النص المفهرس

صفحات 541-560

- يوسف -
وفيه نظر؛ لأنَّ السياقَ والمعنى يجريان إلى تعلُّق ((في يوسف)» بـ ((فَرَّطْتُمْ))
فالقولُ بما قاله الفارسي يؤدي إلى تهيئة العامل للعمل وقَطْعِه عنه.
الرابع: أنها مصدريةٌ أيضاً، ولكن محلَّها النصبُ على أنها منسوقةٌ على
(أنَّ أباكم قد أخذ))، أي: ألم تعلموا أَخْذَ أبيكم الميثاقَ وتفريطكم في
يوسف. قال الزمخشري(١): ((كأنه قيل: ألم تعلموا أخْذَ أبيكم عليكم موثقاً
وتفريطَكم مِنْ قبلُ في يوسف)). وإلى هذا ذهب ابن عطية(٢) أيضاً.
قال الشيخ (٣): ((وهذا الذي ذهبا إليه ليس بجيد، لأنَّ فيه الفصلَ بالجارِّ
والمجرور بين حرف العطف الذي هو على حرفٍ واحد وبين المعطوف، فصار
نظير: ((ضربتُ زيداً وبسيفٍ عمراً))، وقد زعم أبو علي الفارسي أنه لا يجوز
ذلك إلا في ضرورة الشعر)). قلت: ((هذا الردُّ أيضاً سبقه إليه أبو البقاء(٤)
ولم يَرْتَضِه وقال: ((وقيل: هو ضعيف لأنَّ فيه الفصلَ بين حرف العطف
والمعطوف، وقد بيّنًّا في سورة النساء أنَّ هذا ليس بشيء)). قلت: يعني أنَّ مَنْعَ
الفصل بين حرف العطف والمعطوف ليس بشيء، وقد تقدَّم إيضاح ذلك
وتقريرُه في سورة النساء كما أشار إليه أبو البقاء.
ثم قال الشيخ(٥): ((وأمَّا تقديرُ الزمخشري ((وتفريطكم من قبل في
يوسف)) فلا يجوزُ لأنَّ فيه تقديمَ معمولِ المصدر المنحلَّ لحرفٍ مصدري
والفعل عليه، وهو لا يجوز)). قلت: ليس في تقدير الزمخشري شيءٌ من ذلك؛
لأنه لَمَّا صَرَّح بالمقدَّر أخّر الجارِّيْن والمجرورَيْن عن لفظِ المصدر المقدر
(١) الكشاف: ٣٣٧/٢.
(٢) المحرر: ٣٥٣/٩.
(٣) البحر: ٣٣٦/٥.
(٤) الإملاء: ٥٧/٢
(٥) البحر: ٣٣٦/٥.
٥٤١

- يوسف -
كما ترى، وكذا هو في سائر النسخ، وكذا ما نقله الشيخ عنه بخطه، فأين
تقديم المعمول على المصدر؟ ولو رَدَّ عليه وعلى ابن عطية بأنه يلزم مِنْ ذلك
تقديمُ معمولِ الصلة على الموصول لكان رَدَّاً واضحاً، فإنَّ ((من قبلُ)) متعلقٌ
بِفَرَّطْتُم، وقد تقدم على ((ما)) المصدرية، وفيه خلافٌ مشهور.
الخامس: أن تكونَ مصدريةً أيضاً، ومحلُّها نصبٌ عطفاً على اسم
(أنّ))، أي: ألم تعلموا أنَّ أباكم وأنَّ تفريطكم من قبل في يوسف، وحينئذٍ
يكون في خبر ((أنّ) هذه المقدرة وجهان، أحدهما هو ((من قبلُ))، والثاني
هو ((في يوسف))، واختاره أبو البقاء(١)، وقد تقدَّم ما في كلٍ منهما. ويُرَدُّ على
هذا الوجه الخامسِ بما رُدَّ به على ما قبله من الفصل بين حرف العطف
والمعطوف وقد ◌ُرِف ما فيه.
السادس: أن تكونَ موصولةً اسميةً، ومحلُّها الرفع أو النَصبُ على
ما تقدَّم في المصدرية، قال الزمخشري(٢): ((بمعنى: ومِنْ قبل هذا
ما فَرَّطتموه، أي: قَدَّمتموه في حَقِّ يوسف من الجناية، ومحلُّهَا الرفع
أو النصب على الوجهين)). قلت: يعني بالوجهين رفعَها بالابتداء وخبرها ((من
قبل))، ونصبها عطفاً على مفعول ((ألم تعلموا))، فإنه لم يَذْكر في المصدرية
غيرَهما. وقد عرْفْتَ مَا اعتُرِض به عليهما وما قيل في جوابه. فتحصَّل في ((ما))
ثلاثة أوجه: الزيادةُ، وكونُها مصدريةً، أو بمعنى الذي، وأنَّ في محلّها
وجهين: الرفعَ أو النصبَ، وقد تقدم تفصيلُ ذلك كلِّه.
قوله: ((فلن أَبْرَحَ الأرضَ)) ((بَرِحَ)) هنا تامة ضُمِّنت معنى ((أفارق))
فـ ((الأرض)) مفعولٌ به، ولا يجوز أن تكون تامةً من غيرِ تضمين، لأنها إذا
(١) الإِملاء: ٥٧/٢.
(٢) الكشاف: ٣٣٧/٢
٥٤٢

- يوسف -
كانت كذلك كان معناها ظهر أو ذهب، ومنه «بَرِح الخفاء»، أي: ظهر أو ذهب
ومعنى الظهور لا يليق، والذهابُ لا يَصِلُ إلى الظرف المخصوص إلا بواسطة
(في)) تقول: ذهبت في الأرض، ولا يجوز: ذهبت الأرض، وقد جاء شيءٌ
لا يُقاس عليه. وقال أبو البقاء (١): ((ويجوز أن يكون ظرفًا)). قلت: ويحتمل
أن يكونَ سقط من النسخ لفظةُ ((لا))، وكان: ((ولا يجوز أن تكون ظرفاً)).
واعلمْ أنه لا يجوز في ((أبرح)) هنا أن تكونَ ناقصة لأنه لا يَنْتَظِم من
الضمير الذي فيها ومن ((الأرض)) مبتدأ أو خبر، ألا ترى أنك لوقلت: ((أنا
الأرض)) لم يَجُزْ من غير ((في)؛ بخلاف (أنا في الأرض)) و((زيد في الأرض)).
قوله: ((أويَحْكُمَ اللَّهُ)) في نصبه وجهان، أحدهما : - وهو / الظاهر - [٥٢٠/أ]
عَطْفُه على ((يَأْذَن)). والثاني: أنه منصوبٌ بإضمار ((أَنْ)) في جواب النفي
وهو قوله ((فلن أبرح)»، أي: لن أبرحَ الأرضَ إلا أَنْ يَحْكُم كقولهم: ((لأَلْزَمَنَّكَ
أو تقضيني حقي))، أي: إلا أن تقضيني. قال الشيخ(٢): ((ومعناها ومعنى
الغاية متقاربان)). قلت: وليس المعنى على الثاني، بل سياقُ المعنى على
عطفِه على ((يَأْذن)) فإنه غَيَّى الأمرَ بغايتين، إحداهما خاصة، وهي إِذْن اللَّه،
والثانية عامة؛ لأن إذْنَ اللَّهِ له في الانصراف هو مِنْ حكم الله.
آ. (٨١): وقرأ العامَّةُ ((سَرَقَ)) مبنياً للفاعل مخففاً، وابن
عباس (٣) وأبو رزين والكسائي - في روايةٍ - ((سُرِّق)) مبنياً للمفعول مشدداً،
وقد تقدُّم توجیههُما.
وقرأ(٤) الضحاك ((سارِق)» جعله اسم فاعل.
(١) الإملاء: ٥٧/٢.
(٢) البحر: ٣٣٧/٥.
(٣) القرطبي: ٢٤٤/٩؛ البحر: ٣٣٧/٥.
(٤) البحر: ٣٣٧/٥؛ المحرر: ٣٥٥/٩.
٥٤٣

