النص المفهرس

صفحات 21-40

- الرعد -
الوجهِ الفصلُ بين حرفِ العطفِ والمعطوف بالجارِّ، وفيه خلافٌ تقدَّم. ولمَّا
ذكر الشيخ(١) هذا الوجهَ لم يذكر هذا الإِشكالَ، ومِنْ عادته ذِكْرُه رادّاً به على
الزمخشري(٢). الثالث: أنَّ هادياً خبرُ مبتدأ محذوفٍ تقديره: [إنما أنت
منذرٌ](٣)، وهو لكلِّ قومٍ هادٍ، فـ ((لكلِّ)) متعلقٌ به أيضاً.
ووقف ابن كثير(٤) على ((هادٍ)) و ((واقٍ))(٥) حيث وقعا، وعلى ((والٍ))(٦)
هنا [وباقٍ(٧) في النحل بإثبات](٨) الياء، وحَذَفها الباقون. ونقل ابن مجاهد
عنه أنه يقف بالياء في جميع الباب، ونَقَل عن ورش أنه خَيَّر في الوقف [بين
الياءِ وحَذْفِها، والباب](٩) هو كلُّ منقوصٍ منَوَّنٍ غيرِ منصوبٍ.
آ. (٨) قوله تعالى: ﴿اللّهُ يعلمُ﴾: يجوز في الجلالة وجهان،
أحدُهما: أنها خبرُ مبتدأٍ مضمر، [أي: هو الله، وهذا](١٠)على قول مَنْ فَسَّر
هادياً بأنه هو الله تعالى، فكأنَّ هذه الجملةَ تفسيرٌ له، وهذا عَنَى الزمخشريُّ
بقوله(١١): ((وأن يكونَ المعنى: هو الله تفسيراً لهادٍ على الوجه الأخير، ثم ابتدأ
(١) البحر ٣٦٧/٥.
(٢) لم يشر الزمخشري في هذا الموضع إلى هذا الوجه. انظر: الكشاف ٣٥٠/٢.
(٣) ما بين معقوفين مخروم في الأصل، أثبتناه من (ش).
(٤) السبعة ٣٦٠، الإتحاف ١٦١/٢، التيسير ١٣٣، النشر ١٣٧/٢، البحر ٣٦٨/٥.
الآية ٣٤ من الرعد ((وما لهم من الله مِنْ واقٍ)).
(٥)
(٦)
الآية ١١ من الرعد ((وما لهم مِنْ دونه مِنْ والٍ)).
(٧) الآية ٩٦ من النحل ((وما عند الله باق)).
(٨) ما بين معقوفين مخروم في الأصل، أثبتناه من (ش).
(٩) ما بين معقوفين مخروم في الأصل، أثبتناه من (ش).
(١٠) ما بين معقوفين مخروم في الأصل، أثبتناه من (ش).
(١١) الكشاف ٣٥١/٢.
٢١

- الرعد -
فقال: ((يَعْلَم)). والثاني: أن الجلالةَ مبتدأ و((يَعْلَمُ)) خبرُها، وهو كلامٌ مستأنفٌ
مستقلّ.
قال الشيخ(١) : ((وَعْلَمُ هنا متعديةٌ إلى واحدٍ، لأنه لا يُراد هنا النسبةُ،
إنما المرادُ (٢) تعلَّق العلمِ بالمفردات)). قلت(٣): وإذا كانت كذلك كانت
عِرْفانيةً، وقد قدَّمْتُ أنه لا ينبغي أن يجوزَ نسبةُ هذا إلى اللَّهِ تعالى، وحَقَّقْتُه
فيما تقدَّم، فعليك باعتباره في موضعه من سورة الأنفال (٤).
قوله: ((ما تَحْمِل)): ((ما)) تحتمل ثلاثةَ أوجهٍ، أحدُها: أن تكون موصولةً :
اسميةً، والعائدُ محذوف، أي: ما تحمله. والثاني: أن تكونَ مصدریةً
فلا عائدَ. والثالث: أن تكونَ استفهاميةٌ، وفي محلها وجهان، أحدهما: أنها
في محلّ رفعٍ بالابتداءِ، و((تحملُ)) خبرُه، والجملة معلِّقةٌ للعلمِ. والثاني:
أنها في محلّ نصبٍ بـ ((تَحْمل)) قاله أبو البقاء(٥)، وهو أوْلى، لأنه لا يُحْوِجُ
إلى حَذْفِ عائدٍ، ولا سيما عند البصريين فإنهم لا يُجيزون ((زيدٌ ضربْت))،
ولم يذكرِ الشيخُ(٦) غيرَ هذا، ولم يتعرَّضْ لهذا الاعتراضٍ .
و ((ما)) في قوله ((وما تَغِيضُ ... وما تَزْداد)) محتملةٌ للأوجهِ المتقدمة.
وغاض وزاد سُمِع تُعدِّيْهما ولزومُهما، فلك أن تدَّعيَ حَذْفَ العائدِ على
القول بتعدِّيهما، وأن تجعلها مصدريةٌ على القولِ بمصدرهما.
قوله: ((عندَه)) يجوزُ أن يكونَ مجرورَ المحلِّ صفةٌ لشيءٍ، أو مرفوعَه
(١) البحر ٣٦٩/٥.
(٢) قوله ((المراد)) مخروم في الأصل.
(٣) قوله ((قلت)) مخروم في الأصل.
(٤) انظر: الدر ٦٣٠/٥.
(٥) الإِملاء ٢/ ٦٢.
(٦) أي غير كونها استقهاماً مبتدأ و ((تحمل)) خبره. البحر ٣٦٩/٥.
٢٢

