْ)) يُقال: جَنَبَه شرًّاً، / وأَجْنَبَه إياه، ثلاثياً ورباعياً، وهي [٥٣٨/أ] لغةُ نجدٍ، وجَنَّبِه إياه مشدداً، وهي لغةُ الحجازِ، وهو المَنْعُ، وأصلُه مِنْ الجانب. وقال الراغب(٤): ((وقولُه تعالى: ((واجْنُبْنِي وَبَنِيَّ)) مِنْ جَنَبْتُه عن كذا، أي: أَبْعَدْتُه منه. وقيل: مِنْ جَنَّبْتُ الفَرَسَ كأنما سأله أن يقودَه عن جانبٍ الشُّرْك بألطافٍ منه وأسبابٍ خفيَّةٍ». و((أن نَعْبُدَ)) على حَذْفِ الحرف، أي: عن أن. وقرأ(٥) الجحدريُّ وعيسى الثقفي ((وأَجْنِبْني)) بقطعِ الهمزة مِنْ أَجْنَبَ. آ. (٣٦) والضميرُ في ((إِنَّهُنَّ)) و((أَضْلَلْنَ)) عائدٌ على الأصنامِ لأنها جمعُ تكسيرٍ غيرُ عاقلٍ. وقوله ((مني))، أي: من أشياعي. قوله: ((ومَنْ عصاني)) شرطٌ، ومحلُّ ((مَنْ)) الرفعُ بالابتداءِ، والجوابُ (فإِنَّك غفورٌ رحيم)» والعائدُ محذوفٌ، أي: له. (١) انظر: الدر ١٩٢/١. (٢) الكشاف ٣٧٩/٢. (٣) الآية ١٢٦ من البقرة. (٤) المفردات ١٠٠ . (٥) البحر ٤٣١/٥، والمحتسب ٣٦٣/١، والشواذ ٦٨. ١١١ - إبراهيم - آ. (٣٧) قوله تعالى: ﴿مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾: يجوزُ أَنْ يكون المفعولُ محذوفاً، وهذا الجارُّ صفتُه، أي: أسكنْتُ ذريةً مِنْ ذريتي. ويجوز أن تكونَ ((مِنْ)) مزيدةً عند الأخفش(١). قوله: « بوادٍ ))، أي: في وادٍ، نحو: هو بمكة. قوله: ((عند بَيْتِك)) يجوز أن يكونَ صفةً لـ ((وادٍ)). وقال أبو البقاء(٢): ((ويجوز أن يكونَ بدلاً منه)»، يعني أنه يكونُ بدلَ بعضٍ مِنْ كُلّ، لأنَّ الوادِيَ أعُمُّ مِنْ حضرةِ البيت. وفيه نظرٌ، من حيث إنَّ((عند)) لا تتصرَّف. قوله: ((لُيُقِيموا)) يجوز أَنْ تكونَ هذه اللامُ لامَ أمرٍ، وأن تكونَ لامَ علَّة. وفي متعلقها حينئذٍ وجهان، أحدُهما: أنها متعلقةٌ بأَسْكنْتُ وهو ظاهرٌ، ويكون النداءُ معترضاً. الثاني: أنها متعلقةٌ باجْنُبْنِي، أي: اجْنُبْهم الأَصْنَامَ لُيُقِيموا، وفيه بُعْدٌ. قوله: ((أفئدةً من الناسِ)) العامَّةُ على ((أفْئِدة)) جمع ((فُؤَاد)) كغُراب وأَغْربة. وقرأ(٣) هشام عن ابن عامر بياءٍ بعد الهمزة، فقيل: إشباع، كقوله(٤): ٢٨٩٥- يُحِبَّك عَظْمٌ في الترابِ تَرِيْبُ (١) قدَّر الأخفش في معاني القرآن ٣٧٧ المفعول محذوفاً والجار ضفة له، ولم يقدِّر زيادة «مِنْ». (٢) الإملاء ٦٩/٢. (٣) الإتحاف ١٧٠/٢، البحر ٤٣٢/٥، النشر ٢٩/٢، التيسير ١٣٥. (٤) لم أهتدٍ إلی