النص المفهرس

صفحات 481-500

- يوسف -
قوله: ((حاشَ للَّه)) ((حاشى)) عَذَّها النحويون من الأدوات المترددةِ بين
الحرفية والفعلية فإنْ جَرَّتْ فهي حرفٌ، وإنْ نَصَبَتْ فهي فعلٌ، وهي من
أدواتِ الاستثناء ولم يَعْرف سيبويه(١) فعليَّتها وعَرَفَها غيرُه، وحَكُوا عن العرب
((غَفَرِ اللَّه لي ولِمِنْ سمع دعائي حاشى الشيطانَ وابنَ الأصبغ))(٢) بالنصب،
وأنشدوا (٣):
٢٧٨٠ - حَشَىْ رَهْطَ النبيِّ فإنَّ منهمْ بُحوراً لا تكذِّرُها الدِّلاءُ
بنصب ((َرَهْط)). و((حَشَى)) لغةٌ في حاشى كما سيأتي. وقال
الزمخشري(٤): ((حاشَى كلمةٌ تفيد التنزيه في باب الاستثناء تقول: أساءَ القومُ
حاشی زیدٍ قال(٥):
٢٧٨١ - حاشى أبي ثوبانَ إنَّ بهِ ضِنَّاً عنِ المُلْحاة والثّْم
وهي حرفٌ من حروف الجر فُوُضِعَتْ موضعَ التنزيه والبراءة، فمعنى
حاشَى اللَّهِ: براءة اللَّهِ وتنزيه الله، وهي قراءة(٦) ابن مسعود)). قال الشيخ (٧):
((وما ذكر أنها تفيد التنزيه في باب الاستثناء غير معروف عند النحويين، لا فرقَ
بين قولك: ((قام القومُ إلا زيداً) و((قام القوم حاشى زيدٍ))، ولَمًّا مَثَّل بقوله:
(١) الكتاب: ٣٧٧/١ قال: ((وأما حاشا فليس باسم ولكنه حرف يجر ما بعده)).
(٢) ابن يعيش: ٨٥/٢.
(٣) لم أهتد إلى قائله وهو في اللسان ((حشا)) والمقرب: ١٧٢/١؛ ورصف المباني ١٧٩.
(٤) الكشاف: ٣١٧/٢.
(٥) البيت ملفق من بيتين - كما سيذكر المؤلف - من قصيدة للجُمْيْح الأسدي في المفضليات
٣٦٧؛ والأصمعيات ٢١٨؛ والمحتسب: ٣٤١/١؛ وابن يعيش: ٨٤/٢.
(٦) انظر في قراءات: ((حاش لله)): السبعة ٣٤٨؛ التيسير ١٢٨؛ الإتحاف ٢٦٤؛ البحر:
٣٠٣/٥؛ الشواذ ٦٣؛ الحجة ٣٥٩؛ الكشاف: ٣١٧/٢.
(٧) البحر: ٣٠٠/٥.
٤٨١

- يوسف -
((أساء القومُ حاشى زيدٍ)) وفَهِم هو من هذا التمثيلِ براءةً زيدٍ من الإِساءة جعل
ذلك مستفاداً منها في كل موضعٍ ، وأمَّا ما أنشده مِنْ قوله: حاشا أبي ثوبان،
فهكذا ينشده ابن عطية(١) وأكثرُ النحاة، وهو بيتٌ ركَّبوا فيه صدرَ بيتٍ على
[٥١١/أ] عجز آخَرَ وَهْماً من بيتين، وهما (٢): /
ثَوْيانَ ليس بِيُكْمَةٍ قَدْمِ
٢٧٨٢ - حاشى أبي ثَوْبان إنَّ أبا
ضِنَّأً عن المَلْحاةِ والشّمِ
عمِرَو بن عبدِ اللَّه إِنَّ به
قلت: قوله ((إنَّ المعنى الذي ذكره الزمخشري لا يعرفه النحاة لم ينكروه
وإنما لم يذكروه في كتبهم؛ لأنهم غالبُ فنهم في صناعة الألفاظ دون
المعاني، ولمَّا ذكروا مع أدواتِ الاستثناء ((ليس)) و((لا يكون)) و((غير))
لم يذكروا معانيَها، إذْ مرادُهم مساواتُها لـ ((إلا)» في الإِخراج وذلك لا يمنعُ من
زيادة معنى في تلك الأدوات.
وزعم المبرد(٣) وغيره كابن عطية (٤) أنها تتعيَّنُ فعليّتُها إذا وقع بعدها
حرفُ جر كالآية الكريمة، قالوا لأن حرفَ الجرِّ لا يدخل على مثله إلا تأكيداً
كقوله(٥) :
ولا لِلِما بهم أبداً دواءٌ
٢٧٨٣-
(١) المحرر: ٢٩٢/٩.
(٢) وعلى هذا روايتا المفضليات والأصمعيات المشار إليهما في الحاشية السابقة. والبكمة:
الأبكم. والفَدْم: الثقيل في كلامه مع قلة الفهم. والملحاة: مِنْ لَخَوْتُ ولَحَيْتُ إذا
ألححت عليه باللائمة .
(٣) المقتضب: ٣٩١/٤.
(٤) المحرر: ٢٩١/٩.
(٥) تقدم برقم ١٣٨٣.
٤٨٢
٠٫٠٠٠

