النص المفهرس
صفحات 201-220
- يونس - أن يكونَ استثناءً متصلاً، لأنه إذ ذاك يكون فيهم قابليةُ الهدايةِ بخلافٍ الأصنام. ويجوز أن يكونَ استثناء من تمامِ المفعول له، أي: لا يهدي لشيءٍ من الأشياءِ إلا لأَجْل أن يُهْدَى بغيره. وقوله: ((فما لكم)) مبتدأ وخبر. ومعنى الاستفهام هنا الإِنكارُ والتعجبُ، أي: أيُّ شيءٍ لكم في اتخاذ هؤلا إذ كانوا عاجزين عن هداية أنفسهم فكيف يمكن أن يَهْدُوا غيرَهم؟ وقد تقدَّم أن بعضَ النحويين نصَّ على أن مثل هذا التركيبٍ لا يتمُّ إلا بحالٍ بعده، نحو: ((فما لَهم عند التذكرة مُعْرِضين))(١) (وما لنا لا نؤمن))(٢) إلى غير ذلك، وهنا لا يمكن أن تُقَدَّر الجملةُ بعد هذا التركيب حالاً لأنها استفهامية، والاستفهامية لا تقع حالاً. وقوله: ((كيف تحكمون)) استفهامٌ آخرُ، أي: كيف تحكمون بالباطل وتجعلون لله أنداداً وشركاء؟ آ. (٣٦) قوله تعالى: ﴿لا يُغْنِ﴾: خبرُ ((إن))، و((شيئاً) / منصوبٌ [٤٦٧/أ] على المصدر، أي: شيئاً من الإِغناء. و((من الحق)) نصبٌ على الحال من (شيئاً)) لأنه في الأصلِ صفةٌ له. ويجوز أن تكونَ ((مِنْ)) بمعنى ((بدل))، أي: لا يُغْني بدلَ الحق. وقرأ الجمهور ((يَفْعلون)» على الغيبة. وقرأ(٣) عبد الله (تَفْعلون)) خطاباً وهو التفاتٌ بليغ. آ. (٣٧) قوله تعالى: ﴿أَن يُفْتَرى﴾: فيه وجهان أحدهما: أنه خبرٌ ((كان)) تقديرُه: وما كان هذا القرآن افتراء، أي: ذا افتراء، إذ جُعِل نفسُ المصدر مبالغةً، أو يكونُ بمعنى مُفْترى. والثاني: زعم بعضهم أنَّ ((أنْ)) هذه هي المضمرة بعد لامِ الجحود، والأصل: وما كان هذا القرآنُ ليُفْترى، (١) الآية ٤٩ من سورة المدثر. (٢) الآية ٨٤ من سورة المائدة. (٣) الكشاف ٢٣٧/٢؛ البحر ١٥٧/٥. ٢٠١ - يونس - فلمَّا حُذِفَتْ لامُ الجحود ظهرت ((أن)). وزعم أن اللامَ و((أنْ)) يتعاقبان، فُتُحْذف هذه تارة، وتُثْبُت الأخرى. وهذا قولٌ مرغوبٌ عنه، وعلى هذا القولِ يكون خبر ((كان)» محذوفاً، وأنْ وما في حَيِّزِها متعلقةٌ بذلك الخبر، وقد تقدَّم تقريرُ ذلك محرراً. و(مِنْ دون)) متعلقٌ بـ ((يُفْتَرى)) والقائمُ مقامَ الفاعل ضميرٌ عائد على القرآن . قوله: ((ولكن تصديقَ)) ((تَصْديق)) عطف على خبر كان، ووقعت ((لكن)) أحسنَ موقع إذ هي بين نقيضين: وهما التكذيبُ والتصديقُ المتضمّن للصدق. وقرأ الجمهور ((تصديق)) و((تفصيلَ)) بالنصب وفيه أوجه، أحدُها: العطفُ على خبر (كان)) وقد تقدَّم ذلك، ومثله: ((ما كان محمدٌ أبا أحدٍ من رجالكم ولكن رسولَ الله))(١). والثاني: أنه خبر (كان)) مضمرة تقديره: ولكن كان تصديقَ، وإليه ذهب الكسائي والفراء(٢) وابن سعدان(٣) والزجاج. وهذا كالذي قبله في المعنى. والثالث: أنه منصوبٌ على المفعول من أجله لفعل مقدر، أي: وما كان هذا القرآنُ أن يُفْترى، ولكن أُنزل للتصديق. والرابع: أنه منصوبٌ على المصدر بفعل مقدر أيضاً. والتقدير: ولكن يُصَدِّق تصديقَ الذي بین یدیه من الكتب. وقرأ(٤) عيسى بن عمر: ((تَصْدِيقُ)) بالرفع، وكذلك التي في يوسف(٥). ووجهُه الرفعُ على خبر مبتدأ محذوف، أي: ولكن هو تصديق، ومثله قول الشاعر(٦): (١) الآية ٤٠ من سورة الأحزاب. (٢) معاني القرآن ٤٦٥/١. (٣) محمد بن سعدان الضرير الكوفي النحوي المقرىء أبو جعفر، ثقة، له كتب في النحو والقراءات توفي سنة ٢٣١. انظر: البغية ١١١/١. (٤) البحر ١٥٧/٥. (٥) الآية ١١١ من سورة يوسف ((ما كان حديثاً يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه)). (٦) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ١٥٧/٥. وأجتهد أن يكون من نونية ججدر بن مالك التي رواها صاحب الخزانة ٤٨٣/٤ وليس منها هذا البيت. والسفساف: الحقير. المِذْرَهُ: الْمُقَدَّم عند القتال. والعوان: قوتل فيها مرة بعد مرة. ٢٠٢ - يونس - ٢٥٩٧ - ولستُ الشاعرَ السَّفْسَافَ فيهمْ ولكن مِدْرَهُ الحربِ العَوانِ برفع (مِدْرَهُ)) على تقدير: أنا مِدْره. وقال مكي (١): ((ويجوز عندهما - أي عند الكسائي والفراء - الرفع على تقدير: ولكن هو تصديق))، قلت: كأنه لم يَطَّلِعْ على أنها قراءة. وزعم الفراء(٢) وجماعةُ أن العرب إذا قالت: ((ولكن)) بالواو آثَرَتْ تشديد النون، وإذا لم تكن الواو آثرت التخفيفَ. وقد وَرَدَ في قراءات السبعة التخفيفُ. وقد وَرَدَ في قراءات السبعة التخفيف والتشديد نحو ((ولكن الشياطين))(٣) ((ولكن الله رمى))(٤). قوله: ((لا ریب فیه» فيه أوجه أحدها: أن یکون حالاً من ((الكتاب) وجاز مجيءُ الحال من المضاف إليه لأنه مفعولٌ في المعنى. والمعنى: وتفصيل الكتاب منتفياً عنه الرَّيْب. والثاني: أنه مستأنفٌ فلا محلَّ له من الإعراب. والثالث: أنه معترضُ بين ((تصديق)) وبين ((من ربِّ العالمين)) إذ التقديرُ: ولكن تصديق الذين بين يديه مِنْ رب العالمين. قال الزمخشري(٥): فإن قلت: بم اتَّصَلَ قولُه ((لا ريب فيه من رب العالمين))؟ قلت: هو داخلٌ في حَيِّز الاستدراك كأنه قيل: ولكن كان تصديقاً وتفصيلاً منتفياً عنه الريبُ كائناً من رب العالمين. ويجوز أن يراد به «ولكن كان تصديقاً من رب العالمين [وتفصيلاً منه لا ريب في ذلك، فيكون من رب العالمين](٦) متعلقاً (١) المشكل ٣٨٢/١. (٢) معاني القرآن ٤٦٥/١. (٣) الآية ١٠٢ من سورة البقرة. ابن عامر وحده بالتخفيف والباقون بالتشديد. انظر: السبعة ١٦٧ . (٤) الآية ١٧ من سورة الأنفال: حمزة والكسائي وابن عامر بالتخفيف والباقون بالتشديد. السبعة ١٦٧ - ١٦٨. (٥) الكشاف ٢٣٧/٢. (٦) ما بين معقوبين سقط من مطبوعة الكشاف. ٢٠٣ - يونس - بـ ((تصديق)) و((تفصيل)) ويكون ((لا ريبَ فيه)) اعتراضاً كما تقول: زيدٌ لا شكٌ فیہ کریم» انتھی. قوله: (مِنْ رب)) يجوز فيه أوجه أحدها: أن يكون متعلقاً بـ «تصدیق)» أو بـ ((تفصيل))، وتكون المسألة من باب التنازع؛ إذ يَصِحُّ أَنْ يتعلَّقَ بكلٍ من العاملين من جهة المعنى. وهذا هو الذي أراد الزمخشري بقوله: ((فيكون ((مِنْ رب)) متعلِّقاً بـ ((تصديق) و((تفصيل)) يعني أنه متعلقٌ بكلٍ منهما من حيث المعنى. وأمَّا من حيث الإِعرابُ فلا يتعلَّق إلا بأحدهما، وأمَّا الآخرُ فيعمل في ضميره كما تقدَّم تحريره غيرَ مرة، والإِعمالُ هنا حينئذ إنما هو للثاني بدلیل الحَذْفِ من الأول. والوجه الثاني: أنَّ ((مِنْ رب)) حال ثانية. والثالث: إنه متعلقٌ بذلك الفعلِ المقدرِ، أي: أُنْزِل للتصديق من ربِّ العالمين. آ. (٣٨) قوله تعالى: ﴿أم يقولون﴾: في ((أم)) وجهان أحدهما: أنها منقطعةٌ فتتقدر بـ ((بل)) والهمزة عند الجمهور: سيبويه(١) وأتباعهِ، والتقديرُ: بل أتقولون، انتقل عن الكلام الأول وأَخَذَ في إنكارٍ قولٍ آخر. والثاني: أنها متصلةٌ ولا بدَّ حينئذٍ مِنْ حَذْفِ جملةٍ ليصِحَّ التعادلُ والتقدير: أيقُّون به [٤٦٧/ب] أم يقولون افتراه. وقال بعضُهم: / هذه بمنزلة الهمزةِ فقط. وعَبَّر بعضهم عن ذلك فقال: ((الميمُ زائدة على الهمزة)) وهذا قولٌ ساقط، إذ زيادة الميم قليلة جداً لا سيما هنا. وزعم أبو عبيدة (٢) أنها بمعنى الواو والتقدير: ويقولون: افتراه. قوله: ((قل فَأْتوا)) جوابُ شرطٍ مقدر قال الزمخشري(٣): ((قل: إن كان الأمرُ كما تَزْعمون فَأْتِوا أنتم على وجه الافتراءِ بسورةِ مثلِه في العربية (١) الكتاب ٤٩١/١ - ٤٩٢. (٢) مجاز القرآن ٢٧٨/١ . (٣) الکشاف ٢٣٧/٢ . ٢٠٤ - يونس - والفصاحة والْأَبْلغيَّة))(١). وقرأ(٢) عمرو بن فائد ((بسورة مثلِه)) بإضافة ((سورة)) إلى ((مثله)) على حَذْف الموصول وإقامة الصفة مُقَامَه، والتقدير: بسورةٍ كتابٍ مثلِه أو بسورةِ كلام مثله. ويجوز أن يكون التقديرُ: فَأَتوا بسورةِ بشرٍ مثلِه، فالضمير يجوز أن يعودَ في هذه القراءة على القرآن، وأن يعودَ على النبي صلى الله عليه وسلم. وأمَّا في قراءة العامة فالضمير للقرآن فقط. آ. (٣٩) قوله تعالى: ﴿وَلَّا يَأْتِهِم﴾: جملةٌ حالية من الموصول أي: سارعوا إلى تكذيبهِ حالَ عدم إتيان التأويل. قال الزمخشري (٣): ((فإن قلت: ما معنى التوقُّع في قوله تعالى: (ولَّمَّا يأتهم تأويله)»؟ قلت: معناه أنهم كذَّبوا به على البديهة قبل التدبُر ومعرفةِ التأويل))، ثم قال أيضاً: ((ويجوز أن يكونَ المعنى: ولم يأتِهم بعدُ تأويلُ ما فيه من الإخبار بالغيوب، أي: عاقبته حتى يتبِيِّنَ لهم أَكَذِبٌ هو أم صدقٌ)) انتهى. وفي وَضْعه ((لم)) موضعَ ((لَمَّا)) نظرٌ لِمَا عَرَفْت ما بينهما من الفرق. ونُفِيَتْ جملةُ الإِحاطة بـ ((لم)) وجملةُ إتيانٍ التأويل بـ ((لَّمَّ)) لأن ((لم)) للنفي المطلق على الصحيح، و((لَمَّ)) لنفي الفعل المتصل بزمن الحال، فالمعنى: أنَّ عَدَمَ التأويل متصل بزمن الإِخبار. و ((كذلك)) نعتّ لمصدرٍ محذوف، أي: مثل ذلك التكذيب كَذَّب الذين من قبلهم، أي: قبل النظر والتدبُّر. وقوله: ((فانظر كيف كان)) ((كيف)) خبر لـ ((كان)»، والاستفهامُ معلِّقٌ للنظر. قال ابن عطية (٤): ((قال الزجاج: ((كيف)) في موضع نصب على خبر كان، ولا يجوز أن يعمل فيها ((انظر)) لأنَّ ما قبل الاستفهام لا يَعْمل فيه، هذا (١) قوله: ((والأبلغية)) سقط من مطبوعة الكشاف. (٢) المحتسب ٣١٢/١؛ البحر ١٥٨/٥. (٣) الكشاف ٢٣٨/٢. (٤) المحرر ٤٧/٩. ٢٠٥ - يونس - قانونُ النحويين لأنهم عاملوا ((كيف)) في كل مكان معاملةَ الاستفهامِ المَخْض في قولك ((كيف زيد)) ولـ((كيف)) تصرُّفاتٌ غيرُ هذا فتحلُّ مِحلَّ المصدرِ الذي هو ((كيفية)) وتخلعُ معنى الاستفهام، ويحتمل هذا الموضعُ أن يكونَ منها. ومن تصرُّفاتها قولُهم: ((كن كيف شئت)) وانظر قول البخاري(١): ((كيف كان بدء الوحي)) فإنه لم يستفهم)). انتهى. فقول الزجاج ((لا يجوز أن تعمل ((انظر)) في (كيف)) يعني لا تتسلَّط عليها ولكن هو متسلُّطُ على الجملة المنسحبِ عليها حكمُ الاستفهام وهكذا سبيلُ كلِّ تعليقٍ. قال [الشيخ](٢): ((وقولُ ابن عطية: هذا قانون النحويين إلى آخره ليس کما ذکر بل لـ «کیف) معنیان، أحدهما: الاستفهامُ المحض، وهو سؤال عن الهيئة إلا أن يُعَلَّق عنها العامل، فمعناها معنى الأسماء التي يُستفهم بها إذا . عُلِّق عنها العاملُ. والثاني: الشرط كقول العرب: ((كيف تكونُ أكونُ)). وقوله: ((ولـ ((كيف)) تصرفات إلى آخره ليس ((كيف)) تحلُّ محلّ المصدر، ولا لفظ ((كيفية)) هو مصدرٌ، إنما ذلك نسبةٌ إلى ((كيف))، وقوله: ((ويحتمل أن يكونَ هذا الموضعُ منها، ومِنْ تصرفاتها قولهم ((كن كيف شئت)) لا يَحْتمل أن يكون منها؛ لأنه لم يثبتْ لها المعنى الذي ذكر مِنْ كونِ ((كيف)» بمعنى كيفية وادِّعاءُ مصدرية ((كيفية)). وأمَّا ((كن كيف شئت)) فـ ((كيف)) ليست بمعنی كیفیة، وإنما هي شرطيةٌ وهو المعنى الثاني الذي لها، وجوابها محذوف، التقدير: كيف شئت فكن، كما تقول: ((قم متى شئت)) فـ ((متى)) اسمُ شرطٍ ظرفٌ لا يعمل فيه ((قم)) والجواب محذوف تقديره: متى شئت فقم، وحُذِفّ الجوابُ لدلالة ما قبله عليه كقولهم: ((اضربْ زيداً إن أساء إليك))، التقدير: إن أساءً إليك فاضرِبْه، وحُذِفِ ((فاضربه)) لدلالة ((اضرِبْ)) المتقدِّم عليه. وأمَّا قَولُ (١) فتح الباري ٨/١. (٢) سقط قوله: ((الشيخ)) من الأصل، وأثبتناه من ش وانظر: البحر ١٦٠/٥. ٢٠٦ - يونس - البخاري: ((كيف كان بدء الوحي)) فهو استفهامٌ مَخْضّ: إمَّا على سبيل الحكاية كأن سائلاً سأله فقال: كيف كان بَدْءُ الوحي، [وإما أن يكونَ من قوله هو، كأنه سأل نفسه: كيف كان بدء الوحي؟](١) فأجاب بالحديثِ الذي فيه کیفیةُ ذلك». وقوله: ((الظالمين)) مِنْ وَضْع الظاهر موضعَ المضمر، ويجوز أن يراد به ضميرُ مَنْ عاد عليه ضمير ((بل كَذَّبوا))، وأن يُرادَ به «الذين مِنْ قبلهم)). آ. (٤٢) قوله تعالى: ﴿مَنْ يَسْتمعون): مبتدأ وخبرهُ الجار قبله وأعاد الضميرَ جمعاً مراعاة لمعنى ((مَنْ))، والأكثرُ مراعاةُ لفظه