قائله، وصدره: تُحِبُّك نفسي ما حَبِيْتُ فإن أَمُتْ وهو في رصف المباني ١٣، وورد في الأصل قبل قوله ((يحبك)» حتى، وهي مقحمة . ١١٢ - إبراهيم - أي: تَرِب، وكقوله(١): الشائلاتِ عُقَدَ الأَذْنابِ ٢٨٩٦- أعوذُ باللَّهِ مِنَ العَقْرابِ وقد طعن جماعةٌ على هذه القراءةِ وقالوا: الإِشباعُ من ضرائرِ الشعر فكيف يُجْعَلُ في أفصحٍ كلامٍ؟ وزعم بعضُهم أنَّ هشاماً إنَّما قرأ بتسهيلٍ الهمزة بين بين، فظنّها الراوي زيادةً ياءٍ بعد الهمزة، قال: ((كما تُوُهِّم عن أبي عمرٍو اختلاسُه في ((بارئكم))(٢) و ((يَأْمُركم))(٣) أنه سَكَّن)). وهذا ليس بشيءٍ فإنَّ الرواةَ أجلُّ من هذا. وقرأ(٤) زيدٌ بن عليّ ((إفادة)) بزنةٍ ((رِفادة))، وفيها وجهان، أحدهما: أن يكونَ مصدراً لأفاد كأَقام إقامةً، أي: ذوي إفادةٍ، وهم الناسُ الذين يُنْتَفَعُ بهم. والثاني: أن يكون أصلُها ((وِفادة)) فَأُبْدِلَتِ الواوُ همزةً نحو: إِشاح وإِعاء. وقرأت أمُّ الهيثم(٥) ((أَفْوِدَة)) بواوٍ مكسورة، وفيها وجهان، أحدُهما: أن يكونَ جمع ((فُوَاد )» المُسَهَّل: وذلك (٦) أنَّ الهمزةَ المفتوحةَ المضمومَ ما قبلها يَطَرِدٍ قَلْبُها واواً نحو: جُوَن (٧)، فقُعِل في ((فُؤاد )) المفرد ذلك، فأُقِرَّت في الجمع على حالها. والثاني: قال صاحب ((اللوامح)): ((هي جمعُ وَقْد). قلت: فكان ينبغي أن يكونَ اللفظ ((أَوْفِدة)) بتقديم الواو، إلا أن يُقال: إنه (١) تقدم برقم (١٤٦٢). (٢) الآية ٥٤ من البقرة. وانظر: الدر المصون ٣٦١/١. (٣) الآية ٦٧ من البقرة. وانظر: الدر المصون ٤١٦/١. (٤) انظر في قراءاتها: البحر ٤٣٣/٥، والشواذ ٦٨. (٥) لم أقف على ترجمتها. (٦) انظر: الممتع ٣٦٢/١. (٧) الجون: ج جُوّنة وهي سلة مستديرة مغشاة جلداً، يُجعل فيها الطيب والثياب. ١١٣ - إبراهيم - جَمْعَ ((وَفْداً)) على ((أَوْفِدَة)) ثم قلَبه فوزَنه أَعْفِلَة، كقولهم: آرام في أَرْآم(١) وبابِهِ، إلا أنه يَقِلَّ جمعُ فَعْل على أقْعِلة نحو: نَجْدِ وأَنْجدة(٢)، وَوَهْي (٣) وأَوْهِيَة. وأمُّ الهيثمِ امرأةً نُقِلَ عنها شيءً من اللغة. وقُرِىء ((آفِدَة )) بزِئَةٍ ضارِبة، وهي تحتمل وجهين، أحدُهما: أن تكُونَ مقلوبةً مِنْ أَفْئدة بتقديم الهمزة على الفاء فَقُلِبَتْ الهمزةُ ألفاً، فوزنها أَعْفِلة كآرام في أرْآم. والثاني: أنها اسمُ فاعلٍ مِنْ أَفِد يَأْفَدُ، أي: قَرُب ودَنا، والمعنى: جماعة آفِدَة، أو جماعات