النص المفهرس

صفحات 61-80

- الرعد -
المعنى: وإمَّا نُرِيَّنَّك بعضَ ما نَعِدُهم من العذابِ فإنَّما عليك البلاغُ، وأمَّا
كونُه جواباً للشرطِ الثاني وهو ((أو نَتَوَفَّنَّك)) فكذلك؛ لأنه يصير التقدير: إِنْ
ما نَتَوَفََّّك فإِنَّما عليك البلاغُ، ولا يترتَّب جوابُ(١) التبليغِ عليه - على وفاتِه
عليه السلام - لأنَّ التكليفَ ينقطعُ عند الوفاة، فيُحتاج إلى تأويل: وهو أنْ يُقَدَّرَ
لكلِّ شرطٍ ما يناسبُ أنْ يكون جزاءً مترتباً عليه، والتقدير: وإمَّا نُرِيَنَّك بعضَ
الذي نَعِدُهم فذلك شافيك مِنْ أعدائك، أو : إنْ نَتَوَفَّنَّك قبل خَلْقِه لهم
فلا لَوْمَ عليك ولا عَتْبَ)).
آ. (٤١) قوله تعالى: ﴿نَنْقُصُها﴾: حال: إمَّا مِنْ فاعل ((نأتي))
أو مِنْ مفعوله. وقرأ(٢) ((نُنَقِّصُها)» بالتضعيف الضحَّاكُ، عدَّاه بالتضعيف.
قوله: ((لا مُعقّبَ)) جملةٌ حالية، وهي لازمةٌ. والمُعقّبُ: الذي يكُرُّ على
الشيء، فيُبْطله. قال لبيد(٣):
طَلَبُ المُعَقِّبِ حَقَّهِ المَظْلومُ
٢٨٦٤-
آ. (٤٢) قوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ﴾: قرأ (٤) ابنُ عامٍ والكوفيون
((الكفّار)) جمعَ تكسير، والباقون ((الكافر))(٥) بالإِفراد، ذهاباً إلى الجنس. وقرأ
عبد الله ((الكافرون)) جمعَ سلامةٍ.
(١) البحر: ((وجوب))، وهي أنسب.
(٢) البحر ٤٠٠/٥، والشواذ ٦٧ ونسبها إلى عطية العوفي.
(٣) صدره:
حتى تَهَجَّر في الرَّواح وهاجْه
وهو في ديوانه ١٢٨، وابن يعيش ٢٤/٢، الخزانة ٣٣٤/١، الهمع
١٤٥/٢، الدرر ٢٠٢/٢.
(٤) السبعة ٣٥٩، والبحر ٤٠١/٥، التيسير ١٣٤، الحجة ٣٧٥، النشر ٢٩٨/٢.
(٥) مخروم في الأصل.
٦١

- الرعد-
آ. (٤٣) قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عنده﴾: العامَّة [على فتح ميم](١) «مَنْ))،
وهي موصولةٌ، وفي محلّها أوجهٌ، أحدُها: أنها مجرورةُ المحلِّ نَسَقاً على لفظ
الجلالةِ، أي: بالله وبمَنْ عنده عِلْمُ الكتابِ كعبد الله بن سلام ونحوِه. والثاني : أنها
في محلِّ رفعٍ عطفاً على محل [الجلالة، إذ هي](٢) فاعلةٌ، والباءُ زائدةً (٣) فيها.
الثالث: أن يكونَ مبتدأٌ، وخبرُه محذوف، أي: ومَنْ عنده عِلْم الكتاب أَعْدَلُ وأمضى
قولاً .
و((عنده علْمُ الكِتَابِ)) يجوز أن يكونَ الظرفُ صلةٌ، و ((عِلْمُ)) فاعلٌ بهِ. واختاره
الزمخشري (٤)، وتقدَّم تقريرُه، وأن يكونَ مبتدأُ وما قبله الخبرُ، والجملةُ صِلةٌ
لـ « مَنْ )).
والمراد بَمَنْ عنده عِلْمُ الكتاب: إِمَّ ابنُ سَلام(٥) أو جبريلُ أو اللَّهُ تعالى: قال
ابن عطية(٦): ((ويُعْتَرضِ هذا القولُ بأنَّ فيه عطفَ الصفة(٧) على الموصوف(٨)
ولا يجوز، وإنما تُعْطَفُ الصفاتُ)). واعترض الشيخُ(٩) عليه بأنَّ((مَنْ)) لا يُوْصَفُ بها
(١) ما بين معقوفين مخروم في الأصل، أثبتناه من (ش).
(٢) مخروم في الأصل، أثبتناه من (ش).
(٣) مخروم في الأصل، أثبتناه من (ش).
(٤) الكشاف ٣٦٥/٢، وقال: ((يرتفع العلم بالمقدر في الظرف فيكون فاعلًا؛ لأن
الظرف إذا وقع صلة أوغل في شبه الفعل لاعتماده على الموصول فعمل عمل
الفعل)).
(٥) عبد الله بن سلام الإسرائيلي أبو يوسف، توفي سنة ثلاث وأربعين. انظر: التقريب
٠٣٠٧ ٠
(٦) المحرر ١٩٠/٨.
(٧) وهي ((مَنْ)) عند ابن عطية.
(٨) وهو ((بالله)).
(٩) البحر ٤٠١/٥.
٦٢

