النص المفهرس

صفحات 461-480

- يوسف -
فإن جَعَلْنا الضمير في ((شَرَوْه)) عائداً على إخوة يوسف كان ((شرى)
بمعنى باع، وإن جَعَلْناه عائداً على السيارة كانت بمعنى اشتروا.
والبَخْسُ: النَّاقصُ، وهو في الأصل مصدرٌ وُصِف به مبالغةً. وقيل:
هو بمعنى مفعول. و((دراهم)) بدل مِنْ ((بثمن)) و ((فيه)) متعلقٌ بما بعده، واغْتُفِر
ذلك للاتساع في الظروف والجار، أو بمحذوفٍ وتقدَّم مثلُه.
آ. (٢١) قوله تعالى: ﴿من مصرَ﴾: يجوز فيه أوجه، أحدها: أن
يتعلق بنفسِ الفعل قبله، أي: اشتراه مِنْ مصر كقولك: اشتريت الثوب مِنْ
بغداد فهي لابتداء الغاية، وقولُ أبي البقاء(١): ((أي: فيها، أو بها)) لا حاجةً
إليه. والثاني: أنه متعلقٌ بمحذوف على أنه حالٌ من ((الذي)). والثالث: أنه
حالٌ من الضمير المرفوع في ((اشتراه)» فيتعلَّق بمحذوفٍ أيضاً. وفي هذين نظر
إذ لا طائل في هذا المعنى. و ((لامرأتِه)) متعلقٌ بـ ((قال)) فهي للتبليغ، وليست
متعلقً بـ «اشتراه)).
قوله: ((وكذلك)) الكاف كما تقدم في نظائره حال من ضميرٍ المصدر
أو نعتٌ له، أي: ومثلَ ذلك الإِنجاء والعطف مكَّنَّا له، أي: كما أَنْجَيْناه
وعَطَفْنا عليه العزيز مكَّنّا له في أرض مصر.
قوله: ((ولِنُعَلِّمَه)) فيه أوجه، أحدُها: أن يتعلق بمحذوف قبله، أي:
وفَعَلْنا ذلك لنعلِّمه. والثاني: أن يتعلَّق بما بعده، أي: ولنعلِّمه فَعَلْنا كيت
وكيت. الثالث: أن يتعلقَ بـ ((مكَّنَّ)) على زيادة الواو. والهاء في ((أمره)) يجوز أن
تعود على الجلالة، وأن تعودَ على يوسف، فالمعنى على الأول: لا نُمْنَعُ عمَّا
نشاء، ولا تُنازَعُ عَمَّا نريد، وعلى الثاني: نُدَبِّره ولا نَكِلُه إلى غيره فقد
كادوه(٢) إخوتُه فلم يَضُرُّوه بشيء.
(١) الإِملاء: ٥١/٢.
-
(٢) كذا على لغة أكلوني البراغيث.
٤٦١

- يوسف -
آ. (٢٢) قوله تعالى: ﴿أَشُدَّه﴾: فيه ثلاثة أقوال، أحدها:
- وهو قول سيبويه(١) - أنه جمعٌ مفردُه («شِدَّة)) نحو: نِعْمة وأنْعُم الثاني:
قول الكسائي: أن مفردَه ((شَدّ) بزنةٍ فَعْل نحو صَكّ وأصُكَ، ويؤيِّده قولُ
الشاعر(٢):
خُضِبَ البَنانُ ورأسُه بالعِظْلِمِ
٢٧٦٢- عھْدي به شَدَّ النهارِ كأنما
[٥٠٨/أ]
/ الثالث: أنه جمعٌ لا واحدً له من لفظه قاله أبو عبيدة(٣)، وخالفه الناسُ
في ذلك، إذ قد سمع ((شدَّة)) و((شَدَّ)) وهما صالحان(٤) له وهو مِنَ الشَّدِّ
وهو الربطُ على الشيء والعقدُ عليه. قال الراغب(٥): ((وقولُه تعالى ((حتى إذا
بَلَغَ أَشُدَّه)) فيه تنبيهٌ أن الإِنسان إذا بلغ هذا القَدْرَ يتقوَّى خُلُقُه الذي هو عليه
فلا يكاد يزايله، وما أحسنَ ما تنبّه له الشاعرُ حيث يقول(٦):
له دونَ ما يَهْوی حَیاءٌ ولا سِتْرُ
٢٧٦٣ - إذا المَرْءُ وافى الأربعينَ ولم يكنْ
وإنْ جَرَّ أسبابَ الحياةِ له العُمْرُ
فَدَْه ولا تَنْفِسْ علیه الذي مضى
وقوله: ((وكذلك)» إمَّا نعتٌ لمصدر محذوف أو حالٌ من ضمير المصدر
وتقدَّم نظائره.
آ. (٢٣) قوله تعالى: ﴿وراوَدَتْه﴾: أي: طالَبتْه برفقٍ ولينِ قولٍ،
والمُراوَدَةُ المصدر، والرِّيادة: طَلَبُ النِّكاح، ومَشَىْ رُوَيْداً، أي: ترفّقٍ فِي
(١) الكتاب: ١٨٣/٢.
(٢) تقدم برقم ٢١٢١ .
(٣) المجاز: ٣٠٥/١.
(٤) قوله: ((صالحان)) محرومة من الأصل، أثبتناها من ش.
(٥) المفردات: ٢٥٦.
(٦) لم أهتد إلى قائلهما، وهما في المفردات: ٢٥٦ - ٢٥٧.
٤٦٢
:

- يوسف -
مِشْيتِه، والرَّوْدُ: الرِّفْقُ في الأمور والتأنِّي فيها، ورادَتِ المرأةُ في مَشْيها تَرُوْدُ
رَوَدَاناً من ذلك، والمِرْوَدُ(١) هذه الآلةُ منه، والإِرادةُ منقولةٌ مِنْ راد يرود إذا
سعى في طلب حاجة، وقد تقدَّم ذلك في البقرة، وتعدَّى هنا بـ ((عن)) لأنه
ضُمِّن معنى خادَعَتْ، أي: خادَعَتْه عن نفسه، والمفاعلةُ هنا من الواحد نحو:
داوَيْتُ المريض، ويحتمل أن تكون على بابها، فإنَّ كلّ منهما كان يطلبُ مِنْ
صاحبه شيئاً برفق، هي تطلُب منه الفعلَ وهو يطلبُ منها التركَ. والتشديد في
(غَلَّقَتْ)) للتكثير لتعدُّد المجال.
قوله: ((هَيْتَ لك)) اختلف أهلُ النحوِ في هذه اللفظة: هل هي عربيةٌ أم
معرّبةٌ، فقيل: معربةً من القبطية بمعنى هلمَّ لك، قاله السدي. وقيل: من
السريانية، قاله ابن عباس والحسن. وقيل: هي من العبرانية وأصلها هَيْتَلَخ، أي:
تعالَه فأعربه القرآن، قاله أبوزيد الأنصاري. وقيل: هي لغة حَوْرانية وقعت
إلى أهل الحجاز فتكلّموا بها ومعناها تعال، قاله الكسائي والفراء(٢)،
وهو منقولٌ عن عكرمة. والجمهور على أنها عربية، قال مجاهد: ((هي كلمة
حَثُّ وإقبال، ثم هي في بعض اللغات تَتَعَيَّن فعليّتُها، وفي بعضها اسميتُها،
وفي بعضها يجوز الأمران، وستعرف ذلك من القراءات المذكورة فيها (٣):
فقرأ نافع وابن ذكوان ((هِيْتَ)) بكسر الهاء وياء ساكنة وتاء مفتوحة. وقرأ
((هَيْتُ)) بفتح الهاء وياءٍ ساكنةٍ وتاء مضمومة ابنُ كثير. وقرأ ((هِئْتَ)) بكسر الهاءِ
وهمزةٍ ساكنة وتاءٍ مفتوحةٍ أو مضمومةٍ هشامٌ. وقرأ ((هَيْتَ)) بفتح الهاء وياءٍ
ساكنةٍ وتاءٍ مفتوحةٍ الباقون، فهذه خمس قراءات في السبع.
(١) المرود: أداة من المعدن أو العاج يُكتحل بها.
(٢) معاني القرآن: ٤٠/٢.
(٣) انظر في قراءاتها: السبعة ٣٤٧؛ التيسير ١٢٨؛ الحجة ٣٥٨؛ البحر: ٢٩٤/٥؛ الشواذ
٦٣؛ الإتحاف ٢٦٣؛ القرطبي: ١٦٣/٩.
٤٦٣

- يوسف -
وقرأ ابن عباس وأبو الأسود والحسن وابن محيصن بفتح الهاء وياء
ساكنة وتاء مكسورة. وحكى النحاس(١) أنه قُرىء بكسر الهاء والتاء بينهما ياء
ساكنة. وقرأ ابن عباس أيضاً ((هُبِيْتُ)) بضم الهاء وكسر الياء بعدها ياء ساكنة
ثم تاء مضمومة بزنة حُبِيْتُ. وقرأ زيد بن علي وابن أبي إسحاق بكسر الهاء
وياء ساكنة وتاء مضمومة. فهذه أربع في الشاذ فصارت تسع قراءات. فيتعيّن
كونُها اسمَ فعل في غير قراءة ابن عباس ((هُبِيْتُ)) بزنة حُبِيْتُ. وفي غيرِ قراءة
كسر الهاء سواءً كان ذلك بالياء أم بالهمز: فَمَنْ فَتَحَ التاء بناها على الفتح
تخفيفاً نحو: أیْنَ وَيْفَ، ومَنْ ضَمّها کابن کثیر فتشبیھاً بـ «حیث)»، ومَنْ کسر
فعلى أصلِ التقاء الساكنين كجَيْرٍ، وفَتْحُ الهاء وكَسْرُها لغتان.
ويَتَعَيِّنُ فعليْتُها في قراءة ابن عباس ((هُبِيْتُ)) بزنة ((حُبِيْت)) فإنها فيها فعلٌ
ماضٍ مبنيٌّ للمفعول مسندٌ لضمير المتكلم مِنْ هَيَّأْتُ الشيءَ، ويحتمل
الأمرين في قراءةٍ مَنْ كسر الهاء وضمَّ التاء، فيحتملُ أن تكونَ فيه اسمَ فعلٍ
بُنِيَتْ على الضمِّ كحَيْثُ، وأن تكونَ فعلًا مسنداً لضمير المتكلم مِنْ هاءَ الرجلُ
يَهِيءُ كجاء يَجيء وله حينئذٍ معنيان، أحدهما: أن يكون بمعنى حَسُنَ هَيْئَةً.
والثاني: أن يكونَ بمعنى تهيًّا، يُقال: هِنْتُ، أي: حَسُنَتْ هيئتي أو تهيّأْتُ.
وجوَّز أبو البقاء (٢) أن تكون ((هِئْتُ)) هذه مِنْ: هاءَ يَهاء، كشاء يشاء.
وقد طعن جماعةٌ على قراءة هشام التي بالهمز وفتح التاء، فقال
الفارسي (٣): ((يشبه أن [يكون] (٤) الهمز وفْحُ التاء وَهْماً من الراوي، لأنَّ
الخطاب مِن المرأة ليوسف ولم يتهيّأْ لها بدليل قوله: ((وراوَدَتْه)) و((أَنِّي:
(١) ليست هذه الحكاية في ((إعراب القرآن)) له.
(٢) الإِملاء: ٥١/٢.
(٣) الحجة (خ): ٢٦٦/٣.
(٤) زيادة من ((الحجة)).
٤٦٤

- يوسف -
لم أَخُنْهُ بالغيب))(١) وتابعه على ذلك جماعة. وقال مكي بن أبي طالب(٢):
((يجب أن يكون اللفظُ ((مِئْتٍ لي)) ولم يَقْرأ بذلك أحدٌ)» وأيضاً فإن المعنى
على خلافِه لأنه لم يَزَلْ / يَفِرُّ منها ويتباعد عنها، وهي تراوِدُه وتطلبه وتَقُدُّ [٥٠٨/ب]
قميصه، فكيف يُخْبر أنه تھیَّ لها؟
وقد أجاب بعضُهم عن هذين الإِشكالين بأن المعنى: تهيّأ لي
أمرُك، لأنها لم تكنْ تقدر على الخَلْوَة به في كل وقت، أو يكون المعنى: حَسُنَتْ
هيئتك.
و «لك)) متعلقٌ بمحذوف على سبيل البيان كأنها قالت: القول لك
أو الخطاب لك، كهي في ((سقياً لك ورعياً لك)). قلت: واللامُ متعلقةً
بمحذوف على كل قراءة إلا قراءةً ثبت فيها كونُها فعلاً، فإنها حينئذٍ تتعلَّقُ
بالفعل، إذ لا حاجةَ إلى تقديرِ شيءٍ آخرَ.
وقال أبو البقاء (٣): ((والأشبهُ أن تكونَ الهمزةُ بدلاً من الياء، أو تكون
لغةً في الكلمة التي هي اسم للفعل، وليست فعلاً لأن ذلك يوجب أن يكونَ
الخطابُ ليوسف عليه السلام، وهو فاسدً لوجهين، أحدهما: أنه لم يتهيّأ لها
وإنما هي تهيَّأَتْ له. والثاني: أنه قال لك، ولو أرادَ الخطابَ لكان مِثْتَ لي)).
قلت: قد تقدَّم جوابُه. وقوله: ((إن الهمزة بدلُ من الياء)) هذا عكسُ لغة
العرب إذ قد عَهِدْناهم يُبْدلون الهمزة الساكنة ياءً إذا انكسر ما قبلها نحو: بير
وذيب، ولا يَقْبلون الياءَ المكسورَ ما قبلها همزةً نحو: مِيل ودِيك، وأيضاً فإن
غيرَه جعل الياءَ الصريحةَ مع كسر الهاء - كقراءة نافع وابن ذكوان (٤) -
(١) الآية ٥٢.
(٢) المشكل: ٤٢٦/١.
(٣) الإملاء: ٥١/٢ قال هذا وهو يعلق على قراءة هِْتَ.
(٤) هِيْتَ.
٤٦٥