آفِدة. وقرىء ((أَفِدة )) بالقَصْر، وفيها وجهان أيضاً، أحدُهما: أن يكونَ اسمُ فاعلٍ على فَعِل كَفَرِحَ فهو فَرِحِ. [والثاني]: أن تكونَ مخففةً من ((أَفْئِدة)). بنقْلِ حركةِ الهمزةِ إلى الساكن قبلها، وحَذْفِ الهمزةِ. و ((من الناس)) في ((مِنْ)) وجهان، أحدُهما: أنها لابتداءِ الغاية. قال الزمخشريُّ (٤): ((ويجوز أن تكونَ ((مِنْ)) لابتداءِ الغايةِ كقولك: ((القلبُ مني سقيم)) تريد: قلبي، كأنه قيل: أفئدةً ناسٍ ، وإنما نَكَّرْتَ المضافَ في هذا التمثيلِ التنكيرِ «أَفْئدة)) لأنها في الآية نكرةٌ، ليتناولَ بعضَ الأفئدةِ». قال الشيخ(٥): ((ولا يَظْهر كونُها للغايةِ؛ لأنه ليس لنا فِعْلٌ يُبتدأ فيه بغايةٍ(٦) ينتهي إليها، إذ لا يَصِحُّ جَعْلُ ابتداءِ الأفئدة من الناس». [٥٣٨/ب] (١) آرام جمع رِئْم وأصله أفعال أرقام ثم حدث فيه قلب مكاني بتقدیم العین وتسکینها فصار أأرام. اجتمعت همزتان متحركة وساكنة فقلبت الثانية من جنس الأولى فصار أارام على وزن أعْفال ورسمه آرام. (٢) النجد: ما ارتفع من الأرض. (٣) الوهي: الشق في الشيء. (٤) الكشاف ٣٨٠/٢. (٥) البحر ٤٣٢/٥. (٦) البحر: لغاية. ١١٤ - إبراهيم - والثاني: أنها للتبعيضِ، وفي التفسير: لولم يقل ((من الناس)) لحجِّ الناسُ كلُّهم . قوله: ((تَهْوي)) هذا هو المفعولُ الثاني للجَعْلِ. والعامَّة ((تَهْوِي)» بكسر العين بمعنى: تُشْرِعُ وتَطيرُ شوقاً إليهم. قال(١): یھوي مخارمَها مُوِيَّ الأجْدَلِ ٢٨٩٧ - وإذا رَمَيْتَ به الفِجَاجَ رَأَيْتَه وأصلُه أنْ يتعدَّى باللام، كقوله(٢): ٢٨٩٨ - حتى إذا ما هَوَتْ كفُّ الغلامِ لها طارَتْ وفي كَفِّه مِنْ رِيشِها بِتَكُ وإنَّما عُدِّي(٣) بـ ((إلى)) لأنه ضُمِّنَ معنى ((تميل))، كقوله(٤): ٢٨٩٩ - تَهْوي إلى مكَّةَ تَبْغي الهدى ما مُؤْمِنُ الجِنِّ كأَنْجاسِها وقرأ(٥) أميرُ المؤمنين علي وزيد بن علي ومحمد بن علي وجعفر ابن محمد ومجاهد بفتح الواو، وفيه قولان، أحدُهما: أنَّ ((إلى)) زائدةً، أي: تهواهم. والثاني: أنه ضُمِّنَ معنىْ تَنْزِعُ وتميل، ومصدرُ الأول على ((هُوِيّ ))، كقوله(٦): (١) البيت لأبي كبير الهذلي، وهو في ديوان الهذليين ٩٤/٢، واللسان ((خرم))، والمحرر ٢٥٤/٨. والفجاج: ج فج وهو الطريق، والمخارم: في رؤوس الجبال. والأجدل: الصقر. (٢) تقدم برقم (١٦٥٢). (٣) أي في الآية. (٤) لم أهتدٍ إلى قائله وهو في المحرر ٢٥٤/٨، والبحر ٤٣٣/٥ برواية ((كأجناسها)). (٥) المحتسب ٣٦٤/١، والبحر ٤٣٣/٥، والشواذ ٦٩. (٦) تقدم برقم (٢٨٩٧). ١١٥ - إبراهيم- يَهْوي مخارِمَها هُوِيَّ الأَجْدَل ٢٩٠٠- والثاني على ((هَوَى)). وقال أبو البقاء(١): ((معناهما متقاربان إلَّ أنَّ هَوَى - يعني بفتح الواو - متعدٍّ بنفسه، وإنما عُدِّيَ بإلى حَمْلاً على تميل)). وقرأ(٢) مسلمة بن عبد الله: ((تُهْوَى)) بضم التاء وفتح الواو مبنياً للمفعول مِنْ ((أهوى)) المنقول مِنْ ((هَوِيَ)) اللازمِ، أي: يُسْرَع بها إليهم. آ. (٣٩) قوله تعالى: ﴿على الكِبَرَ﴾: فيه وجهان، أحدُهما: أنَّ ((على)) على بابها من الاستعلاءِ المجازيِّ. والثاني: أنها بمعنى مع کقوله (٣): ٢٩٠١ - إنِّي على ما تَرَيْنَ من كِبَري أعلمُ مِنْ حيثُ تُؤْكَلُ الكَتِفُ قاله الزمخشري (٤). ومحلُّ هذا الجارِّ النصبُ على الحالِ من الباء في «هَبْ لي)). قوله: ((لَسميعُ الدعاء)) فيه أوجه، أحدُها: أن يكون فعيل مثالَ مبالغةٍ مضافاً إلى مفعوله، وإضافتُه مِنْ نصبٍ، وهذا دليلٌ لسيبويه(٥) على أن فَعِيلًا يعملُ عملَ اسمِ الفاعل، وإن كان قد خالف جمهور البصريين والكوفيين. (١) الإِملاء ٦٩/٢. (٢) المحتسب ٣٦٤/١، البحر ٤٣٣/٥، ومسلمة بن عبد الله بن ربعي الجهني الدمشقي. قال ابن حجر: مقبول من السادسة. التقريب ٥٣١، وهناك الفهري البصري النحوي. له اختيار في القراءة، ولم تذكر وفاته. طبقات القراء ٢٩٨/٢. (٣) لم أهتدٍ إلى قائله وهو في البحر ٤٣٤/٥، والكشاف ٣٨١/٢. (٤) الكشاف ٠٣٨١/٢: (٥) الكتاب ٥٦/١. ١١٦ - إبراهيم - الثاني: أنَّ الإِضافةَ ليسَتْ مِنْ نصبٍ، وإنما هو كقولك: ((هذا ضاربُ زيدٍ أمس)). الثالث: أنَّ سميعاً مضافٌ لمرفوعه ويُجْعَلُ دعاءُ الله سميعاً على المجاز، والمراد سماع الله، قاله الزمخشري(١). قال الشيخ (٢): ((وهو بعيدٌ لاستلزامِهِ أن يكونَ من الصفة المشبهة والصفةُ متعديةٌ، وهذا إنما يتأتّى على قولِ الفارسيِّ فإنه يُجيز أن تكونَ الصفةُ المشبهة من الفعلِ المتعدِّي بشرطِ أَمْنِ اللَّبْس نحو: ((زيد ظالمُ العبيد)) إذا عُلِم أن له عبيداً ظالمين، وأمَّا هنا فاللَّبْسُ حاصلٌ؛ إذ الظاهرُ أنه من إضافةٍ المثالِ للمفعول لا للفاعل». قلت: واللَّبْسُ أيضاً هنا مُنْتَفٍ لأن المعنى على الإِسناد المجازي كما تقرَّر فانتفىُ اللَّبْسُ. آ. (٤٠) قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذَرِّيَّتِي﴾: عطفٌ على