النص المفهرس
صفحات 501-520
- يوسف - آ. (٤٣) قوله تعالى: ﴿سِمانٍ﴾: صفة لبقرات وهو جمع سمينة، ويُجْمع سمين أيضاً عليه يقال: رجال سِمان كما يقال نِساء كِرام ورجال كِرام. و((السِّمَنُ)) مصدرُ سَمِن يَسْمَن فهو سمين فالمصدر واسم [الفاعل](١) جاءا على غير قياس، إذ قياسُهما ((سَمَن))(٢) بفتح الميم، فهو سَمِن بكسرها(٣)، نحو فَرِحِ فَرَحاً فهو فَرِح. قال الزمخشري(٤): ((هل مِنْ فرقٍ بين إيقاع ((سمان)) صفة للمميِّز وهو (بقراتٍ)) دون المُمَّيَّز وهو («سبعَ))، وأن يقال: سبعَ بقراتٍ سِماناً؟ قلت: إذا أوقَعْتَها صفةً لـ ((بقرات)) فقد قَصَدْتَ إلى أَنْ تُمَيِّز السبعَ بنوع من البقرات وهو السِّمانُ منهنَّ لا بجنسهنَّ، ولو وَصَفْتَ بها السبع لَقَصَدْت إلى تمييز السبع بجنس البقرات لا بنوعٍ منها، ثم رَجَعْتَ فَوَصَفْتَ المميَّز بالجنس بالسِّمَنِ. فإن قلت: هَلَّ قيل ((سبعَ عجافٍ)) على الإِضافة. قلت: التمييزُ موضوعٌ لبيان الجنس، والعِجافُ وصفٌ لا يقع البيانُ به وحدَه. فإن قلت فقد يقولون: ثلاثة فرسان وخمسة أصحاب. قلت: الفارس والصاحب والراكب ونحوها صفاتٌ جَرَتْ مَجْرى الأسماء فأخَذَتْ حُكْمَها، وجاز فيها ما لم يَجُزْ في غيرها. ألا تراك لا تقول: عندي ثلاثةُ ضخامٍ ولا أربعةُ غلاظٍ. فإن قلت: ذاك مِمَّا يُشْكِلُ وما نحن بسبيلهِ لا إشكال فيه ألا ترى أنه لم يَقُلْ ((وبقرات سبعَ عجافٍ)) لوقوع العلم بأن المرادَ البقرات. قلت: تَرْكُ الأصلِ لا يجوز مع وقوع الاستغناء عَمَّا ليس بأصلٍ، وقد وقع الاستغناء عن قولك(٥) ((سبعَ عجافٍ)) عمَّا تقترحه من التمييز بالوصف)). (١) سقط من الأصل وثبت في البحر: ٣٠٠/٢. (٢) الأصل: سمنا. (٣) لأن فَعِل اللازم مصدره على فَعَل (شرح الشافية: ١٦٠/١) واسم فاعله على فَعِل (ابن عقيل: ٤٢٥/١). (٤) الكشاف: ٣٢٢/٢، ٣٢٣. (٥) الكشاف: بقولك. ٥٠١ - يوسف - قلت: وهي أسئلة وأجوبة حسنة. وتحقيق السؤال الأول وجوابه: أنه يلزم مِنْ وَصْفِ التمييز بشيءٍ وَصْفُ المميَّزِ به، ولا يلزم من وصف المُمَيَّز وَصْفُ التمييز بذلك الشيءِ، بيانُه أنك إذا قلت: ((عندي أربعةُ رجالٍ حسانٍ)) بالجرِّ كان معناه: أربعة من الرجال الحسان، فيلزم حُسْنُ الأربعة؛ لأنهم بعض الرجال الحسان، وإذا قلت: ((عندي أربعةُ رجالٍ حسانٌ)) برفع ((حسان)» كان معناه: أربعة من الرجال حِسان، وليس فيه دلالةٌ على وَصْف الرجال بالحُسْنِ. وتحقيقُ الثاني وجوابه: أن أسماءَ العدد لا تُضاف إلى الأوصاف إلا في ضرورة، وإنما يُجاء بها تابعةً لأسماء العدد فيقال: ((عندي ثلاثة قرشيون)) ولا يُقال: ثلاثةُ قرشيين بالإِضافة إلا في شعر. ثم اعترض بثلاثة فرسان وأجاب بجريان ذلك مَجْرى الأسماء. وتحقيق الثالث: أنه إنما امتنع ((ثلاثةُ ضِخام)» ونحوه لأنه لا يُعْلَمُ موصوفُه، بخلاف الآية الكريمة فإنَّ الموصوفَ معلومٌ ولذلك لم يُصَرِّحْ به. وأجاب عن ذلك بأن الأصلَ عدمُ إضافةِ العددِ إلى الصفة كما تقدَّم فلا يُتْرك هذا الأصلُ مع الاستغناءِ بالفرع، وعلى الجملة ففي هذه العبارة قلق هذا ملخصها، ولم يذكر الشيخُ نصَّه ولا اعترض عليه، بل لَخَّصَ بعضَ معانيه وتركه علی إشكاله. وجَمْعُ عَجْفاء على عِجاف. والقياس: عُجُف نحو: حمراء وحُمُر، حَمْلًا له على ((سِمان)) لأنه نقيضُه، ومِنْ دَأْبهم حَمْلُ النظير على النظير والنقيض على النقيض، قاله الزمخشري(١). والعَجَفُ شِدَّة الهُزالِ الذي ليس بعده قال(٢): (١) الكشاف: ٣٢٣/٢. (٢) تقدم برقم ٢٢٦٨. ٥٠٢ - يوسف - ورجالُ مكةً مُسْنِتون عِجافُ ٢٧٩٤ - عمرُو الذي هَشَم الثريد لقومِه وقال الراغب(١): ((هومِنْ قولهم نَصْلٌ أعجفُ، أي: دقيق، وعَجَفَتْ نفسي عن الطعام، وعن فلان إذا نَبَتْ عنهما، وأَعْجف الرجلُ، أي: صادف ماشیته عِجافاً» . قوله: ((وأُخَرَ) (أُخَرَ)) نسقٌ على ((سبعَ)) لا على ((سنبلات))، ويكون قد حَذَف اسمَ العددِ من قوله ((وأُخَر يابسات)) والتقدير: وسبعاً أُخَرَ، وإنما حَذَف لأنَّ التقسيمَ في البقرات يقتضي التقسيمَ في السنبلات. قال الزمخشري(٢): ((فإن قلت: هل في الآية دليل على أنَّ السنبلاتِ اليابسةَ كانت سبعاً كالخضر؟ قلت: الكلامُ مبنيٌّ على انصبابه إلى هذا العدد في البقرات السمان والعِجافِ والسنبلاتِ الخُضْر، فَوَجَبَ أن يتناول معنى الْأخر السبع، ويكون قوله ((وأُخَرَ يابسات)) بمعنى وسبعاً أُخَرَ) انتهى. وإنما لم يَجُزْ عَطْفُ ((أُخر)) على التمييز وهو ((سنبلات)) فيكون / ((أُخَر)) مجروراً [٥١٤/أ] لا منصوباً؛ لأنه من حيث العطفُ عليه يكونُ مِنْ جملة مُمَيِّز («سبعَ))، ومِنْ جهةِ كونه آخر يكون مبايناً لـ ((سبع)) فتدافعا، ولو كان تركيبُ الآية الكريمة: ((سبع سنبلاتٍ خضرٍ ويابسات)) لصَحَّ العطفُ، ويكون مِنْ توزيع السنبلات إلى هذين الوصفين أعني الاخضرارَ والْيِّيْس. وقد أوضح الزمخشري(٣) هذا حيث قال: ((فإن قلتَ: هل يجوز أن يُعْطَفَ قولُه ((وأُخَرَ يابساتٍ)) على ((سنبلاتٍ خُضْرِ)) فيكون مجرورَ المحل؟ قلت: يؤدي إلى تدافُعٍ، وهو أنَّ عَطْفَها على ((سنبلات خضر)) يقتضي أن (١) المفردات: ٣٢٣. (٢) الكشاف: ٣٢٣/٢. (٣) الكشاف: ٣٢٣/٢. ٥٠٣ - يوسف - يكونَ داخلاً في حكمها، فتكون معها مميِّزًاً للسبع المذكور، ولفظُ الْأُخْر يقتضي أن تكونَ غيرَ السبع. بيانُه أنك تقول: ((عنده سبعة رجالٍ قيامٍ وقعودٍ بالجرِّ؛ فيصحُّ لأنك مَيَّزْتَ السبعة برجال موصوفين بالقيام والقعود، على أنَّ بعضَهم قيامٌ وبعضَهم قعودٌ، فلو قلت: ((عنده سبعةُ رجال قيام وآخرين قعود)» تدافعَ ففسد». قوله ((للرُّؤْيا)): فيه أربعة أوجه، أحدها: أن اللام فيه مزيدةٌ فلا تَعَلُّق لها بشيء، وزِيْدت لتقدُّم المعمولِ مقويةً للعامل، كما زِيْدَتْ فيه إذا كان العامل فرعاً كقوله: ((فَعَّالٌ لِما يريد))(١)، ولا تُزاد فيما عدا ذينك إلا ضرورةً كقوله(٢): ٢٧٩٥ - فَلَمَّا أَنْ تواقَقْنا قليلًا أَنَخْنا للكلاكلِ فَارْتَمَيْنَا يريد: أنخنا الكلاكل، فزيدت مع فقدان الشرطين، هكذا عبارة بعضهم يقول إلا في ضرورة، وبعضُهم يقول: الأكثر ألَّ تُزَادَ، ويُتَحَرَّزُ مِنْ قوله تعالى (رَدِفَ لكم))(٣) فإن الأصلَ: رَدِفَكم فزيدت فيه اللام، ولا تَقَدُّم ولا فرعية، ومَنْ أطلق ذلك جَعَل الآيةِ من باب التضمين، وسيأتي في مكانِه، وقد تقدَّم لك من هذا طرفٌ جيدٌ في تضاعيف هذا التصنيف. الثاني: أن يُضَمَّن ((تَعْبُرون)) معنى ما يتعدَّى باللام، تقديره: إن كنتم تَنْتدِبون لعبارة الرؤيا. الثالث: أن يكونَ ((للرُّؤْي)) هو خبر ((كنتم)) كما تقول: ((كان فلان لهذا الأمر)) إذا كان مستقلًا به متمكّناً منه، وعلى هذا فيكون في ((تعبرُون)) وجهان، (١) الآية ١٠٧ من سورة هود. (٢) تقدم برقم ٤١. (٣) الآية ٧٢ من سورة النمل. ٥٠٤ - يوسف - أحدهما: أنه خبرٌ ثانٍ لـ ((كنتم)) والثاني: أنه حالٌ مِن الضمير المرتفع بالجار لوقوعه خبراً (١). الرابع: أنْ تتعلَّقَ اللامُ بمحذوفٍ على أنها للبيانِ كقوله تعالى: («وكانوا فيه من الزاهدين))(٢) تقديرُه: أعني فيه، وكذلك هذا، تقديرُه: أعني للرؤيا، وعلى هذا فيكون مفعول ((تعبُرون)) محذوفاً تقديرُه: تعْبُرونها. وقرأ(٣) أبو جعفر ((الرُّؤْيا)) وبابَها (الرُّيًّا)) بالإِدغام، وذلك أنه قَلَبَ الهمزةَ واواً لسكونها بعد ضمةٍ فاجتمعت ياءٌ وواو، وسَبَقَتْ إحداهما بالسكون، فَقُلِبَتْ الواوُ ياءً وأُدْغِمَتْ الياءُ في الياء. وهذه القراءةُ عندهم ضعيفةٌ؛ لأنَّ البدلَ غيرُ لازمٍ فكأنه لم تُوْجَدْ واو نظراً إلى الهمزة. وعَبَرْتُ الرؤيا بالتخفيف - قال الزمخشري (٤): ((هو الذي اعتمده الأثباتُ، ورَأَيْتُهم يُنْكرون ((عَبَّرت)) بالتشديد والتعبير والمعبِّر)) قال: ((وقد عَثَرْتُ على بيت أنشده المبرد في كتاب ((الكامل)) لبعض الأعراب(٥): ٢٧٩٦ - رَأَيْتُ رُؤْيا ثم عَبَّرْتُها وكنتُ للأحلامِ عَبَّار! قال: ((وحقيقةُ عبرت الرؤيا: ذكرتَ عاقبتها وآخر أمرها كما تقول: عَبَّرْتُ النهر إذا قطعتَه حتى تبلغَ آخرَ عَرْضه)). آ. (٤٤) قوله تعالى: ﴿أَضْغات): ((أَضْغاث)) خبر مبتدأ مضمر، أي: هي أضغاث، يَعْنُون ما قَصَصْته علينا، والجملةُ منصوبةٌ بالقول. (١) انظر الكشاف: ٣٢٣/٢. (٢) الآية ٢٠ من سورة يوسف. (٣) الإتحاف: ٢٦٥؛ البحر: ٣١٢/٥. (٤) الكشاف: ٣٢٣/٢. (٥) انظر رغبة الكامل من كتاب الكامل: ١٧٢/٤. ٥٠٥ - يوسف - والأضغاث جمع ((ضِغْت)) بكسر الضاد، وهو ما جُمِع من النبات سواء كان جنساً واحداً أو أجناساً مختلطة وهو أصغرُ مِن الحُزْمة وأكبر من القَبْضة، فَمِنْ مجيئه من جنسٍ واحد قوله تعالى: ((وخُذْ بيدك ضِغْئاً))(١) رُوِي في التفسير(٢) أنه أخذ عِثْكالاً مِنْ نخلة. وفي الحديث(٣): أنه أُتي بمريض وَجَبَ علیه خَدِّ فَفُعِل به ذلك. وقال ابن مقبل(٤): ٢٧٩٧- خوْدُ کان فراشها وُضِعَتْ به أضغاثُ رَيْحَانٍ غَدَاةَ شَمَالٍ .