- الرعد -
ولا بغيرِها من الموصولات إلَّ ما اسْتُشْني(١)، وبأنَّ عطفَ الصفاتِ بعضِها على بعض
لا يجوز إلا بشرط الاختلاف(٢).
قلت: ابن عطية إنما عَنَى الوصفَ المعنويَّ لا الصناعيِّ، وأمَّا شرطُ الاختلافِ
فمعلومٌ .
وقرأ(٣) عليّ وأُبَيِّ وابنُ عباس وعكرمة وابن جبير وعبد الرحمن ابن
أبي بكرة(٤) والضحاك وابن أبي إسحاق ومجاهد في خَلْق كثير ((ومِنْ عِنْدِه عِلْمُ
الكتاب)) جعلوا ((مِنْ)) حرفَ جرّ، و ((عندِه)» مجرورٌ بها، وهذا الجارُّ هو خبرٌ مقدَّمٌ،
و((عِلْم) مبتدأ مؤخرٌ. وقرأعليٌّ أيضاً والحسن وابن السَّمَيْفع ((ومِنْ عندِه عُلِمَ الكتابُ))
يجعلون ((مِنْ)) جارَّةً، و((عُلِمَ)) مبنياً للمفعول، و ((الكتابُ)) رفعٌ به. وقُرىء كذلك
إِلَّ أنه بتشديد(٥) (عُلَّم)). والضمير في ((عنده)) على هذه القراءاتِ لله تعالى فقط.
وقُرِىء أيضاً ((وبمَنْ)) بإعادةِ الباءِ الداخلةِ على الجلالة.
[تمّت بحمد الله]
(١) نحو ((الذي والتي)) وفروعهما.
(٢) قال أبو حيان: ويعني ابن عطية: ((لا تقول: مررت بزيدٍ والعالم)).
(٣) انظر في قراءاتها: الإتحاف ١٦٣/٢، البحر ٤٠٢/٥، المحتسب ٣٥٨/١،
القرطبي ٣٣٦/٩، الشواذ ٦٧.
(٤) نُفَيْع بن الحارث الثقفي البصري ثقة من الثانية. مات سنة ست وتسعين. تقريب
التهذيب ٣٣٧.
(٥) الأصل ((بتشد)) وهو سهو.
٦٣

سورة إبراهيم عليه السلام
بسم الله الرحمن الرحيم
آ. (١) قوله تعالى: ﴿كتابٌ أَنْزَلْناه إليك﴾: يجوزُ أَنْ يرتفعْ
خبراً لـ ((ألر)) إن قلنا إنها مبتدأً، والجملةُ بعده صفةٌ، ويجوز أن يكونَ خبرَ
مبتدأ مضمرٍ، أي: هذا كتابٌ، وأن يرتفعَ بالابتداء، وخبرُه الجملةُ بعده،
وجاز الابتداء بالنكرةِ لأنها موصوفةٌ تقديراً. تقديره: کتابٌ أُّ کتابٍ، يعني
عظيماً مِنْ بينِ الكتبِ السماوية .
قوله: (لِتُخْرِجَ)) متعلقٌ بـ ((أَنْزَلْناه)) وَقُرِىءَ(١) (لَيَخْرج الناسُ)) بفتح الياء
وضمِّ الراء مِنْ خَرَجَ يَخْرُج، ((الناسُ)) رفعاً على الفاعلية.
قوله: ((بإذنِ)) يجوز أن يتعلَّقَ بالإِخراج، أي: بتسهيلِه وتيسيرٍه، ويجوز
أَن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه حالٌ مِنْ فاعلِ («تُخْرِجَ))، أي: مأذوناً لك.
قوله: ((إلى صراط)) فيه وجهان، أحدُهما: أنه بدلٌ من قوله ((إلى النور))
بإعادةِ العامل، ولا يَضُرُّ الفصلُ بالجارِّ(٢) لأنه من معمولاتِ العاملِ في
(١) البحر ٤٠٣/٥، الكشاف ٣٦٥/٢، وقال في الشواذ ٦٨: ((رواية عن ابن عامر
وأبي الدرداء)).
(٢) أي بقوله ((بإذن ربهم)).
٦٥

- إبراهيم -
المُبْدَلِ منه(١). والثاني: أنه متعلّقٌ بمحذوفٍ على أنه جوابُ سؤالٍ مقدَّر،
کأنه قیل: إلی أيِّ نور؟ فقيل: إلى صراط.
آ. (٢) قوله تعالى: ﴿اللَّهِ الذي﴾: قرأ(٢) نافعٌ وابن عامٍ برفعٍ
الجلالةِ والباقون - ورواها الأصمعيُّ عن [نافع](٣) - بالجرِّ.
فأمَّا الرفعُ فعلى وجهين، أحدُهما: أنه مبتدأٌ، خبرُه الموصولُ بعده،
أو محذوفٌ تقديرُه: اللَّهُ الذي له ما في السمواتِ وما في الأرضِ العزيزُ
الحميد، حُذِف لدلالة ما تقدَّم. والثاني: أنه خبرُ مبتدأ مضمر، أي:
هو اللَّهُ، وذلك على المدح.
وأمّا الجرُّ فعلى البدلِ عند أبي البقاء(٤) والحوفي وابنٍ عطية(٥)،
والبيان عند الزمخشري(٦) قال: ((لأنه جَبَرَى مَجْرَىُ الأسماءِ الأعلام لغلبتِه
على المعبودِ بحق كالنجم للثريا)). قال الشيخ(٧): ((وهذا التعليلُ لا يتمُّ
إلا أن يكونَ أصلُه الإِله، ثم فُعِل فيه ما تقدَّم أولَ هذا الموضوع)). وقال
الأستاذ ابن عصفور(٨): (لا تُقَدَّمُ صفةٌ على موصوفٍ إلا حيث سُمِع،
وهو قليلٌ، وللعربِ فيه وجهان، أحدُهما: أنْ تتقدَّمَ الصفةُ بحالها، وفيه
(١) العامل في المبدل منه هو ((لتخرج)).
(٢) السبعة ٣٦٢، التيسير ١٣٤، القرطبي ٣٣٩/٩، الحجة ٣٧٦، الإتحاف ١٦٦/٢،
البحر ٤٠٤/٥، المحرر ١٩٤/٨.
(٣) سقط من الأصل سهواً وأثبتناه من البحر وابن عطية .
(٤) الإِملاء ٢/ ٦٥.
(٥) المحرر ١٩٥/٨.
(٦) الكشاف ٣٦٥/٢.
(٧) البحر ٤٠٤/٥.
(٨) شرح جمل الزجاجي لابن عصفور ٢١٨/١.
٦٦