المفعولِ الأول لـ ((اجعلني))، أي: واجعل بعضَ ذُرِّيَّتي مقيمَ الصلاة. وهذا الجارُّ في الحقيقة صفةً لذلك المحذوفِ، أي: وبعضاً من ذريتي. قوله: ((وتَقَبَّل دعائي)) (٣) قرأ(٤) أبو عمرٍو وحمزةُ وورشّ بإثبات الياء وصلاً وحَذْفِها وقفاً، والبزيُّ بإثباتها في الحالين، والباقون بحذفها وصلاً ووقفاً، وقد روى بعضُهم إثباتَها وقفاً أيضاً. آ. (٤١) قوله تعالى: ﴿ولِوالِدَيَّ﴾: العامَّةُ على ((والِدَيَّ)» بألفٍ (١) الكشاف ٣٨١/٢. (٢) البحر ٤٣٤/٥. (٣) رسمها على القراءة الثانية كما سيأتي. (٤) الإتحاف ١٧١/٢، السبعة ٣٦٣، البحر ٤٣٤/٥، التيسير ١٣٥، النشر ٣٠١/٢. ١١٧ - إبراهيم - بعد الواو وتشديد الياء، وابن جبير(١) كذلك، إلا أنه سَكَّن الياءَ أراد والده وحدّه كقوله(٢) ((واغفرْ لأبي)). وقرأ الحسين بن علي ومحمد وزيد ابنا علي بن الحسين وابن يعمر ((ولولدي)) دون ألف، تثنية وَلَد، ويعني بهما إسماعيل وإسحاق، وأنكرها الجحدريُّ بأنَّ في مصحف أُبَيّ ((ولأبويٍّ)) فهي مفسِّرةٌ لقراءةِ العامّة. ورُوي عن ابنِ يعمر أنَّه قرأ ((ولِوُلْدي)) بضمِّ الواو وسكونِ الياء، وفيها تأويلان، أحدُهما: أنه جمع ((وَلَدَ)) كأُسْد في ((أَسَد)»، وأنْ يكونَ لغةً في الوَلَدْ كالحُزْن والحَزَن، والعَدَمِ والعُدْمِ، والبُخْل والبَخَل، وعليه قول الشاعر(٣) : ٢٩٠٢- فليتَ زياداً كان في بَطْنِ أُمِّه وليت زياداً كان وُلْدَ حمَارٍ وقد قُرِىء بذلك في مريم (٤) والزخرف(٥) ونوح (٦) في السبعة، كما سيأتي إن شاء اللّهُ تعالی. و «یومَ)) نصبُ بـ ((اغفر)). آ. (٤٢) قوله تعالى: ﴿ليومٍ﴾: أي: لأجْلِ يومٍ، فاللامُ للعلَّة وقيل: بمعنى إلى، أي: للغاية. وقرأ العامَّة ((يُؤَخِّرُهم)) بالياء لتقدُّم اسمٍ الله (١) انظر في قراءاتها: المحتسب ٣٦٥/١، البحر ٤٣٥/٥، الشواذ ٦٩. (٢) الآية ٨٦ من الشعراء. (٣) لم أهتدٍ إلى قائله، وهو في اللسان (ولد)، والمحرر ٢٥٧/٨، والبحر ٤٣٥/٥. (٤) الآية ٧٧ من مريم وقراءة ضم الواو وسكون اللام لحمزة والكسائي. السبعة ٤١٢. (٥) الآية ٨١. (٦) الآية ٢١ . ١١٨ - إبراهيم - الكريم. وقرأ(١) الحسن والسلميُّ والأعرج وخلائق ـ وتُروى عن أبي عمرو - ((نُؤَخِّرهم)) بنون العظمة. و((تَشْخَصُ)) صفةٌ لـ ((يوم)) ومعنى شُخوصِ البصر حِدَّةُ النظرِ وعَدَمُ استقرارِه في مكانِه، ويقال(٢): شَخَص سَهْمُهُ وبَصَرُه وأشخصَهما صاحبُهما، وشَخَصَ بصرُه: لم يَطْرِفْ جَقْنُه، ويقال: شَخَص / مِنْ بلدِهِ، أي: بَعُدَ، والشَّخْص: سوادُ الإِنسانِ المَرْئِيِّ من [٥٣٩/أ] بعيد . آ. (٤٣) قوله تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رؤوسِهم﴾: حالان من المضافِ المحذوفِ؛ إذ التقديرُ: أصحاب الأبصار، إذ يُقال: شَخَصَ زيدٌ بصرَه، أو تكون الأبصارُ دلَّتْ على أربابِها فجاءت الحالُ مِن المدلولِ عليه، قالهما أبو البقاء(٣). وقيل: ((مُهْطِعين)) منصوبٌ بفعلٍ مقدَّرٍ، أي : يُبْصِرُهم مُهْطِعين. ويجوز في ((مُقْنِعِي)) أن يكونَ حالاً من الضمير في ((مُهْطِعين)) فتكون حالاً متداخلةً. وإضافة ((مُقْنعي)) غيرُ حقيقيةٍ فلذلك وَقَعَتْ حالاً . والإِهطاع: قيل: الإِسراعُ في المشي قال (٤): ٢٩٠٣ - إذا دعانسا فأَهْطَعْنا لدَعْوَته داعٍ سميعٌ فَلَقُّونا وساقُوْنسا (١) الإِتحاف ١٧١/٢، البحر ٤٣٥/٥، القرطبي ٣٧٦/٩، السبعة ٣٦٣، وقال: إنها رواية عباس عن أبي عمرو. (٢) انظر: اللسان (شخص). (٣) الإِملاء ٧٠/٢. (٤) البيت لعمران بن حِطّان وهو في المحرر ٢٥٩/٨، والبحر ٤٢٩/٥. ولفَّ: جمع. ١١٩ : - إبراهيم - وقال (١): ٢٩٠٤ - وبمُهْطِعٍ سُرُحٍ كأن عِنانَه في[رأس]چذْعٍ وقال أبو عبيدة(٢): ((قد يكون الإِسراعَ وإدامةَ النظر)). وقال الراغب(٣): (((هَطَع الرجلُ ببصرِهِ إِذا صَوَّبه، وبعيرٌ مُهْطِعٌ إذا صَوَّب عُنُقَهِ)). وقال الأخفش (٤): ((هو الإِقبالُ على الإِصغاء)) وأنشد(٥): ٢٩٠٥ - بِدِجْلةَ دارُهُمْ ولقد أراهُمْ بِدِجْلَةَ مُهْطِعِيْن إلى السَّمَاعِ والمعنى: مُقْبِليْن برؤوسهم إلى سَماع الدَّاعِي. وقالَ ثعلب: ((أَهْطَع الرجلُ إذا نظرٍ بِذُلُّ وخُشُوعٍ، لا يُقْلِعُ ببصره)»، وهذا موافِقٌ لقول أبي عبيدٍ فقد سُمِعَ فيه: أَهْطَعَ وهَطَعَ رباعياً وثلاثياً. (١) تمامه : في رأس جِذْعٍ من أَوالَ مُشَذَّبٍ وهو في مجاز القرآن ٣٤٢/١، والبحر ٤٢٩/٥، والمحرر ٢٥٩/٨. والبيت بهذه الرواية لم أهتدٍ إلى قائله، وثمة رواية ثانية في اللسان منسوباً لُأنيف بن حَبَلة: أمَّا إِذا استَقبَلْتَه فكأنَّه للعين جِذْعٌ مِنْ أَوالَّ مُشَذَّبُ والسرح: السريعة. وأوال: قرية بالبحرين. (٢) لم يزد في مجاز القرآن ٣٤٢/١ على قوله ((أي مسرعين». (٣) المفردات ٥٤٣. (٤) ليس في ((معاني القرآن)». (٥) البيت لابن مفرِّغ، وهو في ديوانه ١٦٧، والمحرر ٢٥٩/٨، واللسان (هطع)، والقرطبي ٢٧٩/٩، ومجاز القرآن ٣٤٣/١. ١٢٠