النص المفهرس

صفحات 241-260

- يونس -
عطف عليه من غير تقدير حذف مضاف، قيل: لأنه يقال أيضاً: أجمعت
شركائي. الثالث: أنه منصوب بإضمار فعلٍ لائق، أي: وأجمعوا شركاءكم
بوصل الهمزة. وقيل: تقديره: وادعوا، وكذلك هي في مصحف أُبَيّ ((وادعوا))
فأضمرَ فعلاً لائقاً كقوله تعالى: ((والذين تَّبَوَّعوا الدار والإِيمان))(١)، أي:
واعتقدوا الإِيمانَ، ومثلُه قولُ الآخر(٢):
٢٦٠٩ - فَعَلَفْتُها تِبْناً وماءً بارداً حتى شَبَتْ هَمَّالةً عيناها
وكقوله(٣):
٢٦١٠ - يا ليت زوجَك قد غدا مُتَقَدِّداً سَيْفاً ورُمْحاً
/ وقول الآخر (٤):
[٤٧٤/أ]
وزَجَّجْنَ الحواجبَ والعيونا
٢٦١١ - إذا ما الغانياتُ بَرَزْنَ يوماً
يريد: ومُعْتَقِلًا رُمْحاً، وكحَّلْنَ العيونا. وقد تقدم أن في هذه الأماكن
غيرَ هذا التخريج. الرابع: أنه مفعولٌ معه، أي: مع ((شركائكم)) قال
الفارسي (٥): ((وقد يُنْصب الشركاء بواو مع، كما قالوا: جاء البردُ والطَيالسةَ»،
ولم يذكر الزمخشري(٦) غيرَ قولٍ أبي علي. قال الشيخ(٧): ((وينبغي أَنْ
يكونَ هذا التخريجُ على أنه مفعول معه من الفاعل، وهو الضمير في
((فَأَجْمعوا)) لا من المفعول الذي هو ((أَمْرَكُمْ)) وذلك على أشهرِ الاستعمالين،
(١) الآية ٩ من سورة الحشر.
(٢) تقدم برقم ١٥٠.
(٣) تقدم برقم ١٤٩.
(٤) تقدم برقم ١٢٩٥ .
(٥) الإيضاح العضدي ١٩٤ .
(٦) الكشاف ٢٤٥/٢.
(٧) البحر ١٧٩/٥ .
٢٤١

- يونس -
لأنه يقال: ((أجمع الشركاءُ أمرَهم، ولا يقال: ((جَمَع الشركاء أمرهم)»
إلا قليلاً، قلت: يعني أنه إذا جعلناه مفعولاً معه من الفاعل كان جائزاً
بلا خلافٍ، وذلك لأنَّ مِن النحويين مَنْ اشترط في صحةٍ نصبِ المفعول معه
أن يصلح عَطْفُه على ما قبله، فإن لم يَصْلُحْ عطفُه لم يَصِحَّ نصبُه مفعولاً معه،
فلو جعلناه من المفعول لم يَجُزْ على المشهور، إذ لا يَصْلُحِ عَطْفُه على
ما قبله، إذ لا يقال: أجمعت شركائي، بل جَمَعْت.
وقرأ(١) الزهري والأعمش والأعرج والجحدري وأبو رجاء ويعقوب
والأصمعي عن نافع ((فَأَجْمَعُوا)) بوصل الألف وفتح الميم من جَمَعَ يَجْمَع،
و ((شركاءَكم)) على هذه القراءةِ يتضح نصبه نسقاً على ما قبله، ويجوز فيه ما
تقدم في القراءة الأولى من الأوجه. قال صاحب ((اللوامح)(٢):
((أَجْمَعْتُ الأمر: أي: جَعَلْتُه جميعاً، وجَمَعْتُ الأموال جمعاً، فكان الإِجماعُ
في الأحداث والجمع في الأعيان، وقد يُسْتعمل كلُّ واحد مكان الآخر، وفي
التنزيل: ((فجمع كيده))(٣). قلت: وقد اختلف القراء في قوله تعالى:
(فَأَجْمعوا كيدَكم))(٤)، فقرأ الستة بقطع الهمزة، جعلوه مِنْ أجمع وهو موافقٌ
لِما قيل: ((إنَّ (أجمع)) في المعاني. وقرأ أبو عمرو(٥) وحده («فاجمعوا)) بوصلِ
الألفِ، وقد اتفقوا على قولِه ((فَجَمع كيدَه ثم أتى)) فإنه مِن الثلاثي، مع أنه
متسلّطٌ على معنى لا عَيْنِ. ومنهم مَنْ جَعَل للثلاثي معنى غيرَ معنى الرباعي
فقال في قراءة أبي عمرو مِنْ جَمَع يَجْمع ضد فرَّق يُفَرِّق، وجَعَلَ قراءةً الباقين
مِنْ ((أجمع أمرَه)) إذا أحكمه وعزم عليه، ومنه قول الشاعر(٦):
(١) السبعة ٣٢٨؛ البحر ١٧٩/٥؛ الكشاف ٢٤٥/٢.
(٢) لأبي الفضل الرازي عبدالرحمن بن أحمد المقرىء كما في كشف الظنون ١٥٦٧/٢ .
(٣) الآية ٦٠ من سورة طه.
(٤) الآية ٦٤ من سورة طه .
(٥) السبعة ٤١٩.
(٦) تقدم برقم ٢٦٠٨.
٢٤٢

- يونس -
هل أَغْدُوَنْ يوماً وَأَمْرِي مُجْمَعُ
٢٦١٢ - يا ليت شعري والمُنى لا تَنْفَعُ
وقيل: المعنی: فاجْمَعوا علی کیدکم، فحذف حرف الجر.
وقرأ(١) الحسن والسلمي وعيسى بن عمر وابن أبي إسحاق وسلام
ويعقوب ((وشركاؤكم)) رفعاً. وفيه تخريجان، أحدهما: أنه نسقٌ على الضمير
المرفوع بأَجْمِعُوا قبله، وجاز ذلك إذ الفصلُ بالمفعولِ سَوَّغ العطف.
والثاني: أنه مبتدأ محذوف الخبر، تقديرُه: وشركاؤكم فَلْيُجْمِعوا أمرهم.
وشَذَّتْ فرقةٌ(٢) فقرأت: ((وشركائكم)) بالخفض ووُجِّهَتْ على حذف
المضاف وإبقاء المضاف إليه مجروراً على حاله كقوله(٣):
٢٦١٣- أكلَّ امرِئٍ تحسبين امرأً
ونارٍ تَوَقَّدُ بالليل نارا
أي: وكل نار، فتقدير الآية: وأمر شركائكم، فحذف الأمر وأبقى
ما بعدَه على حاله، ومَنْ رأى برأي الكوفيين جوَّز عطفه على الضمير في
((أمركم)» من غيرِ تأويل، وقد تقدَّم ما فيه من المذاهب أعني العطفَ على
الضميرِ المجرور مِنْ غير إعادة الجارِّ في سورة البقرة (٤).
قوله: ((غُمَّة)) يقال: غَمّ وغُمَّة نحو كَرْبٌ وَكُرْبَةٌ. قال أبو الهيثم: ((هو مِنْ
قولهم: ((غَمَّ علينا الهلالُ فهو مغموم إذا التُّمِس فلم يُر. قال طرفة ابن
العبد(٥).
نهاري ولا ليلي عليَّ بِسَرْمَدٍ
٢٦١٤ - لعَمْرك ما أمري عليَّ بِغُمَّةٍ
وقال الليث: ((يُقال: هو في غُمَّةَ مِنْ أمره إذا لم يتبيَّنْ له.
(١) النشر ٢٨٦/٢؛ البحر ١٧٩/٥؛ الكشاف ٢٤٥/٢.
(٣) تقدم برقم ٢٤٤٣ .
(٢) ذكرها في البحر ١٧٩/٥ من دون نسبة.
(٤) انظر الورقة ٨٣ ب.
(٥) ديوانه ٤٧؛ اللسان: غمم. البحر ١٧٩/٥. والسرمد: الدائم.
٢٤٣