- إبراهيم -
إعرابان للنحويين، أحدُهما: أن تُعْرَبَ صفةً متقدمةً. والثاني: أن يُجعل / [٥٣٢/أ]
الموصوفُ بدلاً من صفتِه. الثاني من الأولين: أن تُضيفَ الصفةً إلى
الموصوف(١). فعلى هذا يجوز أن يُعْرَبَ ((العزيزِ الحميدِ)) صفةً متقدّمة(٢)،
ومِنْ مجيء تقديمِ الصفةِ قولُه(٣):
٢٨٦٥ - والمُومِنِ العائذاتِ الطيرِیَمْسَحُها
رُكْبانُ مكةً بين الغِيلِ والسَّنْدِ
وقول الآخر (٤):
٢٨٦٦ - وبالطويل العُمْرِ عُمْراً حَيْدَراً
يريد: الطير العائذات، وبالعمر الطويل. قلت: وهذا فيما لم يكنِ
الموصوفُ نكرةً، أمَّا إذا كان نكرةً صار لنا عملٌ آخرُ: وهو أن تنتصبَ تلك
الصفةُ على الحال(٥) .
قوله: ((ووَيْلٌ)) مبتدأ، جاز الابتداءُ به لأنه دعاء كـ ((سلامٌ عليكم))(٦).
و ((للكافرين)) خبره. و((مِنْ عذاب)) متعلُّقٌ بالويل. ومنعه الشيخ(٧) لأنه يَلْزَمُ
(١) قال: ((إذا قدَّمتها عليه كقراءة ((وأنه تعالى جُدُّ ربنا)) وأصله: ربنا الجُدُّ أي العظيم،
فقدمت الصفة وحذفت منها الألف واللام، وأضيفت إلى الموصوف.
(٢) وقوله ((اللَّهِ)) موصوف متأخر.
(٣) البيت النابغة، وهو في ديوانه ٢٠، وشرح الجمل ٢١٨/١، والبحر٤٠٤/٥. والمؤمن: الله
الذي آمن الطير في الحرم، العائذات من عاذَتْ بالحرم. الغيل والسَّند: أَجْمَتان
بين مكة ومِنى قال أبو حيان: ((فلو جاء على الكثير لكان التركيب: والمؤمن الطير
العائذات».
(٤) تقدم برقم (٤٠٩).
(٥) كقوله: لميَّةَ موحشاً طللُ.
(٦) الآية ٥٤ من الأنعام.
(٧) البحر ٤٠٤/٥ .
٦٧

- إبراهيم -
منه الفصلُ بين المصدرِ ومعمولِهِ، وقد تقدَّم لك بحثٌ في ذلك(١): وهو أنَّ
ذلك ممنوعٌ حيث يتقدَّر المصدرُ بحرفٍ مصدريٍّ وَفِعْلٍ ، ولذلك جَوَّزوا تعلُّقُ
(بما صَبَرْتُم))(٢) بـ ((سلام)) ولم يَعْترضوا عليه بشيء، وقد تقدَّم ذلك في
السورةٍ قبلها، ولا فرق بين الموضعين.
وقال الزمخشريُّ (٣): ((فإنْ قلتَ: ما وجهُ اتصالِ قولِه: ((مِنْ عذاب
شديدٍ)) بالويل؟ قلت: لأنَّ المعنى يُوَلْوِلون (٤) من عذاب شديد)). قال
الشيخ (٥) : ((فظاهرُه يدلُّ على تقدير عاملٍ يتعلَّقُ به ((من عذاب شديد)). ويجوز
أنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ لأنه صفةٌ للمبتدأ، وفيه سَلامةٌ من الاعتراضِ المتقدمِ،
ولا يَضُرَّ الفصلُ بالخبر.
آ. (٣) قوله تعالى: ﴿الذين يَسْتَحِبُّون﴾: يجوز أن يكون مبتدأ
خبرُه ((أولئك)) وما بعده، وأن يكونَ خبرَ مبتدأ مضمرٍ، أي: هم الذين، وأن
يكونَ منصوباً بإضمارٍ فعلٍ على المدح فيهما، وأن يكون مجروراً على البدلِ
أو البيانِ أو النعتِ، قاله الزمخشري(٦) وأبو البقاء(٧) والحوفيُّ وغيرُهم. وردَّه
الشيخ (٨) بأنَّ فيه الفَصْلَ بأجنبي وهو قولُه ((مِنْ عذابٍ شديدٍ)) قال: ((ونظيرُه
إذا كان: صفةً أن تقول: ((الدارُ لزيدٍ الحسنةُ القُرَشِيِّ)) وهذا لا يجوز؛ لأنك
(١). انظر: الدر المصون الورقة ٥٢٩ ب.
(٢) الآية ٢٤ من الرعد.
(٣) الكشاف ٣٦٥/٢.
(٤) الأصل: يولون، والتصحيح من ((الكشاف)).
(٥) البحر ٤٠٤/٥.
(٦) الكشاف ٣٦٦/٢.
(٧) الإملاء ٦٦/٢.
(٨) البحر ٤٠٤/٥ والرَّد للوجه الأخير وهو النعت .
٦٨

- إبراهيم -
فَصَلْتَ بين زيد وصفتِه بأجنبيٍّ منهما وهو صفةُ الدار، وهو لا يجوز،
والتركيبُ الفصيحُ أن تقول: الدارُ الحسنةُ لزيدٍ القرشيِّ، أو: الدارُ لزيدٍ
القرشيِّ الحسنةُ)).
و ((يَسْتَحِبُّون)): استفعلَ فيه بمعنى أَفْعَل كاستجاب بمعنى أجاب،
أو يكونُ على بابه، وضُمِّن معنى الإِيثار، ولذلك تعدَّى بـ على.
وقرأ الحسن(١) ((ويُصِدُّون)) مِنْ أَصَدَّ، وأَصَدَّ منقولٌ مِنْ صَدَّ اللازمِ،
والمفعولُ محذوفٌ، أي: غيرَهم، أو أنفسهم.
و ((يَبْغُونها ◌ِوَجاً)) تقدَّم مثله(٢).
آ. (٤) قوله تعالى: ﴿إِلَّ بلسان قومه﴾: يجوز أن يكونَ حالاً،
أي: إلاَّ متكلِّماً بلغةٍ قومِهِ. وقرأ العامَّةُ ((بلسان)) بزِنَّةِ ((كِتاب))، أي: بلغةٍ
قومِه. وأبو الجوزاء(٣) وأبو السَّمَّال وأبو عمران الجوني (بِلِسْنِ)) بكسر اللام
وسكون السين. وفيه قولان، أحدُهما: أنهما بمعنى واحدٍ كالرِّيش والرِّياش.
والثاني: أن اللسانَ يُطْلَقُ على العضوِ المعروف وعلى اللغةِ، وأمَّا اللُّسْنُ
فخاصَّ باللغة، ذكره ابن عطية(٤) وصاحب (اللوامح).
وأبو رجاء وأبو المتوكل والجحدريُّ ((بِلُسُن)) بضمِّ اللام والسين وهو
جمع ((لِسان)) ككِتاب وكُتُب. وقرىء بسكونِ السين فقط، وهو تخفيفُ
للقراءةِ قبلَه، نحو: رُسْلِ فِي رُسُل، وكُتْب فِي كُتُب.
والهاءُ في ((قومه)) الظاهرُ عَوْدُها على ((رسول)) المذكور. وعن
(١) الإتحاف ١٦٦/٢، البحر ٤٠٤/٥، الشواذ ٦٨.
(٢) الآية ٩٩ من آل عمران.
(٣) انظر في قراءاتها: المحتسب ٣٥٩/١، والبحر ٤٠٥/٥، الشواذ ٦٨.
(٤) المحرر ٢٠٠/٨.
٦٩