- يوسف -
وقول الآخر(١):
٢٧٨٤ - فأصْبَحْنَ لا يَسْأَلْنني عن بما به
فتعيَّن أن تكونَ فعلاً، فاعلُه ضمير يوسف أي: حاشى يوسف، و ((للَّه))
جارٌّ ومجرورٌ متعلقٌ بالفعل قبله، واللامُ تفيد العلةَ أي: حاشى يوسفَ أن
يقارِفَ ما رَمَتْه به لطاعة اللَّه ولمكانه منه أو لترفيع اللَّه أن يُرمَى بما رَمَتْه به،
أي: جانَبَ المعصيةَ لأجل اللَّه.
وأجاب الناسُ عن ذلك بأنَّ حاشى في الآية الكريمة ليست حرفاً
ولا فعلاً، وإنما هي اسمُ مصدرٍ بدلٌ من اللفظة بفعله كأنه قيل: تنزيهاً للَّه
وبراءةً له، وإنما لم يُنَوَّنْ مراعاةً لأصله الذي نُقِل منه وهو الحرف، ألا تراهم
قالوا: مِنْ عن يمينه فجعلوا ((عن)) اسماً ولم يُعْربوه، وقالوا ((مِنْ عليه))
فلم يُثْبتوا ألفه مع المضمر، بل أَبْقَوا ((عن)) على بنائه، وقلبوا ألف ((على)) مع
المضمر، مراعاةٌ لأصلها، كذا أجاب الزمخشري(٢)، وتابعه الشيخ (٣) ولم يَعْزُ
له الجواب. وفيه نظر.
أمَّا قوله: ((مراعاة لأصله)) فيقتضي أنه نُقِل من الحرفية إلى الاسمية،
وليس ذلك إلا في جانب الأعلام، يعني أنهم يُسَمُّون الشخصَ بالحرف،
ولهم في ذلك مذهبان: الإِعرابُ والحكاية، أمَّا أنَّهم ينقلون الحرف إلى
الاسم، أي: يجعلونه اسماً فهذا غيرُ معروفٍ. وأمَّا استشهادُه بـ ((عن))
و ((على)) فلا يفيده ذلك؛ لأنَّ ((عن)) حالَ كونِها اسماً إنما بُنيت لشبهها
بالحرفِ في الوضع على حرفين لا أنها باقيةٌ على بنائها. وأمَّا قَلْبُ ألفِ
(١) تقدم برقم ٩١٦.
(٢) الكشاف: ٣١٧/٢.
(٣) البحر: ٣٠٤/٥.
٤٨٣

- يوسف -
((على)) مع الضمير فلا دلالة فيه لأنَّا عَهدنا ذلك فيما هو ثابتُ الاسمية بالاتفاق
كـ «لدی)».
والْأَوْلى أن يقال: الذي يظهر في الجواب عن قراءة العامة أنها اسمٌ
منصوبٌ كما تقدَّم تقريره، ويدلُّ عليه قراءة(١) أبي السمَّال ((حاشاً للَّه))
منصوباً، ولكنهم أَبْدلوا التنوين ألفاً كما يبدلونه في الوقف، ثم إنهم أَجْروا
الوصل مجرى الوقف كما فعلوا ذلك في مواضعَ كثيرةٍ تقدَّم منها جملةٌ وسَيُمر
بك مثلها .
وقيل في الجواب عن ذلك: بل بُنيت ((حاشا)) في حال اسميتها لشبهها
بـ ((حاشا)) في حال حرِفَيَّتها لفظاً ومعنى، كما بُنِيَتْ ((عن)) و ((على)) لما ذكرنا.
وقال بعضُهم: إنَّ اللامَ زائدةٌ. وهذا ضعيفٌ جداً بابُه الشعرُ. واسْتَدَلَّ
المبرد وأتباعُه على فعليتها بمجيء المضارعِ منها. قال النابغة الذبياني(٢).
ولا أُحاشي من الأقوامِ مِنْ أَحَدِ
٢٧٨٥ - ولا أَرى فاعِلاً في الناسِ يُشْبِهُهُ
قالوا: وتَصَرُّفُ الكلمةِ من الماضي إلى المستقبل دليلُ فعلِيَّتِها
لا محالةَ .
وقد أجاب الجمهور عن ذلك: بأنَّ ذلك مأخوذٌ من لفظِ الحرفِ كما
قالوا: ((سَوَّفْتُ بزيد)) و((لَوْلَيْت له))، أي: قلت له: سوف أفعلُ. وقلت له:
لو كان ولو كان، وهذا من ذلك، وهو محتمل.
ومَمَّن رَجَّح جانبَ الفعلية أبو علي الفارسي (٣) قال: ((لا تَخْلو ((حاش))
(١) البحر: ٣٠٣/٥.
(٢) ديوانه ١٣، ابن يعيش: ٨٥/٢؛ الإنصاف ٢٧٨؛ الخزانة: ٤٤/٢؛ الجمع:
٢٣٣/١؛ الدرر: ١٩٨/١.
(٣) الحجة (خ): ٢٦٨/٣.
٤٨٤

- يوسف -
في قوله: ((حاش لله)) من أن تكونَ الحرفَ الجارَّ في الاستثناء، أو تكون فعلاً
على فاعل، ولا يجوز أن تكونَ الحرفَ الجارّ لأنه لا يدخل على مثله، ولأن
الحروفَ لا يُحْذَفُ منها إذا لم يكن فيها تضعيف، فثبت أنه فاعل مِن الحشا
الذي يُراد به الناحية، والمعنى: أنه صار في حَشَاً، أي في ناحية، وفاعل
((حاش)) ((يوسف)) والتقدير: بَعُدَ من هذا الأمرِ للَّه، أي: لخوفِه)).
قوله: ((حرفُ الجر لا يدخل على مثله)) مُسَلَّم، ولكن ليس هو هنا حرفَ
جر كما تقدَّم تقريرُه. وقوله: ((لا يُحْذف من الحرفِ إلا إذا كان مضعفاً)
ممنوع، ويدلُّ له قولهم (مُنْ)) في ((منذ)) إذا جُرَّ بها، فحذفوا عينها
ولا تضعيفَ. قالوا: ويدلُّ على أنَّ أصلها ((منذ)) بالنون تصغيرُها على ((مُنَيْذَ))
وهذا مقرَّر في بابه.
وقرأ أبو عمرو وحده ((حاشى)) بألفين: ألفٍ بعد الحاء، وألف بعد الشين
في كلمتي هذه السورة(١) وصلاً، وبحذفها وقفاً إتباعاً للرسم كما سنِّه عليه.
والباقون بحذف الألفِ الأخيرةِ وصلاً ووقفاً.
فأمَّا قراءةُ أبي عمروٍ فإنه جاء فيها بالكلمة على أصلها. وأمَّا الباقون
فإنهم اتَّبعوا في ذلك الرسمَ ولمَّا طال اللفظ حَسُن تخفيفُه بالحذف ولا سيما
على قول مَنْ يَدَّعي فعلَيَّتَها، كالفارسي. قال الفارسي(٢): ((وأمَّا حذفُ الألف
فعلى ((لم يَكُ)) و((لا أَدْرِ» و«أصاب الناسَ جُهْدٌ، وَلَوْ تَرَ أهلَ مكة))،
و [قوله](٣):
٢٧٨٦ - وصَّانيَ العجَّاجُ فيما وَصَّني /
[٥١١/ب]
(١) الآية الثانية هي الآية ٥١.
(٢) الحجة (خ): ٢٦٨/٣.
(٣) البيت لرؤية وهو في ملحقات ديوانه ١٨٧؛ والحجة (خ): ٢٧٠/٣؛ والخصائص:
٩٣/٢.
٤٨٥