- يونس -
:
قوله: (ثم اقْضُوا)) مفعول ((اقضوا)) محذوف، أي: اقضُوا إليَّ ذلك
[٤٧٤/ب] الأمر / الذي تريدون إيقاعه كقوله(١): ((وقَضَيْنا إليه ذلك الأمرَ)) فعدَّاه لمفعولٍ:
صريح. وقرأ السَّرِيُّ(٢) ((ثم أَفْضُوا)) بقطع الهمزة والفاء، مِنْ أفضى يُفْضي إذا
انتهى، يقال: أَفْضَيْتُ إليك، قال تعالى(٣): ((وقد أَفْضَى بعضُكم إلى بعض))
فالمعنى: ثم أفضُوا إلى سِرِّكم، أي: انتهوا به إليَّ. وقيل: معناه: أَسْرِعوا به
إليَّ. وقيل: هو مِنْ أفضى، أي: خَرَج إلى الفضاء، أي: فأصحِروا(٤) به
إليَّ، وأَبْرِزوه لي كقوله(٥):
٢٦١٥ - أبى الضيمَ والنعمانُ يَحْرِقُ نابَه
عليه فأَقْضَى والسيوفُ مَعَاقِلُهْ
ولامُ الفضاءِ واوٌ؛ لأنه مِنْ فَضَا يَفْضُو، أي: أَتَّسَع. وقوله:"
((لا تُنْظِرون))، أي: لا تُؤَخِّرون من النَّظِرة وهي التأخير.
آ. (٧٣) وقوله تعالى: ﴿في الفُلْك﴾: يجوز فيه وجهان، أحدهما:
أن يتعلق بأَنْجَيْناه، أي: وقع الإِنْجاء في هذا المكان. والثاني: أن يتعلَّقَ
بالاستقرار الذي تعلَّق به الظرفُ، وهو ((معه)) لوقوعه صلةً، أي: والذين
استقروا معه في الفلك.
وقوله: ((وجَعَلْناهم))، أي: صَيَّناهم، وجُمع الضميرُ في ((جَعَلْناهم)
حَمْلًا على معنى ((مِنْ))، و((خلائف)) جمع خَلِيفة، أي: يَخْلُفون الغارقين.
آ. (٧٤) قوله تعالى: ﴿مِّنْ بعدِه﴾: أي: بعد نوح. و «بالبينات)
(١) الآية ٦٦ من سورة الحجر.
(٢) السَّريُّ بن يُنْعِم الجُبُلاني، شامي، روى عن أبيه وحميد بن ربيعة، وعنه إسماعيل ابن
الجرح والتعديل ٢٨٤/٤؛ تصحيفات المحدّثين ١٠٦٩/٢.
عیاش، ولم تذکر وفاته.
(٣) الآية ٢١ من سورة النساء.
(٤) أصحر بالأمر: أظهره.
(٥) تقدم برقم ١٠٧٣.
٢٤٤

- يونس -
متعلقٌ بـ ((جاؤوهم))، أو بمحذوفٍ على أنه حال، أي: ملتبسين بالبينات.
وقوله: ((ليؤمنوا)) أتى بلام الجحود توكيداً. والضمير في ((كَذَّبوا)) عائدٌ على مَنْ
عاد عليه الضمير في ((كانوا)) وهم قومُ الرسل. والمعنى: أنَّ حالَهم بعد بعثٍ
الرسل كحالهم قبلها في كونهم أهلَ جاهلية. وقال أبو البقاء(١) ومكي(٢): ((إن
الضميرَ في ((كانوا)) يعود على قوم الرسل، وفي ((كَذَّبوا)» يعودُ على قوم نوح،
والمعنى: فما كان قومُ الرسلِ ليؤمنوا بما كَذَّب به قومُ نوح، أي: بمثله.
ويجوز أن تكونَ الهاءُ عائدةً على نوح نفسه من غير حَذْفِ مضافٍ، والتقدير:
فما كان قومُ الرسلِ بعد نوح ليؤمنوا بنوحٍ، إذ لو آمنوا به لآمنوا بأنبيائهم.
و((من قبل)) متعلقٌ بـ ((كُذَّبوا)) أي من قبل بعثة الرسل. وقيل: الضمائرُ كلُّها
تعودُ على قوم الرسل بمعنى آخر: وهو أنهم بادروا رسلَهم بالتكذيب، كلما
جاءَ رسولٌ لَجُوا في الكفرِ وتمادَوْا عليه فلم يكونوا لِيؤمنوا بما سَبَقّ به تكذيبُهم
من قبلٍ لَجِّهم في الكفر وتمادِیھم.
وقال ابن عطية (٣): ((ويحتمل اللفظُ عندي معنى آخر، وهو أن تكونَ
(ما) مصدرية، والمعنى: فكذَّبوا رسلَهم فكان عقابهم من الله أَنْ لم يكونوا
ليؤمنوا بتكذيبهم مِنْ قبل، أي: من سببه ومن جزائه، ويؤيِّد هذا التأويلَ
(كذلك نطبع))، وهو كلامٌ يحتاج لتأمُّل)). قال الشيخ (٤): ((والظاهرُ أنَّ ((ما))
موصولةً، ولذلك عاد الضمير عليها في قوله: ((بما كَذَّبوا به)) ولو كانت مصدريةً
بقي الضميرُ غيرَ عائدٍ على مذكور(٥)، فتحتاج أن يُتَكلَّفَ ما يعود عليه
الضمير)). قلت: الشيخ بناه على قولِ جمهورِ النحاة في عدمِ كونِ ((ما))
(١) الإملاء ٣١/٢.
(٢) المشكل ٣٨٨/١.
(٣) المحرر ٧٢/٩.
(٤) البحر ١٨١/٥.
(٥) أقحمت سهواً كلمة ((غير)) قبل قوله ((مذكور)).
٢٤٥