- يوسف -
محتملةً لُأنْ تكونَ بدلاً من الهمزة، قالوا: فيعود الكلام فيها كالكلام في قراءة
هشام(١). واعلم أنَّ القراءةَ التي استشكلها الفارسي هي المشهورةُ عن هشام،
وأمَّا ضمُّ التاءِ فغيرُ مشهورٍ عنه، وهذا قد أَتْقَنْتُه في شرح ((حِرْز الأماني)».
قوله: ((مَعاذَ اللَّه)) منصوبٌ على المصدر بفعلٍ محذوف، أي: أعوذُ
باللَّه مَعاذاً. يُقال: عاذ يَعُوذ عياذً وعيادة ومَعاذاً وعَوْذاً، قال(٢):
ولا دُمْيَةٍ ولا عَقِيْلَةِ رَبْرَبٍ .
٢٧٦٤- معاذَ الإِله أن تكونَ كظَبْيَةٍ
قوله: ((إنه)) يجوز أن تكونَ الهاءُ ضمیرَ الشأن وما بعده جملةٌ خبريةٌ له،
ومرادُه بربه سيِّدُه، ويحتمل أن تكونَ الهاء ضمير الباري تعالى. و((ربِّي))
يحتمل أن يكونَ خبرَها، و((أَحْسَنَ)) جملةٌ حاليةٌ لازمة، وأن تكون مبتدأً، .
و ((أحسن)) جملة خبرية له، والجملةُ خبرٌ لـ ((إنَّ». وقد أنكر حماعةٌ الأولَ،
قال مجاهد والسدي وابن إسحاق: يبعد جداً أن يُطْلِقِ نبيٌّ كريمٌ على مخلوقٍ
أنه ربه، ولا بمعنى السيد لأنه ليس مملوكاً في الحقيقة.
وقرأ(٣) الجحدري وأبو الطفيل الغنوي (٤) ((مَثْوَيَّ)) بقَلْبِ الألف ياءً
وإدغامها كُبُشْرَيّ وهُدَيّ .
و ((إنه لا يفلح)) هذه الهاءُ ضمير الشأن ليس إلا.
آ. (٢٤) قوله تعالى: ﴿لولا أنْ رأى﴾: جوابُ لولا: إمَّ متقدِّمٌ عليها
وهو قوله: ((وَهَمَّ بها)) عند مَنْ يُجيز تقديمَ جوابِ أدواتِ الشرط عليها،
(١) مِئْتَ.
(٢) تقدم برقم ٢٦ .
(٣) البحر: ٢٩٤/٥.
(٤) عامر بن واثلة وُلد عام أحد وله صحبة توفي سنة ١١٠ وهو آخر من مات من الصحابة.
انظر: تقريب التهذيب ٢٨٨.
٤٦٦

- يوسف -
وإِمَّا محذوفٌ لدلالة هذا عليه عند مَنْ لا يَرَىْ ذلك، وقد تقدَّم تقريرُ المذهبينِ
ومَنْ عُزِيا إليه غيرَ مرة كقولهم: ((أنت ظالمٌ إن فعلْتَ))، أي: إنْ فَعَلْتَ فأنت
ظالمٌ، ولا تقول: إنَّ ((أنت ظالمٌ)) هو الجوابُ بل دالِّ عليه، وعلى هذا
فالوقفُ عند قوله: ((برهان ربه))، والمعنى: لولا رؤيتُه برهانَ ربه لهمَّ بها لكنه
امتنع هَمُّه بها لوجودِ رؤيةٍ برهان ربه، فلم يَحْصُل منه هَمِّ البتة كقولك: ((لولا
زيدٌ لأكرمتك)) فالمعنى أن الإِكرام ممتنعٌ لوجود زيد، وبهذا يُتْخَلَّص من
الأشكال الذي يورَدُ وهو: كيف يليق بنبيٍّ أن يَهُمَّ بامرأة؟.
قال الزمخشري(١): ((فإن قلت: قوله ((وهمَّ بها)) داخلٌ تحت القَسَم في
قوله: ((ولقد هَمَّتْ به)) أم خارجٌ عنه؟ قلت: الأمران جائزان، ومِنْ حَقِّ
القارىء إذا قَصَدَ خروجه من حكم القَسَم وجَعَلَه كلاماً برأسه أن يَقِفَ على
قوله: ((ولقد هَمَّتْ به)) ويبتدىء قولَه: «وهَمَّ بها لولا أنْ رأى برهان ربه)) وفيه
أيضاً إشعارٌ بالفرق بين الهَمَّيْن. فإن قُلْتَ: لِمَ جَعَلْتَ جَوابَ ((لولا)) محذوفاً
بدلُّ عليه ((وهَمَّ بها)) وهَلَّ جَعَلْتَه هو الجوابَ مقدَّماً. قلت: لأنَّ ((لولا))
لا يتقدَّم عليها جوابُها مِنْ قِبَلِ أنه في حكم الشرط، وللشرط صدرُ الكلام وهو
[مع](٢) ما في حَيِّزه من الجملتين مثلُ كلمةٍ واحدة، ولا يجوز تقدیمُ بعضِ
الكلمة على بعض، وأمَّا حَذْفُ بعضها إذا دَلَّ عليه الدليل فهو جائز)).
قلت: قوله ((وأمَّا حَذْفُ بعضها)) إلى آخره جواب عن سؤالٍ مقدرٍ
وهو (٣): فإذا كان جوابُ الشرط مع الجملتين بمنزلةٍ كلمةٍ فينبغي أنْ لا يُحْذَفَ
منهما شيءٌ، لأن الكلمةَ لا يُحذف منها شيءٌ. فأجاب بأنه يجوز إذا دلَّ دليلٌ
على ذلك. وهو كما قال.
(١) الكشاف: ٣١١/٢.
(٢) زيادة من الكشاف.
(٣) الأصل ((وهو أن فإذا)) بإقحام ((أنْ)) وسقطت من (ش).
٤٦٧

