النص المفهرس

صفحات 441-460

- يوسف -
وإذا كانوا قد التزموا ذلك فيما لم يُصَرَّح له بمفردٍ مِنْ لفظه نحو: عباديد
وشماطيط وأبابيل ففي ((أحاديث)) أَوْلى، ولهذا(١) رُدَّ على الزمخشري(٢) قولُه:
«وهي اسم جمعٍ للحديث ولیس بجمع أُحْدوثة)) بما ذكرته، ولكنَّ قوله «لیس
بجمعِ أَحْدوثة)) صحيحٌ؛ لأن مذهبَ الجمهور خلافُه، على أنَّ كلامه قد یرید
به غير ظاهرِهِ مِنْ قوله اسم جمع.
وقوله: (عليك)) يجوز أَنْ يتعلّق بـ ((يُتِمَ))، وأن يتعلَّقَ بـ ((نعمته)). وکرَّر
((على)) في قوله: ((وعلى آل)) ليمكنَ العطفُ على الضمير المجرور. هذا
مذهبُ البصريين، وتقدَّم بيانه(٣). وقوله: ((مِنْ قبلُ)) أي مِنْ قبلك.
قوله: ((إبراهيم وإسحاقَ)) يجوز أن يكونَ بدلاً من ((أبويك)) أو عطف
بيان، أو على إضمارٍ أَعْني.
آ. (٧): وقرأ ابن كثير(٤) (آية)) بالإِفراد، والمرادُ بها الجنسُ، والباقون
بالجمع تصريحاً بالمرادِ لأنها كانت علاماتٍ كثيرة. وزعم بعضُهم أنَّ ثَمّ
معطوفاً محذوفاً تقديرُه: للسائلين ولغيرهم، ولا حاجةً إليه. و((للسائلين))
متعلقٌ بمحذوف نعتاً لآيات.
آ. (٨) قوله تعالى: ﴿أَحَبُّ إلى أبينا﴾: ((أحبُّ)» أفعل تفضیل،
وهو مبنيٌّ مِنْ (حُبَّ)) المبني للمفعول وهو شاذ. وإذا بَنَيْتَ أفعل التفضيل مِنْ
مادة الحب والبغض تعدَّى إلى الفاعل المعنوي بـ ((إلى))، وإلى المفعولِ
المعنويّ باللام أو بـ ((في))، فإذا قلت: ((زيدٌ أحبُّ إليَّ مِنْ بكر)» يعني أنك
(١) انظر: البحر: ٢٨١/٥.
(٢) الكشاف: ٣٠٣/٢.
(٣) انظر: الدر المصون: ٣٩٤/٢.
(٤) السبعة: ٣٣٤؛ البحر: ٢٨٢/٥؛ التيسير: ١٢٧؛ الحجة: ٣٥٥.
٤٤١

- يوسف -
تحب زيداً أكثر من بكر فالمتكلم هو الفاعلُ، وكذلك: ((هو أبغض إليَّ منه)»
أنت المُبْغِض، وإذا قلت: زيدٌ أحبُّ لي مِنْ عَمْروٍ، أو أَحَبُّ فيَّ منه، أي:
إنَّ زيداً يحبُّني أكثرَ من عمرو. وقال امرؤ القيس(١):
٢٧٤٠ - لَعَمْرِي لَسَعْدٌ حيث حُلَّت ديارُه أُحبُّ إلينا منكَ فافرسٍ خَمِرْ
وعلى هذا جاءَتِ الآيةُ الكريمة، فإنَّ الأبَ هو فاعل المحبَّة. واللام في
(يوسف)) لامُ الابتداء أفادَتْ توكيداً لمضمون الجملة، وقوله: ((أحبُّ)) خبر
المثنى، وإنما لم يطابِقْ لِما عَرَفْتَ مِنْ حكم أفعلَ التفضيل(٢).
٦
والواو في ((ونحن عصبةٌ)) للحال، فالجملةُ بعدها في محل نصب على
٠
الحال. والعامَّةُ على رفع ((عُصْبة)) خبراً لـ (نحن)). وقرأ(٣) أمير المؤمنين بنصبها
على أن الخبر محذوف، والتقدير: نحن نُرى أو نجتمع فيكون ((عصبة)» حالاً،
إلا أنه قليلٌ جداً، وذلك لأن الحال لا تَسُدُّ مَسَدَّ الخبر إلا بشروطٍ ذكرها النحاة(٥)
نحو ((ضَرْبي زيداً قائماً)، و((أكثر شُرْبي السَّوِيْقَ ملتوتا)). قال ابن الأنباري:
((هذا كما تقول العرب: ((إنما العامريُّ عِمَّتَه)) أي: يتعمَّم ◌ِمَّته)) ..
قال الشيخ(٥): ((وليس مثلَه لأنَّ ((عصبة)) ليس بمصدرٍ ولا هيئةٍ، فالأجودُ
أن يكونَ من باب ((حُكْمُكِ مُسَمَّطً)(٦). قلت: ليس مرادُ ابنِ الأنباري
إلا التشبيهَ من حيث إنه حَذَف الخبر وسَدَّ شيءٌ آخرُ مَسَدَّه في غير المواضع
(١) ديوانه: ١١٣. عيَّره الفم لأن الفرس إذا حَمر أنتن فوه، فناداه بذلك وعيّره.
(٢) أفعل التفضيل المجرد من أل والإضافة يكون مفرداً مذكراً دائماً.
(٣) البحر: ٢٨٣/٥. وقال في الشواذ: ((رواية النزال بن سبرة عن علي، ونفى ابن مجاهد أن
يكون عليّ قرأ بذلك)). الشواذ: ٦٢.
(٤) انظر: أوضح المسالك: ١١٦.
(٥) البحر: ٢٨٣/٥.
(٦) أي لا اعتراض عليه.
٤٤٢