- يونس -
:
المصدرية اسماً فيعود عليها ضميرٌ، وقد نبّهْتُك غيرَ مرةٍ أن مذهبَ الأخفش
وابن السراج(١) أنها اسمٌ فيعود عليها الضمير.
وقرأ العامَّةُ ((نَطْبع)) بالنون الدالة على تعظيم المتكلم. وقرأ (٢)
العباس بن الفضل بياء الغيبة وهو الله تعالى، ولذلك صرَّح به في موضعٍ آخرَ
(كذلك يطبع الله))(٣). والكافُ نعتٌ لمصدر محذوف، أو حالٌ من ضمیر ذلك
المصدرِ على حسبِ ما عرفته من الخلاف، أي: مثلَ ذلك الطَّبْعِ المُحْكمِ
الممتنعِ زوالُه نطبع على قلوب المُعْتدين على خَلْق الله.
آ. (٧٦) وقرأ(٤) مجاهد وابن جبير والأعمش ((الساحر)) اسم فاعل،
والإِشارة بـ ((هذا)) حينئذٍ إلى موسى، أُشير إليه لتقدُّم ذكره، وفي قراءةِ
الجماعةِ المشارُ إليه الشيءُ الذي جاء به موسى من قَلْبِ العصاحَيَّةً وإخراج
يده بيضاء كالشمس. ويجوز أن يُشارَ بـ ((هذا)) في قراءة ابن جبير إلى المعنى
الذي جاء به موسى مبالغةً، حيث وَصَفوا المعاني بصفاتِ الأعيانِ كقولهم:
((شعرٌ شاعرٌ)) و ((جَدَّ جَدُّه)).
آ. (٧٧) قوله تعالى: ﴿أتقولون﴾: في معمولٍ هذا القولِ
[٤٧٥/أ] وجهان /، أحدهما: أنه مذكورٌ، وهو الجملةُ من قوله: ((أسحرٌ هذا)) إلى
آخره، كأنهم قالوا: أجئتما بالسحر تطلبانٍ به الفلاحَ ولا يفلح الساحرون،
كقولٍ موسى - على نبيّنا وعليه وعلى سائر الأنبياء أفضلُ الصلاة والسلام -
للسحرة: ((ما جئتم به السحرُ، إن الله سُبْطله)). والثاني: أن معموله
محذوفٌ، وهو مدلولٌ عليه بما تقدَّم ذكرُه، وهو: إن هذا لسحرٌ مبين.
ومعمولُ القول يُحذف للدلالةِ عليه كثيراً، كما يُحذف نفسُ القولِ كثيراً،
(١) الأصول ١٦١/١ .:
(٢) الكشاف ٢٤٧/٢؛ البحر ١٨١/٥.
(٣) الآية ١٠١ من سورة الأعراف.
(٤) المحتسب ٣١٦/١؛ البحر ٨١/٥.
٢٤٦

- يونس -
ومثلُ الآية في حَذْفِ المقول قولُ الشاعر: (١)
برؤيتنا قبلَ اهتمامٍ بِكمْ رُعْبا
٢٦١٦- لَنحن الْأُلِى قُلْتُمْ فَأَنَّى مُلِئْتُمُ
وفي كتاب(٢) سيبويه: ((متى رأيت أو قلت زيداً منطلقاً)) على إعمال
الأول، وحَذْفِ معمولِ القول، ويجوز إعمالُ القولِ بمعنى الحكاية به فيقال:
(متى رأيت أو قلت زيد منطلق))، وقيل: القول في الآية بمعنى العَيْب
والطعن، والمعنى: أتعيبون الحق وتَطْعنون فيه، وكان مِنْ حَقِّكم تعظيمُه
والإِذعانُ له مِنْ قولهم: ((فلان يخاف القالة))، و((بين الناس تقاوُلٌ))، إذا قال
بعضهم لبعض ما يسوْءُه، ونَحْوُ القولِ الذكرُ في قوله: ((سمعنا فتى
يذكرُهم))(٣) وكلُّ هذا ملخَّصٌ من كلام الزمخشري (٤).
آ. (٧٨) قوله تعالى: ﴿أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا﴾: اللامُ متعلقةٌ بالمجيء أي:
أجئت لهذا الغرض، أنكروا عليه مجيئه لهذه العلة. واللَّفْتُ: الَّلِيُّ والصَرْفُ،
لَفَتَه عن كذا أي: صَرَفَه ولواه عنه. وقال الأزهري(٥): ((لَفَتَ الشيءَ وفَتَلَه:
لواه، وهذا من المقلوب)» قلت: ولا يُدَّعَى فيه قَلْبٌ حتى يَرْجَحَ أحدُ اللفظين
في الاستعمال على الآخر، ولذلك لم يَجْعلوا جَذَّبَ وجَبَذَ وحَمِدَ ومَدَح من
هذا القبيل لتساويهما. ومطاوعُ لَفَتَ: التَفَتَ. وقيل: انقتل، وكأنهم استَغْنَوا
بمطاوع ((فَتَل)) عن مطاوعٍ لَفَتَ، وامرأة لَفُوت: أي: تَلْتَفِتُ لولدها عن زوجها
إذا كان الولد لغيره، واللَّفِيْنَةُ(٦): ما يَغْلُظُ من العَصِيدة.
(١) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ١٨١/٥؛ والهمع ١٥٨/١؛ والدرر ١٣٩/١.
(٢) الكتاب ٤١/١.
(٣) الآية ٦٠ من سورة الأنبياء.
(٤) الكشاف ٢٤٧/٢.
(٥) تهذيب اللغة ١٤ /٢٨٦.
(٦) اللفيتة: ضرب من الطبيخ.
٢٤٧