- الرعد -
صفةً لـ ((كل))، أو منصوبَه ظرفاً لقوله ((بمقدار)) أو ظرفاً للاستقرار الذي تَعَلَّق
به الجارُّ لوقوعه خبراً.
آ. (٩) قوله تعالى: ﴿عالِمُ الغيب﴾: يجوز أن يكونَ مبتدأ وخبرُه
((الكبيرُ المتعالِ))، وأن يكونَ خبراً لمبتدأ محذوف، أي: هو عالِمٌ. وقرأ
زيدُ بن عليّ ((عالِمَ)) نصباً على المدح. ووقف ابن كثير (١) وأبو عمرو في روايةٍ
على ياء ((المتعال)) وصلاً ووقفاً، وهذا هو الأشهرُ في لسانهم، وحَذَفَها الباقون
وصلاً ووقفاً لحَذْفِها في الرسم. واستسهل سيبويه(٢) حَذْفَها في الفواصل
والقوافي ولأن ((أل)) تعاقِبُ التنوين، فَحُذِفَتْ(٣) معها إجراءً لها مُجْراها.
آ. (١٠) قوله تعالى: ﴿سواءٌ منكمٍ مَنْ أَسَرَّ﴾: في ((سواءً)»
وجهان، أحدُهما: أنه خبرٌ مقدَّمٌ، و((مَنْ أَسَرَّ) و((مَنْ جَهَرَ) هو المبتدأ، وإنما
لم يُثَنَّ الخبر لأنه في الأصل مصدرٌ، وهو هنا بمعنى مُسْتَوٍ، وقد تقدَّم الكلامُ
فيه أوَّلَ هذا الموضوعِ (٤)، و((منكم)) على هذا حالٌ من الضمير المستتر في
((سواءٌ)) لأنه بمعنى ((مُسْتَوِ)). قال أبو البقاء(٥): ((ويَضْعُفُ أن يكونَ حالاً من
الضمير في ((أَسَرَّ) أو ((جَهَرَ)) لوجهين، أحدُهما: تقديمُ ما في الصلةِ على
الموصولِ أو الصفة على الموصوف، والثاني: تقديمُ الخبرِ على ((منكم))،
(١) السبعة ٣٥٨. وأبو عمرو في رواية عبد الوارث.
(٢) الكتاب ٢٨٩/٢. قال: ((وجميع ما لا يُحذف في الكلام وما يُختار فيه أن
لا يُحذف: يُحذف في الفواصل والقوافي)).
(٣) أي فحذفت الياء مع أل إجراء للياء مع أل مجرى نون التنوين مع أل، والأوضح
أن يقول: مجراه، أي مجرى التنوين.
(٤) انظر: الدر المصون ١٠٧/١.
(٥) الإملاء ٦٢/٢.
٢٣

- الرعد -
وحقُّه أن يقعَ بعده)» قلت: [قوله](١) ((وحقُّه أن يقع بعده)) يعني بعده وبعد
[٥٢٦/ب] المبتدأ، وإلا یَصِرْ / كلامُه لا معنى له.
والثاني: أنه مبتدأ، وجاز الابتداءُ به لوصفِه بقوله «مِنْكم» وأَعْرَبَ
سيبويه(٢)(سواءً عليه الخيرُ والشرُّ) كذلك. وقولُ ابن عطية(٣) أن سيبويه
ضَعَّفَ ذلك بأنه ابتداءٌ بنكرة، غَلَطُ عليه.
قوله: ((وسارِبٌ بالنهارِ)) فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أن يكونَ معطوفاً على
((مُسْتَخْفٍ))، ويُرادُ بـ ((مَنْ)) حينئذ اثنان، وحَمَلَ المبتدأَ الذي هو لفظةُ ((هو))
على لفظِها فأفرده، والخبرَ على معناها فَثَنَّه. الوجه الثاني: أن يكونَ عطفاً
على (مَنْ هو مُسْتَخْفٍ)) لا على مُسْتَخْفٍ وحدَه. ويُرَجِّح هذين الوجهين
ما قاله الزمخشري(٤). قال رحمه الله: ((فإنْ قلت: كان حقُّ العبارة أن يُقال:
((ومَنْ هو مُسْتَخْفٍ بالليل ومَنْ هو ساربٌ بالنهار؛ حتى يتناولَ معنى الاستواء .
المستخفي والساربُ، وإلَّ فقد تناول واحداً هو مُسْتَخْفٍ وساربٌ. قلت: فيه
وجهان، أحدُهما: أَنَّ قِولَه ((وساربٌ)) عطفٌ على ((مَنْ هو مُسْتَخْفٍ)) لا على
(مُسْتَخْفٍ)). والثاني: أنه عَطْفُ على ((مُسْتَخْفٍ))، إلا أنَّ ((مَنْ)) في معنى
الاثنين، كقوله(٥) :
نَكُنْ مثلَ مَنْ یا ذئبُ يَصْطَحِبانِ
٢٨٤٣-
كأنه قيل: سواءً منكم اثنان(٦): ((مُسْتَخْفٍ بالليل وساربُ بالنهار)).
(١) زيادة من (ش).
(٢) الكتاب ٢٢٩/١ - ٢٣٠.
(٣) المحرر ١٣٢/٨.
(٤) الكشاف ٣٥١/٢ ١
(٥) تقدم برقم (١٢٣٣).
(٦) قوله ((اثنان)) مخروم في الأصل.
٢٤

- الرعد -
قلت: وفي عبارتِه بقوله ((كان حقُّ العبارةِ كذا)) سوء أدب. وقوله: ((كقوله:
(نَكُنْ مثلَ مَنْ)) يشير إلى البيت المشهور في قصة بعضِهم(١) مع ذئبٍ
يخاطبه :
نَكُنْ مِثْل مَنْ یا ذئبُ يَصْطَچِبان
تَعَشَّ فإِنْ عاهَدْتَني لا تَخُونُنِي
وليس في البيت حَمْلُ على اللفظ والمعنى، إنما فيه حَمْلٌ على المعنى
فقط، وهو مقصودُه. وقوله ((وإلا فقد تناول واحداً هو مُسْتَخْفٍ وسارِبٌ)) لو قال
بهذا قائلٌ لأصاب الصوابَ، وهو مذهبُ ابنِ عباس ومجاهدٍ، ذهبا إلى أن
المستخفي والسارب شخصٌ واحد، يَسْتخفي (٢) بالليل ويَسْرُب بالنهار ليرى
تصرُّفَه في الناسِ .
الثالث: أن يكونَ على حذف ((مَنْ)) الموصولة، أي: ومَنْ هو سارِبٌ،
وهذا إنما يَتَمَشَّى عند الكوفيين، فإنهم يُجيزون حَذْفَ الموصول، وقد تقدَّم
استدلالُهم ذلك.
والسَّارِب: اسمُ فاعلٍ مِنْ سَرَبَ يَسْرُبُ، أي: تَصَرَّف كيف شاء.
قال(٣) :
٢٨٤٤ - أَنَّى سَرَبْتٍ وكنتِ غيرَ سَرُوْبٍ وَتُقَرِّبُ الأحلامُ غيرَ قريبٍ
وقال آخر (٤) :
ونحنُ خَلَعْنَا قْدَهُ فھو سارِبُ
٢٨٤٥ - وكلُّ أُناسٍ قاربوا قَيْدَ فَحْلِهِمْ
(١) هو الفرزدق.
(٢) قوله ((يستخفي)) مخروم في الأصل.
(٣) البيت لقيس بن الخطيم وهو في ديوانه ١٥، واللسان (سرب)، والمحرر ١٣٤/٨،
والبحر ٣٥٨/٥.
(٤) تقدم برقم (١٦٣).
٢٥