- يوسف -
المنقاسِ فيها ذلك، ولا نَظَر لكونِ المنصوب مصدراً أو غيرَه. وقال المبرد(١):
((هو من باب ((حُكْمُكِ مُسَمِّطً)) أي: / لك حكمُك مُسَمِّطاً، قال الفرزدق(٢): [٥٠٥/ب]
(يَا لَهْذَمُ حُكمِك مُسَمَّطً) أراد: لك حكمُك مُسَمَّطاً، قال: ((واسْتُعْمل هذا
فَكَثُرَ حتى خُذِف استخفافاً لعلم ما يريد القائل كقولك: ((الهلالُ واللَّهِ» أي:
هذا الهلال)). والمُسَمَّط: المُرْسَلُ غير المردودِ. وقدَّره غيرُ المبرد: حُكْمُك
ثَبَتَ مُسَمِّطاً. وفي هذا المثالِ نظرً؛ لأنَّ النحويين يجعلون مِنْ شَرْط سَدِّ
الحالِ مَسَدَّ الخبرِ أن لا يَصْلُحَ جَعْلُ الحال خبراً لذلك المبتدأ نحو: ((ضربي
زيداً قائماً) بخلاف: ((ضربي زيداً شديدً))، فإنها تُرْفع على الخبرية، وتَخْرج
المسألة من ذلك، وهذه الحال أعني مُسَمِّطاً يَصْلُحُ جَعْلُها خبراً للمبتدأ،
إذ التقديرُ: حُكْمُكَ مُرْسَلٌ لا مَرْدُود، فيكون هذا المَثَلُ على ما قَرَّرْتُه مِنْ
كلامهم شاذاً.
والعُصْبة: ما زاد على عشرة، عن ابن عباس، وعنه: ما بين عشرةٍ إلى
أربعين. وقيل: الثلاثة نفر، فإذا زاد على ذلك إلى تسعة فهم رَهْط، فإذا
بلغوا العشرة فصاعداً فُعُصْبة. وقيل: ما بين الواحد إلى العشرة. وقيل من
عشرة إلى خمسة عشر. وقيل: ستة. وقيل: سبعة. والمادة تدلُّ على الإِحاطة
من العِصابة لإِحاطتها بالرأس.
آ. (٩) قوله تعالى: ﴿أَرْضاً﴾: فيه ثلاثة أوجه، أحدها: أن تكون
منصوبة على إسقاط الخافض تخفيفاً أي: في أرضٍ كقوله: ((لَأَقْعُدَنَّ لهم
صراطَك)) (٣)، وقوله (٤):
(١) الكامل: ٤٣٥/٢.
(٢) انظر: الخبر في الكامل: ٤٣١/٢، وقول الفرزدق هنا نثري.
(٣) الآية ١٦ من سورة الأعراف.
(٤) تقدم برقم ٢١٥٣.
٤٤٣

- يوسف -
... كما عَسَل الطريقَ الثعلبُ
٢٧٤١-
وإليه ذهب الحوفيُّ وابن عطية(١). والثاني: النصب على الظرفية. قال
الزمخشري(٢): ((أرضاً منكورةً مجهولةً بعيدةً من العمران، وهو معنى تنكيرها
وإخلائِها من الناس، ولإبهامِها من هذا الوجه نُصِبَتْ نَصْبَ الظروفِ
المبهمة)). وقد رَدَّ ابن عطية هذا الوجه فقال(٣): ((وذلك خطأ؛ لأنَّ الظرفَ
ينبغي أن يكون مبهماً، وهذه ليست كذلك بل هي أرضٌ مقيَّدة بأنها بعيدة
أو قاصِيَةٌ أو نحو ذلك، فزال بذلك إبهامُها ومعلومٌ أنَّ يوسفَ لم يَخْلُ مِن
الكون في أرضٍ ، فتبيّن أنهم أرادوا أرضاً بعيدة غيرَ التي هو فيها قريبٌ مِنْ
أبیه».
واستحسن الشيخ هذا الردّ وقال(٤): ((وهذا الردُّ صحيح لوقلت:
جلست داراً بعيدة أو مكاناً بعيداً لم يصحّ إلا بواسطة ((في))، ولا يجوز حَذْفُها
إلا في ضرورةِ شعرٍ، أو مع ((دَخَلْت)) على الخلاف في ((دَخَلْت)) أهي لازمةٌ
أم متعديةٌ؟».
قلت: وفي الكلامَيْن نظرُ؛ إذ الظرفُ المبهم عبارة عَمًّا ليس له حدودٌ
تَحْصُره ولا أقطارٌ تحويه، و(أرضاً)) في الآية الكريمة من هذا القبيل.
الثالث: أنها مفعولٌ ثانٍ، وذلك إنْ تَضَمَّن ((اطرحوه)» أَنْزِلوه، وأَنْزِلوه
يتعدَّى لاثنين قال تعالى(٥): ((أَنْزِلْني مُنْزِلاً مباركا). وتقول: أَنْزَلْت زيداً الدار.
(١) المحرر: ٢٥٣/٩.
(٢) الكشاف: ٣٠٥/٢.
(٣) المحرر: ٢٥٣/٩.
(٤) البحر: ٢٨٣/٥.
(٥) الآية ٢٩ من سورة المؤمنون.
٤٤٤

- يوسف -
والطَّرْحِ: الرَّمْي، ويُعَبَّر به عن الاقتحام في المخاوف. قال عُرْوة ابن
الورد(١):
من المال يَطْرَحْ نفسَه كلِّ مَطْرَحِ
٢٧٤٢ - ومَنْ يَكُ مثلي ذا عيالٍ ومُقْتِراً
و ((يَخْلُ لكم)) جوابُ الأمر، وفيه الإِدغام والإظهار، وقد تقدَّم تحقيقُهما
عند قوله: ((يَبْتَغ غيرَ الإِسلام))(٢).
آ. (١٠) قوله تعالى: ﴿في غيابة﴾: قرأ نافع(٣) ((غيابات بالجمع في
الحرفين(٤) مِنْ هذه السورة، جُعِل ذلك المكانُ أجزاءً، وسُمِّي كلُ جزء
غَيَابَة، والباقون بالإِفراد وهو واضحُ. وابن هرمز. كنافع إلا أنه شَدَّد الياءً.
والأظهرُ في هذه القراءة أن يكون سُمِّ باسم الفاعل الذي للمبالغة فهو وصفٌ
في الأصل. وألحقه الفارسيُّ(٥) بالاسم الجائي على فَعَّال نحو ما ذكر
سيبويه(٦) من ((الفَيَّاد)). قال ابن جني(٧): ((ووجَدْت من ذلك ((الفَخَّار)):
الخَزَّف)). وقال صاحب ((اللوامح)): ((يجوز أن يكون على فَعَّالات كحَمَّامات،
ويجوز أن يكونَ على فَيْعالات كشيطانات جمع شَيْطانة، وكلُّ للمبالغة)».
وقرأ الحسن: ((غَيّبَة)) بفتح الياء، وفيها احتمالان، أحدهما: أَنْ تكونَ
(١) ديوانه ٤٤٥؛ والبحر المحيط: ٢٧٦/٥؛ والمحرر: ٢٥٣/٩.
(٢) الآية ٨٥ من سورة آل عمران. وانظر: الدر المصون: ٢٩٩/٣.
(٣) السبعة: ٣٤٥؛ البحر: ٢٨٤/٥؛ الإتحاف: ٢٦٢؛ التيسير: ١٢٧؛ الحجة: ٣٥٥؛
الشواذ: ٦٢.
(٤) الموضع الثاني في الآية ١٥.
(٥) لم يشر إلى ذلك في (الحجة)) وإنما ذكر ما أسلفه السمين قبلاً في الفرق بين القراءتين.
(٦) لم أقف على هذه اللفظة في ((الكتاب))، ومعناها المتبختر وذكّر البوم، كما في اللسان: فيد
وعبارة ابن جني في المحتسب: ٣٣٣/١. ((وكان أبو علي يضيف إلى ما حكاه
سيبويه ... )) فقد تكون هذه اللفظة مما أضافه أبو علي وليست في الكتاب.
(٧) انظر: المحتسب: ٣٣٣/١؛ والبحر: ٢٨٤/٥.
٤٤٥