[٥١٤/ب] / ومِنْ مجيئه مِنْ أخلاط النبات قولهم في أمثالهم(٥): ((ضِغْتٌ على إِيَّالة))، وقد خَصَّصه الزمخشري(٦) بما جُمِع مِنْ أخلاط النبات، فقال: ((وأصلُ الْأَضْغاث ما جُمِع مِنْ أخلاط النبات، وحِزَم الواحدِ ضِغْتٌ)). وقال الراغب(٧): ((الضِّغْثِ قَبْضَةُ رَيْحانٍ أو حَشيش أو قُضْبان)). قلت: وقد تقدَّم أنه أكثرُ من القَبْضة، واستعمالُ الْأَضْغاث هنا من باب الاستعارة. والإِضافة في ((أَضْغاث أحلام)) إضافةٌ بمعنى ((مِنْ)) إذ التقديرُ: أضغاثٌ من أحلام. والأحْلام جمعٍ حُلُم. والباء في ((بتأويل)) متعلقةٌ بـ ((عالمِينٍ))، وفي (بعالمين)) لا تعلُّقَ لها لأنها زائدةً: إمَّا في خبرِ الحجازيَّة أو التميمية .. (١) الآية ٤٤ من سورة صّ. (٢) وهي رواية عن ابن عباس. البحر: ٤٠١/٧ والعشكال في النخل بمنزلة العنقود من الكرم وهو العِذْق. : (٣) الحديث رواه أحمد: ٢٢٢/٥ حيث أقيم الحدُّ على الرجل لأنه وُجد على أَمَةٍ يَخْبُث بها. وانظر: النهاية: ٠١٨٣/٣ . (٤) المحرر: ٣٠٩/٩؛ البحر: ٣٠٠/٥. والخود: الفتاة الشابة الحسنة الخَلْق. والشمال: الريح الباردة . (٥) مجمع الأمثال: ٤١٩/١، والإِبالة: هنا البليَّة، والأصل فيها حُزمة من الحطب وقد تخفف بائها . (٦) الكشاف: ٣٢٤/٢. (٧) المفردات: ٢٩٧. ٥٠٦ - يوسف - وقولهم ذلك يُحتمل أن يكونَ نفياً للعلم بالرؤيا مطلقاً، وأن يكونَ نفياً للعلم بتأويل الأضغاث منها خاصةً دونَ المنام الصحيح. وقال أبو البقاء(١): ((بتأويل أضغاث الأحلام لا بد من ذلك [لأنهم لم يَدَّعوا الجهلَ بعبارة(٢) الرؤيا)) انتهى. وقوله ((الأحلام)) وإنما كان واحداً، قال الزمخشري(٣) كما تقول: ((فلان يركب الخيل ويلبس عَمائم الخَزِّ، لمَنْ لا يركب إلا فرساً واحداً ولا يتعمَّم إلا بعمامة واحدة](٤) تُزَيُّداً في الوصف))، ويجوز أن يكونَ قَصَّ علیهم مع هذه الرؤيا غيرها. آ. (٤٥) قوله تعالى: ﴿واذَّكَرَ﴾: فيه وجهان، أظهرهما: أنها جملةٌ حاليةٌ: إمَّا مِن الموصول، وإمَّا مِنْ عائده وهو فاعلٍ ((نجا)). والثاني: أنها عطفٌ على ((نجا)) فلا مَحَلَّ لها لسَقِها على ما لا محلّ له. والعامَّةُ على ((ادَّكَرَ)) بدالٍ مهملة مشددة وأصلها: اذْتَكَرَ افتعل مِنْ الذِّكر، فوقعت تاءُ الافتعال بعد الذال فَأَبْدِلت دالاً فاجتمع متقاربان فأُبْدِلَ الأول مِنْ جنس الثاني وأدغم. وقرأ(٥) الحسن البصري بذالٍ معجمة. ووجَّهوها بأنه أبدل التاءَ ذالاً مِنْ جنس الأولى وأدغم، وكذا الحكم في ((مُذَّكِر))(٦) كما سيأتي في سورته إنْ شاء اللَّه تعالى. والعامَّةُ على ((أَمَّة)) بضم الهمزة وتشديد الميم وتاء منونة، وهي المدة الطويلة. وقرأ الأشهب العقيلي (٧) بكسر الهمزة، وفسَّروها بالنعمة، أي: بعد (٢) الإِملاء: تعبير. (١) الإملاء: ٥٤/٢. (٣) الكشاف: ٣٢٤/٢. (٤) ما بين معقوفين لم يظهر في مصورة الأصل، أثبتناه من ش. (٥) الإِتحاف: ٢٦٥؛ البحر: ٣١٤/٥. (٦) الآية ١٥ من سورة القمر. (٧) انظر في قراءاتها: البحر: ٣١٤/٥؛ القرطبي: ٢٠٢/٩؛ الشواذ: ٦٤؛ المحتسب: ٣٤٤/١. ٥٠٧ - يوسف - نعمةٍ أنعم بها عليه وهي خَلاصُه من السجن ونجاتُه من القتل، وأنشد الزمخشري(١) لعديّ(٢) : ٢٧٩٨ - ثم بعد الفَلَاح والمُلْكِ والإِمْـ مَةٍ وارَتَّهُمُ هناك القبو وأنشد غيره(٣): فَتَتْزَكِه الأيامُ وهي كما هيا ٢٧٩٩ - ألا لا أَرَى ذا إمَّةٍ أُصبحَتْ به وقرأ ابن عباس وزيد بن علي وقتادة والضحاك وأبو رجاء ((أَمَهٍ)) بفتح الهمزة وتخفيف الميم وهاء منونة من الْأُمَّهِ، وهو النسيان، يقال: أَمِهَ يَأْمَهُ أمَهاً وأمْهاً بفتح الميم وسكونها، والسكونُ غيرُ مَقيسٍ . وقرأ مجاهد وعكرمة وشُبَيْل بن عَزْرَة(٤): ((بعد أَمْهٍ)) بسكون الميم، وقد تقدَّم أنه مصدرٌ لأَمِه على غير قياس. قال الزمخشري(٥): ((ومَنْ قرأ بسكون الميم فقد خُطِىء)). قال الشيخ(٦): ((وهذا على عادته في نسبته الخطأ إلى القراء)» قلت: لم يَنْسِبْ هو إليهم خطأً؛ وإنما حكى أنَّ بعضَهم خطَّأ هذا القارىء فإنه قال: ((خُطَّىء)) بلفظِ ما لم يُسَمَّ فاعلُه، ولم يقل فقد أخطأ، على أنه إذا صَحَّ أنَّ مَنْ ذكره قرأ بذلك فلا سبيلَ إلى الخطأ إليه البتّةَ. و ((بعد)» منصوب بـ «ادّکر)». قوله: ((أنا أُنَبِّئكم)) هذه الجملةُ هي المحكية بالقول. وقرأ العامَّةُ مِن (١) الكشاف: ٣٢٤/٢. (٢) ديوانه: ٨٩؛ واللسان أمم .. (٣) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر: ٣١٤/٥. (٤) شبيل بن عَزْرَة الضَّبَعي أبو عمر البصري صدوق يَهم، من الخامسة: تقريب التهذيب: ٢٦٤ . (٥) الكشاف: ٣٢٤/٢. (٦) البحر: ٣١٤/٥. ٥٠٨ - يوسف - الإِنباء. والحسن(١) ((أنا آتيكم)) مضارع آتى من الإِتيان، وهو قريبٌ من معنى الأول. آ. (٤٦) والصِّدِّيق بناء مبالغة كالشُّرِّيب. آ. (٤٧) قوله تعالى: ﴿تَزْرَعون﴾: ظاهرُه أن هذا إخبارٌ من يوسف عليه السلام بذلك. وقال الزمخشري(٢): ((تَزْرعون)) خبر في معنى الأمر كقوله(٣): ((تُؤْمنون بالله ورسوله وتجاهدون)) وإنما يخرج الأمر في صورة الخبر للمبالغة في إيجاب المأمورِ(٤) المأمورَ به، فَيُجعل كأنه وُجِد(٥) فهو يُخْبر عنه، والدليل على كونه في معنى الأمر قوله: ((فَذَّرُوه في سُنْبله)). قال الشيخ(٦): ((ولا يدلُّ الأمرُ بتَرْكِه في سنبلِه على أنَّ ((تزرعون)) في معنى ازرعوا، بل تَزْرعون إخبار غيبٍ، وأمَّا ((فَذَرُوه)) فهو أمرُ إشارةٍ بما ينبغي أنْ يَفْعلوه)). قلت: هذا هو الظاهرُ، ولا مَدْخَلَ لأمره لهم بالزِّراعة؛ لأنهم يَزْرعون على عادتهم، أَمَرَهم أولم يأمرهم، وإنما يحتاج إلى الأمر فيما لم يكن من عادة الإِنسان أن يفعلَه كتَرْكِه في سُنْبله. قوله: ((دَأَباً)) قرأ(٧) حفص بفتح الهمزة، والباقون بسكونها، وهما لغتان في مصدر دَأَب يَذْأَبُ، أي: داوَمَ على الشيء ولازَمَه. وهذا كما قالوا: ضَأن وضّأَن، ومَعْز ومَعَز بفتح العين وسكونها. وفي انتصابه أوجهٌ، أحدها وهو قول (١) الإِتحاف: ٢٦٥؛ البحر: ٣١٤/٥؛ القرطبي: ٢٠٢/٩. (٢) الكشاف: ٣٢٥/٢. (٣) الآية ١١ من سورة الصف. (٤) الكشاف: في إيجاب إيجاد المأمور به». (٥) الكشاف: ((يُؤْجَد)). (٦) البحر: ٣١٥/٥. (٧) السبعة: ٣٤٩؛ الحجة: ٣٥٩؛ التيسير: ١٢٩؛ البحر: ٣١٥/٥. ٥٠٩ - يوسف - : سيبويه(١): أنه منصوبٌ بفعل مقدر تقديره تَدْأَبون. والثاني وهو قول أبي العباس: أنه منصوبٌ بتزرعون لأنه من معناه، فهو من باب ((قَعَدْتُ القُرْفُصاء)). وفيه نظر لأنه ليس نوعاً خاصاً به بخلاف القرفصاء مع [٥١٥/أ] القعود. / والثالث: أنه واقعٌ موقع الحال فيكون فيه الأوجه المعروفة: إِمَّا المبالغةُ، وإمَّا وقوعُه موقعَ الصفة، وإمَّا على حذف مضاف، أي: دائبين أو ذوي دأب، أو جَعَلهم نفسَ الدَأَب مبالغة. وقد تقدَّم الكلامُ على ((الدأب)) في آل عمران عند قوله: ((كدَأْب آل فرعون))(٢). قوله: ((فما حَصَدْتُمْ)) ((ما)) يجوز أن تكونَ شرطيةً أو موصولةً. وقرأ(٣) أبو عبد الرحمن ((يأكلون)» بالغَّيْبة، أي: الناس، ويجوز أن يكونَ التفاتاً. آ. (٤٨) وقوله تعالى: ﴿سَبْعٌ شِدادٌ﴾: حُذِف المميِّز وهو الموصوف لدلالة ما تقدَّم عليه. ونَسَبَ الأكلَ إليهنَّ مجازاً كقوله: ((والنهارَ مُبْصِراً)(٤) لِمَّا كان الأكلُ والإِبصارُ فيهما جُعِلا كأنهما واقعان فيهما. آ. (٤٩) قوله تعالى: ﴿يُغاث الناسُ﴾: يجوز أن تكون الألف عن واو، وأن تكون عن ياء: إمَّا مِن الغَوْث وهو الفَرَج، وفعلُه رباعيٍّ يُقال: أغاثنا اللَّه، مِن الغَوْث، وإمَّا مِنِ الغَيْث وهو المطرُ يُقال: ((غِيْئَتِ البلاد)»، أي: مُطِرَتْ، وفعلُه ثلاثي يقال: غاثنا اللَّه مِن الغَيْثِ. وقالت(٥) أعرابية: ((غِنْنا ما شِئْنا)»، أي: مُطِرْنا مَا أَرَدْنا. (١) الكتاب: ١٩١/١ - ١٩٢. (٢) الآية ١١ . (٣) البحر ٣١٥/٥. (٤) الآية ٦٧ من سورة يونس . : (٥) انظر: الخبر في: اللسان (غيث) عن الأصمعي .. ٥١٠ - يوسف - قوله: ((يَعْصِرون)) قرأ(١) الأخوان ((تَعْصِرون)) بالخطاب، والباقون بياء الغيبة، وهما واضحتان، لتقدُّم مخاطبٍ وغائب، فكلُّ قراءةٍ تَرْجِعُ إلى