- الرعد -
أي: متصرِّفُ كيف تّوَجَّه، لا يدفعه أحدٌ عن مَرْعى، يَصِفُ قومه
بالمَنْعَة والقوة .
آ. (١١) قوله تعالى: ﴿له﴾: الضميرُ فيه أربعةُ أوجهٍ، أحدها:
أنه عائدٌ على ((مَنْ)) المكررة، أي: لِمَنْ أُسرَّ القولَ ولِمَنْ جَهَزَ به ولِمَنْ
استخفى وسَرَب مُعَقِّبات، أي: جماعة من الملائكة يَعْقُبُ بعضُهم بعضاً.
الثاني: أنه يعود على ((مَنْ)) الأخيرةِ، وهو قولُ ابنِ عباس. قال ابنُ عطيةٍ (١):
(والمُعَقِّبات على هذا: حَرَسُ الرَّجُلِ وجَلاوِزَتُه(٢) الذين يَحْفظونه. قالوا:
والآيةُ على هذا في الرؤساء الكفارِ، واختاره الطبري(٣) في آخرين))، إلا أنَّ
الماورديَّ(٤) ذكر على هذا التأويلِ أنَّ الكلامَ نفيٌ، والتقدير: لا يحفظونه.
وهذا ينبغي أن [ لا ](٥) يُسْمَعَ البتة، كيف يُبْرُزُ كلامٌ موجبُ ويُراد به نفي؟
وحَذْفُ ((لا)) إنما يجوز إذا كان المنفيُّ مضارعاً في جوابٍ قسمٍ نحو: ((تالله
تفْتا»(٦) وقد تقدّم تحریرُه، وإنما معنی الکلام - كما قال المهدوي -
يحفظونه مِنْ أمرِ اللَّهِ في ظنِّه وزعمه.
الثالث: أنَّ الضمير في ( له)» يعود على الله تعالی ذِكْرُه، وفي
(يَحْفظونه)) للعبد، أي: لله ملائكةٌ يحفظون العبدَ من الآفات، ويحفظون
عليه أعماله، قاله الحسن.
الرابع: عَوْدُ الضميرين على النبي عليه السلام، وإن لم يَجْرِ له ذِكْرٌ
قريبٌ، ولتقدُّم ما يُشْعِر به في قوله: ((لولا أُنْزِلَ عليه))(٧).
(٢) الجلاوزة: ج جِلْواز وهو الشرطيُّ
(١) المحرر ١٣٦/٨.
(٣) التفسير ١١٧/١٣، ٠١٢٣/١٣
(٤) تفسير الماوردي ٣٢١/٢.
(٥) سقطت ((لا)) سهواً من الأصل وثبتت في (ش).
(٦) الآية ٨٥ من سورة يوسف. وانظر: الدر المصون ٥٤٦/٦.
(٧) الآية ٨ من الأنعام :.
٢٦

- الرعد -
ومعَقِّبات: جمع (((مُعَقِّب)) بزنة مُفَعَّل، مِنْ عَقَّب الرجلُ إذا جاء على
عَقِب الآخر؛ لأنَّ بعضَهم يُعَقِّب بعضاً، أو لأنهم يُعَقِّبون ما يتكلم به. وقال
الزمخشري(١): ((والأصلُ معْتَقِبات، فَأُدْغمت التاءُ في القاف كقوله(٢): ((وجاء
المُعَذِّرون))، أي: المُعْتَذِرُوْن))، ويَجوز ((مُعِقِّبات)) بكسر العين ولم يُقرأ به.
وقال الشيخ(٣): ((وهذا وهمّ فاحشٌ لا تُدْغم التاءُ في القاف، ولا القاف في
التاء، لا مِنْ كلمةٍ ولا مِنْ كلمتين، وقد نصَّ التصريفيون على أن القافَ
والكاف كلٌ منهما يُدْغم في الآخر، ولا يدغمان في غيرهما، ولا يُدْغم
غيرهما فيهما. وأمَّا تشبيهُه بقوله: ((وجاء المُعَذِّرون)) فلا يتعيّن أن يكونَ أصلُه
((المُعْتَذِرون)» وقد تقدَّم توجيهُه(٤)، وأنه لا يتعيّن ذلك فيه. وأمّا قوله ((ويجوز
(مُعِقِّبات)) بكسر العين فهذا لا يجوز لأنه بناه على أنَّ أصلَه ((مُعْتَقِبات))
فَأُدْغِمَت التاءُ في القافِ، وقد بيَّنًّا أنَّ ذلك وهمٌ فاحشٌ))/.
[٥٢٧/أ]
وفي ((مُعَقِّبات)) احتمالان، أحدهما: أن يكون جمع ((مُعَقِّبة)) بمعنى
مُعَقِّب والتاء للمبالغة كعلَامَة ونَسَّابة، أي: مَلَكُ مُعَقِّبٌ، ثم جُمِع كعَلَّمات
ونسَّابات. والثاني: أن يكون ((مُعَقِّبة)) صفةً لجماعة، ثم جُمِع هذا الوصفُ.
وذكر ابن جرير(٥) أنَّ ((مُعَقِّبة)) جمعُ مُعَقِّب، وشبَّه ذلك برجل ورِجال
ورجالات. قال الشيخ(٦): ((وليس كما ذَكَر، إنما ذلك كَجَمَل وجِمال
(١) الكشاف ٣٥٢/٢.
(٢) الآية ٩٠ من التوبة .
(٣) البحر ٣٧١/٥.
(٤) انظر: الدر ٩٦/٦.
(٥) التفسير ١٣ /١١٥.
(٦) البحر ٣٧١/٥.
٢٧

- الرعد -
وجِمالات، ومُعَقَّبة ومُعَقِّبات إنما هي كضاربة وضاربات. ويمكن أن يُجابَ
عنه بأنه يريد بذلك أنه أُطْلِقٍ مِنْ حيث الاستعمالُ على جمع مُعَقُّب، وإِن
كان أصلُه أن يُطْلَق على مؤنث ((مُعَقِّب))، فصار مثلَ ((الوارِدَة)) للجماعة الذين
يَرِدُون، وإن كان أصلُه للمؤنثة من جهةٍ أن جموعَ التكسير في العقلاء تُعَامَلُ
معاملةَ المؤنثة في الإخبار وعَوْدِ الضمير، ومنه قولهم ((الرجال وأعضائها))،
[ و((العلماء ذاهبة إلى كذا))، وتشبيهه ](١) ذلك برجل ورجال ورجالات من
حيث المعنى لا الصناعةُ».
وقرأ(٢) أُبَيْ وإبراهيم وعُبيد الله بن زياد(٣) (له مَعاقيبُ)). قال:
الزمخشري (٤): [ (جمع مُعْقِب أو](٥) مُعْقِبة، والياءُ عوضُ منْ حذف إحدى
القافين في التكسير)). قلت: ويوضِّح هذا ما قاله ابنُ جني(٦)، فإنه قال:
((معاقیب تکسیر [ مُعْقِب بسکون العين](٧) وکسر القاف کمُطْعِم ومطاِيْم،
ومُقْدِمٍ ومَقاديم، فكأنَّ مُعْقِباً جُمِع على معاقبة، ثم جُعِلَتِ الياء في ((معاقیب)
عوضاً(٨) من الهاء المحذوفة في معاقبة)).
(١) ما بين معقوفين مخروم في الأصل، أثبتناه من (ش). وقوله ((ذاهبة)) في البحر:
قائلة .
(٢) البحر ٣٧٢/٥، الكشاف ٣٥٢/٢، الشواذ ٦٦.
(٣) عبيد الله بن زياد بن أبيه أمير العراق أبو حفص، سفك الدماء، أبغضه المسلمون
لِمَّا فَعَلَ بالحسين رضي الله عنه، قُتِل سنة سبعٍ وستين. سير أعلام النبلاء ٥٤٥/٣.
(٤) الكشاف ٣٥٢/٢.
(٥) ما بين معقوفين مخروم في الأصل، أثبتناه من (ش).
(٦) المحتسب ٣٥٥/١.
(٧) مما بين معقوفين مخروم في الأصل، أثبتناه من (ش). وضبط محقق المحتسب
((معقب)) بفتح العين وتشديد القاف المكسورة.
(٨) قوله ((عوضاً)) مخروم في الأصل.
٢٨