- يونس -
قوله: ((وتكونَ لكما الكبرياء)) الكبرياء: اسم كان، و((لكم)) الخبر،
و ((في الأرض)): جَوَّز فيها أبو البقاء(١) خمسةً أوجه أحدها: أن تكونَ متعلقةً.
بنفس الكبرياء. الثاني: أن يُعَلَّق بنفس ((تكون)). الثالث: أن يتعلَّقَ بالاستقرار
في ((لكم)) لوقوعه خبراً. الرابع: أن يكونَ حالاً من ((الكبرياء)). الخامس: أن:
يكون حالاً من الضمير في ((لكما))(٢) لتحمُّلِه إياه.
والكِبْرياء مصدرٌ على وزنٍ فِعْلِياء، ومعناها العظمة. قال عديّ ابن
الرِّقاع(٣):
٢٦١٧ - سُؤْدُدٌ غيرُ فاحِشٍ لا يُدا نِيه تَجْبَارَةٌ ولا كِبْرِيا
وقال ابن الرقيات(٤):
جَبَروتُ منهُ ولا كِبْرِيَاءُ
٢٦١٨- مُلكُه مُلْكُ رأفةٍ لیس فیه
يعني: ليس هو ما عليه الملوكُ من التجبُّر والتعظيم.
والجمهورُ على ((تكون)» بالتأنيث مراعاةً لتأنيث اللفظ. وقرأابن(٥) مسعود
والحسن وإسماعيل وأبو عمرو وعاصم في روايةٍ: ((ويكون)» بالياء من تحتُ،
لأنه تأنيثُ مجازي .
آ. (٧٩) وقوله تعالى: ﴿بكل ساحر﴾: قرأ الأخَوان(٦) ((سَخَّار)» وهي
قراءةُ ابنِ مُصَرِّف وابن وثاب وعيسى بن عمر.
(١) الإملاء ٣٢/٢.
(٢) الأصل ((لكم)).
(٣) الطبري ١٥٨/١٥؛ المحرر ١٦٠/٩؛ البحر ١٨٢/٥، واضطررنا لقصر الممدود لإقامة
وزن الخفيف.
(٤) ديوانه ٩١؛ الكشاف ٢٤٧/٢؛ البحر ١٨٢/٥.
(٥) النشر ٢٨٦/٢؛ البحر ١٨٢/٥.
(٦) النشر ٢٧٠/٢؛ البحر ١٨٢/٥؛ الإتحاف ٢٥٣.
٢٤٨

- يونس -
آ. (٨١) قوله تعالى: ﴿مَا جِئْتَمْ به السحر﴾: قرأ أبو عمرو (١) وحده
دون باقي السبعة («السحرُ)) بهمزة الاستفهام، وبعدها ألف محضةٌ، وهي بدل
عن همزة الوصلِ الداخلةِ على لام التعريف، ويجوز أن تُسَهَّل بينَ بينَ، وقد
تقدَّم تحقيق هذين الوجهين في قوله: ((الذَّكَرَيْنِ))(٢) وهي قراءةُ مجاهدٍ
وأصحابه وأبي جعفر، وقرأ باقي السبعة بهمزةٍ وصلٍ تَسْقط في الدَّرْجِ. فأمّا
قراءة أبي عمرو ففيها أوجهٌ، أحدها: أنَّ ((ما)) استفهاميةٌ في محلٌّ رفعٍ
بالابتداء، و((جِئْتُمْ به)) الخبرُ، والتقديرُ: أَيُّ شيءٍ جئتم، كأنه استفهامُ إنكارٍ
وتقليلُ للشيءِ المُجَاء به. و((السحر)) بدلٌ من اسم الاستفهام، ولذلك أُعِيد معه
أداتُّه لما قرَّرْتُه في كتب النحو(٣). الثاني: أن يكون ((السحر)) مبتدأً خبرُه
محذوف، تقديره: أهو السحر. الثالث: أن يكونَ مبتدأُ محذوفَ الخبر
تقديره: السحر هو، ذكر هذين الوجهين أبو البقاء (٤)، وذكر الثاني مكي(٥)،
وفيهما بُعد. الرابع: أن تكونَ (ما)) موصولةً بمعنى الذي، وجئتم به صلتُها،
والموصولُ في محلّ رفعٍ بالابتداء، و((السحر)» على وجهيه من كونه خبرَ
مبتدأ محذوف، أو مبتدأً محذوفَ الخبر، تقديره: الذي جئتم به / أهو السحر، [٤٧٥/ب]
أو الذي جئتم به السحر هو، وهذا الضميرُ هو الرابط كقولك: الذي جاءك
أزيدٌ هو، قاله الشيخ (٦).
(١) السبعة ٣٢٨؛ الحجة لأبي زرعة ٣٣٥؛ التيسير ١٢٣؛ البحر ١٨٢/٥.
(٢) الآية ١٤٣ من سورة الأنعام.
(٣) إذا أبدل اسم من اسم مضمَّن معنى حرف استفهام، ذُكر ذلك الحرف مع البدل.
أوضح المسالك ٥١٤.
(٤) الإملاء ٣٢/٢.
(٥) المشكل ٣٨٨/١.
(٦) البحر ٥/ ١٨٣.
٢٤٩

- يونس -
قلت: قد منع مكي أن تكونَ ((ما)) موصولةٌ على قراءة أبي عمرو
فقال(١): ((وقد قرأ أبو عمرو ((السحرُ)) بالمد، فعلى هذه القراءة تكون ((ما))
استفهاماً مبتدأ، و((جئتم به)) الخبر، و((السحر)) خبرُ ابتداء محذوف، أي: أهو
السحر، ولا يجوزُ أن تكونَ ((ما)» بمعنى الذي على هذه القراءةِ إذ لا خبر لها».
قلت: ليس كما ذكر، بل خبرُها الجملةُ المقدَّرُ أحدُ جُزْأيها، وكذلك
الزمخشري (٢) وأبو البقاء لم يُجيزا كونَها موصولةٌ إلا في قراءة غيرِ أبي عمرو،
لكنهما لم يتعرَّضا لعدمٍ جوازه.
الخامس: أن تكونَ ((ما)» استفهاميةً في محلِّ نصب بفعل مقدرٍ بعدها
لأنَّ لها صدرَ الكلام، و((جئتم به)) مفسِّر لذلك الفعل المقدر، وتكون المسألةُ
حينئذٍ من باب الاشتغال، والتقدير: أيُّ شيءٍ أَتَيْتُمْ جئتم به، و((السحر)) على
ما تقدم، ولو قرىء بنصب ((السحر)) على أنه بدلٌ مِنْ ((ما)) بهذا التقديرِ لكان له
وجه، لكنه لم يُقرأ به فيما عَلِمْت، وسيأتي ما حكاه مكي عن الفراء مِنْ جواز
نصبِهِ لمَدْرٍَ آخرَ على أنها قراءةٌ منقولة [عن الفرَّاء](٣).
وأمَّا قراءةُ الباقين ففيها أوجهٌ أيضاً، أحدها: أن تكون (ما)) بمعنى الذي
في محلّ رفعٍ بالابتداء، هو(جئتم به)) صلةٌ وعائدُه، و((السحرُ)) خبرُه،
والتقدير: الذي جئتم به السحرُ، ويؤيِّد هذا التقديرَ قراءةُ أُبَيّ(٤) وما في
مصحفه: ((ما أتيتم به سحرٌ)) وقراءةُ عبدالله والأعمش (٥) ((ما جئتم به سجرٌ)).
الثاني: أن تكونَ (ما)) استفهاميةٌ في محلِّ نصبٍ بإضمارٍ فعل على ما تقرّر،
و((السحر)) خبر ابتداء مضمر أو مبتدأٌ مضمرُ الخبر. الثالث: أن تكونَ (ما))
(١) المشكل ٣٨٩/١.
(٢) الكشاف ٢٤٧/٢.
(٣) لم يظهر في المصورة عن الأصل، ونقلناه من النسخ الأخرى.
(٤) المحرر ٧٥/٩؛ البحر ١٨٣/٥.
(٥) المحرر ٧٥/٩؛ الإتحاف ٢٥٣؛ البحر ١٨٣/٥.
٢٥٠