- يوسف -
آ. (٨٢) قوله تعالى: ﴿واسألِ القريةَ﴾: يحتمل ثلاثة أوجه،
أحدها : - وهو المشهور - أنه على حَذْفِ مضاف تقديره: واسأل أهلَ القرية
وأهلَ والعير، وهو مجازٌ شائع. قاله ابن عطية(١) وغيره. قلت: وهذا على
خلافٍ في المسألة: هل الإِضمارُ من باب المجاز أو غيرِه؟ المشهورُ أنه قسم
منه وعليه أكثر الناس. قال أبو المعالي(٢): ((قال بعض المتكلمين(٣): ((هذا
من الحذفِ وليس من المجاز، [وإنما المجاز](٤): لفظةٌ استُغِيرَتْ لغير ما هي
له)) قال: ((وحَذْفُ المضاف هو عينُ المجازِ وعُظْمُه(٥)، هذا مذهب سيبويه(٦)
وغيره)، وحَكَى أنه قولُ الجمهور. وقال فخرالدين الرازي (٧): ((إنَّ المجازَ
والإِضمارَ قسمان لا قيمان، فهما متباينان)).
الثاني: أنه مجازٌ، ولكنه من باب إطلاق اسمِ المحلُّ على الخَالِّ
للمجاورة کالزاوية .
الثالث: أنه حقيقةٌ لا مجاز فيه، وذلك أنه يجوز أن يسألَ القريةَ نفسَها
والإِبل فتجيبه، لأنه نبيٌّ يجوز أن ينطق له الجماد والبهائم.
آ. (٨٣) قوله تعالى: ﴿بل سَوَّلَتْ﴾: هذا الإِضراب لا بد له من
(١) المحرر: ٣٥٥/٩.
(٢) لعله محمد بن أحمد ابن اللبان الدمشقي تلميذ أبي حيان والعشاب، شيخ الإِقراء،
وأستاذ ابن الجزري توفي سنة ٧٧٦. طبقات القراء: ٧٢/٢.
(٣) انظر: البحر: ٣٣٧/٥.
(٤) زيادة من البحر.
(٥) عُظْم الشيء: أكثره.
(٦) الكتاب: ١٠٨/١.
(٧) هو أبو عبد الله محمد الرازي في كتابه ((المحصول)) كما في البحر: ٣٣٧/٥، وليس
٠٠
الفخر. وللفخر الرازي دراسة متقنة في هذه المسألة. انظر كتابه: نهاية الإيجاز: ١٨٤.
٥٤٤

- يوسف -
كلامٍ قبلَه متقدِّمٍ عليه يُضْرِب هذا عليه، والتقدير: ليس الأمر كما ذكرتُمْ
حقيقةً بل سَوَّلَتْ. وتقدَّم تفسيرُ مثلِ هذا وما بعده.
آ. (٨٤) قوله تعالى: ﴿يا أَسَفَا﴾: الألف منقلبة عن ياء المتكلم
وإنما قُلِبَتْ ألفاً؛ لأن الصوتَ معها أَتَمُّ، ونداؤه على سبيل المجاز، كأنه قال:
هذا أوانكَ فاحضر نحو ((يا حَسْرتا))(١). وقيل: هذه ألفُ الندبة، وحُذِفَتْ هاءُ
السكت وصلاً. قال الزمخشري(٢): ((والتجانسُ بين لفظَتَي الأسف ويوسف
ممَّا يقع مطبوعاً غيرَ مُتَعَمَّل فَيَمْلُحِ ويَبْدُع، ونحوه: ((اثَّاقَلْتُمْ إلى الأرض
أَرَضِيْتُمْ))(٣) (يَنْهَوْن عنه ويَنْأَون عنه))(٤) ((يَحْسَبُون أنهم يُحْسِنُون))(٥) ((مِنْ سَبَأ
بَنَبَأ)(٦). قلت: ويُسَمَّى هذا النوع ((تجنيس التصريف، وهو أن تشترك
الكلمتان في لفظٍ ويُفَرَّق بينهما بحرفٍ ليس في الأخرى، وقد تقدَّم.
وقرأ(٧) ابن عباس ومجاهد ((مِن الحَزَن)) بفتحتين، وقتادة بضمتين،
والعامَّةُ بضمة وسكون، فالحُزْن والحَزَن كالعُدْمِ والعَدَم ، والْبُخْلِ والبَخْل. وأمَّا
الضمتان فالثانية إتباعٌ.
و(«كظيم)»: يجوز أن يكونَ مبالغةً بمعنى فاعِل، وأن يكونَ بمعنى مفعول
كقوله: ((وهو مَكْظوم))(٨) وبه فسَّرِه الزمخشري(٩).
(١) الآية ٥٦ من سورة الزمر.
(٢) الكشاف: ٣٣٨/٢.
(٣) الآية ٣٨ من سورة التوبة .
(٤) الآية ٢٦ من سورة الأنعام.
(٥) الآية ١٠٤ من سورة الكهف.
(٦) الآية ٢٢ من سورة النمل.
(٧) انظر في قراءاتها: البحر: ٣٣٨/٥؛ والكشاف: ٣٣٩/٢.
(٨) الآية ٤٨ من سورة القلم.
(٩) الكشاف: ٣٣٩/٢.
٥٤٥