كقوله: آ. (٤٣) ﴿ومنهم مَنْ ينظرُ إليك﴾: قال ابن عطية(٢): ((جاء ((ينظر) على لفظ ((مَنْ))، وإذا جاء على لفظها فجائز أن يعطف عليه آخرُ على المعنى، وإذا جاء أولاً على معناها فلا يجوز أن / يُعْطَفَ آخرُ على اللفظ لأنَّ [٤٦٨/أ] الكلامَ يُلْبَسُ حينئذ)). قال الشيخ(٣): وليس كما قال، بل يجوز أن تراعيّ المعنى أولاً فتعيدَ الضميرَ على حسبٍ ما تريد من المعنى مِنْ تأنيثٍ وتثنية وجمعٍ ، ثم تراعي اللفظَ فتعيدُ الضميرَ مفرداً مذكراً، وفي ذلك تفصيلٌ ذُكر في النحو))، قلت: قد تقدَّم تحريره أولَ البقرة(٤). آ. (٤٤) قوله تعالى: ﴿لَا يَظْلِمُ الناسَ شيئاً﴾: يجوز أن ينتصب (شيئًا) على المصدر، أي: شيئاً من الظلم قليلاً ولا كثيراً، وأن ينتصبَ مفعولاً ثانياً لـ ((يَظْلم)) بمعنى: لا يُنْقِص الناسَ شيئاً من أعمالهم. (١) ما بين معقوفين سقط من مطبوعة البحر. (٢) المحرر ٤٨/٩. (٣) البحر ١٦١/٥. (٤) انظر: إعرابه للآية ٨ من سورة البقرة. ٢٠٧ - يونس - قوله: ((ولكنَّ النَّاسَ)) قرأ(١) الأخوان بتحفيف ((لكن))، ومن ضرورة ذلك كسرُ النونِ لالتقاء الساكنين وَصْلًا ورفع ((الناس))، والباقون بالتشديد ونصب (الناس)) وتقدم توجيه ذلك في البقرة(٢). آ. (٤٥) قوله تعالى: ﴿ويوم﴾: منصوب على الظرف. وفي ناصبه أوجه، أحدُها: أنه منصوبٌ بالفعل الذي تضمَّنه قوله: ((كأن لم يلبثوا)). الثاني: أنه منصوبٌ بـ ((يتعارفون)). والثالث: أنه منصوبٌ بمقدر، أي: اذكر يومَ. وقرأ الأعمش (٣) ((يَحْشُرهم)) بياء الغيبة، والضمير لله تعالى لتقدُّم اسمه في قوله: ((إنَّ الله لا يَظْلم)). قوله: ((كأن لم يَلْبثوا)) قد تقدَّم الكلامُ على ((كأنْ)) هذه. ولكن اختلفوا في محلِّ هذه الجملة على أوجهٍ، أحدها: أنها في محلِّ نصبٍ صفةً للظرف وهو (يوم)) قاله ابن عطية(٤). قال الشيخ(٥): ((لا يَصِحُّ لأنَّ ((يومَ يحشرُهم)) معرفةٌ والجملَ نكرات، ولا تُنْعَتُ المعرفةُ بالنكرة، لا يقال: إن الجملَ التي يُضاف إليها أسماءُ الزمانِ نكرةً على الإطلاق لأنها إن كانَتْ في التقدير تَنْحَلّ إلى معرفة فإِن ما أُضيف إليها يتعرَّفُ، وإن كانت تَنْحَلُّ إلى نكرة كان ما أُضيف إليها نكرةً، تقول «مررت في يوم قَدِم زيدٌ الماضي)) فتصِفُ (يوم)) بالمعرفة، و((جِئْت ليلةَ قَدِم زيدٌ المباركة علينا)) وأيضاً فكأنْ لم يلبثوا لا يمكن أن يكون صفة لليوم من جهةٍ المعنى؛ لأنَّ ذلك من وصف المحشوريْن لا مِنْ وصف يوم حشرهم. وقد تكلَّفَ بعضُهم تقديرَ رابطٍ يَرْبطه (١) السبعة ١٦٧؛ التيسيير ١٢٢؛ البحر ١٦٢/٥؛ الإتحاف ٢٥٠. (٢) انظر: إعرابه للآية ٢ ١٠ من سورة البقرة. (٣) وحفص، والباقون بالنون. انظر: السبعة ٣٢٧؛ التيسيير ١٠٧؛ البحر ١٦٢/٥؛ الحجة ٣٣٢. (٤) المحرر ٩٤/٩. (٥) البحر ١٦٢/٥. ٢٠٨ - يونس - فقدَّره ((كأنْ لم يَلْبثوا قبله)) فحذف ((قبله))، أي: قبل اليوم، وحَذْفُ مثلِ هذا الرابطِ لا يجوز»، قلت: قوله: (بعضهم))، هو مكي(١) ابن أبي طالب فإنه قال: ((الكافُ وما بعدها مِنْ ((كأنْ)) صفةٌ لليوم، وفي الكلامِ حَذْفُ ضميرٍ يعودُ على الموصوفِ تقديرُه: كأنْ لم يَلْبثوا قبلَه، فحذف ((قبل)) فصارت الهاءُ متصلةً بـ (يَلْبثوا)) فحُذِفَتْ لطولِ الاسم كما تُحْذَفُ من الصِّلات))، ونَقَل هذا التقدير أيضاً أبو البقاء(٢) ولم يُسَمِّ قائلَه فقال: ((وقيل)) فذكره. والوجه الثاني: أن تكونَ الجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحال من مفعول (يَحْشُرهم))، أي: يَحْشُرِهم مُشْبهين بمَنْ لم يلبث إلا ساعةً، هذا تقديرُ الزمخشري(٣). وممِّنْ جَوَّز الحالية أيضاً ابنُ عطية(٤) ومكي (٥) وأبو البقاء(٦)، وجعله بعضُهم هو الظاهر. الوجه الثالث: أن تكونَ الجملةُ نعتاً لمصدر محذوف، والتقدير: يَحْشُرهم حَشْراً كأنْ لم يَلْبِثُوا)) ذكر ذلك ابن عطية (٧) وأبو البقاء(٨) ومكي (٩). وقدَّر مكي وأبو