- يوسف -
ثم قال(١): ((فإن قلت: لِمَ جَعَلْتَ (لولا)) متعلقةً بـ ((هَمَّ بها)) وحده،
ولم تَجْعَلْها متعلقةً بجملةٍ قوله: ((ولقد هَمَّتْ به وهمَّ بها)»؟ لأنَّ الهمَّ لا يتعلَّق
بالجواهر ولكن بالمعاني، فلا بد من تقديرِ المخالطة، والمخالطةُ لا تكون
[٥٠٩/أ] إلا بين اثنين معاً، فكأنه قيل: / ولقد هَمَّ بالمخالطة لولا أنْ مَنْعَ مَانِعُ
أحدِهما. قلت: نِعْم ما قلت، ولكن اللَّه سبحانه قد جاء بالهمَّين على سبيل
التفصيل حيث قال: ((ولقد هَمَّتْ به وهمّ بها)).
قلت: والزَّجَّاج لم يرتضِ هذه المقالة، أعني كون قوله: ((لولا)) متعلقةً
بـ («همَّ بها)) فإنه قال: ((ولو كان الكلامُ ((ولهمَّ بها)) لكان بعيداً، فكيف مع
سقوط اللام)»؟ يعني الزجاج أنه لا جائزٌ أن يكونَ ((وهمَّ بها)) جواباً لـ (لولا))؛
لأنه لو كان جوابها لاقترن باللام لأنه مثبت، وعلی تقدیر أنه کان مقترناً باللام
كان يَبْعُدُ مِنْ جهةٍ أخرى وهي تقديمُ الجوابِ عليها. وجواب ما قاله الزجاج
ما قدَّمْتُه عن الزمخشري من أَنَّ الجوابَ محذوف مدلولٌ عليه بما تقدَّم.
وأمّا قولُه: ((ولو كان الكلام ((ولهمَّ بها)) فغیرُ لازمٍ))؛ لأنه متی کان جوابُ (لو))
و ((لولا)) مثبتاً جاز فيه الأمران: اللامُ وعَدَمُها، وإن كان الإِتيان باللامِ
هو الأكثر.
وتابع ابنُ عطية(٢) الزجاجَ أيضاً في هذا المعنى فقال: «قولُ مَنْ قال:
إنَّ الكلام قد تَمَّ في قوله: ((ولقد هَمِّتْ به)) وإنَّ جوابَ ((لولا)) في قوله: ((وهمَّ
بها»، وإن المعنى: لولا أن رأى البرهانَ لَهَمَّ بها، فلم يَهُمَّ يوسفُ عليه
السلام)) قال: ((وهذا قول يردُّه لسان العرب وأقوال السلف)) أمَّا قولُه: ((يردُّه
لسان العرب» فليس كذا؛ لأنَّ وزان هذه الآية وزانُ قوله: «إن کادَتْ لتبدي به
-
(١) الكشاف: ٣١١/٢.
(٢) المحرر: ٢٨١/٩.
٤٦٨

- يوسف -
لولا أن رَبَطْنا على قَلْبها))(١) فقوله إن كادَتْ: إمّا أن يكون جواباً عند مَنْ يرى
ذلك، وإمَّا أن يكونَ دالاً على الجواب، وليس فيه خروجٌ عن كلام العرب.
هذا معنى ما ردًّ به عليه الشيخ(٢). قلت: وكأن ابن عطية إنما يعني بالخروج
عن لسان العرب تجرُّدَ الجوابِ من اللام على تقدير جواز تقديمِه، والغرض
أن اللامَ لم تُوجد.
قوله: (كذلك لِنَصْرِف)) في هذه الكافِ أوجهٌ أحدُها: أنَّها في محلٌّ
نصب، فقدَّره الزمخشري(٣): ((مثل ذلك التثبيت ثَبَّتناه)). وقَدَّره الحوفي:
((أَرَيْناه البراهين بذلك)) وقَدَّره ابن عطية(٤): ((جَرَتْ أفعالُنا وأقدارُنا كذلك
لِنَصْرِفَ))، وقدَّره أبو البقاء(٥) ((نُراعيهِ كذلك)).
الثاني: أن الكاف في محلِّ رفعٍ ، فقدَّره الزمخشري(٦) وأبو البقاء(٧):
((الأمر مثل ذلك)). وقدَّره ابن عطية (٨) ((عِصْمَتُه كذلك))(٩). وقال الحوفي:
((أَمْرُ البراهين كذلك))، ثم قال: ((والنصبُ أجودُ لمطالبة حروف الجرِّ للأفعال
أو معانيها)).
الثالث: أنَّ في الكلام تقديماً وتأخيراً، تقديره: هَمَّتْ به وهمُّ بها
كذلك، ثم قال: (لولا أن رأى برهان ربه لنصرِفَ عنه ما همَّ بها» هذا نصُ
(١) الآية ١٠ من سورة القصص.
(٢) البحر: ٢٩٥/٥.
(٣) الكشاف: ٣١٢/٢.
(٤) المحرر: ٢٨١/٩.
(٥) الإملاء: ٥٢/٢.
(٦) الكشاف: ٣١٢/٢.
(٧) الإملاء: ٥١/٢.
(٨) المحرر: ٢٨١/٩.
(٩) عبارة المطبوعة: ((عصمتُنا له)).
٤٦٩

- يوسف -
ابن عطية(١). وليس بشيءٍ، إذ مع تسليم جواز التقديم والتأخير لا معنى لِما
ذكره .
وقال الشيخ(٢): ((وأقولُ إن التقدير: مثلَ تلك الرؤية أو مثل ذلك الرأي
نُرِي براهينْنَا لِنَصْرِفَ عنه، فتجعل الإِشارة إلى الرأي أو الرؤية، والناصبُ
للكاف ممَّا دَلَّ عليه قولُه: ((لولا أنْ رأى برهانَ ربه)) ولِنَصْرِفَ متعلّقٌ بذلك
الفعلِ الناصب للكاف. ومصدرُ ((رأى)) رُؤْية ورَأْي. قال(٣):
٢٧٦٥ - ورَأْيُ عَيْنَيَّ الفتى أباكا يُعطي الجزيلَ فعليك ذاكا))
وقرأ(٤) الأعمش (لَيَصْرِفَ)) بياء الغَيْبة، والفاعلُ هو اللَّه تعالى.
قوله: ((المُخْلصين)) قرأ(٥) هذه اللفظةَ حيث وَرَدَتْ إذا كانت معرَّفةٌ
بـ أل مكسورةَ اللامِ ابنُ كثير وأبو عمرو وابن عامر، والباقون بفتحها، فالكسرُ:
على اسم الفاعل، والمفعولُ محذوف تقديره: المخلصين أنفسَهم أو دينهم،
والفتح على أنه اسم مفعول مِنْ أَخْلصهم اللَّه، أي: اجتباهم واختارهم،
أو أخلصهم مِنْ كل سوء.
وقرأ الكوفيون في مريم ((إنه كان مُخْلَصاً)) (٦) بفتح اللام بالمعنى
المتقدم، والباقون بكسرها بالمعنى المتقدم.
آ. (٢٥) قوله تعالى: ﴿واستبقا الباب﴾: منصوب: إمَّا على إسقاط
(١) لم أجد هنا هذا النص في ((المحرر)).
(٢) البحر: ٢٩٦/٥.
(٣) البيت لرؤية وهو في ملحقات ديوانه ١٨١ والكتاب: ٩٨/١؛ والهمع: ١٠٧/١؛
والدرر: ٧٧/١.
(٤) البحر: ٠٢٩٦/٥ :
(٥) السبعة ٣٤٨؛ الحجة ٣٥٨؛ البحر: ٢٩٦/٥؛ التيسير ١٢٨.
(٦) الآية ٥١ من سورة مريم. وانظر: السبعة ٤١٠.
٤٧٠