- بوسف -
آ. (٨٥) قوله تعالى: ﴿تَفْتَأْ﴾: هذا جوابُ القسم في قوله: («تاللَّهِ»
وهو على حذفِ ((لا))، أي: لا تَقْنَا، ويدلُّ على حَذْفها أنه لو كان مثبتاً لاقترن
بلامِ الابتداء ونون التوكيد معاً عند البصريين، أو إحداهما عند الكوفيين
وتقول: ((واللَّهِ أحبُّك)) تريد: لا أحبك، وهو من التورية فإن كثيراً من الناس.
مبادِرَ ذهنَه إلى إثبات المحبة. و((تَفْتأ)) هنا ناقصة بمعنى لا تزال فترفع الاسم
وهو الضمير، وتنصِبُ الخبر وهو الجملة من قوله ((تَذْكُرُ))، أي: لا تزال ذاكراً
له، يقال: ما فتىء زيدٌ ذاهباً. قال أوس بن حجر(١):
٢٨١٨ - فما فَتِئَتْ حتى كأنَّ غبارَها سُرادِقٍ يومٍ ذي رياحٍ تُرَفَّعُ
وقال أيضاً (٢):
ويَلْحَقُ منها لاحِقُ وتُقَطَّعُ
٢٨١٩- فما فَتِثَتْ خيلٌ تَثُوْبُ وتَدَّعي
وعن مجاهد: ((لا تَفْتُر)»، قال الزمخشري(٣): ((كأنه جعل الفُتوء والفُتور:
أخوین)).
وفيها لغتان(٤): فَتَأَ على وزن ضَرَب، وأَقْتَّاً على وزن أكرم، وتكون تامة
بمعنى سَكَّن وأطفأ كذا قاله ابن مالك، وزعم الشيخ(٥) أنه تصحيف منه،
[٥٢٠/ب] وإنما هي هي ((فَثَا) بالثاء المثلثة. ورُسِمَتْ هذه اللفظةُ ((تفتؤ)) / بالواو والقياس
(تفتأ)) بالألف، ولذلك يُوْقَفُ لحمزة(٦) بالوجهين اعتباراً بالخط الكريم
أو القیاس.
(١) ديوانه: ٥٩؛ والقرطبي: ٢٥٠/٩؛ والبحر: ٣٢٦/٥؛ والمحرر: ٣٦٠/٩؛
والكشاف: ٣٣٩/٢.
(٢) ديوانه: ٥٨؛ والبحر: ٣٢٦/٥.
(٣) الكشاف: ٣٣٩/٢.
(٤) أي لغتان، بالإضافة إلى المشهورة وهي فتىء على وزن سمع. انظر اللسان ((فتأ)).
(٦) انظر: الإتحاف: ٢٦٧.
(٥) البحر: ٣٢٧/٥.
٥٤٦

- يوسف -
قوله: ((حَرَضاً)) الحَرَضُ: الإِشفاء على الموت يُقال منه: حَرَضَ
الرجلُ يَحْرُض حَرَضاً بفتح الراء، فهو حَرِض بكسرها، فالحَرَضُ مصدر،
فيجيء في الآية الأوجهُ في ((رجل عَدْل)) وقد تقدَّم مراراً، ويُطْلَق المصدر من
هذه المادة على الجُثَث إطلاقاً شائعاً، ولذلك يَسْتوي فيه المفرد والمثنى
والمجموع والمذكر والمؤنث تقول: هو حَرَضٌ، وهما حَرَض، وهم حَرَض،
وهنَّ حَرَض، وهي حَرَض. ويقال: رجل حُرُض بضمتين نحو: جُنُب وشُلُل(١)
ويقال: أَحْرضه كذا، أي: أهلكه. قال الشاعر(٢):
٢٨٢٠- إني امرُؤْلَجَّ بِيْ حُبِّ فَاحْرَضَني
حتى بَلْتُ وحتى شَفَّنِي السَّقَمُ
فهو مُحْرَض قال(٣):
کإحراض پگر في الدیار مریض
٢٨٢١ - أرى المَرْءَ كالأذْوادِ يُصبح مُحْرَضاً
وقرأ(٤) بعضهم: ((حَرِضاً)) بكسر الراء. قال الزمخشري(٥): ((وجاءَتِ
القراءةُ بهما جميعاً)). يعني بفتح الراء وكُسْرِه)). وقرأ الحسن(٦) بضمتين،
وقد تقدم أنه كجُنُب وشُلُل، وزاد الزمخشري(٧) (وغُرُب))(٨) قال الراغب(٩):
«الحَرَض: ما لايُعْتَدُّ به ولا خيرَ فيه، ولذلك يقال لِما أشرف على الهلاك
(١) الشلل: الخفيف السريع.
(٢) تقدم برقم ١٦٢٦.
(٣) البيت لامرىء القيس وهو في ديوانه: ٧٧؛ والبحر: ٣٢٧/٥؛ والقرطبي: ٢٥١/٩.
والأذواد: ج ذود وهو القطيع من الإِبل الثلاث إلى التسع. والبكر: الفتيّ من الإبل.
(٤) الكشاف: ٣٣٩/٢.
(٥) الكشاف: ٣٣٩/٢.
(٦) الإِتحاف: ٢٦٧ .
(٧) الكشاف: ٣٣٩/٢.
(٨) الغرب: الغريب. انظر القاموس: غرب.
(٩) المفردات :_ ١١٣.
٥٤٧

- يوسف -
حَرِض، قال تعالى: ((حتى تكونَ حَرَضاً)) وقد أحرضه كذا، قال الشاعر: ((إني
امرؤٍ لِجَّ)) البيت. والخُرْضَةُ: مَنْ لا يأكل إلا لحمَ المَيْسِر لنذالِهِ، والتحريض:
الحَثُّ على الشيء بكثرةِ التزيين وتسهيل الخَطْبِ فيه كأنه إزالةُ الحَرَضِ
نحو: ((قَدَّيْتُه، أي: أَزَلْتُ عنه القَذَى، وأَحْرَضْتُه: أَفْسَدْتُه نحو: أَقْذَيْتُه، أي:
جعَلْتَ فیه القذى» انتهى .
والحُرُض: الْأُشْنان(١) لإِزالته الفسادَ، والمِحْرَضَةُ وعاؤه، وشُذُوذُها
كشذوذ مُنْخُل(٢) ومُسْعُط (٣) ومُكْحُلَةٍ(٤).
آ. (٨٦): والبَثُّ أشدُّ الحزن كأنه لقوته لا يُطاق حَمْلُه فيبُه الإِنسان،
أي: يُفَرِّقُه ويُذيعه، وقد تقدم(٥) أنَّ أصلَ هذه المادةِ الدلالةُ على الانتشار.
وجَوَّز فيه الراغب(٦) هنا وجهين، أحدهما: أنه مصدرٌ في معنى المفعول،
قال: ((أي غَمِّي الذي بَثْتُه عن كتمان، فهو مصدر في تقدير مفعول أو يعني
غَمِّي الذي بَثَّ فكري فيكون في معنى الفاعل.
وقرأ(٧) الحسن وعيسى ((وحَزَني)) بفتحتين، وقتادة بضمتين وقد تقدم.
آ. (٨٧) قوله تعالى: ﴿فَتَحَسَّسُوا﴾: أي: استقصوا خبره
(١) الأشنان: شجر يُصنع منه مادة تُغْسل بها الثياب، ويقال له حَرُض وحُرُض.
(٢) المُنْخُل والمُنْخَلِ: ما يُنْخَلُ به. اللسان: نخل.
(٣) المِسْعَطِ والمُسْعُطُ الإِناءِ يُجُعل فيه السَّعُوط ويصب منه في الأنف. اللسان: سبغط.
(٤) المُكْحُلَةُ: الوعاء فيه الكُحْل. اللسان: كحل. ووجه شذوذ هذه الألفاظ - كما في
اللسان كحل - أنَّ ما يُعمل به مكسور الميم مثل مِخرَز إلا هذه الأحرف النوادر جاءت .
بضم الميم والعين، وعلى هذا فإن المِحْرَضة إذا قلنا إنها اسم آلة لا تكون شاذة، وإذا
قلنا إنها اسم مكان تكون شاذة، لأنها ليست على مَفْعَل.
(٥) انظر الدر المصون: ٢٠٥/٢.
(٦) المفردات: ٣٧ بعبارة قريبة.
(٧) الإِتحاف: ٢٦٧؛ البحر: ٣٣٩/٥.
٥٤٨

- يوسف -
بحواسِّكم، ويكون في الخير والشر. وقيل: بالحاء في الخير، وبالجيم في
الشر، ولذلك قال هنا («فتحسَّسُوا))، وفي الحجرات(١): (ولا تَجَسَّسُوا))(١)،
وليس كذلك، فإنه قد قرىء بالجيم(٢) هنا. وتقدَّم الخلاف في قوله
((ولا تَيْئَسوا))(٣). وقرأ(٤) الأعرج: ((تِيْئَسوا)).
والعامَّةُ على ((رَوْحِ اللَّه)) بالفتح وهو رحمتُه وتنفيسُه وقرأ(٥) الحسن
وعمر بن عبدالعزيز وقتادة بضم الراء. قال الزمخشري(٦)، ((أي: مِنْ رحمتِه
التي يحيا بها العباد)). وقال ابن عطية(٧): ((وكأن معنى هذه القراءة: لا تَيْئَسوا
مِنْ حَيٍّ معه رُوحِ اللَّه الذي وهبه، فإِنَّ مَنْ بقي روحُه يُرْجَى، ومِنْ هذا قول
الشاعر(٨):
٢٨٢٢ - وفي غيرِ مَنْ قدوارَتِ الأرضُ فاطْمَعِ
ومن هذا قول عبيد بن الأبرص(٩):
وغائبُ الموتِ لا يَؤُوبُ
٢٨٢٣ - وكلُّ ذي غَيْبَةٍ يَؤُوْبُ
وقراءة (١٠) أُبَيّ رحمه الله: ((مِنْ رحمة اللَّه)) و((عند اللَّه) ((من فَضْل اللَّه))
تفسيرٌ لا تلاوة .
(١) الآية: ١٢.
(٢) البحر: ٣٣٩/٥؛ الكشاف: ٣٤٠/٢؛ ونسبها في الشواذ: ٦٥ إلى النخعي.
(٣) انظر إعرابه للآية ٨٠ من هذه السورة.
(٤) البحر: ٣٣٩/٥.
(٥) الإتحاف: ٢٦٧؛ المحتسب: ٣٤٨/١؛ البحر: ٣٣٩/٥.
(٦) الكشاف: ٣٤٠/٢.
(٧) المحرر: ٣٦٣/٩.
(٨) لم أهتد إلى تمامه، وهو في ابن عطية: ٣٦٣/٩؛ والبحر: ٣٣٩/٥.
(٩) ديوانه: ١٦؛ والبحر: ٣٣٩/٥؛ وابن عطية: ٣٣٩/٥.
(١٠) البحر: ٣٣٩/٥.
٥٤٩

- يوسف -
وقال أبو البقاء(١): ((الجمهورُ على فتح الراء، وهو مصدر في معنى
الرحمة، إلا أنَّ استعمالَ الفعل منه قليل، وإنما يُسْتَعمل بالزيادة مثل أراح
وَرَوَّحِ، ويُقْرأ بضم الراء وهي لغةٌ فيه. وقيل: هواسمُ مصدرٍ مثل الشُّرْب(٢)
والشُّرْب)).
آ. (٨٨) قوله تعالى: ﴿مُزْجاة﴾: أي: مَدْفُوعة يَدْفَعها كلُّ أحدٍ عنه
الزهادته فيها، ومنه: ((ألم تَرَ أنَّ اللَّه يُزْجي سحاباً))(٣)، أي: يَسُوقها بالريح.
وقال حاتم الطائي(٤):
وأَرَمَلَةٌ تُزْجي مع الليل أَرْمَلا
٢٨٢٤- لِيَبْكِ على مِلْحانَ ضَيْفٌ مُدَفِّعْ
ويقال: أَزْجَيْتُ رديءَ الدرهم فَزُجِيَ، ومنه استعير ((زَجَا(٥) الخراجُ
يَزْجُو زَجَاءً»، وخَراجٌ زاجٍ ، وقولُ الشاعر(٦):
٢٨٢٥۔۔
وحاجةٍ غيرِ مُزْجاةٍ من الحاجِ
أي: غير يسيرةً يمكن دَفْعُها وصَرْفها لقلة الاعتداد بها / فألف («مُزْجاةً»
منقلبة عن واو.
[٥٢١/أ]
(١) الإملاء: ٥٨/٢
(٢) في تسمية مثل هذا اسم مصدر نظر؛ لأن تعريف اسم المصدر هو ما لا يتضمن أحرف
فعله، وهذا قد تضمَّن أحرف فعله. قال أهل اللغة: الشُّرب بالكسر الحظ من الماء،
أو وقت الشرب، أو المورد، وبالضم والفتح المصدر. انظر اللسان: ((شرب)).
(٣) الآية ٤٣ من سورة النور.
(٤) البيت في اللسان ((رمل))؛ والبحر: ٣٤٠/٥؛ والمحرر: ٣٦٥/٩.
(٥) وهو تَيَسُّر جبايته.
(٦) لم أهتد إلى قائله وهو في اللسان زجاء والمجاز: ٣١٧/١؛ والمحرر: ٣٦٥/٩؛ والزاهر:
٩٧/٢، وصدره:
وِمُرْسَلٍ وَرَسُولٍ غيرٍ مُتَّهَمٍ
٥٥٠