- يوسف -
في الأصل مصدراً كالغَلَبةِ. والثاني: أن يكونَ جمع غائب نحو: صانع
وصَنَعَة. قال الشيخ(١): ((وفي حرف أُبَيّ ((غَيْبة)) بسكون الياء، وهي ظلمة
الرَّكِيَّة))(٢). قلت: والضبطُ أمرٌ حادثٌ فكيف يُعرف ذلك في المصحف؟ وقد
تقدَّم نحوٌ من ذلك فيما تقدم.
والغَيَابة: قال الهرويُّ: ((شِبْهُ لَجَفٍ (٣) أو طاقٍ في البئر فُوَيْق الماء يغيب
:
ما فيه عن العيون. وقال الكلبي: ((الغَيَابة تكون في قَعْرِ الجُبِّ؛ لأنَّ أسفله .
واسعٌ ورأسَه ضيق فلا يكاد الناظر يرى ما في جوانبه)). وقال الزمخشري (٤):
[٥٠٦/أ] ((هي غَوْرُه وما غابَ منه عن عَيْن الناظر وأظلمُ مِنْ أسفلِه، قال المنخل(٥): /
فسِيْروابسيري في العشيرةوالأهلِ
٢٧٤٣ - فإنْ أنا يَوْماً غَيَبْنِي غَيابتي
أراد: غَابَةً حُفْرته التي يُدْفن فيها. والجُبُّ: البئر التي لم تُطْوَ،
وتَسْمِيتُه بذلك: إمَّا لِكونه محفوراً في جُبُوب الأرض أي: ما غَلُظ منها،
وإمَّا لأنه قُطِعَ في الأرضَ، ومنه الجَبُّ في الذَّكَر.
وقال الأعشى(٦):
٢٧٤٤ - لَئِنْ كنت في جُبّ ثمانين قامَةً وَرُمَّيْتَ أَسْبابَ السماءِ بِسُلَّمِ
ويُجْمع على خِيَبَة وجِباب وأَجْباب.
قوله: ((يَلْتَقِطْهُ بعضُ [السَّيَّارة)) ] قرأ العامَّة ((يَلْتَقِطْه)) بالياء من تحت
(١) البحر: ٢٨٤/٥.
(٢) أي: قعر البئر.
(٣) اللجف: الناحية من البئر. وانظر: القرطبي: ١٣٢/٩.
(٤) الكشاف: ٣٠٥/٢.
(٥) البيت في المحرر: ٢٥٤/٩؛ ومجاز القرآن: ٣٠٢/١؛ والبحر: ٢٨٤/٥.
(٦) تقدم برقم ٢٣٤٩
٤٤٦

- يوسف -
وهو الأصل. وقرأ(١) الحسن ومجاهد وأبو رجاء وقتادة بالتاء مِنْ فوق التأنيث
المعنى، ولإضافته إلى مؤنث، وقالوا: ((قُطِعت بعض أصابعه))، وقال
الشاعر (٢):
كفى الأيتامَ فَقْدَ أبي اليتيمِ
٢٧٤٥- إذا بعضُ السنينَ تَعَرَّقَتْنَا
وقد تقدَّمَ الكلامُ بأوسعَ مِنْ هذا في الأنعام والأعراف. ومفعول
((فاعلين)) محذوفٌ أي: فاعلين ما يُحَصِّل غَرَضَكم.
والسَّيَّارة: جمع ((سَيَّار)»، وهو مثالُ مبالغة.
والالتقاط: تَنَاوُلُ الشيءِ المطروحِ، ومنه: ((اللَّقَطَّة)) واللَّقِيط. وقال
الشاعر(٣):
٢٧٤٦ - ومَنْهَلٍ وَرَدْتُهُ التِقاطا
آ. (١١) قوله تعالى: ﴿لا تَأْمَنَّا﴾: حالٌ وتقدَّم نظيرُه. وقرأ العامّة (٤)
(تأمَنَّ) بالإِخفاء، وهو عبارةٌ عن تضعيفِ الصوت بالحركة والفصل بين
النونين، لا أنَّ النونَ تُسَكَّن رَأْساً، فيكون ذلك إخفاءً لا إدغاماً. قال الداني(٥):
((وهو قولُ عامَّةٍ أثمَّتنا وهو الصوابُ لتأكيد دلالته وصحته في القياس)).
(١) الإتحاف: ٢٦٢؛ البحر: ٢٨٤/٥؛ القرطبي: ١٣٣/٩.
(٢) البيت لجرير في ديوانه: ٥٠٧؛ والكتاب: ٢٥/١؛ والمقتضب: ١٩٨/٤؛ وابن يعيش
٩٦/٥؛ والخزانة: ١٦٧/٢. وكفى بمعنى أغنى، الأيتامَ وفَقْدَ: مفعولاه أي: كفى
الأيتام فقد آبائهم لأنه أعطاهم، وأراد: فقد أبيهم فلم يمكنه. وتعرَّقتنا: آذَتْنا.
(٣) البيت لنقادة الأسدي وبعده:
لم أَلْقَ إِذْ وَرَدْتُه فُرَّاطا
وهو في اللسان لقط، والبحر: ٢٧٦/٥.
(٤) انظر في قراءتها: الإتحاف: ٢٦٢؛ البحر: ٢٨٥/٥؛ السبعة: ٣٤٥.
(٥) التيسير: ١٢٨.
٤٤٧٠