- إبراهيم -
الضحاك: أنها تعودُ لمحمد صلَّى الله عليه وسلّم، وغَلَّطوه في ذلك؛ إذ يصير
المعنى: أنَّ التوراةَ وغيرَها أُنْزِلَتْ بلسان العربِ، لِيُبَيِّن لهم النبيُّ صلَّى الله
عليه وسلّم التوراة.
قوله: ((فَيُضِلُّ)) استئنافُ إخبارٍ، ولا يجوز نصبُه عطفاً على ما قبله، لأنَّ
المعطوفَ كالمعطوف عليه في المعنى، والرسلُ أُرْسِلَتْ للبيانِ لا للإِضلالِ .
قال الزجاج(١): ((لو قُرِىء بنصبِه على أنَّ اللامَ لامُ العاقبة جاز)).
آ. (٥) قوله تعالى: ﴿أن أَخْرِجْ﴾: يجوز أن تكونّ ((أنْ))
مصدريةً، أي: بأَنْ أَخْرِجْ. والباءُ في ((بآياتنا)) الحال، وهذه(٢) للتعدية.
ويجوز أن تكون مفسرةً للرسالة. وقيل: بل هي زائدةٌ، وهو غلطٌ.
قوله: ((وذَكِّرْهم)) يجوز أن يكونَ منسوقاً على ((أَخْرِجْ)) فيكونَ من
التفسير، وأن لا يكونَ منسوقاً، فيكونَ مستأنفاً. و((أيام الله)) عبارةٌ عن نِعَمِهِ،
كقوله(٣) :
٢٨٦٧ - وأيامٍ لنا غُرِّ طِوالٍ عَصَيْنا المَلْكَ فيها أن نَدِينًا
أو نِقَمه، كقوله(٤):
٢٨٦٨- وأيامُنا مشهورةٌ في عَدُوّنا
ووجهه: أنَّ العرب تتجوَّزُ فَتُسْنِدُ الحَدَثَ / إلى الزمان مجازاً، وتُضيفُه
إليها(٥) كقولهم: نهارٌ صائمٌ، وليل قائمٌ، ومَكْرُ الليلِ .
[٥٣٢/ب]
(١) معاني القرآن ١٥٤/٣ بعبارة قريبة.
(٢) في ((أخرج)).
(٣) تقدم برقم (٤٧).
(٤) لم أهتدٍ إلى قائله وتمامه، وهو في البحر ٤٠٦/٥.
(٥) كذا في الأصل والنسخ، والسياق: إليه، أي: إلى الزمان.
٧٠

- إبراهيم -
آ. (٦) قوله تعالى: ﴿إِذْ أَنْجاكم﴾: يجوز فيه ثلاثةُ أوجهٍ،
أحدُها: أن يكونَ منصوباً بـ ((نِعمَةَ)). الثاني: أن يكونَ بـ ((عليكم)) ويوضّح
ذلك ما ذكره الزمخشريُّ(١) فإنه قال: ((إذ أنْجاكم ظرفٌ للنعمة بمعنى
الإِنعام، أي: إنعامه عليكم ذلك الوقت. فإن قلت: هل يجوزُ أن ينتصِبَ
بـ ((عليكم))؟ قلت: لا يَخْلو: إمّا أن يكونَ صلةً للنعمة بمعنى الإِنعام، أو غيرَ
صلة إذا أردت بالنعمة العَطِيَّة، فإذا كان صلةً لم يعملْ فيه، وإذا كان غيرَ
صلةٍ بمعنى: اذكروا نعمةَ الله مستقرةً عليكم عَمِلَ فيه. ويتبيَّن الفرقُ بين
الوجهين: أنك إذا قلت: ((نعمة الله عليكم)) فإنْ جَعَلْتَه صلةً لم يكن كلاماً
حتى تقول: فائضة أو نحوها، وإلّ(٢) كان كلاماً. والثالث: أنه بدلٌ من
((نعمة))، أي: اذكروا وقتَ إنجائِكم وهو مِنْ بدلِ الاشتمال.
قوله: ((ويذَبِّحون)) حالٌ أُخرى مِنْ («آل فرعون)). وفي البقرة(٣) دون واو
لأنه قُصِد به التفسيرُ فالسَّوْم هنا غيرُ السَّوْمِ هناك.
آ. (٧) قوله تعالى: ﴿وإذْ تَأَذَّنَ﴾: يجوزُ أن يكونَ نَسَقاً على
((إذ أنجاكم))، وأن يكونَ منصوباً بـ ((اذكروا)) مفعولاً لا ظرفاً. وجَوَّز فيه
الزمخشري (٤) أن يكون نَسَقاً على ((نعمة)) فهو مِنْ قولٍ موسى، والتقدير:
وإذ قال موسى: اذكروا نعمةَ الله واذكروا حين تَأَذَّن. وقد تقدَّم(٥) نظيرُ ذلك
في الأعراف. وقرأ(٦) ابن محيصن ((يَذْبَحون)) مخففاً.
(١) الكشاف ٣٦٧/٢.
(٢) أي وإن لم تجعله صلة كان كلاماً.
(٣) الآية ٤٩ ((يسومونكم سوء العذاب يُذَبِّحون)).
(٤) الكشاف ٣٦٨/٢
(٥) الآيات: ٦٩، ٧٤، ٨٦.
(٦) البحر ٤٠٧/٥.
٧١