- الرعد -
قوله: ((مِنْ بين يديه)) يجوز أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنه صفةٌ
لـ (مُعَقِّبات))، ويجوزُ أَنْ يتعلَّق بمعقُّبات، و((مِنْ)) لابتداء الغاية، ويجوز أن
يكونَ حالاً من الضمير الذي هو في الظرف الواقع خبراً. والكلامُ على هذه
الأوجهِ تامٌّ عند قوله ((ومِنْ خلفه)). وعَبَّر أبو البقاء(١) عن هذه الأوجهِ بعبارةٍ
مُشْكلة هذا شَرْحُها، وهي قوله: ((مِنْ بِينٍ يَدَيْه)) يجوز أن يكونَ صفةً
لُمُعَقِّبات، وأن يكون ظرفاً(٢)، وأن يكونَ حالاً مِنَ الضميرِ الذي فيه، فعلى
هذا یتم الکلامُ عنده». انتھی .
ويجوز أَنْ يتعلَّق(٣) بـ ((يحفظونه))، أي: يحفظونه مِنْ بينٍ يديه ومِنْ
خلفِه. [فإن قلت: كيف يتعلَّق حرفان](٤) متحدان لفظاً ومعنى بعاملٍ
واحد(٥): وهما ((مِنْ)) الداخلةُ على ((بين)) و((مِنْ)) الداخلة على ((أَمْرِ الله))؟
فالجواب أنَّ (مِنْ)) الثانيةَ مغايرةً للأولى في المعنى كما ستعرفه.
قوله ((يَحْفَظونه)) يجوز أن يكونَ صفةً لـ ((مُعَقِّبات))، ويجوز أن يكونَ
حالاً من الضميرِ المستكنّ في الجارِّ الواقعِ خبراً. و((مِنْ أمر الله)) متعلقٌ به،
و((مِنْ)): إمَّا للسبب، أي: بسبب أمرِ الله، ـ ويدلَّ له قراءة(٦) علي بن
أبي طالب وابن عباس وزيد بن علي وعكرمة ((بأَمْرِ الله)). وقيل: المعنى على
هذا: يحفظون عملَه بإذن الله، فحذف المضافَ - وإمَّا أن تكونَ على بابها.
قال أبو البقاء(٧): ((مِن أَمْرِ اللّه، أي: من الجنّ والإِنس، فتكون ((مِنْ)) على
(١) الإملاء ٢/ ٦٢.
(٢) قوله ((ظرفًا) مخروم في الأصل، أثبتناه من (ش).
(٣) أي: ويجوز أن يتعلق ((من بين يديه).
(٤) ما بين معقوفين مخروم في الأصل، أثبتناه من (ش).
(٥) العامل ((يحفظونه)).
(٦) البحر ٣٧٢/٥، المحتسب ٣٥٥/١.
(٧) الإِملاء ٢/ ٦٢.
٢٩

- الرعدبـ
بابها» يعني أَنْ يُرادَ بأمر الله نفسُ ما يُحْفَظُ منه كمَرَدة الإِنس والجنِّ، فتكون
((مِنْ)) لابتداء الغاية. وجَوَّز أيضاً أن تكون بمعنى ((عن))، وليس عليه معنىًّ
يليقُ بالآية الكريمة.
ويجوز أن تتعلَّقُ (١) بمحذوفٍ على أنه صفةٌ لمُعَقِّبات أيضاً، فيجيء
الوصفُ بثلاثةِ أشياءَ في بعض الأوجه المتقدمة: بكونها(٢) مِنْ بينِ يديه ومِنْ
خلفِه، وبكونها تحفظُهِ، وبكونها مِنْ أَمْرِ الله، ولكن يتقدَّمُ الوصفُ بالجملةِ
على الوصف بالجارِّ، وهو جائزٌ فصيح. وليس في الكلام تقديمٌ وتأخيرٌ كما
زعم الفراءُ(٣) وغيره، وأن الأصلَ: لهُ مُعَقِّبات مِنْ أَمْرِ الله يحفظونهِ مِنْ بِيْنِ
يديه، لأنَّ الأصلَ عدمُه مع الاستغناءِ عنه.
قوله: ((وإذا أراد)» العاملُ في ((إذا)) محذوفٌ لدلالة جوابِها عليه تقديرُه:
لم يُرَدَّ، أو وقع، ونحوُهما، ولا يَعْمل فيها جوابُها؛ لأنَّ ما بعد الفاء لا يعمل
فيما قبلها.
٠٠
آ. (١٢) قوله تعالى: ﴿خَوْفاً وطَمَعاً﴾: يجوز أن يكونا مصدرين
ناصبهما محذوفٌ، أي: يخافون خَوْفاً ويطمعون طمعاً. ويجوز أن یکونا.
مصدرین في موضع نصبٍ على الحال، وفي صاحب الحال حينئذٍ وجهان،
أحدهما: أنه مفعولُ ((يُرِيْكم)) الأول، أي: خائفين طامعين، أي: تخافون
صواعقّه، وتطمعون في مطره، كما قال المتنبي (٤):
٢٨٤٦ - فتىِّ كالسَّحَابِ الجُونِ يُخْشَى ويُرْتَجى
يُرَجَّى الحَيا منها وتُخْشىْ الصَّواعِقُ
(١) أي ((من أمر الله)).
(٢) أي بكون المعقبات.
(٣) معاني القرآن له ٦٠/٢.
(٤) الديوان ٨٦/٣. والجُون: مفردها جَوْن وهو الأسود.
٣٠