- يوسف -
وقرأ بعضُهم ذلك بالإِشمام، وهو عبارةٌ عن ضمِّ الشفتين إشارةً إلى
حركة الفعل مع الإدغامِ الصريح كما يشير إليها الواقف، وفيه عُسْرٌ كبير
قالوا: وتكون الإِشارة إلى الضمة بعد الإِدغام أو قبل كمالِه، والإِشمامُ يقع
بإزاء معانٍ هذا مِنْ جُمْلتها، ومنها إشراب الكسرةِ شيئاً مِن الضم نحو:
(قيل))(١) و((غِيْض))(٢) وبابه، وقد تقدم أولَ البقرة. ومنها إشمامُ أحدٍ حرفين
شيئاً من الآخر كإشمام الصاد زاياً في ((الصراط))(٣): ((ومَنْ أَصْدَق)) (٤)
وبابهما، وقد تقدم ذلك أيضاً في الفاتحة والنساء، فهذا خَلْطُ حرفٍ بحرف،
كما أنَّ ما قبله خَلْطُ حركة بحركة. ومنها الإِشارةُ إلى الضمة في الوقفِ
خاصةً، وإنما يراه البصير دونَ الأعمى .
وقرأ أبو جعفر بالإِدغام الصريح من غير إشمامٍ. وقرأ الحسن ذلك
بالإِظهار مبالغةً في بيان إعراب الفعل وللمحافظة على حركة الإِعراب. اتفق
الجمهورُ على الإخفاء أو الإِشمام كما تقدم تحقيقه.
وقرأ ابن هرمز ((لا تَأْمُنًا)) بضم الميم، نَقَل حركةَ النون الأولى عند إرادةٍ
إدغامها بعد سَلْب الميمِ حركتها، وخطُّ المصحف بنون واحدة، ففي قراءة
الحسن مخالفة لها.
وقرأ أبورزين وابن وثاب ((لا تِيْمَنَّ)) بكسر حرف المضارعة، إلا أنَّ ابنَ
وثَّابٍ سَهَّل الهمزةَ. قال الشيخ(٥): ((ومجيئُه بعد ((مالك)) والمعنى يُرْشد إلى
أنه نَفْيٌ لا نَهْيٌ وليس كقولهم («ما أَحْسَنَا)) في التعجب؛ لأنه لو أدغم لالتبسَ
(١) الآية ١١ من سورة البقرة.
(٢) الآية ٤٤ من سورة هود . .
(٣) الآية ٥ من سورة الفاتحة. وانظر: الدر المصون ٦٤/١.
(٤) الآية ٧٨ من سورة النساء.
(٥) البحر: ٢٨٥/٥.
٤٤٨

- يوسف -
بالنفي)). قلت: وما أبعد هذا عن تَوَهُّم النهي حتى يَنُصَّ عليه. وقوله:
(لالتبس بالنفي)) صحيح.
آ. (١٢) قوله تعالى: ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ)): فيها أربعَ عَشَرَةَ قراءةً(١)
إحداها: قراءةُ نافعٍ بالياءِ مِنْ تحت وكسرِ العين. الثانية: قراءةُ البزي عن ابن
كثير ((نَرْتَع ونلعب)) بالنونِ وكسرِ العين. الثالثة: قراءةُ قنبل، وقد اخْتُلِفَ عليه
فنُقِل عنه ثبوتُ الياء بعد العين وَصْلاً وَوَقْفاً وحَذْفُها وصلاً ووقفاً، فيوافق البزيَّ
في أحد الوجهين عنه، فعنه قراءتان. الخامسة: قراءة أبي عمرو وابن عامر
((نرتَعْ ونلعبْ)) بالنون وسكون العين والباء. السادسة: قراءة الكوفيين: ((يرتعْ
ويلعبْ)) بالياء من تحت وسكون العين والباء.
وقرأ جعفر بن محمد ((نرتع)) بالنون و((يلعب)) بالياء، ورُوِيَتْ عن ابن
كثير. وقرأ العلاء بن سيابة ((يَرْتَعِ ويلعبُ)) بالياء فيهما وكسر العين وضم الباء.
وقرأ مجاهد وقتادة وابن محيصن ((نُرْتَعْ)) بضم النون وسكون العين والباء. وقرأ
أبو رجاء كذلك، إلا أنه بالياء مِنْ تحت فيهما. والنخعي ويعقوب ((نرتع))
بالنون و ((يلعب)» بالياء. والفعلان في هذه القراءات كلها مبنيٌّ للفاعل.
وقرأ زيد بن علي ((يُرْتَع ويُلْعَب)) بالياءِ مِنْ تحت مبنيّين للمفعول.
وقرىء («نرتعي ونلعبُ)) بثبوت الياء ورفع الباء. وقرأ ابن أبي عبلة ((نَّرْعي
ونلعب)) فهذه أربعَ عشرةَ قراءةً، منها ستَّ في السبع المتواتِرِ وثمانٍ في الشاذ.
فَمَنْ قرأ بالنون أسند الفعلَ إلى إخوة يوسف، ومَنْ قرأ بالياء أسند الفعل
إليه دونهم، ومَنْ كسَر العين اعتقد أنه جزم بحذف حرف العلة، وجعله
مأخوذاً [مِنْ](٢) يَفْتَعِل من الرَّعْي كيرتمي مِن الرمي. ومَنْ سَكَّن العينَ اعتقد
(١) انظر في قراءاتهما: السبعة: ٣٤٥؛ التيسير: ١٢٨؛ الحجة: ٣٥٦؛ البحر: ٢٨٥/٥.
(٢) زيادة من (ش).
٤٤٩

البيئة لو بغة
- يوسف -
أنه جَزَمَه بحذف الحركة وجعله مأخوذاً مِنْ رَتعَ يَرْتَعُ إذا اتسع في الخِصْب
قال(١) :
وإذا يَخْلُو له لَحْمِي رَتَعْ
٢٧٤٧-
ومَنْ سكَّن الباءَ جعله مجزوماً، ومَنْ رفعها جعله مرفوعاً على الاستئناف
أي: وهو يلعب، ومَنْ غاير بين الفعلين فقرأ بالياء مِنْ تحت في ((يلعب)) دون
(رتع)) فلأنَّ اللعبَ مُناسب للصغار. ومَنْ قَرَأَ: ((نُرْتِع)) رباعياً جعل مفعوله
[٥٠٦/ب] محذوفاً، أي: نُرْعي مواشِيَنا، ومَنْ بناها للمفعول فالوجهُ أنه أضمر / المفعول
الذي لم يُسَمَّ فاعلُه وهو ضمير الغد، والأصل: نرتع فيه ونلعب فيه، ثم اتسع
فيه فَحُذِفَ حرفُ الجر فتعدَّى إليه الفعلُ بنفسه فصار: نرتعه ونلعبه، فلمّا
بناء للمفعول قام الضمير المنصوب مقام فاعله فانقلب مرفوعاً واستتر في :
رافعه، فهو في الاتساع كقوله(٢):
٢٧٤٨ - ويومٍ شَهِدْناه سُلَيْمى وعامراً
ومَنْ رفع الفعلين جعلَهما حالَيْن، وتكون حالاً مقدرة. وأمَّا إثبات الياء
في ((فَرْتعي)) مع جزم ((نلعب)) وهي قراءةُ قنبل فقد تجرأ بعض الناس ورَدِّها،
وقال ابن عطية (٣): ((هي قراءةً ضعيفة لا تجوز إلا في الشعر)) وقيل: هي لغةُ
مَنْ يجزم بالحركة المقدرة وأنشد(٤):
٢٧٤٩ - ألم يَأْتيك والأنباءُ تَنْمي
(١) لم أهتد إلى قائله، وصدره:
وحبيبُ لي إذا لاقَيْتُه
وهو في اللسان ((رتع)).
(٢) تقدم برقم ٤٣٥.
(٣) المحرر: ٢٥٨/٩.
(٤) تقدم برقم ٢٦٤٠
٤٥٠