- إبراهيم -
آ. (٩) قوله تعالى: ﴿قومٍ نوح﴾: بدلٌ أو عطفُ [بيانٍ].
قوله: ((والذين مِنْ بعدهم)) يجوز أن يكونَ عطفاً على الموصولِ
الأولِ، أو على المبدل منه، وأن يكونَ مبتدأً، خبرُه (لا يَعْلمُهُم إلا اللَّهُ))،
و ((جاءَتْهُم)) خبر آخر. وعلى ما تقدَّم يكون ((لا يعلمهم)) حالاً من ((الذين))،
أو من الضمير في ((مِنْ بَعدِهم)) لوقوعِه صلةً(١)، وهذا عنى أبو البقاء(٢) بقوله:
((حال من الضمير في (مِنْ بَعْدهم))، ولا يُريد به الضميرَ المجرورَ؛ لأنَّ مذهبَه
مَنْعُ الحالِ من المضاف إليه، وإن كان بعضُهم جَوَّزه في صورٍ. وجَوَّز
أيضاً(٣) هو والزمخشري (٤) أن تكونَ استئنافاً.
وقال الزمخشري(٥): ((والجملةُ مِنْ قولِه (لا يَعْلَمُهم إلا اللَّهُ)) اعتراضٌ.
ورَدَّ عليه الشيخ(٦) بأنَّ الاعتراضَ إنما يكون بين جُزْأَيْن أحدهما يطلب
الآخر، ولذلك لمَّا أَعْرَبَ الزمخشريُّ ((والذين)) مبتدأٌ و ((لا يَعْلمهم» خبره،
قال (٧) : ((والجملةُ مِنَ المبتدأ والخبر اعتراضٌ)). واعترضه الشيخُ أيضاً يما
تقدَّم. ويمكنُ أن يُجاب عنه في الموضعين: بأنَّ الزمخشريِّ يمكن أن يعتقدَ
أنَّ ((جاءَتْهم)) حالٌ مما تقدَّم، فيكون الاعتراضُ واقعاً بين الحالِ وصاحبها،
وهذا كلامٌ صحيح.
قوله: ((فَرَدُّوا أَيدِيَهم في أفواهِهم)) يجوز أن تكونَ الضمائرُ للكفَّارِ،
(١) التقدير: والذين استقروا من بعدهم غيرَ عالِم بهم إلّ الله.
(٢) الإِملاء ٦٦/٢.
(٣) أي في جملة ((لا يعلمهم)).
(٤) الكشاف ٣٦٨/٢ ولكنه لم يذكر الاستئناف، بل ذكر الاعتراض.
(٥) الكشاف ٣٦٨/٢.
(٦) البحر ٤٠٨/٥.
(٧) الكشاف ٣٦٨/٢.
٧٢

- إبراهيم -
أي: فَرَدَّ الكفارُ أيديَهم في أفواههم من الغيظ. و((في)) على بابِها من
الظرفية، أو فَرَدُّوا أيديهم على أفواههم ضحكاً واستهزاءً. فـ ((في)) بمعنى
على، أو أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وما نطقوا به من قولهم: إنَّا كَفَرْنا، فهي
بمعنى إلى. ويجوز أن يكونَ المرفوعُ للكفار والآخران للرسل(١)، على أن
يُراد بالأيدي النِّعَم، أي: رَدُّوا نِعَمَ الرُّسُل وهي نصائحُهم في أفواهِ الرسل،
لأنهم إذا كَذَّبوها كأنهم رَجَعوا بها من حيث جاءَتْ على سبيل المثل.
[ويجوز أن يُراد هذا المعنى، والمرادُ بالأيدي الجوارح](٢). ويجوز أن يكون
الأوَّلان للكفار، والأخيرُ للرسُل، أي: فَرَدَّ الكفارُ أيديَهم في أفواهِ الرُسُل،
أي: أطبِقُوا أفواهَكم، يشيرون إليهم بالسكوت، أو وَضَعُوها على أفواههم
يمنعونهم بذلك من الكلام .
وقيل: ((في)) هنا بمعنى الباء. قال الفراء(٣): ((قد وَجَدْنا من العرب مَنْ
يجعل ((في)) موضعَ الباء. يُقال: أَدْخَلَكَ بالجنَّة، وفي الجنَّة، وأنشد(٤):
٢٨٦٩ - وأرغَبُ فيها عن لَقیطٍ ورَهْطِهِ
ولكنَّني عن سِنْبِسٍ لستُ أرغبُ
أي: أرغب بها. وقال أبو عبيدةً(٥): «هذا ضَرْبُ مَثَلٍ، تقول العرب:
((رَدَّ يَدَه في فيه))، إذا أمسكَ عن الجوابِ))، وقاله الأخفش(٦) أيضاً. وقال
(١) المرفوع الواو في ((ردوا)) والآخران هم: في ((أيديهم)) وهم في ((أفواههم)).
(٢) ما بين معقوفين لم يظهر في الأصل، وأثبتناه من (ش).
(٣) معاني القرآن له ٧٠/٢.
(٤) لم أهتدٍ إلى قائله وهو في الفراء ٧٠/٢، والبحر ٤٠٩/٥. وسنبس: خَيٍّ من
طيِّىء.
(٥) مجاز القرآن ٣٣٦/١. وسقطت التاء من «عبيدة)) في الأصل سهواً، إلّا أن يكون
أبو عبيد وأبو عبيدة قد قالا النص نفسه.
(٦) لم يرد هذا القول في ((معاني القرآن)).
٧٣