- الرعد -
والثاني: أنه البرقُ، أي: يريكموه حالَ كونِه ذا خوفٍ وطمع، أو هو
في نفسه خوفٌ وطمعٌ على المبالغة، والمعنى كما تقدَّم. ويجوز أن يكونَ
مفعولاً من أجله، ذكره أبو البقاء (١)، ومنعه الزمخشري(٢) بعدم اتحاد
الفاعلِ ، يعني أنَّ فاعلَ الإِراءةِ وهو الله تعالى غيرُ فاعلِ الخوف والطمع وهو
ضميرُ المخاطبين، فاختلف فاعلُ الفعلِ المُعَلَّل وفاعلُ العلّة. وهذا يمكن أن
يجاب عنه: بأنَّ المفعولَ في قوة الفاعل، فإنَّ معنى ((يُريكم)) يجعلكم رائين،
فتخافون وتطمعون، ومثلُه في المعنى قول/ النابغة الذبياني(٣):
[٥٢٧/ب]
تَخال به راعي الحمولةِ طائرا
٢٨٤٧- وحَلَّتْ بيوتي في يَفاعِ مُمَنَّعٍ
ولا نِسْوتي حتى يَمُتْنَ حَرائِرا
جِذاراً على أن لا تُنَالَ مَقَادَتِي
فـ ((حِذاراً) مفعولٌ من أجله، وفاعلُه هو المتكلم، والفعل المُعَلَّل الذي
هو ((حَلَّتْ)) فاعلُه ((بيوتي))، فقد اختلف الفاعل. قالوا: لكن لمَّا كان التقدير:
وَأَحْلَلْتُ بيوتي ◌ِذاراً صَحَّ ذلك.
وقد جوِّز الزمخشري (٤) ذلك أيضاً على حَذْفٍ مضاف فقال: ((إلاّ على
تقدير حَذْفِ المضاف، أي: إرادةَ خوفٍ وطَمَع)). وجوَّزه أيضاً على أنَّ
بعضَ المصادر ناب عن بعض، يعني: أن الأصلَ: يُريكم البرقَ إخافةٌ
وإِطماعاً؛ فإِنَّ المُرْئِيَّ والمُخِيفَ والمُطْمِعَ هو الله تعالى، وناب ((خوف)) عن
(١) الإملاء ٢/ ٦٢.
(٢) الكشاف ٣٥٢/٢.
(٣) تقدم الأول برقم (٢١٠٠). والثاني في ديوانه ١٣٤، والكتاب ١٨٥/١، وابن يعيش
٥٤/٢. والمقادة: الطاعة والانقياد. يقول: أحللت بيوتي في مواضع مرتفعة خوفاً
منك وحفظاً لنفسي ونسوتي كيلا يصيبهن السَّبْي.
(٤) الكشاف ٣٥٢/٢.
٣١

- الرعد -
إخافة، و((طمع)) عن إطماع نحو: ((أَنْبتكم من الأرض نباتاً)(١)، على أنه قد
ذهب جماعةٌ منهم ابنُ خروفٍ(٢) إلى أنَّ اتحادَ الفاعل لیس بشرطٍ.
آ. (١٣) قوله تعالى: ﴿وهم يُجَادِلُون﴾: يجوز أن تكون الجملةُ
مستأنفةً أخبر عنهم بذلك، ويجوز أن تكونَ حالاً. وظاهر كلام الزمخشري(٣)
أنها حالٌ مِنْ مفعول ((يُصِيب))، فإنه قال: ((وقيل: الواوُ للحال، [ أي:
فيصيب بها مِنْ يشاء في حالِ جِدالِهم))](٤)، وجعلها غيرُه حالاً من مفعول
((يشاء).
قوله: ((وهو شديدُ المِحال)) [هذه الجملة حالٌ من الجلالة](٤)
الكريمة، ويَضْعُفُ استئنافُها. وقرأ العامَّةُ بكسر الميم، وهو القوة والإِهلاك،
قال عبد المطلب(٥):
٢٨٤٨- لا يَغْلِبَنَّ صَلِيْبُهُمْ ومِحالُهم عَدْواً مِحالَكْ
وقال الأعشى(٦):
٢٨٤٩ - فَرْعُ نَبْعٍ يهتزُّ في غُصُنِ المَجْـ
ــدٍ عظيمُ النَّدَى شديد المِحالِ
والمِحال أيضاً: أشدُّ المكايدة والمماكرة، يقال: ماحَلَه مُمَاحَلةً، ومنه:
(١) الآية ١٧ من نوح.
(٢) انظر: الارتشاف ٢٢١/٢.
(٣) الكشاف ١٣٥٣/٢
(٤) ما بين معقوفين مخزوم في الأصل، أثبتناه من (ش).
(٥) اللسان (محل)، والمحرر ١٤٨/٨، والبحر ٣٥٨/٥.
(٦) ديوانه ٧، والبحر ٣٥٨/٥، والمحرر ١٤٨/٨، واللسان (محل). والنبع: شجر
صلب.
٣٢

- الرعد -
تَمَحِّلَ فلانٌ لكذا، أي: تكلَّف له استعمالَ الحيلة. وقال أبو زيد: ((هو
النِّقْمة)). وقال ابنُ عرفةَ: ((هو الجِدال)) [وفيه على هذا](١) مقابلةٌ معنوية كأنه
قيل: وهم يجادلون في الله وهو شديدُ الجدال.
[واختلفوا في ميمه](١): فالجمهور على أنها أصليةً من المَحْلِ وهو
المَكْرُ والكيد، ووزنُه فِعال كمِهاد. وقال القتبي(٢): إنه مِنَ الحيلة، وميمُه
مزيدةٌ، كمكان من الكون، ثم يقال: تمكَّنْتُ. وقد غلَّطه الأزهري(٣) وقال:
((لو كان مِفعَلاً مِنَ الحيلة لظهرت(٤) مثل: مِزْوَد(٥) ومِحْوَل ومِحْوَر)).
وقرأ(٦) الأعرج والضحاك بفتحِها، والظاهر أنه لغةً في المكسورِها،
وهو مذهبُ ابن عباس، فإنه فسَّره بالحَوْل وفسَّره غيرُه بالحيلة. وقال
الزمخشري (٧): ((وقرأ الأعرج بفتح الميمِ على أنه مَفْعَل مِنْ حال يحولُ
مَحالاً، إذا احتال، ومنه ((أَحْوَلُ مِنْ ذئب))(٨)، أي: أشدُّ حِيْلة، ويجوز أن
يكون المعنى: شديد الفقار، ويكون مَثَلاً في القوَّة والقدرة، كما جاء
((فساعِدُ اللَّهِ أشدُّ، ومُوْساه أَحَدُّ)؛ لأنَّ الحيوانَ إذا اشتدَّ مَحالُه كان منعوتاً
بشدةِ القوةِ والاضطلاع بما يَعْجُزُ عنه غيرُه، ألا ترى إلى قولهم: ((فَقَرَتْه
الفاقِرة))(٩) وذلك أنَّ الفَقارَ عمودُ الظهرِ وقِوامُه)).
(١) مخروم في الأصل.
(٢) تفسير غريب القرآن له ٢٢٦. وانظر: اللسان (محل).
(٣) تهذيب اللغة ٩٥/٥.
(٤) أي الواو. وانظر: الممتع ٤٨٧/٢.
(٥) المزود: وعاء الزاد.
(٦) البحر ٣٧٦/٥، المحتسب ٣٥٦/١، الشواذ ٦٦.
(٧) الكشاف ٣٥٣/٢.
(٨) مجمع الأمثال ٢٢٨/١ .
(٩) الفاقرة: الداهية.
٣٣