- يوسف -
وقد تقدَّمَتْ هذه المسألةُ مستوفاةً .
و((نَرْتع)) يحتمل أنْ يكونَ وزنُه تَفْتَعِلْ(١) مِن الرعي وهو أَكْلُ المَرْعَى،
ويكون على حَذْف مضاف: نرتع مواشينا، أو من المراعاة للشيء قال(٢):
٢٧٥٠ - تَرْتَعِي السَّفْحَ فالكَثِيبَ فَذَاقا ◌ٍ فَرَوْضَ القطا فَذَاتَ الرِّثالِ
ويحتمل أن يكونَ وزنُه نَفْعَل مِنْ: رَتَعَ يَرْتَعُ إذا أقام في خِصْب وسَعَة،
ومنه قول(٣) الغضبان بن القبعثرى: ((القَيْدُ والرَّتَعَةُ وقِلَّةُ المَنَعَة)) وقال
الشاعر(٤):
وبعد عطائِك المِثَةَ الرُّتاعا
٢٧٥١ - أكفراً بعد رَدِّ الموت عني
قوله: ((وإنَّا له لحافِظُون)) جملة حالية، والعامل فيها أحدُ شيئين:
إِمَّ الأمر، وإمَّا جوابه. فإن قلت: هل يجوز أن تكونَ المسألةُ من الإِعمال لأنَّ
كلّ من العاملين يصحُّ تَسَلُّطُه على الحال؟ فالجواب: ذلك لا يجوز، لأن
الإِعمالَ يَسْتَلْزم الإِضمار، والحال لا تُضْمر؛ لأنها لا تكون إلا نكرةً أو مؤولةً
بها .
آ. (١٣) قوله تعالى: ﴿أَنْ تَذْهبوا﴾: فاعل ((يَحْزُني))، أي : يَحْزنني
ذهابُكم. وفي هذه الآيةِ دلالةٌ على أنَّ المضارعَ المقترن بلام الابتداء لا يكون
حالاً(٥)، والنحاةُ جَعَلوها مِن القرائن المخصصة للحال، ووجه الدلالة أنَّ ((أَنْ
تَذْهبوا)) مستقبلٌ لاقترانه بحرفِ الاستقبال وهي ((أنْ))، وما في حيزها فاعلٌ،
(١) هذا على تمامه قبل حذف لامه.
(٢) البيت للأعشى في ديوانه: ٣؛ والبحر: ٢٧٦/٥.
(٣) قاله للحجاج يوم رآه قد سَمِن. انظر: اللسان رتع.
(٤) تقدم برقم ٣١٧.
(٥) الحال هنا الزمني لا الإعرابي.
٤٥١

- يوسف -
فلو جَعَلْنا ((لَيَحْزُنني)) حالاً لزم سَبْقُ الفعل(١) لفاعله(٢) وهو محالٌ. وأجيب عن
ذلك بأنَّ الفاعلَ في الحقيقة مقدرٌ حُذِف هو وقام المضافُ إليه مَقامه،
والتقدير: ليحزنني تَوَقَّعُ ذهابِكم .
وقرأ(٣) زيد بن علي وابن هرمز وابن محيصن: (لَيَحْزُنِّي)) بالإِدغام. وقرأ
زيد(٤) بن علي وحده ((تُذْهبوا)) بضم التاء مِنْ أذهب، وهو كقوله: ((تُنْبت
بالدهن)»(٥) في قراءة مَنْ ضم التاء فتكون الباءُ زائدةً أو حالية.
و ((الذئب)» يُهْمَز ولا يُهْمز، وبعدم الهمز قرأ(٦) السوسي والكسائي
وورش، وفي الوقف لا يهمزه حمزة. قالوا: وهو مشتقٌّ مِنْ «تذاءَبَتِ الرِّيح)):
إذا هَبَّتْ مِنْ كل جهة لأنه يأتي كذلك، ويُجْمع على ذِئاب وذُؤبان وأَذْتُب :
قال(٧):
٢٧٥٢ - وَأَزْوَرَ يَمْطُو في بلادٍ بعيدةٍ تَعَاوَى بِه ذُؤْيانه وثعاَلِبُهْ
وأرضٌ مَذْأَبة: كثيرة الذئاب، وذُؤابة الشعر لتحرُّكِها وتَقلُبها، مِنْ ذلك.
وقوله: ((وأنتم عنه غافلون)) جملة حالية العامل فيها ((يأكله)).
آ. (١٤) قوله تعالى: ﴿ونحن عصبة﴾: جملةٌ حالية أو معترضة،
و ((إنا إذاً لخاسِرُون)) جواب القسم وحُذِف جوابُ الشرط. و((إذن)) حرفُ.
(١) وهو الحزن.
(٢) وهو الذهاب.
(٣) البحر: ٢٨٦/٥.
(٤) البحر: ٢٨٦/٥.
(٥) الآية ٢٠ من سورة المؤمنون، وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو كما في السبعة: ٤٤٥.
(٦) السبعة: ٣٤٦؛ الإتحاف: ٢٦٣؛ البحر: ٢٨٦/٥؛ التيسير: ١٢٨.
(٧) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر: ٢٧٦/٥.
٤٥٢