- إبراهيم -
القتيبي(١): ((لم نسمعْ أحداً يقول: ((رَدَّ يده في فيه)) إذا تَرَكَ ما أُمِرَ به)).
ورُدَّ عليه، فإنَّ مَنْ حَفِظَّ حجةٌ على مَنْ لم يَحْفظُ.
وقرأ طلحة(٢) (تَدْعُوْنًا) بإدغامِ نونِ الرفع في نون الضميرِ، كما تُدْغَم
في نونٍ الوقاية.
آ. (١٠) قوله تعالى: ﴿أفي الله شَكٌّ﴾: يجوز في ((شَكِّ)) وجهان،
أظهرُهما: أنه فاعل بالجارِّ قبله، وجاز ذلك لاعتماده على الاستفهام.
والثاني: أنه مبتدأُ وخبره الجارُّ، والأولُ أَوْلَى، بل كان ينبغي أن يَتَعَيَّن لأنه
يلزمُ مِنَ الثاني الفصلُ بين الصفة والموصوفِ بأجنبيّ وهو المبتدأ، وهذا
بخلاف الأول، فإنَّ الفاصلَ ليسَ أجنبياً؛ إذ هو فاعلٌ، والفاعلُ كالجزء مِنْ
رافعه. ويدلُّ على ذلك تجويزُهم: «ما رأيت رجلاً أحسنَ في عينه الكحلُ منه
في عين زيد)) بنصب ((أحسنَ)) صفةً ورفع ((الكحلُ)) فاعلًا بأَفْعَلَ، ولم يَضُرَّ
الفصلُ به بين أَفْعَل وبين ((مِنْ)) لكونه كالجزء مِنْ رافعِه، ولم يُجيزوا رَفْعَ
(أحسن) خبراً مقدَّماً و((الكحلُ)) مبتدأ مؤخر، لئلا يلزم الفصلُ بين أَفْعَل وبين
((مِنْ)) بأجنبي. ووجهُ الاستشهادِ من هذه المسألة: أنهم جعلوا المبتدأ أجنبياً
بخلاف الفاعل، ولهذه المسألةِ موضعٌ غيرُ هذا.
وقرأ العامَّةُ ((فاطِرٍ)) بالجرِّ. وفيه وجهان: النعتُ والبدليةُ، قاله
أبو البقاء(٣). وفيه نظر؛ فإنَّ الإِبدالَ بالمشتقاتِ يَقِلُّ، ولو جعله عطفَ بيانٍ
كان أسهلَ. قال الزمخشريُّ(٤): ((أُدْخِلَتْ همزةُ الإِنكارِ على الظرف؛ لأنّ
(١) تفسير غريب القرآن ٢٣٠.
(٢) البحر ٤٠٩/٥.
(٣) الإملاء ٦٦/٢.
(٤) الكشاف ٣٦٩/٢.
٧٤

- إبراهيم -
الكلامَ ليس في الشُّكَّ، إنما هو في المشكوك فيه، وأنه لا يحتمل الشكَّ
لظهورِ الأدلَّةِ وشهادتها علیه/ .
[٥٣٣/أ]
وقوله: ((لِيَغْفِرَ» اللامُ متعلِّقةٌ بالدعاء، أي: لأجلِ غفران ربِّكم،
کقوله(١) :
٢٨٧٠ - دَعَوْتُ لِما نابني مِسْورا فَلَبَّى فَلَبَّيْ يَدَيْ مِسْوَرِ
ويجوز أن تكونَ اللامُ مُعَدِّيَةً كقولك: دَعَوْتُكَ لِزيدٍ، وقوله: ((إذ تُدْعَوْن
إلى [الإِيمان))](٢). والتقدير: يَدْعُوْكم إلى غفرانِ ذنوبِكم.
وقوله: ((أَنْ تَصُدُّونا)) العامَّة على تخفيفِ النون. وقرأ طلحةُ(٣) بتشديدها
كما شَدَّد ((تَدْعُونًا))(٤). وفيها تخريجان، أحدُهما: ما تقدَّم في نظيرتها على
أَنْ تكونَ ((أَنْ)) هي المخففةَ لا الناصبةَ، واسمُها ضميرُ الشأنِ، وشدَّ عَدَمُ
الفصلِ بينها وبين الجملة الفعلية. والثاني: أنها الناصبةُ، ولكنْ أُهْمِلَتْ
حملاً على ((ما)) المصدريَّةِ، كقراءةٍ ((أنْ يُتِمُّ))(٥) برفع ((يُتَمُ)). وقد تقدَّمَ
القولُ فیه.
و(( مِنْ)) في ((مِنْ ذنوبِكم)) قيل: مزيدةٌ. وقيل: تبعيضيةٌ. وقيل:
بمعنى البدل، أي: بدلَ عقوبةِ ذنوبكم، كقوله: ((أَرَضِيْتُمْ بالحياةِ الدنيا مِنْ
الآخرة))(٦) .
(١) تقدم برقم (١٩٢٦).
(٢) الآية ١٠ من غافر.
(٣) البحر ٤١٠/٥.
في الآية ٩ وقد مرّ تخريجها.
(٤)
(٥) الآية ٢٣٣ من البقرة ((لمن أراد أن يتم الرضاعة)) وهي قراءة مجاهد وابن عباس.
الدر المصون ٤٦٣/٢ .
(٦) الآية ٣٨ من التوبة.
٧٥