- يونس -
في محلٍّ رفعٍ بالابتداءِ، و((السحر)) على ما تقدَّم مِنْ كونِه مبتدأً أو خبراً،
والجملةُ خبر ((ما)) الاستفهامية. قال الشيخ(١) - بعدما ذكر الوجه الأول -:
((ويجوز عندي أن تكونَ في هذا الوجهِ استفهاميةً في موضع رفع بالابتداء،
أو في موضع نصبٍ على الاشتغال، وهو استفهامٌ على سبيل التحقيرِ والتقليلِ
لِما جاؤوا به، و((السحر)) خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي: هو السحر)).
قلت: ظاهرُ عبارتِه أنه لم يَرَه غيرُه، حيث قال ((عندي))، وهذا قد جوَّزه
أبو البقاء ومكي. قال أبو البقاء(٢) : - لمَّا ذكر قراءة غير أبي عمرو ــ ((ويُقرأ
بلفظِ الخبر، وفيه وجهان))، ثم قال: ((ويجوزُ أن تكونَ ((ما)» استفهاماً،
و((السحر)) خبر مبتدأ محذوف)). وقال مكي(٣) في قراءةِ غيرِ أبي عمرو بعد
ذِكره كونَ ((ما)) بمعنى الذي: ((ويجوز أن تكونَ ((ما)) رفعاً بالابتداء
وهي استفهامٌ، و((جئتم به)) الخبر، و((السحر)) خبرُ مبتدأ محذوف، أي:
هو السحر، ويجوز أن تكونَ ((ما)) في موضعِ نصبٍ على إضمارِ فعلٍ بعد
(ما)) تقديرُه: أيُّ شيءٍ جئتم [به] (٤)، و ((السحرُ)) خبر ابتداء محذوف)).
الرابع: أن تكونَ هذه القراءةُ كقراءة أبي عمرو في المعنى، أي:
إنها على نيةِ الاستفهام، ولكن حُذِفَتْ أداتُه للعلم بها، قال أبو البقاء (٥):
(ويُقرأ بلفظِ الخبر، وفيه وجهان، أحدُهما: أنه استفهامٌ في المعنى أيضاً،
وحُذِفَتْ الهمزةُ للعِلْمِ بها))، وعلى هذا الذي ذكره يكونُ الإِعرابُ على
ما تقدم. واعلم أنَّك إذا جَعَلْتَ ((ما)) موصولةً بمعنى الذي امتنع نصبُها بفعلٍ
مقدرٍ على الاشتغال. قال مكي(٦): ((ولا يجوز أن تكونَ ((ما)) بمعنى الذي في
(١) البحر ١٨٣/٥.
(٢) الإملاء ٣٢/٢.
(٣) المشكل ٣٨٩/١.
(٤) زيادة من المشكل.
(٥) الإملاء ٣٢/٢.
(٦) المشكل ٣٨٩/١.
٢٥١

- يونس -
موضعِ نصبٍ لأن ما بعدها صلتُها، والصلةُ لا تعملُ في الموصول، ولا يكون
تفسيراً للعامل في الموصول))، وهو كلامٌ صحيح، فتلخّص من هذا أنها إذا
كانَتْ استفهاميةٌ جاز أن تكونَ في محل رفع أو نصب، وإذا كانت موصولةً
تعيّن أن يكون مَحَلُّها الرفع بالابتداء.
وقال مكي(١): ((وأجاز الفراءُ(٢) نصبَ ((السحر))، تجعل ((ما)) شرطاً،
وتنصِبُ ((السحرَ)) على المصدر، وتضمرُ الفاء مع ((إن الله سيُبْطِله))، وتجعلُ
الألف واللامَ في («السحر)» زائدتين، وذلك كلَّه بعيدٌ، وقد أجاز علي ابن
سليمان حَذْفَ الفاءِ من جواب الشرط في الكلام، واستدلَّ على جوازه بقوله
[٤٧٦/أ] تعالى: / ((وما أصابكم مِنْ مصيبةٍ بماكسبت أيديكم))(٣)، ولم يُجِزْه غيره
إلا في ضرورة شعر)). قلت: وإذا مَشَيْنا مع الفراء فتكون ((ما)) شرطاً يُراد بها
المصدرُ، تقديره: أيَّ سحر جئتم به فإن الله سيبطله، ويُبَيِّن أن ((ما)) يراد بها
السحر قوله: ((السحر))، ولكن يَقْلَقُ قولُه: ((إن نصب ((السحر)» على
المصدرية)»، فيكون تأويله أنه منصوبٌ على المصدرِ الواقعِ موقعَ الحال،
ولذلك قدَّره بالنكرة، وجَعَلَ أل مزيدً فيه ..
وقد نُقِلَ عن الفراء (٤) أن هذه الألف واللام للتعريف، وهو تعريف
العهد، قال الفراء: (وإنما قال ((السحر)) بالألف والام لأنَّ النكرةَ إذا أُعيدت
أعيدَتْ بالألِفِ واللام))، يعني أن النكرةَ قد تَقَدَّمَتْ في قوله: ((إنَّ هذا لسِحْرٌ
مبين)، وبهذا شَرَحَه ابنُ عطية. قال ابن عطية(٥): ((والتعريفُ هنا في
(١) المشكل ٣٨٩/١.
(٢) معاني القرآن ١ /٤٧٥.
(٣) الآية ٣٠ من سورة الشورى، على قراءة نافع وابن عامر وأبي جعفر، وقراءة الجمهور
بالفاء. السبعة ٥٨١؛ النشر ٣٥٢/٢؛ التيسير ١٩٥.
(٤) معاني القرآن ١ /٤٧٥.
(٥) المحرر ٧٦/٩.
۔۔
٢٥٢