- يوسف -
في شعر رؤبة، يريد: لم يكن، ولا أدري، ولو ترى، ووصَّاني. وقال
أبو عبيد: «رأيتُها في الذي يقال: إنه الإِمام مصحف عثمان رضي الله عنه:
((حاش لله)) بغير ألف، والأخرى(١) مثلُها)). وحكى الكسائي أنها رآها في
مصحف عبداللَّه كذلك، قالوا: فعلى ما قال أبو عبيد والكسائي تُرَجَّح هذه
القراءةُ، ولأنَّ عليها ستةً من السبعة، ونقل الفراء(٢) أن الإِتمامَ لغةٌ بعض
العرب، والحذفُ لغة أهل الحجاز قال: ((ومِن العرب من يقول: ((حَشَى زيد)»:
أراد حشى لزيد)). فقد نقل الفراءُ أن اللغاتِ الثلاثَ مسموعةٌ، ولكنَّ لغةً:
الحجازِ مُرَجَّحَةٌ عندهم.
وقرأ الأعمش (٣) في طائفة (حَشَى للَّه)) بحذف الألفين(٤) وقد تقدَّم أن
الفراء حكاها لغةً عن بعض العرب، وعليه قوله(٥):
٢٧٨٧ - خَشَىْ رَهْطِ النبيِّ
البيت. وقرأ(٦) أُبَي وعبداللَّه ((حاشى اللَّهِ)) بجرِّ الجلالة، وفيها
وجهان، أحدهما: أن تكونَ اسماً مضافاً للجلالة [نحو: ((سبحان اللَّه))
وهو اختيارُ الزمخشري (٧). الثاني: أنه حرفُ استثناء جُرَّ به ما بعده، وإليه
ذهب الفارسي،](٨) وفي جَعْلِهِ ((حاشى)) حرفَ جرِّ مُرادً به الاستثناءُ نِظُرٌ،
(١) في الآية ٥١.
(٢) لم يرد هذا النقل في ((معاني القرآن)) له.
(٣) البحر: ٣٠٣/٥.
(٤) ألف حاشى وألف الوصل من لفظ الجلالة.
(٥) تقدم برقم ٢٧٨٠
(٦) البحر: ٣٠٣/٥؛ القرطبي: ١٨١/٩.
(٧) الكشاف: ٣١٧/٢.
(٨) ما بين معقوفين غير واضح في الأصل حققناه من (ش).
٤٨٦

- يوسف -
إذ لم يتقدَّم في الكلام شيءٌ يُستثنى منه الاسمُ المعظّم بخلافِ ((قام القومُ
حاشی زید».
واعلمْ أنَّ النحويين لمَّا ذكروا هذا الحرفَ جعلوه من المتردد بين الفعلية
والحرفية، عند مَنْ أثبتَ فعليَّتَه، وجعله في ذلك كخلا وعدا، عند مَنْ أثبت
حرفيّة ((عدا))، وكان ينبغي أن يذكروه من المتردد بين الاسمية والفعلية
والحرفية، كما فعلوا ذلك في ((على)) فقالوا: يكون حرف جر في ((عليك))،
واسماً في قوله: ((مِنْ عليه))، وفعلاً في قوله(١):
٢٧٨٨ - عَلَاَ زِيدُنا يومَ النَّقا.
وإن كان فيه نظرٌ ذكرتُه مستوفىَّ في غير هذا المكان، ملخصُه أن
((على)) حالَ كونها فعلًا غير ((على)) حال كونها غيرَ فعل، بدليل أنَّ ألف الفعلية
منقلبة عن واو، ويدخلها التصريف والاشتقاق دون ذَيْنَكَ. وقد يتعلَّقَ مَنْ
ينتصر للفارسي بهذا فيقول: لو كانت ((حاشى)) في قراءة العامَّة اسماً لذكر
ذلك النحويون عند تردُّدِها بين الحرفية والفعلية، فلمَّا لم يذكروه دَلَّ على
عدمِ اسميتها .
وقرأ الحسن(٢) ((حاشْ)) بسكون الشين وصلاً ووقفاً كأنه أجرى الوصلّ
مُجْرَى الوقف. ونقل ابن عطية (٣) عن الحسن أنه قرأ: ((حاشى الإِله)) قال:
(محذوفاً مِنْ حاشى)) يعني أنه قرأ بحذف الألف الأخيرة، ويدلَّ على ذلك
ما صرَّح به صاحب ((اللوامح)) فإنه قال: ((بحذف الألف)) ثم قال: وهذا يدلُّ
(١) تمامه :
علا زيدُنا يوم النّقا رأس زيدكم
بأبيض ماضي الشفرتين يماني
وهو لرجل من طيء، في المغني: ٧٥؛ وابن يعيش: ٤٤/١؛ والخزانة: ٣٢٧/١.
(٢) البحر: ٣٠٣/٥؛ القرطبي: ١٨١/٩؛ المحتسب: ٣٤١/١.
(٣) المحرر: ٢٩١/٩.
٤٨٧