البقاء العائد محذوفاً كما قَدَّراه حالَ جَعْلِهما الجملةَ صفةً لليوم، وقد تقدَّم ما في ذلك. الرابع: قال ابن عطية: ((ويَصِحُّ أن يكونَ قوله ((كأَنْ لم يلبثوا)» كلاماً (١) المشكل ٣٨٣/١. (٢) الإِملاء ٢٩/٢. (٣) الكشاف ٢٣٩/٢. (٤) المحرر ٥٠/٩. (٥) المشكل ٣٨٣/١. (٦) الإملاء ٢٩/٢. (٧) المحرر ٥٠/٩. (٨) الإملاء ٢٩/٢. (٩) المشكل ٣٨٣/١. ٢٠٩ - يونس - مجملاً))(١) ولم يُبَيِّنْ الفعلَ الذي يتضمَّنه ((كأنْ لم يَلْبثوا)). قال الشيخ(٢): ((ولعلَّه أرادَ ما قاله الحوفي مِنْ أنَّ الكاف في موضعٍ نصبٍ بما تضمَّنَتْه من معنى. الكلام وهو السرعة)) انتهى. قال(٣): ((فيكونُ التقدير: ويوم يحشرهم يُسْرعون كأنْ لم يَلْبثوا)) قلت: فيكونُ ((يسرعون)) حالاً من مفعول ((يَحْشرهم)) ويكون ((كأنْ لم يلبثوا)) حالاً من فاعل ((يُسْرعون))، ويجوز أن تكونَ ((كأن لم)) مفسرةً لـ «يُسْرعون)» المقدرة. قوله: ((يَتَعارفون)) فيه أوجهٌ، أحدُها: أن الجملةَ في محل نصبٍ على الحال من فاعل ((يَلْبثوا)). قال الحوفي: ((يتعارفون)) فعل مستقبلٌ في موضع الحال من الضمير في ((يلبثوا)) وهو العامل، كأنه قال: متعارفين، والمعنى: اجتمعوا متعارفين)). والثاني: أنها حالٌ من مفعول ((يَحْشُرهم)) أي: يَحْشُرهم. متعارفين والعاملُ فعلُ الحشر، وعلى هذا فَمَنْ جَوَّز تعدُّدَ الحال جوَّز أن تكونَ (كأَنْ لم)) حالاً أولى، وهذه حالٌ ثانية، ومَنْ مَنَعَ ذلكِ جَعَلَ ((كأنْ لم)) على ما تقدم من غيرِ الحالية. قال أبو البقاء(٤): ((وهي حالٌ مقدرة لأنَّ التعارفَ. لا يكونُ حالَ الحشر)». والثالث: مستأنفةٌ، أخبر تعالى عنهم بذلك قال: الزمخشري(٥): ((فإن قلت: كأن لم يَلْبثوا ويتعارفون كيف موقعهما؟ قلت: أمَّا: الأولى فحالٌ منهم أي: يَحْشُرُهم مُشْبهين بمَنْ لم يَلْبث إلا ساعةً، وأمَّا الثانية: فإمّا أن تتعلقَ بالظرف - يعني فتكون حالاً ـ وإما أن تكون مبينةً لقوله: كأن لم يَلْبثوا إلا ساعةً؛ لأن التعارف لا يبقى مع طول العهد وينقلب تناكراً)) .. (١) أصل عبارة ابن عطية في المحرر ٤٩/٩: ((ويصح أن ينتصب بالفعل الذي يتضمنه قوله (كأنه لم يلبثوا إلا ساعة من النهار)». والمؤلف هنا لم يورد نص ابن عطية، وإنما أورد تعليق الشيخ عليه (البحر ١٦٢/٥) فقوله: ((كلاماً مجملًا)» من كلام أبي حيان. (٢). البحر ١٦٢/٥. (٣) أي الشيخ. (٤) الإِملاء ٢٩/٢. (٥) الكشاف ٢٣٩/٢ . ٢١٠ - يونس - قوله: ((قد خَسِر)) فيها وجهان، أحدهما: أنها مستأنفة أخبر تعالى بأن المكذِّبينَ بلقائِه خاسرون لا محالة، ولذلك أتى بحرفِ التحقيق. والثاني: أن يكونَ في محل نصبٍ بإضمارِ قولٍ أي: قائلين قد خسر الذين. ثم لك في هذا القول المقدر / وجهان، أحدهما: أنه حال مِنْ مفعول ((يحشرهم)) أي: [٤٦٨ /ب] يحشرهم قائلين ذلك. والثاني: أنه حالٌ من فاعل ((يتعارفون)). وقد ذهب إلى الاستئناف والحالية مِنْ فاعل ((يتعارفون)) الزمخشري(١) فإنه قال: ((هو استئنافٌ فيه معنى التعجب كأنه قيل: ما أحشرهم)) ثم قال: ((قد خَسِر)) على إرادة القولِ أي: يتعارفون بينهم قائلين ذلك))، وذهبَ إلى أنها حالٌ من مفعول ((يحشرهم)) ابن عطية(٢). قوله: ((وما كانوا مهتدين)) يجوزُ فيها وجهان، أحدهما: أن تكونَ معطوفةً على قولِه ((قد خَسِر)) فيكونُ حكمُه حكمَه. والثاني: أن تكونَ معطوفةً على صلةِ الذين، وهي كالتوكيد للجملة التي وقعتْ صلةً؛ لأنَّ مَنْ كذَّب بلقاء الله غيرُ مهتٍ. آ. (٤٦) قوله تعالى: ﴿وإمَّا نُرِيَنَّك﴾: ((إِمَّ)) هذه قد تقدَّم الكلامُ عليها مستوفىَّ. وقال ابن عطية (٣): ((ولأجلها أي: لأجل زيادةِ ((ما)) جاز دخولُ النونِ الثقيلة ولو كانَتْ ((إنْ)) وحدَها لم يَجُزْ)) يعني أن توكيد الفعل بالنونِ مشروطٌ بزيادة ((ما)) بعد ((إِنْ))، وهو مخَالفٌ لظاهرٍ كلامٍ سيبويه(٤)، وقد جاء التوكيد في الشرط بغير ((إنْ)) كقوله(٥): (١) الكشاف ٢٣٩/٢. (٢) ليس ثمة نص في ((المحرر)) يصرح بذلك، وإنما على سبيل الاحتمال من قوله: ((إخبار المحشورين على جهة التوبيخ لأنفسهم)). المحرر ٥٠/٩. (٣) المحرر ٥١/٩. (٤) الكتاب ١٥٢/٢. (٥) تقدم برقم ٣٩٣. ٢١١ - يونس - أبداً وقْل بني قتيبةً شافي ٢٥٩٨- مَنْ نَثقفَنْ منهم فليس بآيِبٍ قال ابن خروف: ((أجاز سيبويه الإتيانَ بـ ((ما)) وأن لا يُؤْتنى بها، والإِتيانُ بالنون مع (ما)) وأن لا يؤتى بها)) والإِراءَةُ هنا من البصر؛ ولذلك تعدّى الفعلُ إلى اثنين بالهمزة أي: نجعلك رائياً بعض الموعودين)). قوله: ((فإلينا مَرْجِعُهم)) مبتدأ وخبر، وفيه وجهان أظهرهما: أنه جوابٌ للشرط وما عُطف عليه، إذ معناه صالحً لذلك. وإلى هذا ذهب الحوفي وابن عطية(١). والثاني: أنه جوابٌ لقوله ((أو نتوفَيَنَّك))، وجواب الأول محذوف قال الزمخشري(٢): ((كأنه قيل: وإمَّا نُرِيَّنَّك بعضَ الذِي نَعِدُهم فذاك، أو نتوفينَّك قبل أن نريك فنحن نُريك في الآخرة)). قال الشيخ(٣): ((فجعل الزمخشري في الكلام شرطين لهما جوابان، ولا حاجةً إلى [تقدير](٤) جواب محذوف لأنَّ قولهَ ((فَإِلينا مَرْجعهم)» صالحٌ لأن يكونَ جواباً للشرط والمعطوفِ عليه، وأيضاً فقولُ الزمخشري ((فذاك)) هو اسمٌ مفردٌ لا يَنْعقد منه جوابُ شرطٍ فكان ينبغي أن يأتي بجملةٍ يَصِحُّ منها جوابُ الشرط إذ لا يُفْهَمُ مِنْ قوله (فذاك)) الجزء الذي حُذِف، المتحصَّل به فائدةُ الإِسناد)). قلت: قد تقرَّر أنَّ اسمَ الإِشارة قد يُشار به إلى شيئين فأكثر وهو بلفظِ الإِفراد، فكأنَّ ذاك واقعٌ موقعَ الجملة الواقعة جواباً، ويجوزُ أن يكونَ قد حُذِفَ الخبر لدلالة المعنى عليه إذ التقديرُ: فذاك المراد أو المتمنَّى أو نحوه. وقوله: ((إذ لا يُفْهم الجزء الذي حُذِف)) إلى آخره ممنوعٌ بل هو مفهومٌ كما رأيت، وهو شيءٌ يتبادر إليه الذهن. (١) المحرر ٥١/٩. (٢) الكشاف ٢٣٩/٢. (٣) البحر ١٦٤/٥. (٤) من البحر. ٢١٢ - يونس - قوله: ((ثم اللَّهُ شهيدٌ)) ليست هنا للترتيب الزماني بل هي لترتيبِ الأخبارِ لا لترتيبِ القصصِ في أنفسها. قال أبو البقاء (١): ((كقولك زيدٌ عالم ثم هو كريم)). وقال الزمخشري(٢): ((فإن قلت: اللَّهُ شهيدٌ على ما يفعلون في الدارَيْن فما معنى ثم؟ قلت: ذُكِرَت الشهادة، والمراد مقتضاها ونتيجتها، وهو العقاب، كأنه قيل: ثم الله معاقِبٌ على ما يفعلون)». وقرأ إبراهيم بن أبي عبلة ((ثَّمَّ)) بفتح الثاء جعله ظرفاً لشهادة الله، فيكون (ثَمَّ)) منصوباً(٣) بـ ((شهيد)) أي: اللَّهُ شهيدٌ عليهم في ذلك المكان، وهو مكانُ حَشْرِهم. ويجوز أن يكونَ ظرفاً لمَرْجِعهم أي : فإلينا مَرْجِعُهم يعني رجوعهم في ذلك المكانِ الذي يُتاب فيه المُحْسِن ويُعاقَبُ فيه المسيءُ. أ. (٤٩) قوله تعالى: ﴿إلا ما شاءَ اللَّهُ﴾: فيه وجهان أحدهما: أنه استثناءٌ متصل تقديرُه: إلا ما شاء الله أن أَمْلكه وأَقْدِر عليه. والثاني: أنه منقطعٌ. قال الزمخشري(٤): ((هو استثناءٌ منقطع أي: ولكنْ ما شاء الله من ذلك كائن، فكيف أَمْلك لكم الضررَ وجَلْبَ العذاب؟)). آ. (٥٠) قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتم﴾: قد تقدَّم الكلام(٥) على / ((أَرَأَيْتَ)) [٤٦٩/أ] هذه، وأنها تتضمَّن معنى أخبرني فتتعدى إلى اثنين، ثانيهما غالباً جملة استفهامية فينعقد منها مع ما قبلها مبتدأ وخبرٌ كقولهم: ((أرأيتَك زيداً ما صنع)) وتقدَّم مذاهبُ الناسِ فيها في سورة الأنعام فعليك باعتباره ثَمَّة. ومفعولُها الأول في هذه الآية الكريمة محذوفٌ، والمسألةُ من بابِ الإِعمال لأنه تنازع (١) الإملاء ٢٩/٢. (٢) الكشاف ٢٣٩/٢. (٣) الأصل ((منصوب)» وهو سهو. (٤) الكشاف ٢٤٠/٢. (٥) انظر إعرابه للآية ٤٦ من سورة الأنعام. ٢١٣ - يونس - أرأيت وأتاكم في ((عذاب))، والمسألةُ من إعمال الثاني، إذ هو المختار عند البصريين، ولمَّا أعمله أضمر في الأول وحَذَفَه، لأنَّ إبقاءَه مخصوصٌ بالضرورة، أو جائزُ الذكرِ على قلةٍ عند آخرين، ولو أعمل الأول لأضمَرَ في الثاني؛ إذ الحذف منه لا يكون إلا في ضرورة أو في قليلٍ من الكلام، ومعنى الكلام: قل لهم يا محمد أخبروني عن عذاب الله إن أتاكم، أيُّ شيءٍ تستعجلون منه، وليس شيءٌ من العذاب يُسْتعجل به لمرارته وشدة إصابته فهو مُقْتَضٍ لنفورِ الطَّبَع منه. قال الزمخشري(١) ((فإن قلت: بم يتعلَّق الاستفهامُ وأين جواب الشرط؟ قلت: تعلَّق بـ ((أرأيتم)) لأن المعنى: أخبروني ماذا يَسْتعجل منه المجرمون، وجوابُ الشرط محذوف وهو ((تَنْدموا على الاستعجال)) أو ((تعرفوا الخطأ فيه)). قال الشيخ(٢): ((وما قَدَّره غيرُ سائغ لأنه لا يُقَدَّر الجوابُ إلا ممَّا تقدَّمَه لفظاً أو تقديراً تقول: ((أنت ظالمٌ إن فعلت)) التقدير: إن فعلت فأنت ظالم، وكذلك: ((وإنَّا إنْ شاء الله لَمُهْتدون))(٣) التقدير: إن شاءَ اللّه نَهْتَدٍ، فالذي يُسَوِّغْ أَن يُقَدَّر: إن أتاكم عذابه فأخبروني ماذا يستعجل منه المجرمون)). وقال الزمخشري (٤) أيضاً: ((ويجوزُ أن يكونَ ((ماذا يَسْتعجل منه المجرمون» جواباً للشرط كقولك: إنْ أَتَيْتك ما تُطْعمني؟ ثم تتعلَّق الجملةُ بـ ((أرأيتم))، وأن يكونَ ((أَثُمَّ إذا ما وقع آمنتم به)). جواباً للشرط، و«ماذا يَسْتعجل منه المجرمون)) اعتراضاً، والمعنى: إنْ أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعِه حينَ لا ينفعكم الإِيمان)). قال الشيخ(٥): ((أمَّا تجويزُه أن يكون ((ماذا)) (١) الكشاف ٢٤٠/٢. (٢) البحر ١٦٦/٥. (٣) الآية ٧٠ من سورة البقرة. (٤) الكشاف ٢/ ٢٤٠ (٥) البحر ١٦٧/٥. ٢١٤ - يونس - جواباً للشرط فلا يَصِح، لأن جوابَ الشرط إذا كان استفهاماً فلا بد فيه من الفاء تقول: إنْ زارنا فلان فأيُّ رجل هو، وإن زارَنا فلانٌ فأيُّ يدٍ له بذلك، ولا يجوز حذفها إلا إن كان في ضرورةٍ، والمثالُ الذي ذكره وهو ((إن أتيتك ما تُطْعمني؟)) هو مِنْ تمثيلهِ لا من كلام العرب. وأمَّا قوله: «ثمَّ تتعلَّق الجملةُ بـ ((أرأيتم)) إن عنى بالجملة ((ماذا يَسْتعجل)) فلا يصحُّ ذلك، لأنه قد جعلها جواباً للشرط، وإن عَنَى بالجملة جملةً الشرط فقد فسَّر هو ((أرأيتم)) بمعنى أخبروني، و((أخبرني)) يطلب متعلقاً مفعولاً، ولا تقع جملةُ الشرط موقعَ مفعول أخبرني. وأمَّا تجويزُه أن يكون ((أثم إذا ما وقع آمنتم به)) جواباً للشرط و «ماذا يستعجل منه المجرمون)) اعتراضاً فلا يَصِحُّ أيضاً لِما ذكرناه مِنْ أنَّ جملةَ الاستفهام لا تقع جواباً للشرط إلا ومعها فاءُ الجواب، وأيضاً فـ ((ثم)) هنا هي حرف عطفٍ تَعْطِفُ الجملةَ التي بعدها على التي قبلها، فالجملةُ الاستفهامية معطوفةٌ، وإذا كانت معطوفة لم يَصِحَّ أن تقعَ جوابَ الشرط، وأيضاً فـ(أرأيتم)) بمعنى ((أخبروني)) تحتاج إلى مفعول، ولا تقعُ جملةٌ شرط موقعه)). وكونُ ((أرأيتم)) بمعنى ((أخبروني)) هو الظاهر المشهور. وقال الحوفي: ((الرؤيةُ مِنْ رؤية القلب التي بمعنى العلم لأنها داخلةٌ على الجملة من الاستفهام التي معناها التقرير، وجوابُ الشرط محذوفٌ، وتقديرُ الكلام: أرأيتم ما يستعجل من العذاب المجرمون إنْ أتاكم عذابه)) انتهى، فهذا ظاهرٌ في أنَّ ((أرأيتم)) غيرُ مضمنةٍ معنى الإِخبار، وأن الجملةَ الاستفهامية سَدَّت مَسَدَّ المفعولين، ولكن المشهور الأول. / [٤٦٩/ب] قوله: ((ماذا يَسْتَعْجِل)) قد تقدَّم الكلام على هذه الكلمة ومذاهبِ الناس فيها(١). وجَوَّز بعضُهم هنا أن تكون ((ما)) مبتدأً و ((ذا)) خبره، وهو موصولٌ - (١) انظر إعرابه للآية ٢١٥ من سورة البقرة. ٢١٥ : - يونس - بعنى الذي، و((يستعجل)) صلتُه وعائدُه محذوفٌ تقديره: أيُّ شيء الذي يستعجله منه أي من العذاب، أو من الله تعالى. وجوَّز آخرون كمكي(١). وأنظارِه أن يكونَ ((ماذا)» كلُّه مبتدأً أي: يُجعل الاسمان بمنزلةِ اسمٍ واحد، والجملةُ بعده