- يونس -
((السحر)) أَرْتَبُ لأنه قد تقدَّم منكَّراً في قولهم: ((إنَّ هذا لسِحْر»، فجاء هنا بلام
العهد، كما يقال أول الرسالة ((سلامٌ عليك))(١). قال الشيخ(٢): «وما ذكراه هنا
في ((السحر)) ليس مِنْ تقدُّم النكرة، ثم أخبر عنها بعد ذلك، لأنَّ شَرْطَ هذا أن
يكون المعرَّفُ بأل هو المنكَّرَ المتقدَّمَ، ولا يكون غيره، كقوله تعالى:
(كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً، فعصى فرعونُ الرسول))(٣)، وتقول: «زارني
رجلٌ فأكرمت الرجل)) لَّمَّا كان إياه جاز أن يُؤَّتى بضميره بَدَلّه، فتقول:
فأكرمتُه، والسحرُ هنا ليس هو السحرَ الذي في قولهم: (إنّ هذا لسحر)) لأن
الذي أخبروا عنه بأنه سحرٌ هو ما ظهر على يَدَي موسى من معجزة العصا
والسحر الذي في قولِ موسى، إنما هو سحرهم الذي جاؤوا به، فقد اختلف
المدلولان، إذ قالوا هم عن معجزة موسى، وقال موسى عَمًّا جاؤوا به، ولذلك
لا يجوز أن يُؤتى هنا بالضمير بدلَ السحر، فيكونَ عائداً على قولهم:
«لسِخْر)).
قلت: والجوابُ أن الفراء وابن عطية إنما أرادا السحر المتقدمَ الذِّكر
في اللفظ، وإن كان الثاني هو غيرَ عينِ الأول في المعنى، ولكن لمَّا أُطْلِقِ
عليهما لفظ ((السحر)) جاز أن يُقال ذلك، ويدلَّ على هذا أنهم قالوا في قوله
تعالى: (والسلام عليّ))(٤): إن الألف واللام للعهد لتقدُّم ذكر السلام في قوله
تعالى: ((وسلامٌ عليه))(٥)، وإن كان السلامُ الواقِعُ على عيسى هو غيرَ السلام
الواقع على یحیی، لاختصاص كلِّ سلام بصاحبه من حيث اختصاصُه به،
وهذا النقل المذكورُ عن الفراء في الألف واللام ينافي ما نَقَله عنه مكيٍّ فيهما،
(١) تمام عبارة ابن عطية: ((وفي آخرها ((والسلام عليك)).
(٢) البحر ١٨٣/٥.
(٣) الآية ١٦ - ١٧ من سورة المزمل.
(٤) الآية ٣٣ من سورة مريم.
(٥) الآية ١٥ من سورة مريم.
٢٥٣

- يونس -
اللهم إلا أن يُقال: يُحتمل أن يكونَ له مقالتان، وليس ببعيدٍ فإنه كلما كَثُر
العلمُ اتسعت المقالاتُ.
وقوله: ((المفسدين)) مِنْ وقوع الظاهرِ موقعَ ضمير المخاطب إذ الأصلُ:
لا يُصلح عملَكم، فأبرزهم في هذه الصفةِ الذَّميمةِ شهادةً عليهم بها.
أ. (٨٢) وقرىء ((بكلمته) بالتوحيد، وقد تقدَّم نظيرُه(١).
آ. (٨٣) قوله تعالى: ﴿فما آمَنَ﴾: الفاءُ للتعقيب، وفيها إشعارٌ بأن
إيمانَهم لم يتأخر عن الإلقاء، بل وقع عقيبه، لأنَّ الفاءَ تفيد ذلك، وقد تقدَّم
توجيهُ تَعْدِيةِ ((آمن)) باللام(٢). والضمير في ((قومه)) فيه وجهان، أحدهما:
- وهو الظاهرُ ــ عودُه على موسى لأنه هو المحدَّث عنه، ولأنه أقربُ مذكورٍ،
ولو عاد على فرعون لم يكرِّر لفظَه ظاهراً، بل كان التركيب ((على خوفٍ منه))،
وإلى هذا ذهب ابنُ عباس وغيرُه.
والثاني: أنه يعود على فرعون، ويُروى عن ابن عباس أيضاً، وَرَجَّح
ابنُ عطية (٣) هذا، وضَعَّف الأول فقال: ((ومما يُضَعِّف عودَ الضمير على
موسى أن المعروفَ من أخبارِ بني إسرائيل أنهم كانوا قد فَشَتْ فيهم
النبواتُ، وكانوا قد نالهم ذلِّ مُفْرِط، وكانوا يَرْجُوْن كَشْفَه بظهورِ مولود، فلمَّا
جاءهم موسى أَصْفقوا(٤) عليه وتابعوه، ولم يُحْفّظ أن طائفةً من بني إسرائيل
كفرت بموسى، فكيف تعطي هذه الآيةُ أنَّ الأقلَ منهم كان الذي آمن؟،
[٤٧٦/ب] فالذي يَتَرَجَّحْ عَوْدُه على فرعون، ويؤيِّده أيضاً ما تقدَّم مِنْ محاورة / موسى
ورَدِّه علیهم وتوبیخهم)).
(١) الآية ٧ من سورة الأنفال.
(٢) انظر: الدر المصون ١ /٤٤٠.
(٣) المحرر ٧٨/٩.
(٤) أصفقوا عليه: اجتمعوا.
٢٥٤
--

- يونس -
قوله: ((على خَوْفٍ)) حال، أي: آمنوا كائنين على خوف، والضمير في
((وملئهم)) فيه أوجه، أحدُها: أنه عائدٌ على الذرِّيَّة، وهذا قولُ أبي الحسن(١)
واختيارُ ابن جرير(٢)، أي: خوفٍ من مَلَأَ الذرية، وهم أشرافُ بني إسرائيل.
الثاني: أنه يعودُ على قومِه بوجهيه، أي: سواءٌ جَعَلْنا الضمير في
((قومه)) لموسى أو لفرعون، أي: وملأ قوم موسى أو ملأ قوم فرعون.
الثالث: أن يعودَ على فرعون، واعتُرِضَ على هذا بأنه كيف يعودُ ضميرُ
جمعٍ على مفرد؟ وقد اعتذر أبو البقاء(٣) عن ذلك بوجهين، أحدهما: أنَّ
فرعونَ لمَّا كان عظيماً عندهم عاد الضمير عليه جمعاً، كما يقول العظيم:
نحن نأمرُ، وهذا فيه نظرٌ، لأنه لو وَرَدَ ذلك مِنْ كلامهم مَحْكَّاً عنهم لاحتمل
ذلك. والثاني: أنَّ فرعونَ صار اسماً لأتباعه، كما أن ثمودَ اسمُ للقبيلة
كلها)). وقال مكي (٤) وجهين آخرين قريبين من هذين، ولكنهما أخلصُ
منهما، قال: ((إنما جُمع الضميرُ في ((مَلَئهم)) لأنه إخبار عن جبّار، والجبَّار
يُخْبَرِ عنه بلفظِ الجمع، وقيل: لَمَّا ذُكِرَ فرعونُ عُلِمَ أنَّ معه غيرَهِ، فَرَجَع
الضميرُ عليه وعلى مَنْ معه)). قلت: وقد تقدَّم نحوٌ مِنْ هذا عند قوله: ((الذين
قال لهم الناسُ إنَّ الناس(٥))، والمرادُ بالقائل نعيم بن مسعود، لأنه لا يَخْلو
من مُساعدٍ له على ذلك القول.
الرابع: أنْ يعودَ على مضافٍ محذوف وهو آل، تقديره: على خوفٍ مِنْ
آل فرعون ومَلَئهم، قاله الفراء(٦)، كما حُذِف في قوله ((واسألِ القَرْية))(٧).
(١) وهو الأخفش في معاني القرآن ٣٤٧/٢.
(٢) تفسير الطبري ١٦٧/١٥ .
(٣) الإملاء ٣٢/٢.
(٤) المشكل ٣٩٠/١.
(٥) الآية ١٧٣ من سورة آل عمران.
(٦) معاني القرآن ٤٧٧/١.
(٧) الآية ٨٢ من سورة يوسف.
٢٥٥