- يوسف -
وقوله: ((فَأَوْفِ لنا الكَيْلِ)) يجوز أن يُراد به حقيقته من الآلة، وأن يُراد به
المَكِيل فيكونَ مصدراً.
آ. (٨٩) وقوله تعالى: ﴿هل عَلِمْتُمْ﴾: يجوزُ أن يكونَ استفهاماً
للتوبيخ وهو الأظهرُ. وقيل: هو خبر، و «هل» بمعنى قد.
آ. (٩٠) قوله تعالى: ﴿أإنك): قرأ ابن كثير (١)، إنَّك)) بهمزة واحدة
والباقون بهمزتين استفهاماً، وقد عَرَفْتَ قراءاتهم في هاتين الهمزتين تخفيفاً
وتسهيلاً وغير ذلك. فأمَّا قراءة ابن كثير فيحتمل أن تكون خبراً محضاً،
واستُبْعِد هذا مِنْ حيث تخالُفُ القراءتين مع أن القائلَ واحد، وقد أجيب عن
ذلك بأنَّ بعضَهم قاله استفهاماً، وبعضهم قاله خبراً، ويحتمل أن تكونَ
استفهاماً حُذِفَت منه الأداة لدلالة السياق، والقراءةُ الأخرى عليه. وقد تقدَّم
لك نحوٌ من هذا في الأعراف. و((لأَنْتَ)) يجوز أن تكونَ ((أنت)) مبتدأُ
و((يوسف)) خبرُه، والجملةُ خبر ((إنَّ)) دَخَلَتْ عليها لامُ الابتداء. ويجوز أن
يكونَ فصلاً، ولا يجوز أن يكونَ تأكيداً لاسم إِنَّ؛ لأنَّ هذه اللامَ لا تَدْخُل على
التوكید .
وقرأ أُبَيّ (٢): ((أإنك أو أنت يوسف))، وفيها وجهان، أحدهما ما قاله
أبو الفتح (٣): من أن الأصل أإنك لغيرُ يوسف أو أنت يوسفُ، فحذف خبر
(إن)) لدلالة المعنى عليه. الثاني ما قاله الزمخشري(٤): وهو أإنك يوسفُ
أو أنت يوسف ((فحذف الأول لدلالة الثاني عليه، وهذا كلامُ متعجبٍ مُسْتَغْرِبٍ
لِما يَسْمع فهو يكرِّر الاستثباتَ)).
(١) السبعة: ٣٥١؛ التيسير: ١٣٠؛ الإتحاف: ٢٦٧؛ البحر: ٣٤٢/٥.
(٢) البحر: ٣٤٢/٥؛ المحتسب: ٣٤٩/١.
(٣) المحتسب: ٣٤٩/١.
(٤) الكشاف: ٣٤١/٢.
٥٥١

- يوسف -
قوله: (يَتَّقِ)) قرأ قنبل(١) ((يَتَّقي)) بإثبات الياء وصلاً ووقفاً، والباقون
بحذفها فيهما. وأمَّا قراءةُ الجماعة فواضحة لأنه مجزوم. وأما
قراءةُ قنبل فاخْتَلَفَ فيها الناسُ على قولين، أجودهما: أنَّ إثباتَ حرفٍ
العلة في الحركة لغةٌ لبعض العرب، وأنشدوا على ذلك قولَ قيس ابن
زهير (٢):
بما لاقَتْ لَبونُ بني زیادٍ
٢٨٢٦ - ألم يأتيك والأنباء تُنْمي
وقول الآخر (٣).
مِنْ هَجْوِزَبَّنَ لم تَهْجُو ولم تَدَعِ
٢٨٢٧ - هَجَوْت زَبَّنَ ثم جِئْتَ مُعْتَذِراً
وقول الآخر (٤):
٢٨٢٨ - إذا العجوزُ غَضِبَتْ فَطَلِّقٍ
ولا تَرَضَّاها ولا تَمَلَّقِ
ومذهبُ سيبوبِهِ(٥) أنَّ الجزمَ بحذف الحركة المقدرة، وإنما تبعها حرفُ
العلة في الحذف تَفْرِقَةً بين المرفوع والجزوم. واعتُرض عليه بأنَّ الجازم يُبَيِّن
أنه مجزوم، وعَدَمَه يِّن أنه غير مجزوم. وأجيب بأنه في بعض الصور يُلْبِس
فاطَّرَدَ الحَذْفُ، بيانُه أنك إذا قلت: ((زُرْني أعطيك)) بثبوت الياء احتمل أن
يكون ((أعطيك)) جزاءً لزيارته، وأن يكونَ خبراً مستأنفاً، فإذا قلت: ((أُعْطَك))
(١) السبعة: ٣٥١؛ التيسير: ١٣١؛ البحر: ٣٤٢/٥؛ الحجة: ٣٦٤. وقنبل راوي ابن
کثیر.
(٢) تقدم برقم : ٢٦٤.
(٣) تقدم برقم ٢٣٥٨.
(٤) البيت لرؤبة وهو في ملحقات ديوانه: ١٧٩؛ والخصائص: ٣٠٧/١؛ وأمالي الشجري:
٨٦/١؛ وابن يعيش: ١٠٦/١٠؛ والخزانة: ٠٥٣٣/٣
(٥) قد يُستفاد هذا من قوله في الكتاب: ٧/١: ((واعلم أن الآخر إذا كان يسكن في الرفع
حُذِف في الجزم لئلا يكون الجزم بمنزلة الرفع فحذفوا كما حذفوا الحركة)).
٥٥٢

- يوسف -
بحذفها تعيّن أن يكونَ جزاءً له، فقد وقَع اللَّْسُ بثبوت حرف العلة وفُقِد
بحَذْفِهِ، فيقال: حرفُ العلة يُحذف عند الجازم لا به. ومذهب ابن السَّراج أن
الجازم أَثْرَّ في نفسِ الحرف فحذفه، وفيه البحث المتقدم.
الثاني: أنه مرفوعٌ غير مجزومٍ ، و ((مَنْ)) موصولةٌ والفعل صلتُها، فلذلك
لم يَحْذف لامَه. واعْتُرِض على هذا بأنه قد عُطِف عليه مجزومٌ وهو قولُه
((ويَصْبِرْ)) فإنَّ قنبلاً لم يَقْرأه إلا ساكنَ الراء. وأجيب عن ذلك بأنَّ التسكين
التوالي الحركات. وإنْ كان من كلمتين كقراءة أبي عمرو: ((ينصركم))(١)
و ((يأمركم))(٢). وأُجيب أيضاً بأنه جُزِم على التوهُّم، يعني لَمَّا كانت ((مَنْ))
الموصولةُ تُشْبه ((مَنْ)) الشرطية. وهذه عبارةٌ فيها غَلَطّ على القرآن فينبغي أن
يُقال: فيها مراعاةٌ للشبه اللفظي، ولا يقال للتوهُّم. وأجيب أيضاً بأنه سُكِّن
للوقف ثم أُجري الوصلُ مُجْری الوقفِ. وأُجيب أيضاً بأنه إنما جُزم حملاً
لـ «مَنْ)) الموصولة على ((مَنْ)) الشرطية؛ لأنها مثلُها في المعنى ولذلك دَخَلَتِ
الفاءُ في خبرها.
قلت: وقد يُقال على هذا: يجوز أن تكونَ ((مَنْ)) شرطيةً، وإنما ثَبَتَت
الياءُ، ولم تَجْزِمْ ((مَنْ)) لشبهها بـ ((مَنْ)) الموصولة، ثم لم يُعْتبر هذا الشبهُ في قوله
((وَيَصْبِرِ)) فلذلك جَزَمّه إلا أنه يَبْعُدُ مِنْ جهة أنَّ العامل لم يؤثِّر فيما بعده، ويليه
ويؤثِّر فيما هو بعيدٌ منه. وقد تقدَّم الكلامُ على مثل هذه المسألة أولَ السورة
في قوله ((يَرْتَعْ وَيَلْعب))(٣).
وقوله ((فإنَّ اللَّهَ لا يُضيع)) الرابطُ بين جملة الشرط وبين جوابها:
(١) الآية ١٦٠ من سورة آل عمران. وانظر معجم القراءات: ٨١/٢.
(٢) الآية ٦٧ من سورة البقرة. وانظر الدر المصون: ٤١٦/١.
(٣) الآية ١٢ .
٥٥٣