- يوسف -
على أنه حرفُ جرِ يَجُرُّ ما بعده، فأما (الإِله)) فإنه فكَّه عن الإدغامِ،
وهو مصدرٌ أقيم مُقام المفعول، ومعناه المعبود، وحُذِفت الألف من ((حاشى))
للتخفيف» .
قال الشيخ(١): ((وهذا الذي قاله ابن عطية وصاحبُ ((اللوامح)) من أنَّ:
الألف في ((حاشى)) في قراءة الحسن محذوفةُ الألف(٢) لا يتعيَّنُ، إلا إنْ نَقَل:
عنه أنه يقف في هذه القراءةِ بسكون الشين، فإن لم يُنْقَلْ عنه في ذلك شيءٌ
فاحتمل أن تكونَ الألفُ حُذِفت لالتقاء الساكنين؛ إذ الأصلُ: ((حاشى الإِله))
ثم نَقَل فحذف الهمزة وحَرَّك اللام بحركتها، ولم يَعْتَدَّ بهذا التحريك لأنه
عارض، كما تنحذف في ((يَخْشى الإِله))، ولو اعتدَّ بالحركة لم تُحْذف الألف».
قلت: الظاهر أن الحسنَ يقف في هذه القراءة بسكون الشين،
ويُسْتأنس له بأنه سكَّن الشين في الرواية الأخرى عنه، فلمَّا جِيءَ بشيءٍ :
يُحْتَمَلُ ينبغي أن يُحْمَّلَ على ما صُرِّح به. وقول صاحب ((اللوامح)): ((وهذا يدلُّ
على أنه حرف جر یُجُرُ به ما بعده) لا يصحُّ لِما تقدم مِنْ أنه لو کان حرف جر
لکان مستثنی به ولم يتقدَّمْ ما يستثنى منه بمجروره.
واعلمْ أنَّ اللإمَ الداخلةَ على الجلالة متعلقة بمحذوف على سبيل
البيان، كهي في ((سقياً لك ورعياً لزيد)) عند الجمهور، وأمّا عند المبرد(٣)
والفارسي (٤) فإنها متعلقة بنفس ((حاشى)) لأنها فعلٌ صريحٌ عندهما، وقد تقدم
أن بعضَهم ادَّعى زيادتها.
قوله: ((ما هذا بشراً)) العامَّة على إعمال ((ما)) على اللغة الحجازية،
(١) البحر: ٣٠٣/٥.
(٢) كذا بإقحام ((الألف)) في الأصل، ولم ترد في البحر.
(٣) المقتضب: ٤ /٣٩١.
(٤) الحجة (خ): ٢٦٨/٣.
٤٨٨

- يوسف -
وهي اللغة الفصحى، ولغةُ تميم الإِهمالُ، وقد تقدَّم تحقيق هذا أول البقرة(١)
وما أنشدتُه عليه من قوله(٢):
٢٧٨٩ - وأنا النذيرُ بحَرَّةٍ مُسْوَدَّةٍ
البيتين. ونقل ابن عطية (٣) أنه لم يَقْرأ أحد إلا بلغة الحجاز. وقال
الزمخشري (٤): ((ومَنْ قرأ على سليقته من بني تميم قرأ ((بشرٌ» بالرفع وهي
قراءةُ ابن مسعود)». قلت: فادِّعاء ابن عطية أنه لم يُقرأ به غير مُسَلَّم.
وقرأ العامَّة ((بَشَرًا)) بفتح الباء على أنها كلمة واحدة. وقرأ الحسن
وأبو الحويرث الحنفي(٥) ((بشرى)) بكسر الباء، وهي باء الجر دخلت على
((شِرى)) فهما كلمتان جار ومجرور، وفيها تأويلات، أحدُهما: ما هذا
بمشترى، فوضع المصدرَ موضع المفعول به كضَرْب الأمير. الثاني: ما هذا
بمُباعٍ ، فهو أيضاً مصدر واقع موقع المفعول به إلا أن المعنى يختلف.
الثالث: ما هذا بثمن، يَعْنِين أنه أَرْفَعُ مِنْ أَنْ يُجْرى عليه شيءٌ من هذه
الأشياء .
وروى عبدالوارث عن أبي عمرو(٦) كقراءة الحسن وأبي الحويرث
إلا أنه قرأ عنه ((إلا مَلِك)) بكسر اللام واحد الملوك، نَفَوا عنه ذُلَّ
المماليك / وأثبتوا له عِزَّ الملوك.
[٥١٢/أ]
(١) انظر: الدر المصون: ١٢٢/١.
(٢) تقدم برقم ١٧١.
(٣) المحرر: ٢٩٣/٩.
(٤) الكشاف: ٣١٧/٩.
(٥) لعله عبدالرحمن بن معاوية الأنصاري مشهور بكنيته، مات سنة ٣٠. تقريب التهذيب:
٣٥٠.
(٦) لم أقف على توثيق لهذه القراءة.
٤٨٩

- يوسف -
وذكر ابن عطية (١) كسرَ اللامِ عن الحسن وأبي الحويرث. وقال
أبو البقاء (٢): ((وعلى هذا قُرىء ((مَلِك)) بكسر اللام)) كأنه فهم أنَّ مَنْ قرأ بكسر
الياء قرأ بكسر اللام أيضاً للمناسبة بين المعنيين، ولم يذكر الزمخشريُّ هذه
القراءةَ مع كسر الباء البتة، بل يُفهم من كلامِه أنه لم يَطَّع عليها فإنه قال(٣):
((وقرىء: ما هذا بشرى أي ما هو بعبدٍ مملوكٍ لئيم، إنْ هذا إلا مَلَك کریم،
تقول: ((هذا بشرى)) أي: حاصلٌ بشِرى بمعنى يُشْتَرَى، وتقول: هذا لك
بِشِرى أم (٤) بِكِرا؟ والقراءةُ هي الْأُوْلى لموافقتها المصحف ومطابقة ((بشر))
لـ «ملك».
قوله: ((لموافقتها المصحفَ)) يعني أنَّ الرسم ((بشراً) بالألف لا بالياء،
ولو كان المعنى على ((بِشِرى)) لَّرُسِمَ بالياء. وقوله: ((ومطابقة)) دليلٌ على أنه
لم يَطَّلِعْ على كسر اللام عن مَنْ قرأ بكسر الباء.
آ. (٣٢) قوله تعالى: ﴿فَذَلِكُنَّ﴾: مبتدأ والموصول خبره، أشارت
إليه إشارة البعيد وإن كان حاضراً تعظيماً له ورفعاً منه لتُظْهِرَ عُذْرَها في
شغفها .
وجَوَّز ابنُ عطية (٥) أن يكونَ («ذلك)) [إشارةً إلى](٦) حُبُّ يوسف،
والضميرُ في ((فيه)) عائدٌ على الحبِّ فيكون ((ذلك)) إشارة إلى غائب على بابه.
قلت: يعني بالغائب البعيدَ ، وإلا فالإِشارةُ لا تكون إلا لحاضر مطلقاً.
(١) المحرر: ٢٩٣/٩.
(٢) الإملاء: ٥٢/٢.
(٣) الكشاف: ٣١٧/٢
(٤) الأصل: ((أي)) وهو سهو، والتصحيح من الكشاف.
(٥) المحرر: ٢٩٤/٩.
(٦) ما بين معقوفين لم يظهر في الأصل، أثبتناه من (ش).
٤٩٠