- يونس -
قال أبو البقاء(١) بعد أن حكى هذا ولم يَعْزُه لأحد: ((وهذا عندنا غَلَطْ، لأنَّ
المحذوفَ لا يعود إليه ضمير، إذ لوجاز ذلك لجاز أن يقول: ((زيد قاموا))
وأنت تريد ((غلمان زيد قاموا)). قلت: قوله ((لأن المحذوف لا يعودُ إليه ضمير)»
ممنوعٌ، بل إذا حُذِفِ مضافٌ فللعرب فيه مذهبان: الالتفاتُ إليه وعَدَمُه
وهو الأكثر، ويدل على ذلك أنه قد جَمَّع بين الأمرين في قوله ((وكمْ مِنْ قريةٍ
أهلكناها))(٢) أي: أهل قريةٍ، ثم قال: ((أو هم قائلون)) وقد حَقَّقْتُ ذلك في
موضعِه المشارِ إليه. وقوله: ((لجاز زيد قاموا)) ليس نظيرَه، فإِنَّ فيه حَذْفاً من
غيرِ دليلٍ بخلاف الآية.
وقال الشيخ(٣) - بعد أن حكى كلامَ الفراء - ((وَرُدَّ عليه بأن الخوفَ
يُمكن مِنْ فرعون، ولا يمكن سؤالُ القرية، فلا يُحْذَفُ إلا ما دلَّ علیه الدلیل،
وقد يقال: ويَدُلُّ على هذا المحذوفِ جَمْعُ الضمير في ((ومَلَئهم)). قلتُ:
يعني أنهم رَدَّوا على الفراء بالفرق بين ((واسأل القريةَ)) وبين هذه الآيةِ بأنَّ
سؤالَ القرية غيرُ ممكنٍ فاضْطُرِرْنا إلى تقدير المضاف بخلاف الآية، فإن
الخوف تمكَّن مِنْ فرعونَ فلا اضطرار بنا يَدُلُّنا علی مضاف محذوف. وجوابُ
هذا أنَّ الحَذْفَ قد يكون لدليلٍ عقلي أو لفظي، على أنه قيل في ((واسأل
القرية)» إنه حقيقةً، إذْ يمكنُ النبيُّ أن يسألَ القريةً فتجيبَه.
الخامس: أن ثُمَّ معطوفاً محذوفاً حُذِف للدلالة عليه، والدليلُ كونُ
المَلِك لا يكونُ وحده، بل له حاشية وعساكر وجندٌ، فكان التقدير: على
خَوْفٍ مِنْ فرعون وقومه ومَلَئهم، أي: ملأ فرعون وقومه، وهو منقولٌ عن
الفراء (٤) أيضاً. قلت: حَذْفُ المعطوفِ قليلٌ في كلامهم، ومنه عند بعضهم
(١) الإملاء ٣٢/٢.
(٢) الآية ٤ من سورة الأعراف.
(٣) البحر ١٨٤/٥.
(٤) معاني القرآن ٤٧٦/١، بعبارة قريبة.
٢٥٦

- يونس -
قولُه تعالى ((تَقيكم الحرّ)(١) أي: والبرد، وقول الآخر(٢):
إذا حَذَفَتْه رِجْلُها حَذْفُ أَعْسَرا
٢٦١٩- كأن الحصى مِنْ خلفها وأمامِها
أي: ويدُها.
قوله: ((أن يَفْتِنَهم)) فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه في محلٌّ جرٍ على البدل
مِنْ ((فرعون)»، وهو بدلُ اشتمالٍ تقديره: على خوفٍ من فرعون فِتْنَتِه كقولك:
((أعجبني زيد علْمُه)). الثاني: أنه في موضعِ نصبٍ على المفعول به بالمصدر
أي: خوفٍ فتنته، وإعمالُ المصدرِ المنوّنِ كثيرٌ كقوله: «أو إطعامٌ في يومٍ ذي
مَسْغَبة يتيماً))(٣). وقولِ الآخر(٤):
٢٦٢٠ - فلولا رجاءُ النصرِ منك ورَهْبَةٌ
عقابَك قد كانوا لنا بالموارد
الثالث: أنه منصوبٌ على المفعول من أجله بعد حَذْفِ اللام، ويَجْري
فيها الخلافُ المشهورُ.
وقرأ(٥) الحسن ونبيح ((يُفْتِنَهم)) بضمِّ الياء وقد تقدَّم ذلك.
و ((في الأرض)) متعلقٌ بـ ((عالٍ)) أي: قاهر فيها أو ظالم كقوله(٦):
٢٦٢١ - فاعمِدْ لِما تَعْلُو فمالك بالذي لا تُسْتطيع من الأمور يَدانٍ
أي: لِما تَقْهر. ويجوز أن يكون ((في الأرض)) متعلقاً بمحذوف لكونه
صفة لـ ((عالٍ) فيكون مرفوع المحل، ويُرَجِّح الأولَ قولُه: ((إنَّ فرعون عَلَا في
الأرض».
(١) الآية ٨١ من سورة النحل.
(٢) تقدم برقم ٦٨٨.
(٣) الآية ١٤ من سورة البلد.
(٤) تقدم برقم ٩٨٢.
(٥) البحر ١٨٥/٥.
(٦) البيت لكعب بن سعد الغَنّوي، أو لعلي بن عدي الغنوي، وهو في الصحاح؛ واللسان:
علو؛ والبحر ١٨٥/٥.
٢٥٧