ما يليق به. و((يَعْصِرون)» يحتمل أوجهاً، أظهرُها: أنه مِنْ عَصَرَ العِنْبَ أو الزيتون أو نحو ذلك. والثاني: أنه مِنْ عَصَر الضَّرْعِ إذا حَلَبَه. والثالث: أنه من العُصْرة وهي النجاة، والعَصَر: المَنْجى. وقال أبو زبيد في عثمان رضي اللّه عنه (٢): ٢٨٠٠ - صادِياً يَسْتغيث غيرَ مُغَاثٍ ولقد كان عُصْرَة المَنْجودِ ويَعْضُد هذا الوجهَ مطابقةُ قولِه ((فيه يُغاث الناسُ» يُقال: عَصَرِه يَعْصِرُه، أي: أنجاه. وقرأ(٣) جعفر بن محمد والأعرج: ((يُعْصَرون)) بالياء من تحت، وعيسى البصرة بالتاء من فوق، وهو في كلتا القراءتين مبنيٌّ للمفعول. وفي هاتين القراءتين تأويلان، أحدهما: أنها مِنْ عَصَره إذا أنجاه، قال الزمخشري (٤): ((وهو مطابِقٌ للإِغاثة)). والثاني : - قاله قطرب ـ أنها من الإِعصار، وهو إمطار السحابة الماءَ كقوله: ((وأَنْزَلْنا مِن المُعْصِرات))(٥). قال الزمخشري(٦): ((وقرىء ((يُعْصَرون)): يُمْطَّرون مِنْ أَعْصَرَتِ السَّحابة، وفيه وجهان: إمَّا أن يُضَمِّن أَعْصَرت معنى مُطِرَتْ فَيُعَذَّى تعديتَه، وإمَّا أن يقال: الأصل: أُعْصِرَتْ (١) السبعة: ٣٤٩؛ التيسير: ١٢٩؛ البحر: ٣١٥/٥؛ الحجة: ٣٥٩. (٢) البيت لأبي زبيد في رثاء قريبه وليس كما قال المؤلف، من قصيدة في جمهرة أشعار العرب: ٧٣٣؛ وهو في مجاز القرآن: ٣١٣؛ والقرطبي: ٢٠٥/٩؛ واللسان: عصر. (٣) انظر في قراءاتها: البحر ٣١٦/٥؛ القرطبي: ٢٠٥/٩. (٤) الكشاف: ٣٢٥/٢. (٥) الآية ١٤ من سورة النبأ. (٦) الكشاف: ٣٢٥/٢. ٥١١ - يوسف - عليهم فَحَذَفَ الجارَّ وأوصل الفعلَ [إلى ضميرهم، أو يُسْنَدُ الإِعصارُ إليهم مجازاً فُجُعِلوا مُعْصَرِين)) ](١). وقرأ زيد بن علي: ((تِعِصِّرون)) بكسر التاء والعين والصادِ مشددةً، وأصلها تَعْتصرون فأدغم التاء في الصاد، وأتبع العينَ للصاد، ثم أتبع التاء للعين، وتقدَّم تحريره في ((أمَّن لا يَهِدِّي))(٢). ونقل النقاش قراءةً ((يُعَصِّرون)) بضم الياء وفتح العين وكسر الصادِ مشددةً مِنْ ((عَصَّر)) للمتكثير. وهذه القراءةُ وقراءةُ زيدٍ المتقدمة تحتملان أن يكونا مِن العَصْر للنبات أو الضرع، أو النجاة كقول الآخر(٣): ٢٨٠١- لو بغيرِ الماءِ حَلْقِي شَرِقٌ كنت كالغَصَّانِ بالماءِ اعتصاري · أي : نجاتي . أ. (٥٠) قوله تعالى: ﴿ما بالُ النِّسوةِ﴾: العامَّةُ على كسر نون النسوة، وضَمَّها عاصم في رواية أبي بكرٍ (٤) عنه، وليست بالمشهورة، وكذلك قرأها أبو حيوةٍ. وَقُرِىء(٥) ((اللائي)) وكلاهما جمعٌ لـ ((التي)). : آ. (٥١) والخَطْبُ: الأمر والشأن الذي فيه خطرٌ. قال امرؤ القيس(٦): بِمُدْرِكِ أَطْرافِ الخُطِوبِ ولا آلِ ٢٨٠٢- وما المرءُ ما دامَتْ حُشاشَةُ نفسِه (١) ما بين معقوفين لم يَرِد في ((الكشاف)). (٢) الآية ٣٥ من سورة يونس. (٣) البيت لعدي بن زيد وهو في ديوانه: ٩٣؛ والكتاب: ٤٦٢/١؛ والخزانة: ٥٩٤/٣؛ والجمع: ٦٦/٢؛ والدرر: ٨١/٢. (٤) البحر: ٠٣١٧/٥ : (٥) لم أقف على هذه القراءة، وفي البحر: ٣١٧/٥؛ والمحرر: ٣١٧/٩: بالياء ((اللايٍ)). (٦) تقدم برقم ١٣٩٨. ٥١٢ - - يوسف - وهو في الأصلِ مصدرُ خَطَب يَخْطُبُ، وإنما يُخْطب في الأمور العظام. قوله: ((إذ راوَدْتُنَّ)) هذا الظرفُ منصوبٌ بقوله ((خَطْبُكُنَّ)) لأنه في معنى الفعل؛ إذ المعنى: ما فعلتنَّ وما أَرَدْتُنَّ به في ذلك الوقتِ؟ قوله: ((الآن حَصْحَصَ)) ((الآن)) منصوبٌ بما بعدَه، وحَصْحَصَ معناه تَبَّيِّنَ وظهر بعدَ خَفَاءٍ، قاله الخليل. قال بعضهم: هو مأخوذٌ مِن الحِصَّة والمعنى: بأنَتْ حِصَّةُ الحَقِّ مِنْ حِصَّةِ الباطل كما تتميّز حِصَصُ الأراضي وغيرِها. وقيل: بمعنى ثبت واستقرّ. وقال الراغب(١): ((حَصْحَصَ الحقُّ، وذلك بانكشافِ ما يَغْمُرُه(٢)، وحَصَّ وحَصْحَصَ نحو: كَفَّ وَكَفْكَفَ وَكَبَّ وكَبْكَبَ، وحَصَّه: قَطَعه: إمَّا بالمباشرة وإمَّا بالحكم، فمِنَ الأول قولُ / الشاعر(٣): [٥١٥/ب] ٢٨٠٣- قد حَصَّتِ البيضةرأسي . ومنه رَجُلٌ أَحْصُّ: انقطع بعضُ شَعْرِهِ، وامرأة حَصَّاءُ، والحِصَّة: القطعةُ من الجملة ويُسْتعمل استعمالَ النصيب. وقيل: هو مِنْ ((حَصْحَصَ البعير)) إذا أَلْقَى ثَفِناتِه للإِناخِةِ، قال الشاعر (٤): (١) المفردات: ١٢٠. (٢) في