- يوسف -
إِمَّا العمومُ في (المحسنين))، وإمَّا الضميرُ المحذوف، أي: المحسنين منهم،
وإمَّا لقيام أل مُقامه والأصل: مُحْسِنيهم، قامَتْ أل مُقام ذلك الضمير.
آ. (٩١) قوله تعالى: ﴿آثَرك﴾: أي: ((تَفَضَّل عليك، والإِيثار:
[٥٢١/ب] التفضيلُ / بجميع أنواع العطايا، آثَره يُؤْثِرِه إيثاراً، وأصلُه مِن الْأُثَر وهو تَتَبُّع
الشيءٍ فكأنه يَسْتقصي جميعَ أنواع المكارم، وفي الحديث («ستكون بعدي
أَثَرة)(١)، أي: يَسْتأثر بعضكم على بعض، ويقال: استأثر بكذا، أي: اختصِّ
به، واستأثر اللَّه بفلانٍ كنايةٌ عن اصطفائه، قال الشاعر(٢):
٢٨٢٩ - واللَّه أَسْماك سُماً مباركا آثرك اللَّه به إيثارَكا
آ. (٩٢) وله تعالى: ﴿لا تَثْرِيْبَ عليكم﴾: ((عليكم)) يجوز أن يكون
خبراً لـ (لا))، و((اليوم)): يُحتمل أن يتعلَّقَ بما تعلَّق به هذا الخبر، أي:
لا تثريبَ مستقرٌّ عليكم اليومَ. ويجوزُ أَنْ يكونَ ((اليوم)) خبرَ ((لا)) و ((عليكم))
متعلقٌ بما تعلَّق به هذا الظرفُ. ويجوز أن يكون ((عليكم)) صفةً لاسم ((لا))،
و ((اليوم)) خبرُها أيضاً، ولا يجوز أن يتعلق كلٍّ مِن الظرف والجارِّ بـ («تَثْرِيب»
لأنه يصير مُطَولا شبيهاً بالمضاف، ومتى كان كذلك أُعْرِب ونُوِّن نحو:
(لا خيراً مِنْ زيد عندك))، ويزيدُ عليه الظرفُ: بأنه يَلْزم الفصلُ بين المصدرِ
المؤول بالموصول ومعموله بأجنبي وهو ((عليكم)) لأنه: إمَّ خبر وإمَّا صفة.
وقد جَوَّز الزمخشري(٣) أن يكونَ الظرفُ متعلقاً بـ ((تَثْرِيب)) فقال: ((فَإِنْ
قلت: بِمَ يتعلَّق ((اليوم))؟ قلت: بالتثريب أو بالمقدَّر في ((عليكم)) من معنى
الاستقرار، أو بـ ((يَغْفر)). قلت: فَجَعْلُه أنَّه متعلقٌ بـ ((تثريب)) فيه ما تقدم. وقد
(١) رواه البخاري: (فتح الباري) ٢: الفتن: ٥/١٣.
(٢) تقدم برقم ٢٢ .
(٣) الكشاف: ٣٤٢/٢
٥٥٤

- يوسف -
أَجْرَى بعضُهم الاسمَ العاملَ مُجرى المضافِ لشبهه به فَيُنْزَع ما فيه من تنوينٍ
أو نون، وجعل الفارسي من ذلك قوله(١):
لنفسي، لقد طالَبْتُ غيرَ مُنِيْلٍ
٢٨٣٠ - أراني ولا كُفْرانَ للَّه أيَّةً
قال: ((فأيَّةً منصوب بكُفْران، أي: لا أكفر اللَّهَ رحمة لنفسي. ولا يجوزُ
أن تُنْصب ((أيَّةً)) بأَوَيْت مضمراً؛ لئلا يَلْزَمَ الفصلُ بين مفعولي (أرى)»
بجملتين: أي بـ ((لا)) وما في حَيِّزها، وبـ ((أَوَيْت)) المقدرة. ومعنى أَوَيْت
رَقَقْت. وجعل منه الشيخ جمال الدين بن مالك ما جاء في الحديث ((لا صَمْتَ
يومٌ إلى الليل))(٢) برفع ((يومٌ)) على أنه مرفوعٌ بالمصدر المنحلِّ لحرفٍ
مصدريٍ وفعل مبني للمفعول، وفي بعض ما تقدم خلافٌ لا يَليقُ التعرُّضُ له
هنا .
وأمَّا تعليقُه بالاستقرار المقدر فواضِحٌ، ولذلك وقف أكثرُ القراءِ عليه،
وابتدأ بـ ((يغفرُ اللَّه لكم))، وأمّا تعليقُه بـ ((يَغْفر)) فواضِحٌ أيضاً ولذلك وقف بعضُ
القرّاء على ((عليكم)) وابتدأ ((اليوم يَغْفر اللَّه لكم))، وجوَّزوا أن يكونَ ((عليكم))
بياناً كـ ((لك)) في نحو ((سقياً لك))، فعلى هذا تتعلَّق بمحذوف، ويجوز أن
يكونَ خبرُ ((لا)) محذوفاً، و((عليكم)) و ((اليوم)) كلاهما متعلقان بمحذوفٍ آخر
يدل عليه ((تثريب))، والتقدير: لا تثريب يُثْرِبُ عليكم اليومَ، كما قَدَّروا في
(لا عاصم اليوم من أمر الله))(٣) لا عاصمَ يَعْصِم اليومَ. قال الشيخ(٤): ((لوقيل
به لکان قویاً».
وقد يُفرَّق بينهما بأنَّ هنا يلزم كثرةُ المجاز، وذلك أنَّك تَحْذف الخبر،
(١) تقدم برقم ٢٥٥٤ وانظر: الدر المصون الورقة ٤٥٦ ب.
(٢) نسبه الكسائي إلى العرب كما في اللسان (صمت).
(٣) الآية ٤٣ من سورة هود.
(٤) البحر: ٣٤٤/٥.
٥٥٥