۔ یوسف -
جوابٍ، وقد تَقَدَّم القولُ في ذلك مُشْبعاً. ونقل أبو(١) البقاء أنه قُرىء ((عُصْبَةً))
بالنصب، وقدَّر ما قدَّمْتُه في الآية الأولى.
آ. (١٥) قوله تعالى: ﴿فَلَمّا ذَهَبوا﴾: يجوز في جوابها أوجه،
أحدها: أنه محذوفٌ، أي: عَرَّفْناه وأَوْصَلْنا إليه الطمأنينة. وقدَّره
الزمخشري(٢): ((فَعَلُوا به ما فَعَلوا مِن الأذى)) وذكر حكايةً طويلة. وقدَّره غيرُه:
عَظُمَتْ فِتْنَتُهم. وآخرون ((جَعَلوه فيها)). وهذا أَوْلَى لدلالة الكلام عليه.
الثاني: أنَّ الجوابَ مثبتٌ، وهو قولُه ((قالوا يا أبانا إِنَّا ذَهَبْنا)»، أي: لمَّا
كان كيت وكيت قالوا. وهذا فيه بُعْدٌ لُبُعْدِ الكلامِ مِنْ بعضه.
والثالث: أنَّ الجوابَ هو قولُه ((وأَوْحَيْن) والواو فيه زائدةً، أي: فلمَّا
ذهبوا به أَوْحَيْنا، وهو رأيُ الكوفيين، وجعلوا مِنْ ذلك قولَه تعالى ((فَلَمَّا أَسْلَما
وتَلَّه))(٣)، أي: تَلَّه. وقوله: ((حتى إذا جاؤوها وفُتِحت))(٤) وقولَ امرىء
القيس(٥):
٢٧٥٣ - فلمَّا أَجَزْنا ساحةَ الحيِّ وانتحى بنا بَطْنَ حِقْفٍ ذِي رُكامٍ عَقَبْقَلِ
أي: فلمَّا أَجَزْنَا انتحى. وهو كثيرٌ عندهم بعدَ (لَمًّ)).
وقوله: ((أَنْ يَجْعَلُوه)) مفعول ((أَجْمعوا))، أي: عَزَموا على أن يَجْعلوه،
أو عَزَموا أنْ يجعلوه، لأنه يتعدى بنفسه وبعلى، فـ ((أنْ)) يُحْتمل أن تكونَ على
(١) الإملاء: ٥٠/٢.
(٢) الكشاف: ٣٠٦/٢.
(٣) الآية ١٠٣ من سورة الصافات. وانظر: الإنصاف ٤٥٦.
(٤) الآية ٧١ من سورة الزمر.
(٥) تقدم برقم ٤٥٠.
٤٥٣

- يوسف ــ
حذف الحرف، وأن لا تكون، فعلى الأولِ يَحْتمل موضعَها النصبُ والْجُرُّ،
وعلى الثاني يتعيّن النصِبُ.
والجَعْل يجوز أن يكونَ بمعنى الإلقاء، وأن يكونَ بمعنى التصيير،
فعلى الأولِ يتعلَّق (في غيابة)) بنفس الفعل قبله، وعلى الثاني بمحذوفٍ.
والفعلُ مِنْ قوله: ((وأَجْمعوا)) يجوزُ أن يكونَ معطوفاً على ما قبله، وأن يكون
حالاً، و((قد)) معه مضمرةٌ عند بعضهم. والضمير في ((إليه)) الظاهر عَوْدُه على
يوسف. وقيل: يعود على يعقوب.
وقرأ العامّةُ: (لَتُنَبِّئَنَّهُمْ)) بتاء الخطاب. وقرأ(١) ابن عمر بياء الغيبة، أي:
اللَّه تعالى. قال الشيخ(٢): ((وكذا في بعض مصاحف البصرة)) وقد تقدَّم أن
النَّقْطَ حادثٌ، فإن قال: مصحفٌ حادثٌ غيرُ مصحفٍ عثمان فليس الكلام في
ذلك.
وقرأ سَلَّامٍ: ((لُنَّثَنَّهم)) بالنون. و((هذا)) صفةٌ لأُمْرهم. وقيل: بدلٌ.
وقيل : بيان.
قوله: ((وهم لا يَشْعرون)) جملةٌ حالية، يجوز أن يكونَ العاملُ فيها
[٥٠٧/أ](( أَوْحَيْنا» /، أي: أُوخينا إليه من غير شعور بالوحي، وأن يكونَ العاملُ فيها
(لْتُنَّنَّهم))، أي: تُخْبِرَهم وهم لا يعرفونك لُبُعْد المدَّة وتغيُّرِ الأحوال.
-
آ. (١٦) قوله تعالى: ﴿عِشاءً﴾: يجوز فيه وجهان، أحدهما:
- وهو الذي لا ينبغي أن يُقال غيرُه ــ أنه ظرف زمان، أي: جاؤوه في هذا
الوقت و((ييكون)) جملة حالية، أي: جاؤوه باكين. والثاني: أن يكون ((عشاء))
(١) البحر: ٢٨٨/٥.
(٢) البحر: ٢٨٨/٥.
٤٥٤

- يوسف -
جمع عاشٍ(١) كقائم وقيام. قال أبو البقاء(٢): ((ويُقرأ(٣) بضم العين، والأصل:
عُشاة مثل غازٍ وغُزاة، فَحُذِفَتْ الهاءُ وزِيْدت الألف عوضاً منها، ثم قُلبت
الألفُ همزةٌ، وفيه كلامٌ قد ذُكر في آل عمران عند قوله: ((أو كانوا غُزَّى))(٤)،
ويجوز أن يكون جمعَ فاعِل على فُعال، كما جُمع فعيل على فُعال القُرْب
ما بين الكسر والضم، ويجوز أن يكون كُنُؤَام ورُباب(٥) وهو شاذٌّ). قلت:
وهذه القراءة قراءةُ الحسن البصري، وهي من العِشْوة والعُشْوَة وهي الظلام.
وقرأ الحسن أيضاً: ((عُشَا)) على وزن دُجَى نحو: غازٍ وغُزاة، ثم حُذف
منه تاءُ التأنيث، وهذا كما حذفوا تاء التأنيث مِنْ ((مَأَلْكة))، فقالوا: مَأْلُك،
وعلى هذه الأوجهِ يكون منصوباً على الحال. وقرأ الحسن أيضاً ((عُشِيّا))
مصغّراً.
آ. (١٧) وقوله تعالى: ﴿نَسْتَبق﴾: نَتَسابق، والافتعال والتفاعل
يشتركان نحو قولهم: فَنْتَضِل ونتناضَلُ(٦)، ونَرْتمي ونترامى. و((نَسْتبق)) في
محل نصب على الحال. و((تَرَكْنا)) حال مِنْ ((نَسْتبق)) و ((قد)) معه مضمرةٌ عند
بعضهم.
قوله: ((ولو كنا صادقين)) جملة حالية، أي: ما أنت مصدقاً لنا في كل
حال حتى في حال صِدْقِنا لِما غَلَبَ على ظنِّك في تُهْمتنا ببغضٍ يوسفَ
وکراهتنا له.
(١) العاشي: مَنْ ساء بصره ليلاً.
(٢) الإِملاء: ٥٠/٢. وانظر في قراءاتها: البحر ٢٨٨/٥، والإتحاف ٢٦٣.
(٣) وهي قراءة الحسن والمطوعي. انظر: الإِتحاف: ٢٦٣.
(٤) الآية ١٥٦ .
(٥) الرُّبْى: النعمة، والجمع رُباب وهو نادر.
(٦) ننتضل: نتسابق.
٤٥٥