- يوسف -
قوله: ((ما آمُرُه)) في ((ما)» وجهان، أحدُهما: أنها مصدرية. والثاني: أنها
موصولةٌ، وهي مفعولٌ بها بقوله: ((يفعلْ)) والهاءُ في ((آمُرُه)) تحتمل وجهین،
أحدُهما: العَوْد على ((ما)) الموصولة إذا جعلناها بمعنى الذي. والثاني: العَوْد
على يوسف. ولم يُجَوِّزْ الزمخشري(١) عَوْدَها على يوسف إلا إذا جُعِلت ((ما))
مصدرية)) فإنه قال: ((فإنْ قلت: الضمير في ((آمُره)) راجعٌ إلى الموصول أم إلى
يوسف؟ قلت: بل إلى الموصول والمعنى: ما آمُرُ به فحذف الجارَّ كما في
قوله(٢):
٢٧٩٠ - أَمَرْتُكَ الخير
ويجوز أن تُجْعَلَ ((ما)» مصدريةً فيعود على يوسف، ومعناه: ولَئِنْ
لم يفعلْ أمري إياه، أي: مُؤْجِبَ أمري ومقتضاه)). قلت: وعلى هذا
فالمفعولُ الأولُ محذوفٌ تقديره: ما آمُره به وهو ضمیرُ یوسف.
والسين في ((استعصم)) [فيها وجهان، أحدهما: أنها](٣) ليست على
بابها مِن الطلب، بل استفعل هنا بمعنى افتعل، فاستعصم واعتصم واحد.
وقال الزمخشري(٤): ((الاستعصامُ بناءُ مبالغةٍ يدلُّ على الامتناع البليغ والتحفّظِ
الشديدِ، كأنه في عِصْمةٍ وهو يجتهدُ في الاستزادةِ منها، ونحو: استمسك
واستوسع الفَتْقُ، واستجمع الرأيَ، واستفحل(٥) الخطبُ))، فردَّ السين إلى بابها
من الطلب وهو معنىَّ حسنٌ، ولذلك قال ابن عطية(٦): ((طلب العِصْمة
واستمسك بها وعصاني)).
(١) الكشاف: ٣١٨/٢.
(٢) تقدم برقم ٢٢١.
(٣) ما بين معقوفين لم يظهر في الأصل، أثبتناه من (ش).
(٤) الكشاف: ٣١٨/٢.
(٥) الأصل: «واستحفل» وهو سهو.
(٦) المحرر: ٢٩٤/٩.
٤٩١

- يوسف -
قال الشيخ (١): ((والذي ذكره التصريفيون في ((استعصم)) أنه موافقٌ
لـ ((اعتصم)) فاستفعل فيه موافقٌ لـ ((افتعل))، وهذا أجودُ مِنْ جَعْلِ استفعل فيه
للطلب لأنَّ ((اعتصم)) يدلُّ على وجود اعتصامه، وطلب العصمة لا يدلُّ على
حصولها، وأمَّا أنه بناءُ مبالغةٍ يَدُلُّ على الاجتهاد في الاستزادة من العصمة
فلم يذكر التصريفيون هذا المعنى لـ ((استفعل))، وأمَّا استمسك واستوسع
واستجمع الرأي فاستفعل فيه لموافقةِ افْتَعَل، والمعنى: امتسك واتَّسع واجتمع،
وأمَّا ((استفحل الخطبُ) فاستفعل فيه موافِقَةٌ لتفعَّل، أي: تَفَخَّل الخطب، نحو
استكبر وتكبِّرَ».
وقرأ العامَّةُ بتخفيف نون ((وليكونَنْ))، ويَقِفون عليها بالألف إجراءً لها
مُجْرى التنوين، ولذلك يَحْذفونها بعد ضمةٍ أو كسرةٍ نحو: ((هل تقومون)»
و ((هل تقومين)) في: ((هل تَقُومُن)) و((هل تقومِن))، والنونُ الموجودةُ في الوقف
نونُ الرفعِ رَجَعوا بها عند عدمٍ ما يقتضي حَذْفَها، وقد قَرَّرْتُ ذلك فيما تقدم.
وقرأت(٢) فرقةٌ بتشديدها، وفيها مخالفةٌ لسواد المصحف لكَتْبِها فيه
ألفاً، لأنَّ الوقفَ عليها كذلك كقوله(٣):
ولا تَعْبُدِ الشيطانَ واللَّهَ فاعبدا
٢٧٩١ - وإياكَ والمَيْتاتِ لا تَقْرَبَنَّها
أي: فاعبدَنْ فَأَبْدَلها ألفاً، وهو أحدُ الأقوال في قول امرىء القيس(٤):
٢٧٩٢- قِفا نَبْكِ
(١) البحر: ٣٠٦/٥.
(٢) البحر: ٣٠٦/٥.
(٣) تقدم برقم ١٦٩٤.
(٤) صدر معلقته، في ديوانه: ٨. وتمامه:
قفا نبك من ذکری حبيب ومنزل
بِقْطِ اللِّوى بين الدَّخولِ فَحَوْمَلٍ
٤٩٢
:
:

- يوسف -
وأجرى الوَصْلِ مُجْری الوقفِ.
آ. (٣٣) قوله تعالى: ﴿رَبِّ السجنُ﴾: العامَّة على كسر الباء لأنه
مضافٌ لياء المتكلم، اجتزِىءَ عنها بالكسرةِ وهي الفصحى. و((السجن))
بكسر السين ورفعِ النون على أنه مبتدأ، والخبر («أحبُّ)). والسِّجْن الحبس،
والمعنى : دخول السجن.
وقرأ بعضهم(١): ((رَبُّ)) بضمّ الباء وجَرِّ النون على أنَّ ((ربُّ)) مبتدأ
و((السجنِ)) خفض بالإِضافة، و((أحبُّ)) خبرُه، والمعنى: ملاقاةُ صاحبِ
السجن ومقاساتُه أحبُّ إليّ.
وقرأ(٢) عثمان ومولاه طارق(٣) وزيد بن علي والزهري وابن أبي إسحاق
وابن هرمز ويعقوب بفتح السين، وفي الباقي كالعامَّة. والسَّجْن مصدر، أي:
الحَبْسِ أحبُّ إلي، و((إليَّ)) متعلقٌ بـ ((أحبُّ)) وقد تقدَّم أن الفاعل (٤) هنا يُجَرُّ
بـ ((إلى)) والمفعول باللام، / وفي الحقيقة ليست هنا أَفْعَل على بابها من [٥١٢/ب]
التفضيل لأنه لم يُحبَّ ما يدعونه إليه قط، وإنما هذان شَرَّان فآثر أحدَ الشَّرين
على الآخر.
قوله: ((أَصْبُ)) قرأ العامة بتخفيف الباء مِنْ صَبا يَصْبو أي: رَقَّ شَوْقُه.
والصَّبْوة: المَيْلُ إلى الهوى، ومنه ((الصَّبا)) لأنَّ النفوس تَصْبو إليها أي: تميل،
الطيب نسيمِها ورَوْجِها يقال: صَبَا يَصْبُر صَباءً وصُبُوَّاً، وصَبِيَ يُصْبَى ضَبَاً،
والصِّبا بالكسر اللَّهُوُ واللعب.
(١) لم أقف على نسبة هذه القراءة وإنما أشار إليها في تفسير الألوسي: ٢٣٥/١٢.
(٢) الإِتحاف: ٢٦٤؛ البحر: ٣٠٦/٥؛ القرطبي: ١٨٤/٩.
(٣) طارق بن عمرو الأموي مولى عثمان بن عفان رضي الله عنه. سمع من جابر وروى
عنه الأعرج، وثَّقه أبو زرعة. ولم تذكر وفاته. تهذيب الكمال: ٦٢٢/٢.
(٤) يعني به الفاعل في المعنى. وانظر: المسألة في إعرابه للآية ٨ من سورة يوسف.
٤٩٣