المطبوعة: ما يُقْهره. (٣) البيت لأبي قيس بن الأسلت وتمامه: قد خَصَّت البيضة رأسي فما أذوق نوماً غيرَ تَهْجَاعِ وهو في المفردات: ١٢٠؛ واللسان: خصص. (٤) البيت لحميد بن ثور، وهو في ديوانه: ١٩؛ واللسان والصحاح حصص. ورواية الديوان : وأثَّر في صُمِّ الصَّفا ثَفِناتِه ورامٍ بـ لَّمَّا أَمْرَه ثم صَمَّما والثفنات: ما يقع على الأرض من البعير إذا استناخ ورام بلمًا: أراد ألا يقوم. ٥١٣ - يوسف - ٢٨٠٤ - فَحَصْحَصَ فِي صُمِّ الصَّفَا ثَفِناتِهِ. وناءَ بسَلْمَى نَوُءَةً ثم صَمَّما آ. (٥٢) قوله تعالى: ﴿ذلك﴾: خبر مبتدأ مضمر، أي: الأمر ذلك. و ((ليعلم) متعلقٌ بمضمرٍ، أي: أظهر اللَّه ذلك ليعلم، أو مبتدأ وخبره محذوفٌ، أي: ذلك الذي صَرَّحْتُ به عن براءته أمرٌ من اللَّه لا بدَّ منِه، و (لِيَعْلَمَ)) متعلقٌ بذلكِ الخبرِ، أو يكون ((ذلك)) مفعولاً لفعلٍ مقدر يتعلَّقُ به هذا الجارُّ أيضاً، أي: فَعَلَ اللَّه ذلك، أو فَعَلْتُه أنا بتيسير اللَّه ليعلمَ. قوله: ((بالغيب)) يجوز أن تكونَ الباءُ ظرفيةٌ. قال الزمخشري(١): ((أي: بمكان الغَيْب وهو الخَفَاءُ والاستتار وراءَ الأبوابِ السبعة المُغَلَّقة)). ويجوز أن تكون الباء للحال: إمَّا مِنَ الفاعل على معنى: وأنا غائب عنه خفيٌّ عن عينه، وإمَّا من المفعول على معنى: وهو غائب عني خفيٌّ عن عيني، وهذا مِنْ كلامٍ يوسُفَ، وبه بدأ الزمخشري(٢) كالمختار له. وقال غيرُه: إنه مِنْ كلامِ امرأة العزيز وهو الظاهر. وقوله: ((وأنَّ اللَّه)) نَسَقُ على ((أَني)) أي لِيَعْلَمْ الأمرین . آ. (٥٣) قوله تعالى: ﴿إلا ما رَحِمَ﴾: فيه أوجه، أجدُها: أنه مستثنى من الضمير المستكنُّ في ((أمَّارَةً)) كأنه قيل: إن النفس لأمَّارة بالسوء إلا نَفْساً رحمها ربِّي، فيكون أراد بالنفس الجنس، فلذلك ساغ الاستثناء منها كقوله تعالى: ((إنَّ الإِنسانَ لفي خُسْر إلا الذين آمنوا))(٣)، وإلى هذا نِحا الزمخشري (٤) فإنه قال: ((إلا البعضَ الذي رحمه ربي بالعِصْمة كالملائكة)) وفيه نظرٌ مِنْ حيث إيفاعُ ((مَا)) على مَنْ يَعْقِلُ والمشهورُ خِلافُه. (١) الكشاف: ٣٢٧/٢. (٢) الكشاف: ٣٢٧/٢. (٣) الآية ٢ - ٣ من سورة العصر. (٤) الكشاف: ٣٢٧/٢. ٥١٤ - يوسف - والثاني: أنَّ ((ما)) في معنى الزمان فيكون مستثنى من الزمن العام المقدَّر، والمعنى: إنَّ النفس لأمَّارَةً بالسوء في كلِّ وقتٍ وأوانٍ إلا وقتَ رحمةٍ ربي إياها بالعِصْمة. ونظّره أبو البقاء(١) بقوله تعالى(٢) ((ودِيَّةٌ مُسَلَّمَةٌ إلى أهله، إلا أن يَصَّدَّقُوا)). وقد تقدَّم أن الجمهورَ لا يُجيزون أن تكون «أنْ)) واقعةً موقعَ ظرفٍ الزمان. والثالث: أنه مستثنى من مفعول ((أمَّارة)»، أي: لأمَّارةٌ صاحبَها بالسوءِ إلا الذي رَحِمه الله. وفيه إيقاعُ ((ما)) على العاقل. والرابع: أنه استثناءٌ منقطعُ. قال ابن عطية (٣): ((وهو قولُ الجمهور)). وقال الزمخشري(٤): ((ويجوز أن يكونَ استثناءً منقطعاً، أي: ولكنْ رحمةٌ ربي هي التي تَصْرِف الإساءةَ كقوله: ((ولا هم يُنْقَذُون إلا رحمةً منا»(٥). آ. (٥٤) قوله تعالى: ﴿فلمَّا كَلَّمه﴾: يجوز أن يكونَ الفاعلُ ضميرٌ المَلِك، والمفعول ضميرَ يوسف عليه السلام وهو الظاهر، ويجوز العكس. آ. (٥٦) قوله تعالى: ﴿لَيُوسُفُ﴾: يجوز في هذه اللامِ أنْ تكونَ متعلقةً بـ (مَكَّنَّا)) على أن يكون مفعولُ ((مَكّنَّا)) محذوفاً تقديره: مَكَّنَّا لِيوسفَ الأمورَ، أو على أن يكونَ المفعولُ به ((حيث)) كما سيأتي. ويجوز أن تكونَ زائدةٌ عند مَنْ يرى ذلك، وقد تقدم أنَّ الجمهورَ يَأْبَوْن ذلك إلا في موضعین(٦). (١) الإملاء: ٥٤/٢. (٢) الآية ٩٢ من سورة النساء، وقوله: ((ودية)) ورد في الأصل بالفاء وهو سهو. (٣) المحرر: ٣٢١/٩. (٤) الكشاف: ٣٢٧/٢. (٥) الآية ٢٣ من سورة يس. (٦) إذا كان العامل فرعاً نحو: «فعَّال لما يريد)» أو متأخراً نحو: لربهم يرهبون». ٥١٥ - يوسف - قوله: (يَتَبَوَّأ)) جملةٌ حاليةٌ من ((يوسف)). و((منها)) يجوز أنْ تتعلَّق بـ ((يَتَبَوَّ)). وأجاز (١) أبو البقاء أَنْ تتعلَّقَ بمحذوفٍ على أنها حالٌ مِنْ ((حيث))(٢). و ((حيث)) يجوزُ أن يكونَ ظرفاً لـ ((يَتْبَوَّا))، ويجوز أنْ يكونَ مفعولاً به وقد تقدَّم