- يوسف -
الخافض اتِّساعاً، إذ أصلُ (استبق)) أن تتعدّى بـ إلى، وإمَّا على تضمين ((استبقا))
معنى ((ابتدرا)» فتنصب مفعولاً به.
قوله: ((وقدَّتْ)) يحتمل أن تكون الجملة نسقاً على ((استبقا))، أي:
اسْتَبَقَا وَقَدَّتْ، ويحتمل أن تكون في محل نصب على الحال، أي: وقد
قَدَّتْ. والقَدُّ: الشَّقُّ مطلقاً. وقال بعضهم: ((القَدُّ فيما كان يُشَقُّ طولاً، والقَطُ
فيما كان يُشَقُّ عَرْضاً)).
آ. (٢٦) وقال ابن عطية (١): ((وقرأت(٢) فرقة ((قُطَّ(٣)). قال أبو الفضل
ابن حرب(٤): «رأيت في مصحفٍ ((قُطَّ مِنْ دُبُر))، أي: شُقَّ)). قال يعقوب:
(القَطُّ في الجلدِ الصحيح والثوبِ الصحيح)). وقال الشاعر(٥):
٢٧٦٦ - تَقُدُّ السُّلُوقِيَّ المُضاعَفَ نَسْجُهُ
وتُوْقِدُ بالصُّفَّاحِ نَارَ الحُبَاحِبِ
/ قوله (٦): ((ما جزاءُ)) يجوز في ((ما)» هذه أن تكونَ نافيةً، وأن تكونَ [٥٠٩/ب]
استفهاميةً، و((مَنْ)) يجوز أن تكونَ موصولةً أو نكرةً موصوفةً، وقوله: ((إلا أَنْ
يُسْجَنَ)) خبرُ المبتدأ، ولمَّا كان ((أَن يُسجن)) في قوة المصدر عَطَّف عليه
المصدر وهو قوله: ((أو عذاب أليم)). و((أو)) تُحْتمل معانيها، وأظهرُها التنويع.
(١) المحرر: ٢٨٤/٩ وفي المطبوعة ((عطّ)).
(٢) البحر: ٢٩٧/٥.
(٣) الأصل ((وقط)) بإقحام الواو سهواً.
(٤) في البحر: ٢٩٧/٥ والقرطبي: ١٧١/٩: المفضل بن حرب، ولم أهتد إلى ترجمته.
(٥) البيت النابغة وهو في ديوانه ٦١؛ والبحر: ٢٩٧/٥؛ والقرطبي: ١٠٣/٩ والبيت في
وصف السيوف. والسلوقي: الدرع المنسوب إلى هذه القرية. والمضاعف: المنسوج
حلقتين، والصفاح: الحجارة العراض. والحباحب: ذباب له شعاع بالليل
او هو ما اقتُدح من الشرر بتصادم حجرين.
(٦) عاد إلى الآية ٢٥ .
٤٧١

- يوسف -
. وقرأ(١) زيد بن علي: ((أو عذاباً أليماً)) بالنصب. وخرَّجه الكسائي على
إضمار فعلٍ ، أي: أو أَنْ يُعَذَّبَ عذاباً أليماً.
قوله: ((هي)) ولم يَقُل ((هذه)) ولا ((تلك)» لفرط استحيائه وهو أدبُ حسن،
حيث أتى بلفظ الغيبة دون الحضور. و((مِنْ أهلها)) صفة لـ ((شاهد))، وهو المُسَوُغ
لمجيءِ الفاعل من لفظِ الفعل إذ لا يجوزُ: قام القائم، ولا قعد القاعد لعدم
الفائدة .
قوله: ((إن كان)) هذه الجملةُ الشرطيةُ: إمَّا معمولةٌ لقولٍ مضمر تقديرُه:
فقال: إن كان، عند البصريين، وإمَّا معمولة لـ ((شَهِد)) لأنه بمعنى القول عند:
الکوفیین.
آ. (٢٧) قوله تعالى: ﴿مِنْ دُبُر﴾ و﴿مِنْ قُبُل﴾: قرأ العامَّة جمیع
ذلك بضمتين والجرِّ والتنوين، بمعنى مِنْ خلف ومن قُدَّام أي: مِنْ خلف
القميص وقدَّامه، أو يوسف. وقرأ(٢) الحسن وأبو عمرو في روايةٍ بتسكين
العين تخفيفاً وهي لغة الحجاز وأسد. وقرأ ابن يعمر وابن أبي إسحاق
والعطاردي والجارود بثلاث ضمات، ورُوي عن الجارود وابن أبي إسحاق
وابن يعمر أيضاً بسكون العين وبنائهما على الضم، ووجه ضمِّهما أنهم
جعلوهما كقبل وبعد في بنائهما على الضم عند قطعهما عن الإِضافة،
فجعلوهما غاية، ومعنى الغاية أن يُجعل المضافُ غايةَ نفسِه بعدما كان المضافُ.
إليه غايته، والأصلُ إعرابُهما لأنهما اسمان متمكنان وليسا بظرفّيْن. قال
أبو حاتم: ((وهذا رديءٌ في العربية وإنما يقع هذا البناءُ في الظروف)).
وقال الزمخشري(٣): ((والمعنى: مِنْ قُبُل القميص ومِنْ دُبُره، وأمَّا التنكير
-ـ
(١) البحر: ٢٩٧/٥.
(٢) الإتحاف ٢٦٤؛ البحر: ٢٩٨/٥.
(٣) الكشاف: ٣١٤/٢.
٤٧٢