--
- يوسف -
وقرأت(١) فرقة ((أَصَبُّ)) بتشديدها مِنْ صَبْتُ صَبابة فأنا صَبٌّ، وَالصَّبابَةُ:
رِقَّةُ الشوق وإفراطه كأنه لفرط حبه ينصبُّ فيما يَهْواه كما ينصبُّ الماءِ.
آ. (٣٥) قوله تعالى: ﴿ثم بدا﴾: في فاعله أربعة أوجه، أحسنها:
أنه ضمير يعود على السَّجن بفتح السين أي: ظهر لهم حَبْسُه، ويدل على
ذلك لفظة ((السّجن)) في قراءة العامة، وهو بطريق اللازم، ولفظُ ((السَّجن)) في
قراءة مَنْ فتح السين. والثاني: أن الفاعل ضمير المصدر المفهوم مِن الفعل
وهو (بدا)) أي: بَدا لهم بداءً، وقد صَرَّح الشاعرُ به في قوله(٢):
بَدا لك في تلك القَلوص بداءُ
٢٧٩٣_
والثالث: أن الفاعلَ مضمرٌ يدلُّ عليه السياق، أي: بدا لهم رأيّ.
والرابع: أنَّ نفسَ الجملة مِنْ ((لَيَسْجُنْنَّه)) هي الفاعل، وهذا من أصول
الکوفیین .
و((حتى)) غايةٌ لما قبله. وقوله: (لَيَسْجُنْنَه)» على قول الجمهور جوابٌ
لقسم محذوف، وذلك القسمُ وجوابه معمول لقولٍ مضمر، وذلك القولُ
المضمر في محلّ نصب على الحال، أي: ظهر لهم كذا قائلين: والله
لَیَسْجُننَّه حتی حین.
وقرأ(٣) الحسن (لَتَسْجُنْنَّه)) بتاء الخطاب، وفيه تأويلان، أحدهما: أن
يكونَ خاطب بعضُهم بعضاً بذلك. والثاني: أن يكونَ خوطب به العزيز
تعظيماً له.
(١) البحر: ٣٠٧/٥.
(٢) تقدم برقم ٣٥٤.
(٣) الإِتحاف: ٢٦٤؛ البحر: ٣٠٧/٥.
٤٩٤

- يوسف -
وقرأ(١) ابن مسعود ((عَتَّى)) بإبدال حاء ((حتى)) عيناً وأقرأ بها غيرَه فبلغ
ذلك عمر بن الخطاب فكتب إليه: ((إن هذا القرآن نزل بلغة قريش، فَأَقْرِىء
الناسَ بلغتهم)). قلت: وإبدال الحاء عيناً لغة هُذَلِيَّة.
آ. (٣٦) قوله تعالى: ﴿قال أحدُهما﴾: مستأنف لا محل له، ولا يجوز
أن يكونَ حالاً؛ لأنهما لم يقولا ذلك حال الدخول. ولا جائز أن تكونَ مقدرةٌ؛
لأن الدخول لا يَؤُول إلى الرؤيا. و((إني)) وما في حَيِّزه في محلٍّ نصب
بالقول.
و ((أراني)» هنا متعديةٌ لمفعولين عند بعضِهم إجراءً للحُلُمِيَّة مُجْرَى
العِلْمِيَّة، فتكون الجملة مِنْ قوله: ((أَعْصِرُ)) في محلُّ المفعول الثاني، ومَنْ
منع كانت عنده في محل الحال. وجرت الحُلُمية مَجْرى العِلْمية أيضاً في
اتّحاد فاعلها ومفعولها ضميرين متصلين، ومنه الآيةُ الكريمة؛ فإن الفاعلّ
والمفعولَ متحدان في المعنى، إذ هما للمتكلم، وهما ضميران متصلان(٢).
ومثلُه: ((رَأَيْتُك في المنامِ قائماً) و((زيدٌ رآه قائماً»، ولا يجوز ذلك في غير
ما ذُكر، لا تقول: أَكْرَمْتُني، ولا أكرمْتُك، ولا زيد أكرمه، فإن أردت ذلك
قل (٣): أكرمتُ نفسي، أو إياي ونفسك، أو إياك ونفسَه، أو إياه، وقد تقدَّم
تحقيق هذا.
وإذا دَخَلَتْ همزةُ النقل على هذه الحُلُمِيَّة تعدَّت لثالث، وقد تقدَّم هذا
(١) الشواذ: ٦٣؛ البحر: ٣٠٧/٥.
(٢) لعله يعني بالاتصال في الآية أن الأول متصل بالثاني فإن الضمير المستتر العائد على
المتكلم تلاه الضمير المتصل الياء العائد على المتكلم أيضاً، وإن لم نُخَرِّج كلامه على هذا
التخريج فكيف يكون الأول متصلاً وهو مستتر وجوباً تقديره أنا؟
(٣) على تقدير الفاء أي: فقل.
٤٩٥