١٠
- إبراهيم -
قوله: ((تُرِيْدون)) يجوز أن يكونَ صفةٌ ثانيةً لـ ((بَشَرٌ))، وحُمِل على
معناه؛ لأنَّه بمنزلةِ القومِ والرّهْط، كقوله: ((أَبَشَرٌ يَهْدُوننا))(١) وأَنْ يكونَ مُسْتأنفاً.
آ. (١١) قوله تعالى: ﴿وما كان لنا أَنْ نَأْتِيَكم﴾: يجوز أن يكونَ
خبرَ ((كان)): ((لنا))، و((أَنْ نَأْتِيَكم)) اسمَها، أي: وما كان لنا إتيانُكم
بسلطانٍ(٢). و((إلا بإذن الله)) حالٌ. ويجوز أن يكونَ الخبرُ ((إلا بإذنِ الله))
و ((لنا )» تبيينٌ.
آ. (١٢) قوله تعالى: ﴿وما لنا أنْ لا﴾: كقوله: «وما لنا أَنْ
لا نقاتِلَ)»(٣) وقد تقدَّم. و((لَنَصْبِرَنَّ)) جوابُ قسمٍ. وقوله: ((ما أَذَيْتُمونا)) يجوز
أَنْ تكونَ ((ما)» مصدريةً، وهو الأرجحُ لعدم الحاجةِ إلى رابطٍ ادُّعِيَ حَذْفُه
على غير قياس. والثاني أنها موصولةٌ اسميةٌ، والعائدُ محذوفٌ على التدريج؛
إذ الأصل: آذَيْتُمونا به، ثم حُذِفَت الباءُ، فَوَصَلَ الفعلُ إليه بنفسِه.
وقرأ(٤) الحسن يكسرِ لامِ الأمرِ في ((فَلِيَتَوَكَّلْ)) وهو الأصلُ.
آ. (١٣): و﴿لَنُخْرِ جَنَّكم﴾: جوابُ قسمٍ مقدَّرٍ، كقوله:
(((وَلَنَصْبِرَنَّ)»(٥)
قوله: ((أَوْ لَتَعُوْدُنَّ)) في ((أَوْ)) ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنها على بابِها مِنْ
كونها لأحدٍ الشيئين. والثاني: أنها بمعنى ((حتى)). والثالث: أنها بمعنى
((إلا ))، كقولهم: ((لأُلْزَمَنَّكَ أو تَقْضِيَني حقي)). والقولان الأخيران مَرْدُودان؛ إذ
(١) الآية ٦ من التغابن.
(٢) الأصل («بسورة)» وهو سهو.
(٣) الآية ٢٤٦ من البقرة:
(٤) المحتسب ٣٥٩/١، البحر ٤١١/٥.
(٥) في الآية ١٢ .
٧٦

- إبراهيم -
لا يَصِحُّ تركيبُ ((حتى)) ولا تركيبُ ((إلا)) مع قولِه ((لَتَعُوْدُنَ)) بخلافِ المثال
المتقدم .
والعَوْدُ هنا: يُحتمل أن يكونَ على بابِهِ، أي: لَتَرْجِعُنَّ. و((في مِلَّتنا)»
متعلقٌ به، وأن يكونَ بمعنى الصيرورةِ، فيكونَ الجارُّ في محلِّ نصبٍ خبراً
لها، ولم يذكُرْ الزمخشريُّ(١) غيرَه. [قال:] «فإنْ قلتَ: كأنَّهم على مِلْتهم
حتى يَعُودوا فيها. قلت: مَعاذَ اللَّهِ، ولكنَّ العَوْدَ بمعنى الصيرورة، وهو كثيرٌ
في كلام العرب كثرةً فاشيةً، لا تكاد تسمعهم يستعملون ((صار))، ولكن
((عاد)): ما عُدْتُ أراه، عاد لا يكلمني، ما عاد لفلان مالٌ، أو خاطبوا به كلَّ
رسولٍ ومَنْ آمن به، فَغَلَّبوا في الخطاب الجماعةً على الواحد)). فقوله
((أو خاطبوا)) إلى آخره هو الوجهُ الأولُ بالتأويلِ المذكورِ (٢)، وهو تأويلٌ
حسنُ.
قوله: ((لُهْلِكَنَّ)) جوابُ قسمٍ مضمر، وذلك القسمُ وجوابُه فيه وجهان،
أحدُهما: أنَّه على إضمارِ القول، أي: قال: لَنُهْلِكَنَّ. والثاني: أنه أجرى
الإِيحاءَ مُجْرى القول لأنه ضَرْبٌ منه.
وقرأ(٣) أبو حَيْوَةَ (لَيُهْلِكَنَّ))، و((لَيُسْكِنَنَّكم)) بياءِ الغَيْبة مناسَبَةً لقوله
((ربُّهم)).
آ. (١٤) قوله تعالى: ﴿ذلك﴾: مبتدأُ، وهو مُشارٌ به إلى توريثٍ
الأرضِ. و((لِمَنْ خاف)) الخبر. و((مَقامي)) فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه
مُفْحمٌ وهو بعيدٌ؛ إذ الأسماءُ لا تُفْحم. الثاني: أنه مصدرٌ مضافٌ للفاعل.
(١) الكشاف ٣٧٠/٢.
(٢) أي وجه ((أو)) لأحد الشيئين بتأويل ((عاد)» بمعنى صار.
(٣) البحر ٤١١/٥، الكشاف ٣٧٠/٢.
٧٧

- إبراهيم -
قال الفراء(١): ((مَقامِي: مصدرٌ [مضافٌ](٢) لفاعلِه، أي: قيامي عليه
بالحِفْظ)). الثالث: أنه اسمُ مكانٍ. قال الزجاج: «مكان وقوفِه بين يَدَي
الحساب، كقولِه ((ولِمَنْ خاف مَقَامَ ربه)»(٣).
قوله: ((وَعِيْد)) أثبت الياءَ هنا وفي (ق) في موضعين: ((كلٌ كَذَّب
الرسلَ فحقَّ وعيد)»(٤)، ((فَذَكَّرْ بالقرآن مَنْ يخافُ وَعِيد)»(٥) وصلاً وحَذَفَها وَقْفاً
ورش عن نافع(٦)، وحذفها الباقون وَصْلاً ووقفاً.
آ. (١٥) قوله تعالى: ﴿واسْتَفْتَحُوا﴾: العامَّةُ على ((استفتحوا))
فعلاً ماضياً، وفي ضميرِه أقوالٌ، أحدُها: أنه عائدٌ على الرسلِ الكرام،
ومعنى الاستفتاحِ: الاستنصارُ، ((إنْ تَسْتَفْتِحوا فقد جاءكم الفتحُ))(٧). وقيل:
طَلَبُ الحكم من الفُتاحة (٨). الثاني: أن يعودَ على الكفّار، أي: استفتح أُمَمُ
الرسلِ عليهم، كقولِهِ: ((فأَمْطِرْ علينا حِجارةً من السماء))(٩). وقيل: عائدٌ
على الفريقين لأنَّ كُلَّ طلبَ النصرَ على صاحبِه. وقيل: يعودُ على قريش
لأنهم في سِنِي الجَدْبِ اسْتَمْطَرُوْا فلم يُمْطَروا، وهو على هذا مستأنفٌ، وأمّا
على غيرِهِ من الأقوال فهو عطفٌ على قولِه ((فأَوْحَى إليهم)).
(١) لم يرد في ((معاني القرآن)).
(٢) سقط سهواً من الأصل، وأثبتناه من (ش).
(٣) الآية ٤٦ من سورة الرحمن .. ولم يرد قول الزجاج في ((معاني القرآن)).
(٤) الآية ١٤.
(٥) الآية ٤٥.
الإتحاف ١٦٧/٢، والتيسير ١٣٥، السبعة ٣٦٤، النشر ٣٠١/١.
(٦)
الآية ١٩ من الأنفال
(٧)
(٨) الفُتاحة: الحكم أو الحكومة أو أن تحكم بين خصمين. اللسان: (فتح).
(٩) الآية ٣٢ من الأنفال
٧٨