۔ یوسف -
فمعناه مِنْ جهةٍ يُقال لها قُبُل ومِنْ جهة يُقال لها دُبُر، وعن ابن أبي إسحاق(١)
أنه قرأ ((مِنْ قبلَ ومِنْ دبَرَ» بالفتح كأنه جعلهما عَلَمْيْن للجهتين، فَمَنْعُهما
الصرفَ للعلمية والتأنيث)). وقد تقدَّم الخلافُ في ((كان)) الواقعة في حَيِّز
الشرط: هل تبقى على معناها مِن المُضيّ وإليه ذهب المبرد، أم تنقلب إلى
الاستقبال كسائر الأفعال، وأن المعنى على التبيين؟
وقوله: (فَكَذَبَتْ)) و((فَصَدَقَتْ)) على إضمار ((قد)) لأنها تُقَرِّب الماضي
من الحال، هذا إذا كان الماضي متصرِّفاً، أما إذا كان جامداً فلا يحتاج إلى
((قد)) لا لفظاً ولا تقديراً.
آ. (٢٩) قوله تعالى: ﴿يوسفُ﴾ منادى محذوفٌ منه حرفُ النداء.
قال الزمخشري(٢): ((لأنه منادی قریبٌ مُفاطِنللحديث، وفيه تقریب له وتلطيف
بمحلِّه)) انتهى. وكلُّ منادى يجوز حَذْفُ حرفِ النداء منه إلا الجلالةَ المعظمة
واسمَ الجنس غالباً والمستغاثَ والمندوبَ واسمَ الإِشارة عند البصريين
والمضمَر إذا نُودي .
والجمهور على ضمُّ فاء ((يوسف)) لكونه مفرداً معرفة. وقرأ (٣) الأعمش
بفتحها. وقيل: لم تَثْبُتْ هذه القراءةُ عنه، وعلى تقدير ثبوتها فقال أبو البقاء(٤)
فيها وجهين(٥)، أحدهما: أن يكون أخرجه على أصل المنادى كما جاء في
الشعر(٦):
(١) البحر: ٢٩٨/٥.
(٢) الكشاف: ٣١٥/٢.
(٣) الإملاء: ٥٢/٢. وانظر: الألوسي: ٢٢٤/١٢.
(٤) الإملاء: ٢/ ٥٢.
(٥) قوله: ((وجهين)) مفعول لـ قال.
(٦) البيت لمهلهل وهو في المقتضب: ٢١٤/٤؛ وأمالي الشجري: ٩/٢؛ والخزانة: ٣٠٠/١
ضربَتْ صدرَها إِيّ وقالتْ
وصدره :
٤٧٣

- یوسف -
يا عَدِيَّاً لقد وَقَتْكَ الأوَّافِي
٢٧٦٧-
يريد بأصل المنادى أنه مفعولٌ به فَحَقُّه النصبُ كالبيت الذي أنشده،
واتفق أن يوسُفَ لا يَنْصِرفِ فَفَتْحَتُه فتحةُ إعراب. والثاني - وجعله الْأَشْبَهَ -:
أن يكونَ وقف على الكلمة ثم وَصَل وأَجْرى الوصلَ مُجْرى الوقف، فألقى
حركة الهمزة على الفاء وحَذَفَها فصار اللفظ بها ((يوسُفَ اعْرض)) وهذا كما:
حُكِي ((اللَّهَ اكبرَ اشْهدَ الَّ)» بالوصل والفتح. قلت: يعني بالفتح في الجلالة،
وفي أكبر، وفي اشهد، وذلك أنه قدَّر الوقفَ على كل كلمة مِنْ هذه الكلم،
وألقى حركة الهمزة من كلٍ من الكلمِ الثلاثِ على الساكن قبله، وأجرى
الوصلَ مُجْرى الوقف في ذلك، والذي حَكّوه(١) الناس إنما هو في ((أكبر))
خاصة لأنها مَظِنَّةُ الوقف، وقد تقدَّم ذلك في أول آل عمران(٢).
وقرىء (٣) ((يوسُفُ أَعْرَضَ)) بضم الفاء و((أعرض)) فعلاً ماضياً،
وتخريجُها أن يكون ((يوسف)) مبتدأً، و((أَعْرض)) جملة مِنْ فعل وفاعل خبره.
قال أبو البقاء(٤): ((وفيه ضعف لقوله ((واستغفِري)) وكان الأشبهُ أن يكون
بالفاء: فاستغفري».
أ. (٣٠) قوله تعالى: ﴿وقال نسوةٌ﴾ النسوةُ فيها أقوالُ، المشهور أنها
جمعُ تكسير للقلة على فِعْلِهِ كالصِّبْيَة والغِلْمَة. ونصَّ بعضُهم على غَدَمِ
اطِّرادها وليس لها واحدٌ مِنْ لفظها. والثاني: أنها اسمٌ مفردٌ لجمع المرأة،
[٥١٠/أ] قاله الزمخشري(٥). والثالث: أنها اسمُ جمعٍ / قاله أبو بكر بن السراج(٦)
(١) كذا على لغة أكلوني البراغيث.
(٢) انظر الدر المصون: ٦/٣١.
(٣) الإملاء: ٥٢/٢.
(٤) الإِملاء: ٥٢/٢.
(٥) الكشاف: ٣١٦/٢.
(٦) الأصول: ١/ ١٧٤ :
٤٧٤

- يوسف -
وكذلك أخواتها كالصِّبْيَة والفِتْية. وعلى كل قولٍ فتأنيثها غير حقيقي باعتبار
الجماعة، ولذلك لم يلحق فعلَها تاءُ التأنيث، والمشهورُ كسرُ نونها، ويجوز
ضمُّها في لغةٍ، ونقلها أبو البقاء (١) قراءةً ولم أَحْفَظْه، وإذا ضُمَّتْ نونُه كان
اسمَ جمع بلا خلاف، ويُكسِّر في الكثرة على نِسْوان، والنساء جمع كثرة أيضاً
ولا واحدَ له من لفظه، كذا قال الشيخ (٢)، ومقتضى ذلك أن لا يكونَ النساءُ
جمعاً لنسوة لقوله: ((لا واحد له من لفظه)).
و ((في المدينة)) يجوز تعلُّقه بمحذوفٍ صفةً لنسوة وهو الظاهر،
وبـ ((قال)) وليس بظاهر.
قوله: ((تُراوِدُ)) خبر ((امرأة العزيز))، وجيء بالمضارع تنبيهاً على أن
المراوَدَةَ صارَتْ سَجِيَّةً لها ودَيْدَناً، دون الماضي، فلم يَقُلن ((راوَدَتْ)). ولام
(الفتى)) ياء لقولهم الفتيان وفُتَيّ، وعلى هذا فقولُهم ((الفتّوَّة)) في المصدر شاذ.
قوله: ((قد شَغَفَها)) هذه الجملةُ يجوز أن [تكون] خبراً ثانياً، وأن تكونَ
مستأنفة، وأن تكونَ حالاً: إمَّا من فاعل ((تُراوِدُ)) وإمَّا مِنْ مفعوله. و((حبّ))
تمييزٌ، وهو منقولٌ من الفاعلية، والأصل: قد شَغَفها حبُّه. والعامَّة على ((شَغَفها)»
بالغين المعجمة مفتوحةً بمعنى خَرَقَ شِغاف قلبها، وهو مأخوذ من الشَّغاف
والشَّغاف: حجاب القلب جُلْيْدَة رقيقة. وقيل: سويداء القلب. وقيل: داءً
يَصل إلى القلب من أجل الحب. وقيل: جُلَيْدَةٌ رقيقة يقال لها لسان القلب
ليسَتْ محيطةً به، ومعنى شَغَفَ قلبَه، أي: خرق حجابَه أو أصابه فأحرقه
بحرارة الحبِّ، وهو مِنْ شَغَفَ البعيرَ بالهِناء إذا طَلَاه بالقَطِران فأحرقه.
والمَشْغوف: مَنْ وصل الحبُّ لقلبه، قال الأعشى (٣):
(١) الإملاء: ٥٢/٢. وهي قراءة الأعمش والمفضل والسلمي كما في القرطبي: ١٧٦/٩.
(٢) البحر: ٢٩٩/٥.
(٣) ديوانه ١٠١؛ والبحر: ٢٩٩/٥.
٤٧٥