- يوسف -
آ. (١٨) قوله تعالى: ﴿على قميصه﴾: في محل نصبٍ على الحال:
من ((الدم)). قال أبو البقاء(١): ((لأنَّ التقدير: جاؤوا بدمٍ كذبٍ على قميصه))،
يعني أنه لو تأخّر لكان صفةً للنكرة. وهذا الوجهُ قد ردَّه الزمخشري(٢) فقال:
((فإن قلت: هل يجوز أن تكون حالاً متقدمة؟ قلت: لا، لأنَّ حال المجرور .
لا تتقدَّم عليه)). وهذا الذي رَدَّ به الزمخشريُّ أحدُ قولَي النحاة، وقد صحَّح
جماعةٌ جوازَه وأنشدوا(٣):
٢٧٥٤-
فَلَنْ يذهبوا فَرْغاً بِقَتْلِ حِبال
وقولَ الآخر (٤)؛
٢٧٥٥ - لَئِنْ كان بَرْدُ الماءِ هَيْمانَ صادِياً إليَّ حبيباً إِنَّها لحبيبُ
وقول الآخر(٥).
٢٧٥٦ - غافلا تَعْرِضُ المنيَّةُ لِلْمَرْ ءِ فُيُدْعَى ولاتَ حينَ إِبَاءُ
وقال الحوفي: ((إِنَّ ((على قميصه)) متعلقٌ بـ((جاؤوا)). وفيه نظر؛ لأن
مجيئَهم لا يصحُّ أن يكونَ على القميص.
وقال الزمخشري(٦): ((فإن قلتَ «على قميصه)» ما محلُّه؟ قلت: محلُّه
النصبُ على الظرف، كأنه قيل: وجاؤوا فوق قميصه بدم، كما تقول: جاء
على جِماله بأَحْمال)). قال الشيخ(٧): ((ولا يساعد المعنى على نصب ((على))
(١) الإملاء: ٥٠/٢.
(٢) الكشاف: ٣٠٨/٢
(٣) تقدم برقم ٤٠٦.
(٤) تقدم برقم ١٩٤٥.
(٥) تقدم برقم ١٩٤٤ .
(٦) الكشاف: ٣٠٨/٢
(٧) البحر: ٢٨٩/٥.
٤٥٦

- يوسف -
على الظرف بمعنى فوق، لأنَّ العامل فيه إذ ذاك ((جاؤوا))، وليس الفوقُ ظرفاً
لهم، بل يستحيل أن يكونَ ظرفاً لهم)). وهذا الردُّ هو الذي رَدَدْت به على
الحوفي قولَه إِنَّ ((على)) متعلقةً بـ ((جاؤوا)). ثم قال الشيخ: ((وأمَّا المثال الذي
ذكره الزمخشري وهو «جاء على جِماله بأَحْمال)) فيمكن أن يكونَ ظرفاً للجائي
لأنه تمكَّن الظرف فيه باعتبار تبدُّلِه مِنْ جملٍ إلى جمل، وتكون ((بأَحْمال)» في
موضع الحال، أي: مضموماً(١) بأحمال)».
وقرأ العامَّةُ: ((كَذِب)» بالذال المعجمة، وهو من الوصف بالمصادر
فيمكن أن يكونَ على سبيل المبالغة نحو: رجلٌ عَدْلٌ أو على حَذْفِ مضافٍ،
أي: ذي كذب، نَسَبَ فِعْلَ فاعله إليه. وقرأ(٢) زيد بن علي ((كَذِباً)) فاحتمل
أن يكون مفعولاً من أجله واحتمل أن يكونَ مصدراً في موضع الحال،
وهو قليلٌ أعني مجيءَ الحالِ من النكرة.
وقرأت(٣) عائشة والحسن: ((گَدِب)» بالدال المهملة. قال صاحبُ
اللوامح: ((معناه: ذي كَدِب، أي: أثر؛ لأنَّ الكَدِبَ هو بياضٌ يَخْرُجُ في
أظافير الشباب ويؤثِّر فيها، فهو كالنقش، ويُسَمَّى ذلك البياضُ ((الفُوْف)) فيكون
هذا استعارةً لتأثيره في القميص كتأثير ذلك في الأظافير)). وقيل: هو الدمُ
الكَدِر. وقيل: الطريُّ. وقيل: اليابس.
قوله: (بل سَوَّلَتْ)) قبل هذه الجملةِ جملةٌ محذوفة تقديره: لم يأكله
الذئب، بل سَوَّلَتْ. وسؤَّلت، أي: زيَّنَتْ وَسَهَّلَتْ.
قوله: ((فصبرٌ جميل)) يجوز أن يكونَ مبتدأً وخبره محذوفٌ، أي: صبر
(١) البحر: مصحوباً.
(٢) البحر: ٢٨٩/٥.
(٣) الإتحاف: ٢٦٣؛ البحر: ٢٨٩/٥؛ القرطبي: ١٤٩/٩.
٤٥٧