۔ یوسف بـ
وتَحْذف هذا الذي تَعَلَّق به الظرفُ وحرفُ الجر وتَنسِب الفعل إليه؛ لأن
التثريب لا يَثْرِب إلا مجازاً كقولهم: ((شعرٌ شاعر)» بخلاف («عاصم يَعْصِم)) فإن
نسبة الفعل إلى العاصم حقيقة، فهناك حَذْف شيءٍ واحدٍ من غير مجاز، وهنا
حَذْف شيئين مع مجازٍ.
والتّثْريبُ العَتْب والتأنيب، وعَبَّر بعضُهم عنه بالتعبير، مِنْ عَيَّرته بكذا إِذا
عِبْتُه به، وفي الحديث(١): ((إذا زَنَتْ أَمَةُ أحدِكم فَلْيَجْلِدْها ولا يُثْرِّبْ))، أي:
لا يُعَيِّر، وأصله مِن الثَّرْب وهو ما يَغْشى الكَرْش من الشحم، ومعناه إزالة
الثَّرْب كما أن التجليدَ إزالة الجِلْد، فإذا قلت: ((ثَرَّبْتُ فلاناً) فكأنك لشدة
عَيْبَتِك له أَزَلْتِ ثَرْبَه فِضُرِب مَثَلًا في تمزيق الأعراض.
وقال الراغب(٢): ((ولا يُعْرف مِنْ لَفْظِه إلا قولُهم ((الثَّرْب)) وهو شَحْمَة
رقيقة، وقولُه تعالى: (يا أهلَ يَثْرِبَ))(٣) يَصِحُّ أن يكونَ أصلُه من هذا الباب
والياءُ فيه مزيدة)).
آ. (٩٣) قوله تعالى: ﴿بقميصي﴾: يجوز أن يتعلق بما قبله على أنَّ
[١/٥٢٢] الباءَ مُعَدِّيَةٌ / كهي في: ((ذهبْتُ به))، وأن تكون للحال فتتعلَّقَ بمحذوفٍ، أي:
اذهبوا معكم قميصي. و((هذا)» نعت له أوبيان أو بذل، و ((بصيراً)) حال.
و ((أجمعين)» تأكيدٌ، وقد أُكَّد بها دون ((كل))، ويجوز أن تكونَ حالاً.
آ. (٩٤) قوله تعالى: ﴿تُقَنِّدون﴾: التَّفْنيد: الإِفساد، يقال: فَتَّدت
فلاناً، أي: أَفْسَدْت رأيَه ورَدَدْته، قال(٤):
(١) رواه البخاري: (فتح الباري) ٣٦ الحدود: ١٦٥/١٢؛ ابن حنبل: ٢٤٩/٢.
(٢) المفردات ٧٩.
(٣) الآية ١٣ من سورة الأحزاب.
(٤) البيت لهانىء بن شكيم العدويّ وهو في المجاز: ٣١٨/١؛ القرطبي: ٢٦٠/٩؛
والمحرر: ٣٧٢/٩؛ والبحر: ٣٤٠/٥.
٥٥٦

- يوسف -
فليسَ ما قُلْتُ من أمرٍ بِمَرْدُوْدِ
٢٨٣١ - يا صاحِبيَّ دَعَا لَوْمي وتَفْنيدي
ومنه ((أَفْنَدَ الدهرُ فلاناً)) قال(١):
. إذا كُلِّفَ الإِفنادَ بالناسِ أفندا
٢٨٣٢ - دَعِ الدهرَ يَفْعَلُ ما أرادَ فإنه
والفَنَدُ: الفساد، قال النابغة (٢):
٢٨٣٣- إلّ سليمانَ إذ قال الإِلهُ له قُمْ في البرِيَّةِ فاحْدُدْها عن الفَنَد
والفِنْد: شِمْراخ الجبل(٣) وبه سُمِّي الرجل فِنْداً، والفِنْدُ الزمانيُّ أحدٌ
شعراء الحماسة من ذلك. وقال الزمخشري (٤): ((يقال: شيخ مُفَنَّد ولا يقال:
عجوز مُفَنَّدة لأنهما لم تكن في شبيبتها ذاتَ رأي فتُفَنَّد في كبرها)) وهو غريبٌ.
وجوابُ ((لولا)) الامتناعية محذوفٌ تقديرُه لَصَدَّقْتُموني. ويجوز أن يكونَ
تقديرُه: لأُخْبَرْتكم.
آ. (٩٦) وقوله تعالى: ﴿ألقاه﴾: الظاهر أنَّ الفاعلَ هو ضمير البشير.
وقيل: هو ضميرُ يعقوب. وفي ((بصيراً) وجهان، أحدهما: أنه حال أي: رَجَع
في هذه الحال. والثاني: أنه خبرها لأنها بمعنى صار عند بعضهم. وبَصير مِنْ
بَصُر بالشيء، كظريف مِنْ ظَرُف. وقيل: هو مثالُ مبالغةٍ كعليم. وفيه دلالةٌ
على أنه لم يذهب بَصَرُه بالكليّة.
أ. (١٠٠) وقوله تعالى: ﴿وَرَفَع أَبَوَيْه﴾: من باب التغليب، يريد
(١) البيت لابن مقبل، وهو في القرطبي: ٢٦١/٩؛ والبحر: ٣٤٠/٥.
(٢) ديوانه ١٣؛ والقرطبي: ٢٦٠/٩؛ والبحر: ٣٤٠/٥. شبَّه النعمان بسليمان عليه
السلام. واحددها: احبسها .
(٣) شمراخ الجبل: القطعة العظيمة منه.
(٤) الكشاف: ٣٤٣/٢.
٥٥٧