أ يوسف -
٢٧٦٨ - تَعْصِي الوُشَاةَ وكان الحُبُّ آوِنَةً مِمَّا يُزَيِّنُ للمَشْغوف ما صنعا
:
وقال النابغة الذبياني(١):
مكانَ الشَّغافِ تَبْتَغيه الأصابعُ
٢٧٦٩- وقد حالَ هَمِّ دونَ ذلك والِجْ
وقرأ ثابت(٢) البناني بكسر الغين. قيل: وهي لغة تميم.
وقرأ(٣) أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وعلي بن الحسين وابنه محمد
:
وابنه جعفر والشعبي وقتادة بفتح العين المهملة، وروي عن ثابت البناني
وأبي رجاء كَسْرُ المهملة أيضاً. واختلف الناس في ذلك فقيل: هو مِنْ شَعَفَ
البعيرَ إذا هَنَأَه فأحرقه بالقَطِران، قاله الزمخشري (٤)، وأنشد(٥):
كما شَعَفَ المَهْنُوْءَةَ الرجلُ الطَالي
٢٧٧٠-
والناسُ إنما يَرْوونه بالمعجمة ويُفَسِّرونه بأنه أصاب حبي شَغَافَ قلبها
أي أحرق حجابَه، وهي جُلَيْدَة رقيقة دونه، ((كما شَغَفَ))، أي: كما أَحْرق
وبالغ المهنوءة، أي: المَطْلِيَّةَ بالهِناء وهو القَطِران، ولا ينشدونه بالمهملة.
وقال أبو البقاء(٦) لمَّا حكى هذه القراءة: ((مِنْ قولك: فلان مَشْعوفٌ
(١) ديوانه ٤٥؛ والقرطبي: ١٧٦/٩؛ واللسان ((شغف)).
(٢) ثابت بن أسلم البناني المصري، وردت عنه الرواية في حروف من القرآن. توفي
سنة ١٢٧. طبقات القراء: ١٨٨/١. وانظر: في قراءته البحر: ٣٠١/٥.
(٣) الإتحاف ٢٦٤؛ البحر: ٣٠١/٥؛ القرطبي: ١٧٦/٩.
(٤) الكشاف: ٣١٦/٢
(٥) البيت لامرىء القيس وصدره:
لتقتَلَني، وقد شَعَفْتُ فؤادَها
وهتو في ديوانه ٣٣؛ واللسان ((شعف)).
(٦) الإِملاء: ٥٢/٢.
٤٧٦

- يوسف -
بكذا، أي: مُغْرى به (١)، وعلى هذه الأقوال فمعناهما متقارب. وفرَّق
بعضُهم بينهما فقال ابن زيد: ((الشَّغَف - يعني بالمعجمة - في الحب،
والشّعَفُ في البغض)). وقال الشعبي: ((الشُّغَف والمَشْغوف بالغين منقوطةً في
الحُبِّ، والشَّعَفُ الجنون، والمَشْعوف: المجنون».
قوله: (مُتَّكَأَ) العامَّةُ على ضم الميم وتشديدِ التاءِ وفَتْحِ الكاف والهمزِ،
وهو مفعولٌ به بأَعْتَدَتْ، أي: هَيَّأَتْ وَأَحْضَرَتْ. والمتِّكأ الشيءُ الذي يُتَّكَأُ
عليه من وسادةٍ ونحوها. وقيل: المتكأ: مكان الاتِّكاء. وقيل: طعام يُحَزّ
حَزَّاً وهو قول مجاهد. قال القتبيُّ(٢): ((يُقال: اتَّكَأْنا عند فلانٍ، أي: أَكَلْنا)).
قال الزمخشري(٣): ((مِنْ قولك: اتَّكَأنا عند فلان: طَعِمنا، على سبيل
الكناية؛ لأنه مِنْ ((دَعَوْتَه لَيَطْعَمَ عندك)): اتخذتَ له تُكَأَة يتكِىء عليها. قال
جميل (٤):
٢٧٧١ - فَظَلِلْنا بنعمةٍ واتَّكَأْنا وَشَرِبْنا الحَلالَ مِنْ قُلَلِهْ))
انتهى. قلت: فقوله: ((وشَرِبْنا)» مُرَشِّح لمعنى انَّكَأْنا بأكلنا.
وقرأ(٥) أبو جعفر والزهري ((مُتَّكَا)) مشدد التاء دون همزٍ وفيه وجهان،
أحدهما: أن يكونَ أصلُه مُتَّكأ كقراءة العامَّة وإنما خُفِّفَ همزُه كقولهم تَوَضَّيْتُ
في تَوَضَّأْتُ، فصار بزنة مُتَّقَى. والثاني: أن يكونَ مُفْتَعَلًا مِنْ أَوْكَيْتُ القِرْبة إذا
شَدَدْتَ فاها بالوِكاء، فالمعنى: أَعْتَدَتْ شيئاً يَشْتَدِدْن عليه: إمَّا بالاتِّكاء وإمّا
(١) عبارة المطبوعة: أي: مغرم به ومولع.
(٢) تفسير غريب القرآن ٢١٦.
(٣) الكشاف: ٣١٦/٢.
(٤) ديوانه ١٠٦؛ والقرطبي: ١٧٨/٩. والقلل: ج قلة وهي الجرة العظيمة.
(٥) انظر في قراءاتها: الإِتحاف ٢٦٤؛ البحر ٣٠٢/٥؛ المحتسب: ٣٣٩/١؛ الشواذ ٦٣.
٤٧٧