- يوسف -
جميل أَمْثَلُ بي. ويجوز أن يكون خبراً محذوفَ المبتدأ، أي: أمري صبرٌ
[٥٠٧/ب] جميل. وهل يجب حَذْفُ مبتدأ هذا الخبر / أو خبر هذا المبتدأ؟ وضابطُه أن
يكون مصدراً في الأصل بدلاً مِن اللفظ بفعله، وعبارة بعضِهم تقتضي
الوجوبَ، وعبارة آخرين الجواز. ومن التصريح بخبر هذا النوعِ ، ولكنه في
ضرورة شعر قولُه(١):
٢٧٥٧ - فقالَتْ على اسمِ اللَّهِ أَمْرُك طاعةٌ وإن كنتُ قد كُلِّفْتُ مَا لم أُعَوَّدِ
وقولُ الشاعر(٢):
صَبْرٌ جميلٌ فِكِلانا مُبْتَلَى
٢٧٥٨ _ يَشْكو إليَّ جَمَلي طولَ السُّرى
يحتمل أن يكونَ مبتدأً أو خبراً كما تقدَّم.
وقرأ(٣) أُبَيّ وعيسى بن عمر: ((فصبراً جميلاً)) [نصباً، ورُويت عن
الكسائي، وكذلك هي في](٤) مصحف أنس بن مالك، وتخريجها على
المصدر الخبري، أي: أصبرُ أنا صبراً، وهذه قراءة ضعيفة إن خُرِّجَتْ هذا
التخريجَ، فإن سيبويه(٥) لا ينقاس ذلك عنده إلا في الطلب، فالْأُوْلى أن يُجعل
التقدير: إنَّ يعقوب رَجَعَ وأَمَر نفسَه فكأنه قال: اصبري يا نفسُ صبراً. ورُوي
البيتُ أيضاً بالرفع والنصب على ما تقدَّم، والأمر فيه ظاهر.
(١) البيت لعمر بن أبي ربيعة، وهو في ملحقات ديوانه: ٤٨٢؛ والخصائص: ٣٦٢/٢؛
والخزانة: ٠.١٥٠/٢
(٢) تقدم برقم ٤٨٤.
(٣) القرطبي: ١٥١/٩؛ البحر: ٢٨٩/٥.
(٤) ما بين معقوفين مخروم في الأصل، أثبتناه من ش.
(٥) هذا النقل عن سيبويه فيه نظر، فقد عرض لمثل هذه الأساليب وأجاز فيها الوجهين.
انظر: الكتاب: ١٦١/١ - ١٦٢.
٤٥٨

- يوسف -
آ. (١٩) قوله تعالى: ﴿فَأَدْلَىْ دَلْوَهِ﴾: يُقال: أَدْلَى دَلْوَه، أي: أرسلها
في البئر. و((دَلاها)» إذا أَخْرجها مَلْأى، قال(١):
٢٧٥٩ - لا تَقْلَوها وادْلُواها دَلْوا إِنَّ مع اليوم أخاه غَدْوا
والدَّلْوُ مؤنثةٌ فتصغَّر على دُلِيَّةَ، وتُجمع على دِلاء وأَدْلٍ (٢) والأصل:
دِلاو فقُلبت الواوُ همزةً نحو كساء، وأَدْلِوٌ فأُعِلَّ إعلالَ قاضٍ ، ودُلُوْوٌ بواوين
فَقُلِبتا ياءَيْن نحو: عِصِيّ.
قوله: ((يا بُشْرَايَ))(٣) قرأ الكوفيون (٤) بحذف ياء الإِضافة، وأمال ألفَ
فُعْلى الأخوان، وأمالها ورش بين بين على أصله، وعن أبي عمرو الوجهان،
ولكن الأشهرَ عنه عدمُ الإِمالة، وليس ذلك مِنْ أصله على ما قُرِّر في علم
القراءات. وقرأ الباقون ((يا بشراي)) مضافة لياء المتكلم، ونداء البشرى على
حدٍّ قوله: ((يا حَسْرتا على))(٥) ((يا حسرةٌ على العباد)»(٦) كأنه يقول: يا بشرى
هذا وقتُ أوانٍ أن تُنادَيْ ويُصاحَ بكِ. ومَنْ زعم أنَّ ((بشرى)) اسم رجل
كالسدِّي فقد أَبْعَدَ.
وقرأ ورش عن نافع ((يا بُشْرأيْ)) بسكون الياء، وهو جمعٌ بين ساكنين في
الوصل، وهذا كما تقدم في ((مَحْياي))(٧)، فعليك بالالتفات إليه. وقال
(١) لم أهتد إلى قائله وهو في اللسان ((دلو)) والبحر: ٢٧٦/٥ وساق صاحب اللسان البيت
على ((دلوت الناقة والإِبل دَلْواً سُفْتها سوقاً رفيقاً رُوَيْداً)).
(٢) ودُليّ.
(٣) أثبتها المؤلف على القراءة الثانية.
(٤) انظر في قراءاتها: السبعة: ٣٤٧؛ التيسير: ١٢٨؛ الحجة: ٣٥٧؛ البحر: ٢٩٠/٥؛
الإتحاف: ٢٦٣. والكوفيون عاصم وحمزة والكسائي. والأخوان حمزة والكسائي.
(٥) الآية ٥٦ من سورة الزمر.
(٦) الآية ٣٠ من سورة يس.
(٧) الآية ١٦٢ من سورة الأنعام.
٤٥٩

- يوسف-
الزمخشري(١): ((وليس بالوجه لما فيه من التقاء الساكنين على غير حَدِّه إلا أن
بَقْصِدَ الوقف)).
وقرأ الجحدري وابن أبي إسحاق والحسن: ((يا بُشْرَيَّ)) بقلبِ الألفِ ياءً
وإدغامها في ياء الإِضافة وهي لغة هُذَلِيَّة تقدَّم الكلامُ عليها في البقرة عند
قوله: ((فَمَنْ تَبَعَ هُدَيَّ))(٢). وقال الزمخشري(٣): ((وفي قراءة الحسن يا بُشْرَيَّ
بالياء مكان الألف جُعِلَتْ الياءُ بمنزلة الكسرة قبل ياء الإِضافة وهي لغة للعرب
مشهورة، سمعت أهلَ السروات يقولون في دعائهم: يا سيدي ومَوْلَّيَّ)).
قوله: ((وأَسَرُّوه)) الضمير المرفوع الظاهر أنه يعود على ((السَّيَّرة)). وقيل:
هو ضميرُ إخوتِه. و((بضاعةً)) نصب على الحال، أو مفعول ثانٍ على أن يُضَمِّن
((أَسَرُّوه) معنىْ صَيَّروهِ بالسرِّ. والبضاعة قطعةٌ من المال تُعَدُّ للتجارة: مِنْ
(بَضَعْت))، أي: قَطَعْتُ، ومنه المِبْضع لِما يُقْطَّعُ به.
آ. (٢٠) قوله تعالى: ﴿وشَرَوْه﴾: شری بمعنی اشترى، ومنه قول
الشاعر(٤) :
شَرَيْتُ أبا زيدٍ بما مَلَكَتْ يَدي
٢٧٦٠ - ولو أنَّ هذا الموتَ يَقْبَلُ فِدْيَةً
وبمعنى باع ومنه قولُ الشاعر(٥):
مِنْ بعدِ بُرْدٍ كنتُ هامَهْ
٢٧٦١ - وشَرَيْتُ بُرْداً ليتني
(١) الكشاف: ٣٠٩/٢.
(٢) الآية ٣٨ من سورة البقرة. وهي قراءة الجحدري وابن أبي إسحاق. انظر: الشواذ:
٥، والدر المصون ٣٠٣/١.
(٣) الكشاف: ٠٣٠٨/٢
(٤) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر: ٢٩١/٥. (٥) تقدم برقم ٩٠٤.
٤٦٠
۔۔