- يونس -
[٤٧٧/أ] آ. (٨٤) قوله تعالى: ﴿إِن كتتمْ آمنتمْ بالله فعليه توكَّلوا﴾: جوابُ الشرط
الأول، والشرطُ الثاني - وهو إن كنتم مسلمين - شرطٌ في الأول، وذلك أن
الشرطين متى لم يترتبا في الوجود فالشرطُ الثاني شرطٌ في الأول، ولذلك
يجب تقدُّمُه على الأول، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك.
آ. (٨٧) قوله تعالى: ﴿أَن تَبَوَّآ﴾: يجوز في ((أَنْ)) أن تكون المفسِّرة؛
لأنه قد تقدَّمها ما هو بمعنى القول وهو الإِيحاء، ويجوز أن تكونَ المصدريةَ
فتكونَ في موضع نصب بأوحينا مفعولاً به أي: أَوْحَيْنا إليهما التبُّءُ.
والجمهورُ على الهمزة في ((تبوّآ)). وقرأ حفص(١) ((تَبَّوَّيا)) بياءٍ خالصة،
وهي بدلٌ عن الهمزة، وهو تخفيفٌ غيرُ قياسي، إذ قياسُ تخفيفِ مثلِ هذه
الهمزة أن تكونَ بين الهمزة والألف، وقد أنكر هذه الروايةً عن حفص جماعةٌ
من القراء، وقد خَصَّها بعضُهم بحالةِ الوقف، وهو الذي لم يَحْكِ أبو عمرو(٢)
الداني والشاطبي (٣) غيرَه. وبعضُهم يُطْلق إبدالَها عنه ياءً وصلاً ووقفاً، وعلى
الجملةِ فهي قراءةٌ ضعيفة في العربية وفي الرواية، وتركتُ نصوصَ أهل
القراءة خوفَ السآمة، واستغناءً بما وضَعْتُه في ((شرح القصيد).
والتبوّءُ: النزولُ والرجوعُ، وقد تقدَّم تحقيق المادة في قوله ((تُبُوِّىء
المؤمنین)»(٤).
قوله: ((لقومِكما)) يُجوزُ أن تكونَ اللامُ زائدةً في المفعول الأول،
و ((بيوتا)) مفعولٌ ثان بمعنى بَوًّا قومكما بيوتاً، أي: أنْزِلوهم، وفَعَّل وتفعَّل
بمعنَّى مثل ((عَلَّقَها)) و((تَعَلَّقها)) قاله أبو البقاء(٥). وفيه ضعفٌ من حيث إنه
(١) روى صاحب السبعة ذلك عنه في الوقف وقال: إنها رواية عنه. السبعة ٣٢٩. وانظر:
التيسير ١٢٣؛ البحر ١٨٦/٥؛ الإتحاف ٢٥٣.
(٢) التيسير ١٢٣.
(٣) الشاطبية ١٣٢ (جرز الأماني).
(٤) الآية ١٢١ من سورة آل عمران.
(٥) الإملاء ٣٢/٢.
٢٥٨

- يونس -
زِيدت اللام، والعاملُ غير فرع(١)، ولم يتقدَّم المعمول. الثاني: أنها غير
زائدة، وفيها حينئذ وجهان، أحدهما: أنها حالٌ من ((البيوت)). والثاني: أنها
وما بعدها مفعول ((تَبَوَّآ)).
قوله: ((بمصرَ)) جَوَّز فيه أبو البقاء (٢) أوجهاً، أحدها: أنه متعلّق
بـ ((تَبَّآ))، وهو الظاهرُ. الثاني: أنه حالٌ من ضمير ((تبوَّا))، واستضعفه،
ولم يبيِّن وجهَ ضعفهِ لوضوحه. الثالث: أنه حالٌ من (البيوت)). الرابع: أنه
حالٌ من (لقومكما))، وقد ثَنَّى الضميرَ في ((تبوّآ)) وجمع في قوله ((واجعلوا))
و((أقيموا))، وأفرد في قوله: ((وبشِّر))؛ لأن الأولَ أمرٌ لهما، والثاني لهما
ولقومهما، والثالث لموسى فقط؛ لأن أخاه تَبَعّ له، ولمَّا كان فِعْلُ البِشارة
شريفاً خَصَّ به موسى لأنه هو الأصل.
آ. (٨٨) قوله تعالى: ﴿ليُضِلُّوا﴾: في هذه اللامِ ثلاثةُ أوجه،
أحدها: أنها لامُ العلة، والمعنى: أنك أتيتَهم ما أتيتهم على سبيل الاستدراج
فكان الإِيتاءُ لهذه العلة. والثاني: أنها لام الصيرورة والعاقبة كقوله: ((فالتقطه
آلُ فرعون ليكونَ لهم عَدُوّاً وحَزَنً)(٣). وقولِه(٤):
٢٦٢٢ - لِدُوا للموت وابنُوا للخراب
وقوله(٥):
٢٦٢٣ - فللموتِ تَغْذو الوالداتُ سِخالَها كما لخرابِ الدُّوْرِ تُبْنَى المساكنُ
-
(١) العامل الفرع كاسم الفاعل نحو: أنا ضاربٌ لزيدٍ.
(٢) الإملاء ٣٢/٢ -٣٣.
(٣) الآية ٨ من سورة القصص.
(٤) تقدم برقم ١٩٣٢.
(٥) تقدم برقم ٣٢٤٦.
٢٥٩

- يونس =
وقوله(١):
٢٦٢٤ - وللمنايا تُرَبِّي كلُّ مُرْضِعَةٍ وللخرابِ يَجِدُّ الناسُ عِمْرانا
والثالث: أنها للدعاء عليهم بذلك، كأنه قال: ليثبتوا على ماهم عليه
من الضلال وليكونوا ضُلَّلاً، وإليه ذهب الحسن البصري وبدأ به
الزمخشري(٢). وقد استُبْعِد هذا التأويلُ بقراءة الكوفيين(٣) ((ليُضِلُّوا)) بضم الياء
فإنه يَبْعُد أن يَدْعُوَ(٤) عليهم بأن يُضِلُّوا غيرهم، وقرأ الباقون بفتحها، وقرأ
الشعبي بكسرها(٥)، فوالى بين ثلاث كسَرات إحداها في ياء. وقرأ
[أبو] الفضل الرياشي ((أإنك أَيْتَ)) على الاستفهام. وقال الجبائي(٦): ((إنّ
(لا)) مقدرةٌ بين اللام والفعل تقديره: لئلا يَضِلوا))، ورأيُ البصريين في مثل
هذا تقديرُ ((كراهةَ)) أي: كراهة أن يَضِلُوا.
قوله: ((فلا يؤمنوا)) يحتمل النصب والجزم، فالنصب من وجهين،
أحدُهما: عطفُه على ((ليضلُّوا)). والثاني: نصبه على جواب الدعاء في قوله
((اطمِسْ)). والجزم على أنَّ (لا)) للدعاء كقولك: ((لا تعذُّبْني يا رب)) وهو قريبٌ
من معنى ((ليُضلوا)) في كونِه دعاءً، هذا في جانب شبه النهي، وذلك في
جانب شبه الأمر، و(حتى يَرَوا)) غايةٌ لنفي إيمانهم، والأول قول الأخفش(٧)،
(٤) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ١٨٦/٥.
(٢) الكشاف ٢٥٠/٢.
(٣) وهم عاصم وحمزة والكسائي مع آخرين. انظر: البحر ١٨٦/٥؛ النشر ٢٦٢/٢.
(٤) الأصل: يَذْعي وهو سهو.
(٥) أي بكسر الياء.
(٦) محمد بن عبدالوهاب، أبو علي، من أئمة المعتزلة، له تفسير مطول، توفي سنة ٣٠٣هـ
انظر: البداية والنهاية ١٢٥/١١؛ الأعلام ٢٥٦/٦. وانظر: البحر ١٨٧/٥.
(٧) قدَّر نصبَها في ((معاني القرآن)) ٣٤٨/٢ على جواب الدعاء بالفاء.
٢٦٠