---
- يوسف -
بالقطع بالسكين، وهذا الثاني تخريج أبي الفتح(١).
وقرأ الحسن وابن هرمز ((مُتَّكاءً)) بالتشديد والمدِّ، وهي كقراءةِ العامّة
إلا أنه أشبع الفتحة فتولَّد منها ألفٌ كقوله(٢):
ومِنْ ذَمِّ الرجالِ بمنتزاحٍ
٢٧٧٢ -
وقوله(٣):
٢٧٧٣ - يَنْبَاعِ مِنْ ذِفْرَى غَضُوبٍ جَسْرَةٍ
وقوله(٤):
الشَّائِلاتِ عُقَدَ الْأُذْنَابِ
٢٧٧٤ - أَعوذُ باللَّه مِنَ العَقْرابِ
أي: بمنتزح ويَنْبَع والعقرب الشائلة.
[٥١٠/ب]
وقرأ ابن عباس وابن عمر ومجاهد وقتادة / والضحاك والجحدري
وأبان بن تغلب «مُتْكاً) بضم الميم وسكون التاء وتنوین الكاف، وكذلك قرأ
ابن هرمز وعبد اللَّه ومعاذ(٥)، إلا أنهما فتحا الميم. والمُتْكُ بالضم والفتح
الْأَتْرُجُ، ويقال الْأُتْرُنْجُ لغتان، وأنشدوا(٦):
تَخُبُّ بها العَثَمْثَمَةُ الوَقَاجُ
٢٧٧٥ - فَأَهْدَتْ مُنْكَةً لبني أبيها
(١) المحتسب: ٣٣٩/١.
(٢) تقدم برقم ١٤٢٤ .
(٣) تقدم برقم ١٤٢٢.
(٤) تقدم برقم ١٤٦٢٪
(٥) الأصل وعبدالله ابن معاذ، وليس ثمة قارىء بهذا الاسم، والتصحيح من البحر:
٣٠٢/٥.
(٦) لم أهتد إلى قائله وهو في الكشاف: ٣١٦/٢، والعثمثم: الجمل القوي الشديد،
والوقاح: الصلب.
٤٧٨
۔۔

۔ یوسف -
وقيل: بل هو اسم لجميع ما يُقطع بالسكين كالْأَتْرُجُ وغيره من الفواكه،
وأنشدوا(١):
٢٧٧٦ - نَشْرَبُ الإِثْمَ بالصُّواعِ جِهاراً وترى المُتْكَ بيننا مُسْتعارا
قيل: وهو مِنْ مَتَك بمعنى بَتَك الشيءَ، أي: قطعه، فعلى هذا يحتمل
أن تكونَ الميم بدلاً من الباء وهو بدل مُطّرد في لغة قومٍ ، واحتُمِل أن يكونَ
من مادةٍ أخرىُ وافَقَتْ هذه. وقيل: بالضم العسلُ الخالص عند الخليل،
والْأَتْرُجُ عند الأصمعي. ونقل أبو عمرو فيه اللغات الثلاث، أعني ضمَّ الميمِ
وفتحَها وكسرَها قال: وهو الشرابُ الخالص. وقال المفضل: هو بالضم
المائدة، أو الخمر في لغة كِنْدة.
وقوله: (لَهُنَّ مُتَّكَأَ)): إمَّا أَنْ يريدَ كل واحدةٍ مُتَّكَأَ، ويَدُلُّ له قوله: ((وَآتَتْ
كلَّ واحدةٍ منهنَّ سِكِيناً))، وإمَّا أن يريدَ الجنس.
والسِّكِّين يُذَكَّرُ ويؤثَّثُ، قاله الكسائي والفراء(٢)، وأنكر الأصمعي
تأنيثه. والسَّكِينة فَعِيلة من السكون. وقال الراغب(٣): ((سُمِّ به لإِزالتِه حركةً
المذبوح)).
قوله: ((أَكْبَرْنَه)) الظاهر أن الهاء ضمير يوسف. ومعنى أَكْبَرْنَه عَظَّمْنه
ودُهِشْن مِنْ حُسْنه. وقيل: هي هاء السكت. قال الزمخشري (٤): ((وقيل:
أَكْبَرْنَ بمعنى ((حِضْنَ)) والهاء للسكت، يقال: أَكْبَرَتِ المرأةُ إذا حاضَتْ،
وحقيقتُه: دَخَلَتْ في الكِبَر؛ لأنها بالحيض تخرُجُ مِنْ حَدِّ الصِّغَرِ إلى الكِبْرِ،
(١) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر: ٢٩٩/٥؛ والقرطبي: ١٧٨/٩؛ والمحرر: ٢٨٨/٩.
(٢) عبارته في ((المذكر والمؤنث)) ٩٦: ((ذكر وربما أَنَّث في الشعر)).
(٣) المفردات ٢٣٧.
(٤) الكشاف: ٣١٧/٢.
٤٧٩

- يوسف -
وكأنَّ أبا الطيب أخذ من هذا التفسير قولَه(١):
٢٧٧٧ - خَفِ اللَّهَ وَاسْتُرْ ذا الجمالَ بُبُرْقُعِ
فإنْ لُحْتَ حاضَتْ في الخُدورِ العواِقُ
انتهى. وكونُ الهاء للسكتِ يَرُدُّه ضمُّ الھاءِ، ولو كانت للسکتِ لَسَكَنَتْ
وقد يقال: إنه أَجْراها مُجْرى هاء الضمير، وأَجْرى الوصلَ مُجْرى الوقف في
إثباتها. قال الشيخ (٢): ((وإجماعُ القَّراء على ضمَّ الهاء في الوصل دليلٌ على
أنها ليسَتْ هاءَ السكت؛ إذ لو كانت هاءَ السكت وكان من إجراء الوصلِ
مُجْرى الوقفِ لم يضمَّ الهاء)). قلت: وهاء السكت تُحَرَّك بحركةِ هاءِ الضمير
إجراءً لها مُجْراها، وقد حَقَّقْتُ هذا في الأنعام، وقد قالوا ذلك في قول
المتنبي أيضاً(٣):
٠
٢٧٧٨ - واحَرَّ قلباهُ مِمِّنْ قَلْبُه شَبِمُ
فإنه رُوِي بضم الهاء في «قلباه)) وجعلوها هاءَ سکتٍ. ویمکن أن يكون
(أَكْبَرْنَ)) بمعنى حِضْنَ ولا تكون الهاء للسَّكْت، بل تُجْعل ضميرَ المصدرِ
المدلولِ عليه بفعله أي: أَكْبَرْنَ الإِكبار، وأنشدوا على أن الإِكبارَ بمعنى
الحيض قوله(٤).
يأتي النساءَ إِذا أَكْبَرْن إكبارا
٢٧٧٩ - يأتي النساءَ على أَطْهارِهِنَّ ولا
قال الطبري(٥): ((البيت مصنوعٌ)).
(١) ديوان المتنبي: ٣٤٩/٢.
(٢) البحر: ٣٠٣/٥.
(٣) تقدم برقم ١٩٧٩.
(٤) لم أهتد إلى قائله، وهو في اللسان كبر، والمحرر: ٢٩٠/٩؛ والبحر: ٣٠٣/٥.
(٥) تفسير الطبري (البابي الجلبي): ٢٠٥/١٢.
٤٨٠