- يوسف -
في قوله تعالى: ((إذ يُرِيْكَهُمُ اللَّهُ في منامك قليلًا(١)، ولو أراكهم كثيراً)).
والخَمْر: العِنَب أُطلق عليه ذلك مجازاً، لأنه آيل إليه كما يُطْلق الشيءُ
على الشيء باعتبار ما كان عليه كقوله: ((وآتوا اليتامى))(٢) ومجازُ هذا أقربُ.
وقيل: بل الخمر: العنب حقيقة في لغة غسان وأزد عمان(٣). وعن المعتمر:
((لقيت أعرابياً حاملاً عنباً في وعاءٍ فقلت: ما تحمل؟ فقال: خمراً.
وقراءة أُبَيّ وعبد الله (٤) ((أَعْصِر عنبا)) لا تدل على الترادف لإِرادتها
التفسيرَ لا التلاوة، وهذا كما في مصحف عبداللّه ((فوق رأسي ثريداً)) فإنه أراد
التفسير فقط.
و ((تأكل الطير)) صفةٌ لخبزاً. و((فوق)) يجوز أن يكون ظرفاً للحمل، وأن
يتعلق بمحذوف حالاً من ((خبزاً)) لأنه في الأصل صفةٌ له. والضمير في قوله:
(نَبِثْنَا بتأويله)) قال الشيخ(٥): ((عائدٌ على ما قَصَّا عليه، أُجري مُجْرَى اسْم
الإِشارة كأنه قيل بتأويل ذلك)) وهذا قد سبقه إليه الزمخشري(٦)، وجعله سؤالاً
وجواباً. وقال غيره: ((إنما وَحَّد الضمير لأنَّ كل واحد سأل عن رؤياه، فكأن
كل واحد منهما قال: نَبِّْنا بتأويل ما رأيت.
آ. (٣٧): و(تُرْزَقانه)) صفة لـ((طعام)). وقوله: ((إلا نَبَّأَتُكما)) استثناءٌ
مفرَّغ. وفي موضع الجملة بعده وجهان أحدُهما: أنها في محل نصبٍ على
[١/٥١٣] الحال، وساغ ذلك من النكرة(٧) لتخصُّصها بالوصف. / والثاني: أن تكونَ
(١) الآية ٤٣ من سورة الأنفال.
(٢) الآية ٢ من سورة النساء.
(٣) انظر: لغات القبائل لأبي عبيد: ١٤٦.
(٤) البحر: ٣٠٨/٥؛ القرطبي: ١٩٠/٩.
(٥) البحر: ٣٠٨/٥.
(٦) الكشاف: ٣٢٠/٢.
(٧) يعني بالنكرة قوله: ((طعام)).
٤٩٦

- يوسف -
في محل رفع نعتاً ثانياً لـ ((طعام))، والتقدير: لا يأتيكما طعامٌ مرزوقٌ إلا حال
كونه منبِّئاً بتأويلِهِ أو مُنَّأَ بتأويله. و((قبل)) الظاهرُ أنها ظرفُ لـ ((نَبَأْتكما))،
ويجوز أن يتعلق بـ ((تأويله))، أي: نَبَّأْتكما بتأويله الواقع قبل إتيانِه.
قوله: ((أني تَرَكْتُ)) يجوز أن تكونَ هذه مستأنفةً أخبر بذلك عن نفسه.
ويجوز أن تكونَ تعليلاً لقوله ((ذلكما مِمَّا عَلَّمني ربي))، أي: تَرْكي عبادةَ غيرِ
اللَّه سببٌ لتعليمه إياي ذلك، وعلى الوجهين لا محلَّ لها من الإعراب.
و ((لا يؤمنون)) صفة لـ ((قوم)). وكَرَّر ((هم)) في قوله ((وهم بالآخرة هم كافرون))
قال الزمخشري(١): ((للدلالةِ على أنهم خصوصاً كافرون بالآخرة، وأن غيرهم
مؤمنون بها)). قال الشيخ(٢): ((وليست (هم)) عندنا تدل على الخصوص)).
قلت: لم يَقُل الزمخشري إن ((هم)) تدل على الخصوص، وإنما قال ((تكرير
(هم)) للدلالة، فالتكرير هو الذي أفاد الخصوصَ، وهو معنىَّ حَسَنٌ فهمه أهلُ
البيان .
آ. (٣٨): وسَكَّن الكوفيون(٣) الياء من ((آبائي))، ورُوِيَتْ عن
أبي عمروٍ أيضاً. و((إبراهيم)) وما بعده بدلٌ أو عطفُ بيان، أو منصوب على
المدح.
آ. (٣٩) قوله تعالى: ﴿يا صاحِبَي السجنِ﴾: يجوز أن يكون من
باب الإضافة للظرف، إذ الأصل يا صاحبي (٤) في السجن. ويجوز أن تكون
(١) الكشاف: ٣٢٠/٢.
(٢) البحر: ٣٠٩/٥.
(٣) القراء الكوفيون عاصم وحمزة والكسائي. وانظر: السبعة: ٣٥٣؛ الإتحاف: ٢٦٥؛
البحر: ٣٠٩/٥؛ التيسير: ١٣١.
(٤) رُسمت في الأصل، ((يا حبي)) وهو سهو.
٤٩٧

- يوسف -
من باب الإِضافة إلى المشبه بالمفعول به، والمعنى: يا ساكني السجن كقوله
(أصحاب النار))(١).
قوله ((مِنْ شيٍ))(٢) يجوز أن يكون مصدراً، أي: شيئاً من الإِشراك.
ويجوز أن يكون واقعاً على المُشْرَك، أي: ما كان لنا أَنْ نُشْرك شيئاً غيرَه مِنْ
مَلَك وإنْسِيّ وجني فكيف بصنم (٣)؟ و((مِنْ)) مزيدة على التقديرين لوجودٍ
الشرطين.
قوله: ((أم اللَّه)) هنا متصلةٌ عطفت الجلالة على ((أرباب)).
آ. (٤٠) قوله تعالى: ﴿إِلا أسماءً﴾: إِمَّا أن يُراد بها المُسَمِّيَاتُ
أو على حذف مضاف، أي: ذوات لمُسَمِّيات(٤). و((سَمَّيْتموها) صفةٌ، وهي
متعدية لاثنين حُذِف ثانيهما، أي: سمَّيْتموها آلهة و ((ما أنزل)) صفةٌ لـ ((أسماء))
و((مِنْ)) زائدة في ((منْ سلطان))، أي: حُجَّة. و((إن الحكم)): ((إنْ)) نافية.
ولا يجوز الإِتباعُ لضمة الحاء كقوله: قالتُ اخْرُجْ))(٥) ونحوه، لأنَّ الألف
واللامَ كلمةٌ مستقلة فهي فاصلةٌ بينهما.
قوله: ((أَمَرَ أن لا)) يجوز في ((أَمَر)) أن يكون مستأنفاً، وهو الظاهر، وأن
يكون حالاً و((قد)) معه مرادةٌ عند بعضهم. قال أبو البقاء(٦): ((وهو ضعيفٌ
لضعف العامل فيه)» قلت: يعني بالعامل ما تضمَّنه الجارُّ في قوله: ((إلا للَّه)).
من الاستقرار.
(١) الآية ٣٩ من سورة البقرة.
(٢) عادا إلى الآية ٣٨.
(٣) فتكون ((من شيء)) على التقدير الثاني مفعولاً به.
(٤) سقطت التاء من (المسمَّيات)) سهواً في الأصل.
(٥) الآية ٣١ من سورة يوسف.
(٦) الإِملاء: ٥٣/٢
٤٩٨