- يوسف -
أباه وأمَّه - أو خالته .. و((سُجَّداً)) حال. قال أبو (١) البقاء: ((حالٌ مقدرة؛ لأنَّ
السجود يكون بعد الخُرور)) وفيه نظرٌ لأنه متصلٌ به غيرُ متراخٍ عنه ..
قوله: ((مِنْ قبلُ)) يجوز أنْ يتعلق بـ «رٌؤْياي))، أي: تأويل رُؤياي في
ذلك الوقت. ويجوز أنْ يكونَ العاملُ فيه ((تَأْوِيل)) لأنَّ التأويلَ كان مِنْ حِينٍ
وقوعِها هكذا، والآن ظهرَ له، ويجوز أن يكونَ حالاً مِنْ (رُؤْياي)) قاله
أبو البقاء، وقد تقدم(٢) أنَّ المقطوعَ عن الإِضافةِ لا يقع حالاً .
قوله: ((قد جَعَلها رَبِّي)) حالٌ من ((رؤياي)) ويجوز أن تكون مستأنفة.
وفي ((حقاً)) وجوه أحدُها: أنه حال. والثاني: أنه مفعولٌ ثان. والثالث: أنه
مصدرٌ مؤكد للفعل من حيث المعنى، أي: حَقَّقها ربي حَقّاً بجَعْلِهِ .
قوله: ((أَحْسَنَ بي)) ((أَحْسَنَ)) أصله أن يتعدَّى بـ((إلى)). قال: ((وَأَحْسِنْ
كما أحسنَ اللَّه إليك))(٣) فقيل: ضُمِّن معنى لَطُف فتعدَّى بالباء كقوله:
((وبالوالدَيْن إحساناً)(٤) وقولِ كَثِّر عَزَّة(٥):
٢٨٣٤ - أَسِيْئِي بنا أو أَحْسِنِي لا مَلُوْمَةً لَدَيْنَا ولا مَقْلِيَّةً إِنْ تَقَلَّتِ
وقيل: بل يَتَعَدَّى بها أيضاً. وقيل: هي بمعنى ((إلى)). وقيل: المفعولُ
محذوفٌ: ((أَحْسَنَ صُنْعَه بي))، فـ ((بي)) يتعلَّق بذلك المحذوفِ، وهو تقدير
أبي البقاء(٦). وفيه نظر؛ من حيث حَذْفُ المصدرِ وإبقاءُ معموله، وهو ممنوعٌ
عند البصريين. و((إذ)) منصوبٌ بـ ((أَحْسَنَ)) أو المصدرِ المحذوف قاله
(١) الإملاء: ٢ /٥٩.
(٢) انظر: الورقة ١٥١٩
(٣) الآية ٧٧ من سورة القصص.
(٤) الآية ٨٣ من سورة البقرة.
(٥) تقدم برقم ٢٤٩٩ .
(٦) الإملاء: ٥٩/٢.
٥٥٨

- يوسف -
أبو البقاء(١)، وفيه النظر المتقدم.
والبَدْوُ: ضد الحضارة وهو مِن الظهور، بدا يبدو: إذا سكن البادية،
(إذا بَدَوْنا جَفَوْنا)) يُرْوَىْ عن عمر، أي: تخلَّقْنا بأخلاقِ البدويين.
قوله: ((لَطِيْفٌ لِما يَشاء)) لَطُفَ أصلُه أن يتعدَّى بالباء، وإنما تَعَدَّى باللام
لتضمُّنِه معنى مُدَبِّر، أي: أنت مُدَبِّر بلطفك لِما تَشاء.
آ. (١٠١) وقرأ(٢) عبد اللّه: ((آتَيْتَنِ)) و((عَلَّمْتَنِ)) بغير ياءٍ فيهما، وحكى
ابن عطية(٣): أنَّ أبا ذر قرأ: ((أتيتني)) بغير ألفٍ بعد الهمزة و ((مِنْ)) في ((مِن
المُلْك)) وفي ((مِنْ تأويل)) للتبعيض، والمفعولُ محذوفٌ، أي: عظيماً من
الملك فهي صفة لذلك المحذوفِ وقيل: زائدة. وقيل: لبيان الجنس، وهذان
بعیدان .
و ((فاطر)) يجوز أن يكونَ نعتاً لربّ، ويجوز أنْ يكون بدلاً أو بياناً
أو منصوباً بإضمار أَعْني أو نداءً ثانياً.
آ. (١٠٢) قوله تعالى: ﴿ذلك﴾: مبتدأ، و((من أنباء الغيب)» خبره،
و (نُوحيه)) حال. ويجوز أن يكونَ خبراً ثانياً، أو حالاً من الضمير في الخبر.
وجَوَّز الزمخشري(٤) أن يكونَ(٥) موصولاً بمعنى الذي. وقد تقدَّم نظيرُه.
و ((ھم یَمْكُّرون» حال.
(١) الإِملاء: ٥٩/٢.
(٢) البحر: ٣٤٩/٥؛ المحتسب: ٣٤٩/١.
(٣) الذي في المحرر: ٣٨٢/٩ (ابن ذر)) وقرأ بغير ((قد)) فيكون المؤلف قد وهم مرتين: مرةً
في اسمه، ومرةً في نقل قراءته فإن مسألة القراءة بغير ألف بعد الهمزة غير واردة، أمَّا
ابن ذر فهو عمر بن ذَرّ الهمداني أبو ذر الكوفي ثقة، رُمي بالإِرجاء، مات سنة ثلاث
وخمسين. التقريب ٤١٢.
(٤) الكشاف: ٣٤٥/٢.
(٥) أي قوله: «ذلك)).
٥٥٩

- يوسف -
آ. (١٠٣) [قوله:] ﴿ولو حَرَصْتَ﴾: معترضُ بين ((ما)) وخبرها.
وجوابُ (لو)) محذوفٌ لدلالةِ ما تقدَّم عليه.
آ. (١٠٦) و [قوله]: ﴿إلا وهم مشركون﴾: حال.
آ. (١٠٧) وقوله تعالى: ﴿مِنْ عذاب الله﴾: صفةٌ لـ ((غاشية))،
و ((بَغْته)) حال وهو في الأصلِ مصدر، وتقدَّم نظيره.
والجمهور(١) على جَرِّ (الأرض)) عطفاً على ((السموات)) والضمير في
((عليها)) للآية فيكون ((يمرُّون)) صفةً للآية أو حالاً لتخصُّصها بالوصفِ بالجار.
وقيل: يعود الضمير في ((عليها)) على الأرض فيكون ((يمرون)) حالاً منها. وقال
أبو البقاء(٢): ((وقيل منها ومن السموات))، أي: تكون الحال من الشيئين
جميعاً، وهذا لا يجوز إذا كان يجب أن يقال ((عليهما))، وأيضاً فإنهم لا يَمُرُّون
[٥٢٢/ب] في السموات، / إلا أن يُراد: يمرُّون على آياتهما، فيعودُ المعنى إلى عَوْد
الضمير للآية. وقد يُجاب عن الأول بأنه مِنْ باب الحذف كقوله تعالى: ((واللَّهُ
ورسولُه أحقُّ أنْ يُرْضُوه))(٣).
وقرأ(٤) السدِّي ((والأرضَ)) بالنصب، ووجهُه أنه من باب الاشتغال،
ويُفَسَّرِ الفعلُ بما يوافقه معنى أي: يطؤون الأرض، أو يسلكون الأرضَ يمرون
عليها كقولك: ((زيداً مررت به)).
وقرأ(٥) عكرمة وعمرو بن فائد: ((والأرضُ)) بالرفع على الابتداء، وخبرُه
الجملةُ بعده، والضمير في هاتين القراءتين يعودُ على الأرض فقط.
(١) عاد إلى الآية ١٠٥.
(٢) الإملاء: ٥٩/٢.
(٣) الآية ٦٢ من سورة التوبة.
(٤) انظر في قراءاتها: المحتسب: ٣٤٩/١؛ والبحر: ٣٥١/٥؛ والقرطبي: ٢٧٢/٩
(٥) البحر: ٣٥٢/٥.
٥٦٠