- الرعد -
.آ. (١٤) وقوله: ﴿له دعوةُ الحقّ﴾: من باب إضافة الموصوف
إلى الصفة، والأصل: له الدعوةُ الحقُّ كقوله: ((وَلَدَارُ الآخرة(١)» على أحدٍ
الوجهين. وقال الزمخشري(٢): ((فيه وجهان، أحدُهما: أن تُضافَ الدعوةُ إلى
الحق الذي هو نقيض الباطل، كما تُضاف الكلمةُ إليه في قوله ((كلمة
الحق))(٣). والثاني: أن تُضافَ إلى الحق الذي هو اللهُ على معنى دعوةٍ
المَدْعُوِّ الحق الذي يسمع فيجيب)). قال الشيخ (٤): ((وهذا الوجهُ الثاني
لا يظهر؛ لأنَّ مآلَه إلى تقدير: لله دعوةُ الله كما تقول: لزيدٍ دعوةُ زيد، وهذا
التركيبُ لا يَصِحُّ)). قلت: وأين هذا ممَّ قاله الزمخشريُّ حتى يَرُدَّ عليه بهِ؟
:
قوله: ((والذين يَدْعُون)) يجوز أن يُرادَ بالذين المشركون، فالواوُ فِي
((يَدْعُون)) عائده، ومفعولُه محذوفٌ وهو الأصنام، والواوُ في ((لا يَسْتجيبون)»
عائدٌ على مفعول ((يَدْعون)) المحذوفِ، وعاد عليه الضمير كالعقلاء لمعاملتهم
إياه معاملتهم. والتقدير: والمشركون الذين يَدْعُون الأصنام لا تستجيب لهم
الأصنامُ إلا استجابةً كاستجابةِ باسطٍ كَفَّيْه، أي: كاستجابة الماءِ مَنْ بَسَطَ كَفَيْه
إليه، يطلب منه أن يَبْلُغَ فاه، والماءُ جمادٌ لا يَشْعُرِ بَبَسْطِ كَفَّيْهِ ولا بعطشِهِ،
ولا يَقْدِرُ أن يُجِيبَه ويَبْلُغَ فاه، قال معناه الزمخشري(٥). ولمَّا ذكر أبو البقاء (٦)
قريباً من ذلك وقدَّر التقديرَ المذكور قال: ((والمصدرُ في هذا التقدير مضافٌ
(١) الآية ١٠٩ من يوسف.
(٢) الکشاف ٣٥٤/٢.
(٣) قال بعد ذلك: ((للدلالة على أن الدعوة ملابسة للحق مختصة به وأنها بمعزل عن
الباطل ... )).
(٤) البحر ٣٧٦/٥.
(٥) الکشاف ٣٥٤/٢. وقال بعد ذلك: «وكذلك ما يدعونه جماد لا يحس بدعائهم
ولا يستطيع إجابتهم)».
(٦) الإِملاء ٦٣/٢.
٣٤

- الرعد -
إلى المفعول كقوله: ((لا يَسْأمِ الإِنسان مِنْ دعاءِ الخير))(١)، وفاعلُ هذا
المصدرِ مضمرٌ هو ضميرُ الماءِ، أي: لا يُجيبونهم إلا كما يُجيب الماءُ باسطَ
كفِّه إليه، والإِجابةُ هنا کنایةٌ عن الانقیاد». /
[٥٢٨/أ]
ويجوز أن يُرادَ بالذين الأصنامُ، أي: والآلهة الذين يَدْعُونهم مِنْ دونٍ
اللّه لا يستجيبون لهم بشيءٍ إلا استجابةً، والتقديرُ كما تقدَّم في الوجهِ قبلَه.
وإنما جَمَعَهم جَمْعَ العقلاء: إمَّا للاختلاطِ؛ لأنَّ الآلهةَ عقلاءُ وجمادٌ، وإمّا
لمعاملتهم إياها معاملةَ العقلاءِ في زعمهم، فالواوُ في ((يَدْعُون)) للمشركين،
والعائدُ المحذوفُ للأصنام، وكذا واو ((يستجيبون)).
وقرأ اليزيديُّ(٢) عن أبي عمرٍو ((تَدْعُونَ)) بالخطاب وهي مُقَوِّيَةٌ للوجهِ
الثاني، ولم يذكرِ الزمخشريُّ(٣) غيرَه.
قوله: (لَبْلُغَ)) اللامُ متعلقةٌ بـ((باسِط)) وفاعلُ (ليبلُغَ)) ضميرُ الماءِ.
قوله: ((وما هو ببالغِه)) في ((هو)) ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه ضميرُ الماء.
والهاء في ((ببالغِه)) للفم، أي: وما الماء ببالغِ فيه. الثاني: أنه ضميرُ الفم،
والهاء في ((ببالغِه)) للماء، أي: وما الفمُّ ببالغِ الماءِ؛ إذ كلُّ واحدٍ منهما
لا يبلُغُ الآخرَ على هذه الحالِ، فنسبةُ الفعلِ إلى كلِّ واحدٍ وعدمُها
صحيحتان. الثالث: أن يكون ضميرَ الباسط، والهاء في ((ببالغه)) للماء، أي :
وما باسطُ كَفِيْهِ إلى الماء ببالغٍ الماء. ولا يجوز(٤) أن يكون ((هو)) ضميرٌ
الباسط، وفاعلُ ((ببالغِه)) مضمراً والهاء في ((ببالغِه)) للماء، لأنه حينئذٍ يكونُ
(١) الآية ٤٩ من فصلت.
(٢) البحر ٣٧٦/٥.
(٣) الكشاف ٣٥٤/٢.
(٤) انظر: الإملاء ٦٣/٢.
٣٥