- يوسف -
آ. (٤١) قوله تعالى: ﴿فَيَسْقي﴾: العامَّةُ على فتح الياء، مِنْ سقاه
يَسْقيه. وقرأ(١) عكرمة في رواية ((فَيُسْقي)) بضم حرف المضارعة مِنْ أسقى
وهما لغتان، يقال: سَقَّاه وأَسْقاه، وسيأتي أنهما قراءتان في السبعة: (نَسْقيكم
- ونُسْقيكم - مما [في] بطونه))(٢). وهل هما بمعنىَّ أم بينهما فرق؟ ونقل
ابن عطية(٣) عن عكرمة والجحدري أنهما قرآ ((فَيُسقَى ربُّه)) مبنياً للمفعول
ورفع ((ربُّه)). ونسبه الزمخشري(٤) لعكرمة فقط.
قوله: ((قُضي الأمرُ)) قال الزمخشري(٥): ((ما اسْتَقْتَيَا في أمرٍ واحد. بل
في أمرين مختلفين، فما وجه التوحيد؟ قلت: المراد بالأمر ما اتَّهما به من سَمِّ
المَلِك وما سُجِنا من أجله)).
آ. (٤٢) قوله تعالى: ﴿للذي ظنَّ﴾: فاعلُ ((ظنَّ)) يجوز أن يكون
يوسف عليه السلام إن كان تأويلُه بطريقة الاجتهاد، وأن يكون الشرَّابيُّ (٦) إن
كان تأويله بطريق الوحي، أو يكون الظنُّ بمعنى اليقين، قاله الزمخشري(٧).
قلت: يعني أنه إنْ كان الظُّ على بابه فلا يستقيم إسناده إلى يوسفَ إلا
أن يكونَ تأويلُه بطريق الاجتهاد؛ لأنه متى كان بطريق الوحي كان يقيناً
فَيْسَب الظن حينئذ للشَّرابي لا له عليه السلام، وأمَّا إذا كان الظُّ بمعنى
(١) البحر: ٣١١/٥.
(٢) الآية ٦٦ من سورة النحل حيث قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي بضم النون،
وقرأ ابن عامر ونافع وأبو بكر بالفتح، وقرأ حفص بالضم. انظر: السبعة: ٣٧٤.
(٣) المحرر: ٣٠٥/٩.
(٤) الكشاف: ٣٢١/٢.
(٥) الكشاف: ٣٢١/٢.
(٦) أي: الساقي.
(٧) الكشاف: ٣٢٢/٢.
٤٩٩

- يوسف -
اليقين فتصِحُّ نسبتُه إلى يوسف وإن(١) كان تأويله بطريق الوحي، وهو خَسَنٌ
وإلى كون الظنِّ على بابه - وهو مسندٌ ليوسف إن كان تأويله بطريق
الاجتهاد - ذهب قتادة، فإنه قال: ((الظنُّ هنا على بابه لأنَّ عبارة الرؤيا ظنٍّ)).
قوله: (منهما) يجوز أن يكونَ صفةً لـ ((ناج))، وأن يتعلَّقَ بمحذوف على
أنه حال من الموصول. قال أبو البقاء(٢): ((ولا يكون متعلقاً بـ ((ناجٍ)) لأنه ليس
المعنى عليه)) قلت: لو تعلَّق بـ (ناجٍ)) لأَفْهَمَ أنَّ غيرَهما نجا منهما، أي:
انفلت منهما، والمعنى: أنَّ أحدهما هو الناجي، وهذا المعنى الذي نَّه علیه
بعيدٌ تَوَهُّمُه. والضمير في ((فَأَنْساه)) يعود على الشرَّابي. وقيل: على يوسف،
وهو ضعيفٌ.
قوله: ((بِضْعَ سنين)) منصوبٌ على الظرف الزماني وفيه خلافٌ: فقال
قتادة: ((هو بين الثلاث إلى التسع)). وقال أبو عبيد: ((البِضْعُ لا يَبْلُغُ العِقْدَ
ولا نصفَ العقدِ، وإنما هو من الواحد إلى العشر)). وقال مجاهد: ((هو من
الثلاثة إلى السبعة)). وقال الفراء (٣): ((لا يُذكر البِضْعُ إلا مع العشرات
[٥١٣/ب] ولا يُذكر مع مِئَة ولا ألف)». وقال الراغب(٤) / («البِضْع: بالكسر المُقْتَطَعُ من
العشرة، ويقال ذلك لِما بين الثلاثة إلى العشرة وقيل: بل هو فوق الخمسة
ودون العشرة». قلت: فَجَعَلَه مشتقاً مِنْ مادة البَضْع وهي القَطْع، ومنه :.
بَضَعْتُ اللحمَ، أي: قَطَعْتُه، والبِضاعة: قطعةُ مالٍ للتجارة، والمِنْضَعُ:
ما يُبْضَعُ به، والبَعْض قد تقدَّم أنه من هذا المعنى عند ذكر ((البعوضة))(٥).
(١) أُرجَّح زيادة الواو في ((وإن)).
(٢) الإملاء: ٥٣/٢.
(٣) معاني القرآن: ٤٦/٢.
(٤) المفردات: ٥٠.
(٥) الآية ٢٦ من سورة البقرة. وانظر الدر المصون: ٢٢٦/١.
٥٠٠