- إبراهيم -
وقرأ(١) ابنُ / عباسٍ ومجاهدٌ وابنُ محيصن ((واسْتَفْتِحوا)) على لفظٍ [٥٣٣/ب]
الأمر، أمراً للرسل بطلبٍ النُّصرة، وهي مقوِّيةٌ لعَوْدِه في المشهورةِ على
الرسل. والتقدير: قال لهم: لنهلكنَّ وقال لهم: اسْتَفْتِحوا.
قوله: ((وخابَ)) هو في قراءةِ العامّةِ عطفٌ على محذوفٍ تقديرُه:
انْتَصروا وظَفِروا وخاب. ويجوز أن يكونَ عطفاً على ((اسْتَفْتحوا)) على أنَّ
الضميرَ فيه للكفار. وفي غيرها(٢) على القولِ المحذوف، وقد تقدَّم أنه
يُعْطَفُ الطلبُ على الخبر وبالعكس.
آ. (١٦) و ﴿مِنْ ورائِه جهنُمُ﴾: جملةٌ في محل جَرِّ صفةً
لـ ((جبارٍ)). ويجوز أَنْ تكونَ الصفةُ وحدَها الجارَّ، و((جهنمُ)) فاعلٌ به. وقوله:
((ويُسْقَى)) صفةٌ معطوفةٌ على الصفةِ قبلَها، جملةٌ فعلية على اسمية. وإنْ
جَعَلْتَ الصفةَ من الجارِّ وحدَه، وعَلَّقْته بفعلٍ كان من عطفٍ فعليةٍ على
فعلية. وقيل: عطفٌ على محذوفٍ، أي: يُلقَى فيها ويُسْقَى.
و ((وراء)» هنا على بابها. وقيل: بمعنى ((أمام)) فهو من الأضداد، وهذا
عنى الزمخشري (٣) بقوله: ((مِنْ بين يديه)) وأنشد(٤):
٢٨٧١ - عَسَى الكربُ الذي أَمْسَيْتُ فيه
يكون وراءَه فَرَجٌ قريبُ
وهو قولُ أبي عبيدة(٥) وقطرب وابن جرير(٦). وقال الآخَرُ في
(١) الإِتحاف ١٦٧/٢، المحتسب ٣٥٩/١، البحر ٤١٢/٥.
(٢) أي على قراءة ((استفتِحوا)) أمراً.
(٣) الكشاف ٣٧١/٢. و((هذا)) مفعول مقدم.
(٤) تقدم برقم (٩٢٨).
(٥) مجاز القرآن ٣٧٧/١.
(٦) تفسير الطبري ١٣/ ١٩٤.
٧٩

- إبراهيم -
ذلك(١):
٢٨٧٢ - أيَرْجُو بنو مروانَ سَمْعي وطاعتي
وقومي تميمٌ والفلاةُ ورائِیا
1
أي: قُدَّامي. وقال آخر(٢):
٢٨٧٣- أليس ورائي إنْ تراخَتْ مَنِيَّتِي
لُزومُ العَصَا تُحْنى عليها الأصابعُ
وقال ثعلب: ((هو اسمٌ لِما توارَىُ عنك، سواءً كان خلفَك أم قدَّامك)).
قوله: ((مِنْ ماءٍ صَدِيدِ)) في ((صديد)) ثلاثةُ أوجهٍ. أحدُها: أنه نعتٌ
لـ (ماء)) وفيه تأويلان، أحدهما: أنه على حَذْفٍ أداة التشبيه، أي: ماءٍ مثلٍ
صديد، وعلى هذا فليس الماءُ الذي يَشْربونه صَديداً، بل مثلُه. والثاني: أنَّ
الصديدَ لَمَّا كان يُشبه الماءَ أُطْلق عليه ماءٌ، وليس هو ماءً حقيقةً، وعلى هذا
فيكونون يشربون نفسَ الصديد المُشْبِهِ للماء. وهو قول ابن عطية(٣). وإلى
كونِه صفةً ذَهَبَ الحوفيُّ وغيره. وفيه نظرً؛ إذ ليس بمشتقٍ، إلا على مَّنْ فَسَّره
بأنه صَدِيدٌ بمعنى مَصْدود، أخذه مِن الصَّدِّ، فكأنه لكراهيتِه مَصْدودٌ عنه،
أي: يَمْتنع عنه كلُّ أحدٍ .
الثاني: أنه عطفُ بيانٍ، وإليه ذهب الزمخشريُّ(٤)، وليس مذهبَ(٥)
البصريين جريانُه في النكرات، إنما قال به الكوفيون، وَتبعهم الفارسيُّ أيضاً.
الثالث: أن يكونَ بدلاً. وأعرب الفارسيُّ ((زيتونةٍ)) مِنْ قولِه: (([يُّوْقَدُ] مِنْ
:
(١) البيت لسَوَّار بن المُضَرِّب، وهو في اللسان: (وري)، ومجاز القرآن ٣٣٧/١.
(٢) البيت للبيد، وهو في ديوانه ١٧٠، واللسان: (وري).
(٣) المحرر ٢١٩/٨.
(٤) الكشاف ٣٧١/٢.
(٥) انظر: الارتشاف ٦٠٥/٢.
٨٠