- الرعد-
من باب [ جَرَيان الصفْةِ على غير مَنْ هي](١) له، ومتى كان كذا لزِمِ إبرازٌ
الفاعلِ فكان التركيبُّ هكذا(٢): وما هو ببالغِه الماءُ، فإن جَعَلْتَ الهاء في
((ببالغِه)) للماءِ جاز أن يكونَ ((هو)) ضميرَ الباسط كما تقدَّم تقریرُه.
والكافُ في ((كباسطِ)): إمَّا نعتٌ لمصدرٍ محذوف، وإمَّ حالٌ من ذلك
المصدرِ كما تقدَّم تقريرُه غيرَ مرة (٣).
وقال أبو البقاء(٤): ((والكاف في ((كباسط)) إنْ جعلتَها حرفاً كان فيها.
ضميرٌ يعود على الموصوفِ المحذوفِ، وإنْ جعلْتَها اسماً لم يكن فيها
ضميرٌ)). قلت: وكونُ الكافِ اسماً في الكلام لم يَقُلْ به الجمهورُ، بل
الأخفشُ(٥)، ويعني بالموصوفِ ذلك المصدرَ الذي قدَّره فيما تقدَّم.
آ. (١٥) قوله تعالى: ﴿وطَوْعاً وكرْهاً﴾: إمَّا مفعولٌ مِنْ أجلهِ،
وإمَّا حال، أي: طائعِينَ وكارهين، وإمَّا منصوبٌ على المصدر المؤكَّد بفعلٍ
ء
مضمر. وقرأ أبو مِجْلَز(٦): ((والإِيصال)) بالياء قبل الصاد. وخرّجها ابنُ جني (٧)
على أنه مصدرُ ((آصَلَ)) كضارَبَ، أي: دَخَل في الأصيل، كأَصْبَح، أي:
دخل في الصباح.
(١) ما بين معقوفين مخروم في الأصل، أثبتناه من (ش).
(٢) لم يقل: وما الباسطُ ببالغُ الماءُ الباسطَ. فالتقدير الممنوع أن تعيد الضمير في
(ببالغه)) على الباسط وتضمر في ((بالغ)) الفاعل، لأننا لو قدَّرنا ذلك وجب التصريح
بالفاعل وهو في الآية لم يصنع ذلك.
(٣) انظر: الدر المصون ١٤١/١.
(٤) الإِملاء ٦٣/٢.
(٥) انظر المسألة في: الدر المصون ١٥٤/١. والأخفش في ((معاني القرآن)) لم يصرِّخْ
باسمية الكاف في هذا الموضع.
(٦) البحر ٣٧٨/٥، الكشاف ٣٥٥/٢.
(٧) المحتسب ٣٥٦/١.
٣٦

- الرعد -
و ((ظلالُهم)) عطف على ((مَنْ)). و ((بالغُدُوِّ) متعلَّقٌ بَيَسْجُد، والباء بمعنى
في، أي: في هذين الوقتین.
آ. (١٦): وقرأ(١) الأخَوان وأبو بكر عن عاصم ((يَسْتوي))(٢) بالياء من
تحتُ، والباقون بالتاء من فوق، والوجهان واضحان باعتبار أنَّ الفاعلَ مجازيُّ
التأنيث، فيجوز في فِعْله التذكيرُ والتأنيثُ، كنظائرَ له مرَّتْ.
وقوله ((أَمْ هَلْ)) هذه ((أم)) المنقطعةُ، فتقدَّر بـ ((بل)) والهمزةِ عند
الجمهور، وبـ((بل)) وحدَها عند بعضهم، وقد تقدَّم ذلك محرَّراً، وقد يَتَقِّوَّى
بهذه الآيةِ مَنْ يرى تقديرَها بـ ((بل)) فقط بوقوع ((هَل)) بعدها، فلو قَذَّرْناها
بـ ((بل)) والهمزةٍ لزم اجتماعُ حرفَيْ معنى، فَتُقَدِّرها بـ ((بل) وحدها ولا تقويةً
له، فإنَّ الهمزةَ قد جامَعَتْ ((هل)) في اللفظ كقول الشاعر(٣):
٢٨٥٠-
أهلْ رَأَوْنا بوادِيْ القُفِّ ذي الأُكَمِ
فَأَوْلَى أن يجامِعَها تقديراً. ولقائلٍ أن يقول: لا نُسلِّمُ أنَّ ((هل)) هذه
استفهاميةٌ بل بمعنى ((قد)»، وإليه ذهب جماعةٌ، وإن لم يجامِعْها همزةٌ كقولِه
تعالى: ((هل أتى على الإِنسان حِيْنٌ))(٤)، أي: قد أتى، فهنا أَوْلِى، والسماعُ
قد وَرَدَ بوقوع ((هل)) بعد ((أم)) وبعدمِه. فمِنَ الأوَّلِ هذه الآيةٌ، ومن الثاني
(١) السبعة ٣٥٨، التيسير١ ١٣٣، البحر ٣٧٩/٥، الحجة ٣٧٢، الإتحاف ١٦١/٢.
(٢) أي الثانية.
(٣) صدره :
سائلْ فوارسَ يربوعٍ بشدّتِنا
والبيت لزيد الخيل، وهو في المقتضب ٤٤/١، والخصائص ٤٦٣/٢،
وابن يعيش ١٥٢/٨، والهمع ٧٧/٢، والدرر ٩٥/٢. والشَّدَّة: الحملة.
(٤) الآية ١ من سورة الإِنسان.
٣٧

- الرعدب
ما بعدها(١) مِنْ قولِه؛ ((أَم جَعَلوا))، وقد جمع الشاعرُ أيضاً بين الاستعمالين
في قوله (٢).
٢٨٥١- هل ما عَلِمْتَ وما استُؤْدِعْتَ مكتومُ
أم حَبْلُها إذْ نَأَتْكَ اليومَ مَصْرِومُ
أَمْ هَلْ كبيرٌ بِكَىْ لم يَقْضِ عَبْرَتّه
إثرّ الأحبَّةِ يومَ البَيْنِ مَشْكُومُ
/ والجملةُ من قوله ((خَلَقوا)) صفةٌ لشركاء.
[٥٢٨/ب]
آ. (١٧) قوله تعالى: ﴿أُودِيةٍ﴾: هو جمعُ وادٍ، وجمعُ فاعِل
على أفْعِلَة، قال أبو البقاء (٣): ((شاذَّ، ولم نَسْمَعْه في غيرِ هذا الحرف،
ووجهُه: أنَّ فاعِلاً قد جاء بمعنى فَعِيل، وكما جاء فَعِيل وأُفْعِلَة كجَرِيْب(٤)
وأَجْرِبَة، كذلك فاعِل))، قلت: قد سُمع فاعِل وأفْعِلة في حرفين آخرين،
أحدُهما: قولهم: جائزً(٥) وأجْوِزَة، والثاني: ناحِية وأَنْحِية(٦).
قوله: ((بقَدَرها)) فيه وجهان، أحدُهما: أنه متعلِّقٌ بـ ((سالَتْ))، والثاني:
أنه متعلَّقُ بمحذوفٍ لأنه صفةٌ لـ((أَوْدية)). وقرأ العامَّةُ بفتح الدال،
وزيد(٧) بن علي والأشهب العقيلي وأبو عمرو في روايةٍ بسكونها، وقد تقدَّم
ذلك في سورة البقرة (٨) .
(١) أي في الآية التي يعربها.
(٢) البيتان لعلقمة بن عبدة، وهما في ديوانه، وسيبويه ٤٨٧/١، والشجري ٣٣٤/٢،
وابن يعيش ١٨/٤، والمفضليات ٣٩٧، والمشكوم: المجازى.
(٣) الإملاء ٢/ ٦٣.
(٤) الجريب : مكيال.
(٥) الجائز من البيت: الخشبة التي تحمل خشب البيت. وانظر: اللسان (جوز).
(٦) الناحية: الجانب، وثمة نادٍ وأندية.
(٧) الإتحاف ١٦١/٢، البحر ٣٨١/٥. (٨) انظر: الدر المصون ٤٨٨/٢.
٣٨