تحقيقُه في الأنعام. وقرأ(٣) ابن كثير ((نَشَاء))(٤) بالنون على أنها نونُ العظمةِ للَّه تعالى. وجَوَّز. أبو البقاء (٥) أن يكونَ الفاعلُ ضميرَ يوسف قال: ((لأنَّ مشيئته مِنْ مشيئة اللَّه)). وفيه نظرٌ لأنَّ نَظْمِ الكلامِ يَأْباه. والباقون بالياء على أنه ضمير يوسف. ولا خلاف في قوله «نُصيب برحمتنا مَنْ نشاء)) أنها بالنون. وجَوَّز الشيخ(٦) أن يكونَ الفاعلُ في قراءة الياء ضميرَ اللَّهِ تعالى، ويكون التفاتاً. آ. (٥٩) قوله تعالى: ﴿بجهازِهم﴾: العامَّةُ على فتح الجيم، وقُریء(٧) بکسرها، وهما لغتان فیما يحتاجه الإِنسانُ مِنْ زاد ومتاع ومنه «جهاز العروس» و «جهاز البيت)). وقوله: ((بأخٍ لكم)) ولم يَقُلْ بأخيكم بالإِضافة؛ مبالغةً في عَدَمِ تَعُّفِه بهم؛ ولذلك فَرَّقوا بين «مررت بغلامك)) و ((بغلامٍ لك)» فإنَّ الأولَ يَقْتضي عِرْفانك بالغلام، وأن بينك وبين مخاطِبك نوعَ عَهْدٍ، والثاني لا يَقْتَضي ذلك، (١) قوله: ((وأجاز)) محروم في الأصل. (٢) في مطبوعة أبي البقاء: ٥٥/٢ خلاف ذلك، قال: ((ولا يجوز أن يكون حالاً من ((حيث)) لأن حيث لا تتم إلا بالمضاف إليه، وتقديم الحال على المضاف إليه لا يجوز». (٣) انظر إعرابه للآية: ١٢٤. (٤) السبعة: ٣٤٩؛ الحجة: ٣٦٠؛ التيسير: ١٢٩؛ البحر: ٣٢٠/٥. (٥) الإملاء: ٥٥/٢. (٦) البحر: ٣٢٠/٥. (٧) البحر: ٣٢١/٥؛ ونسبها في الشواذ: ٦٤ إلى يحيى بن يعمر. ٥١٦ - يوسف - وقد تُخْبر عن المعرفة إخبارَ النكرة فتقول: ((قال رجل كذا)) وأنت تعرفه لصِدْق إطلاقِ النكرةِ على المعرفة. آ. (٦٠) قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُون﴾: يُحْتمل أنْ تكونَ ((لا)) ناهيةً فيكونَ ((تَقْربون)) مجزوماً، ويُحْتمل أن تكونَ ((لا)) نافيةً وفيه وجهان، أحدهما: أن يكونَ داخلاً في حَيِّز الجزاء معطوفاً عليه، فيكونَ أيضاً مجزوماً على ما تقدم. والثاني: أنه نفيّ مستقلَّ غيرُ معطوف على جزاءِ الشرط، وهو خبر في معنى النهي كقوله: ((فلا رَفَثَ))(١). / [٥١٦/أ] آ. (٦٢) قوله تعالى: ﴿لفِتْيانه﴾: قرأ(٢) الأخوان وحفص: ((لفتیانه)»، والباقون: ((لِفِتْيَتِه))، والفِتْيان جمع كثرة، والفِنْية جمعُ قلَّة، فالتكثير بالنسبة إلى المأمورين، والقلَّة بالنسبة إلى المتناولين. و((فتى)) يُجْمع على فِتْيان وفِْيَة وقد تقدَّم: هل فِعْلَة في الجموع اسمُ جمعٍ أو جمعُ تكسير، ومثله ((أخ)) فإنه جُمِع على إِخْوَة وإخوان. و ((يَرْجِعون)» يحتمل أن يكونَ متعدِّياً وحُذِف مفعوله، أي: يَرْجعون البضاعةَ لأنه عَرَف من دينهم ذلك، وأن يكونَ قاصراً بمعنى يرجعون إلينا. آ. (٦٣) وقرأ(٣) الأخوان ((يَكْتَلْ)) بالياء من تحت، أي: يكتل أخونا، والباقون بالنون، أي: نكتل نحن، وهو مجزومٌ على جواب الأمر. ويُحكى أنه جَرَىُ بحضرةِ المتوكلِ أو وزيرِهِ ابنِ الزياتِ بين المازني وابن السكيت مسألةٌ: وهي ما وزنُ ((نَكْتَلْ))؟ فقال يعقوب: نَفْتَل، فَسَخِر به (١) الآية ١٩٧ من سورة البقرة. (٢) السبعة: ٣٤٩؛ التيسير: ١٢٩؛ الحجة: ٣٦١؛ البحر: ٣٢٢/٥؛ القرطبي: ٠٢٢٢/٩ (٣) السبعة: ٣٥٠؛ التيسير: ١٢٩؛ الحجة: ٣٦١؛ البحر: ٣٢٢/٥. ٥١٧ - يوسف - المازني وقال: إنما وزنُها نَفْتَعِل، هكذا رأيتُ في بعض الكتب، وهذا ليس بخطأ؛ لأنَّ التصريفيين نَصُّوا على أنه إذا كان في الكلمة حَذْفٌ(١) أو قَلْبٌ ◌ُذِفَتْ في الزِّنَة وقُلِبَتْ فنقول: وزن بِعْتُ وقُمْتُ: فِعْتُ وفُعْتُ، ووزنُ عِد: عِل، ووزنُ ناءَ: فَلَعَ (٢)، وإن شِئْتَ أَتَيْتَ بالأصل، فعلى هذا لا خطأً في: قوله: وزن نَكْتَلْ نَفْتَلْ، لأنه اعتُبر اللفظُ لا الأصلُ. ورأيت في بعض الكتب: أنه قال: نَفْعَل بالعين وهذا خطأ مَحْضٌ، على أن الظاهر من أمرٍ (٣) يعقوب أنه لم يُتْقِنْ هذا، ولو أَثْقَنَه لقال: وزنُه على الأصل كذا، وعلى اللفظ كذا، ولذلك: أَنْحَى عليه المازني فلم يَرُدَّ عليه بشيءٍ(٤). أ. (٦٤) قوله تعالى: ﴿إلا كما أَمِنْتْكم﴾: منصوبٌ على نعتِ مصدرٍ محذوف أو على الحال منه، أي: ائتماناً كائتماني لكم على أخيه، شبَّه ائتمانَه لهم على هذا بائتمانِه على ذلك. و((من قبلُ)) متعلق بـ ((أمِنْتُكم)). قوله: ((فاللَّهُ خيرٌ حافظاً) قرأ(٥) الأخوان وحفص ((حافظاً)) وفيه وجهان، أظهرهما: أنه تمييز، قال أبو البقاء(٦): ((ومثل هذا يجوز إضافته)). قلت: قد قرأ بذلك الأعمش(٧): ((فاللَّه خيرُ حافظٍ))، واللَّه تعالى متَّصِفٌ بأنَّ حِفْظَه يزيد على حِفْظِ غيرِه كقولك: هو أفضل عالم. والثاني: أنه حال، ذكر ذلك الزمخشري(٨) وأبو البقاء(٩) وغيرُهما. قال الشيخ (١٠) - وقد نقله عن (١) قوله: ((حذف)) محروم في الأصل. (٢) لأن الأصل قبل القلب المكاني نَأَى. (٣) قوله: (من أمر)) نخروم في الأصل. (٤) قوله: ((عليه بشيء)) محروم في الأصل. (٥) السبعة ٣٥٠؛ التيسير ١٢٩؛ الحجة ٣٦٢؛ البحر: ٣٢٢/٥. (٦) الإملاء: ٥٥/٢. (٧) الإِتحاف ٢٦٦؛ البحر: ٣٢٣/٥. (٨) الكشاف: ٣٣١/٢. (٩) الإملاء: ٥٥/٢. (١٠) البحر: ٣٢٢/٥ - ٣٢٣. ٥١٨ - يوسف - الزمخشري وحده -: ((وليس بجيد؛ لأنَّ فيه تقييدَ ((خير)) بهذه الحال)). قلت: ولا محذورَ فإن هذه الحالَ لازمةٌ لأنها مؤكدةً لا مبيَِّة، وليس هذا بأولِ حالٍ وَرَدَتْ لازمٌ. وقرأ الباقون ((حِفْظً))، ولم يُجيزوا فيها غير التمييز؛ لأنهم لو جعلوها حالاً لكانت مِنْ صفةِ ما يَصْدُق عليه ((خير))، ولا يَصْدُق ذلك على ما يَصْدُق عليه ((خير))؛ لأن الحِفْظ معنى من المعاني، ومَنْ يَتََّوَّلْ ((زيدٌ عَدْلٌ)) على المبالغة، أو على حذف المضاف، أو على وقوعِ المصدرِ موقعَ الوصفِ يُجِزْ في ((حِفْظً) أيضاً الحالية بالتأويلات المذكورة، وفيه تَعَسُّف. آ. (٦٥) قوله تعالى: ﴿رُدَّتْ إليهم): قرأ(١) علقمة ويحيى والأعمش ((رِدَّتْ)) بكسر الراء على نَقْلِ حركةِ الدالِ المدغمة إلى الراء بعد تَوَهُّم خُلُوِّها مِنْ حركتها، وهي لغةُ بني ضَبَّة، على أن قطرباً حكى عن العرب نَقْلَ حركةِ العين إلى الفاء في الصحيح فيقولون: ((ضِرْب زيدٌ)) بمعنى ضُرِب زيد، وقد تقدَّم ذلك في قوله: ((ولو رُقُوا لَعادوا))(٢) في الأنعام. قوله: ((ما نبغي)) في ((ما)» هذه وجهان، أظهرهما: أنها استفهاميةٌ فهي مفعولٌ مقدمٌ واجبُ التقديم؛ لأن لها صدرَ الكلام، أي: أيَّ شيءٍ نبغي . والثاني: أَنْ تكونَ نافيةً ولها معنيان، أحدهما: ما بقي لنا ما نطلب، قاله الزجاج. والثاني: ما نبغي، من البغي، أي: ما افْتَرَيْنا ولا كَذَبْنا على هذا المَلِكِ في إكرامه وإحسانه. قال الزمخشري (٣): ((ما نبغي في القول وما نتزيَّد فيما وَصَفْنا لك من إِحسان المَلِك)». (١) الإِتحاف ٢٦٦؛ البحر: ٣٢٣/٥؛ المحتسب: ٣٤٥/١. (٢) الآية ٢٨ . (٣) الكشاف: ٣٣١/٢. ٥١٩ - يوسف - وَأَثْبَتَ القرَّاءُ هذه الياءَ في ((نبغي)) وَصْلاً ووقفاً ولم يَجْعلوها من الزوائد بخلاف التي في الكهف كما سيأتي: ((قال: ذلك ما كنَّا نَبْغي))(١). والفرق أنَّ ((ما)) هناك موصولةٌ فَحُذِفَ عائدُها، والحذفُ يُؤْنِسُ بالحذف، وهذه عبارةٌ مستفيضة عند أهل هذه الصناعةِ يقولون: التغيير يُؤْنس بالتغيير بخلافها هنا فإنها: إِمَّا استفهاميةٌ، وإمَّا نافيةٌ، ولا حَذْفَ على القولين حتى يُؤْنَسَ بالحذف. وقرأ(٢) عبد اللَّه وأبو حيوة ورَوَتْها عائشة عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم ((ما تبغي)» بالخطاب. و((ما)) تحتمل الوجهين أيضاً في هذه القراءة. والجملةُ مِنْ قوله: ((هذه بضاعتنا)) تحتمل أنْ تكونَ مفسِّرةً لقولهم ((ما نبغي))، وأن تكونَ مستأنفةً. قوله: ((ونَميرُ)) معطوفُ على الجملة الاسمية قبلها، وإذا كانت ((ما)) نافيةً جاز أن تُعْطَفَ على ((نَبْغِي))، فيكونَ عَطْفَ جملةٍ فعلية على مثلها. وقرأت(٣) عائشة وأبو عبدالرحمن: ((ونُمير)) مِنْ ((أماره)) إذا جَعَلَ له المِيرة يُقال: ماره يَميره، وأماره يُمِيْرِه. والمِيرة: جَلْبُ الخير قال(٤): ٢٨٠٥ - بَعَثْتُكَ مائِراً فمكَثْت حَوْلاً متى يأتي غِيَاتُكَ مَنْ تُغِيْثُ والبعيرُ لغةً يقع على الذَّكَر خاصةً، وأطلقه بعضُهم على الناقة أيضاً، وجعله نظيرَ ((إنسان))، ويجوز كَسْرُ بائه إتباعاً لعينه، ويُجمع في القلة على أَبْعِرَة، وفي الكثرة على بُعْران. (١) الآية ٦٤ من سورة الكهف وانظر في تفصيل قراءتها وصلًا ووقفاً: السبعة ٣٩١، ٤٠٣؛ البحر: ١٤٧/٦. (٢) البحر: ٣٢٤/٥. (٣) البحر: ٣٢٤/٥. (٤) لم أهتد إلى قائله وهو: في القرطبي: ٢٢٤/٩؛ والبحر: ٣١٤/٥؛ والمحرر: ٣٣٤/٩. ٥٢٠