- الرعد -
و «احتمل)» بمعنى حَمَل فافْتَعَلَ بمعنى المجرد، وإنما نكَّر الأودية
وعَرَّف السيلَ؛ لأنَّ المطر يَنْزِل في البِقاع على المناوبة، فتسيلُ بعضُ أوديةٍ
الأرضِ دونَ بعضٍ ، وتعريفُ السيل لأنه قد فُهِم من الفعل قبله وهو ((فسالَتْ»
وهو لو ذُكِر لكان نكرةً، فلمَّا أُعيد أُعِيدَ بلفظِ التعريفِ نحو: ((رأيت رجلاً فأكرمت
الرجلَ)) [والزَّبَد: وَضَرُ الغَلَيَان وَخَبَتُه](١) قال النابغة(٢):
٢٨٥٢ - فما الفُراتُ إذا هَبَّ الرياحُ له
تَرْمي غوارِبُه العِبْرَيْنِ بالزَّبَدِ
وقيل: هو ما يَحْتمله السَّيلُ مِنْ غُثاءٍ ونحوه، وما يرمي به [ على ]
ضفَّته من الحَباب(٣). وقيل: هو ما يَطْرحُه الوادي إذا جاش ماؤه،
وارتفعت(٤) أمواجُه. وهي عباراتٌ متقاربة. والزُّبَد: المستخرجُ من اللبن.
قيل: مشتقُّ مِنْ هذا لمشابَهَتِه إياه في اللون، ويقال: زَبَدْتُه زَبْداً، أي:
أعطيته مالاً، يُضرب به المثلُ في الكثرةِ، وفي الحديث: ((غُفِرَتْ له ذنوبُه
وإن كانتْ مِثْلَ زَبَد البحر))(٥) .
قوله: ((ومَمَّا يُوْقِدون)) هذا الجارُّ [ خبر مقدَّمٌ، ومبتدَؤه ((زَبَدٌ))](٦).
و ((مثلُه)) صفةُ المبتدأ، والتقدير: ومن الجواهر التي هي كالنحاس والذهب
(١) ما بين معقوفين مخروم في الأصل، أثبتناه من (ش).
(٢) ديوانه ٢٢، والبحر ٣٥٨/٥. وغواربه: أمواجه مفرده: غارب، وغارب كل شيء:
ما ارتفع منه. وعبراه: شطّاه، مفرده عِبْر.
(٣) الحباب: ما يظهر على وجه الماء من أثر الريح، أو الفقاقيع.
(٤) قوله ((وارتفعت)) مخروم في الأصل.
(٥) رواه البخاري: فتح الباري ١١/ ٢٠٦، ٨٠ كتاب الدعوات، ٦٥ فضل التسبيح،
وأحمد ١٥٨/٢، وابن ماجة ١٢٥٣/٢، ٣٣ كتاب الأدب، ٥٦ فضل التسبيح ..
(٦) ما بين معقوفين مخروم في الأصل، أثبتناه من (ش).
٣٩

- الرعد -
والفضة زَبَدٌ، أي: خَبَثٌ مثلُه، أي: مثلُ زَبَدِ الماءِ، ووجهُ المماثلةِ: أنَّ كلّ
منهما ناشیٌ مِن الأكدار.
وقَرَأَ(١) الأخَوانِ وحفصٌ ((يُوقِدُوْن)) بالياء من تحت، أي: الناسُ،
والباقون بالتاء مِنْ فوقُ على الخطاب.
و ((عليه)) متعلقٌ بـ ((يُوْقِدون)). وأمَّا ((في النار)) ففيه وجهان، أحدُهما:
أنه متعلقٌ بـ يوقِدون، وهو قول الفارسيِّ(٢) والحوفيِّ وأبي البقاء(٣). الثاني: أنه
متعلقٌ بمحذوف، أي: كائناً أو ثابتاً، قاله مكي (٤) وغيره. ومنعوا تعلُّقه
بـ((يُوْقِدون)) لأنهم زعموا أنه لا يُؤْقَد على شيء إلا وهو في النار، وتعليقُ
حرفِ الجر بـ (يُؤْقِدون)) يقتضي تخصيص حالٍ من حالٍ أخرى. وهذا غيرُ
لازمٍ. قال أبو علي (٥): ((قد يُؤْقَد على الشيءِ وإن لم يكنْ في النارِ، كقولِه
تعالى: ((فَأَوْقِدْ لي يا هامانُ على الطِّين))(٦) والطّين لم يكن فيها، وإنما يُصيبُه
لَهَبُها، وأيضاً فقد يكونُ ذلك على سبيلِ التوكيدِ كقوله تعالى: ((ولا طائرٍ يَطِيرُ
بجناحيه))(٧).
قوله: ((ابتغاءَ)) فيه وجهان، أظهرُهما: أنه مفعولٌ مِنْ أجله. والثاني:
أنه مصدرٌ في موضع الحال، أي: مُبْتَغِين حِلْية، و((حِلْيةٍ)) مفعولٌ معنىً.
((أو متاعٍ)) نَسَقُ على (حِلْيَةٍ))، فالحلْيَةُ ما يُتَزَيَّن به، والمَتّاعِ: ما يَقْضُون به
(١) السبعة ٣٥٨، الحجة ٣٧٣، التيسير ١٣٣، البحر ٣٨١/٥، الإتحاف ١٦٢/٢.
(٢) الحجة (خ) ٢٩٤/٣ .
(٣) الإملاء ٦٣/٢.
(٤) ليس في ((المشكل)) و ((الكشف)) إشارة إلى ذلك.
(٥) الحجة (خ) ٢٩٤/٣.
(٦) الآية ٣٨ من القصص.
(٧) الآية ٣٨ من الأنعام.
٤٠