خيره. قال أبو علي: ((وهو ضعيفٌ لخلوِّ الجملةِ من ضمير يعود على المبتدأ)). وقد أجاب أبو البقاء(٣) عن هذا فقال: ((ورُدَّ هذا القول بأنَّ الهاء في ((منه)) تعودُ على المبتدأ كقولك: ((زيدٌ أَخَذْتُ منه درهماً)). قلت: ومِثْلُ أبي علي لا يَخْفى عليه مثل ذلك، إلا أنه لا يَرَى عَوْدَ الهاءِ على الموصولِ لأن الظاهرَ عَوْدُها على العذاب. قال الشيخ (٣): ((والظاهرُ عَوْدُ الضمير في ((منه)) على العذاب، وبه يَحْصُل الربطُ لجملةِ الاستفهامِ بمفعول ((أرأيتم)) المحذوف الذي هو مبتدأً في الأصل)). وقال مكي (٤): ((وإن شئت جعلت ((ما)) و ((ذا)) بمنزلة اسمٍ واحدٍ في موضع رفع بالابتداء، والجملةُ التي بعده الخبر، والهاءُ في ((منه)) تعود أيضاً على العذاب)). قلت: فقد تُرك المبتدأُ بلا رابطٍ لفظي حيث جَعَل الهاءَ عائدةً على غير المبتدأ فيكون العائدُ عنده محذوفاً. لكنه قال بعد ذلك: ((فإنْ جعلت الهاء في ((منه)) تعود على الله - جلَّ ذكره - و((ما)) و((ذا)) اسماً واحداً كانت ((ما)) في موضع نصبٍ بـ ((يستعجل)) والمعنى: أيَّ شيء يستعجل المجرمون من الله)) فقوله هذا يؤذن بأن الضميرَ لمَّا عاد على غير المبتدأ جعله مفعولاً مقدماً، وهذا الوجهُ بعينه جائزٌ فيما إذا جُعل الضمير عائداً على العذاب. ووجهُ الرفعِ على الابتداء جائزٌ فيما إذا جُعِل الضمير عائداً على الله تعالى إذ العائدُ الرابطُ مقدرٌ كما تقدم التنبيه عليه . (١) المشكل ٣٨٤/١. (٢) الإملاء ٢٩/١. (٣) البحر ١٦٧/٥. (٤) المشكل ٣٨٤/١. ٢١٦ - يونس - آ. (٥١) قوله تعالى: ﴿أَثُمَّ﴾: قد تقدَّم خلافُ الزمخشري للجمهور في ذلك، حيث يقدِّر جملةً بين همزة الاستفهام وحرف العطف. و((ثمَّ) حرفُ عطف، وقد قال الطبري(١) ما لا يوافق عليه فقال: ((وأَثُمَّ هذه بضمُّ الثاء ليست التي بمعنى العطف، وإنما هي بمعنى هنالك)) فإن كان قَصَدَ تفسير المعنى وهو بعيدٌ فقد أبهم في قوله، لأن هذا المعنى لا يُعْرَفُ في ((ثُمَّ)) بضم الثاء، إلا أنه قد قرأ(٢) طلحة بن مصرف ((أثَّمَ)) بفتح التاء، وحينئذ يَصِحُ تفسيرها بمعنى هنالك. قوله: ((ألآن)) قد تقدَّم الكلام في ((الآن))(٣). وقرأ الجمهور ((الآن)) بهمزة استفهام داخلة على ((الآن)) وقد تقدم مذاهب القراء (٤) في ذلك. و((الآن)) نصبٌ بمضمر تقديره: الآن آمنتم. ودلَّ على هذا الفعلِ المقدرِ الفعلُ الذي تقدَّمه وهو قولُه: ((أثمَّ إذا ما وَقَعَ آمنتُمْ به)). ولا يجوز أن يعملَ فيه ((آمنتم)» الظاهرُ؛ لأنَّ ما قبلَ الاستفهام لا يَعْمل فيما بعده، كما أنَّ ما بعدَه لا يعملُ فيما قبله لأنَّ له صدرَ الكلام، وهذا الفعلُ المقدرُ ومعمولُه على إضمار قول أي: قِيل لهم إذا آمنوا بعد وقوعِ العذابِ: آمنتم الآن به. والقراءةُ بالاستفهامِ هي قراءةُ العامة، وقد عَرَفْتَ تخريجَها. وقرأ(٥) عيسى وطلحة ((آمنتم به الآن)) بوصل الهمزة من غيرِ استفهامٍ، وعلى هذه القراءةِ فـ ((الآن)) منصوبٌ بـ ((آمنتم)) هذا الظاهر. قولُه: ((وقد كُنْتُمْ)) جملةٌ حاليةٌ. قال الزمخشري(٦): ((وقد كنتم به (١) التفسير ١٠١/١٥. (٢) البحر ١٦٧/٥. (٣) انظر: الدر المصون ٤٣١/١. (٤) انظر: السبعة ٣٢٧؛ الإتحاف ٢٥٠؛ البحر ١٦٧/٥؛ التيسير ١٢٢. (٥) البحر ١٦٧/٥. (٦) الكشاف ٢ /٢٤٠ . ٢١٧ - يسونس - تَسْتَعْجلون)) يعني تُكَذِّبون، لأنَّ استعجالَهم كان على جهةِ التكذيب والإِنكار)). قلت: فَجَعَّله من باب الكناية لأنه دلالةٌ على الشيءٍ بلازِمِه نحو (هو طويلُ النِّجاد))(١) كَنَّيْتَ به عن طولٍ قامتِه؛ لأنَّ طولَ نِجادِه لازمٌ لطول قامتِه وهو باب بليغ. آ. (٥٢) وقوله تعالى: ﴿ثم قيل للذين ظَلَموا﴾: هذه الجملةُ على قراءةٍ العامة عطفٌ على ذلك الفعلِ المقدَّرِ الناصبِ لـ((الآن))، وعلى قراءةِ طلحة هو استئنافُ إخبارٍ عَمَّا يُقال لهم يومَ القيامة، و((ذوقوا)) و((هل تُجْزَوْن)): كلُّه في محلِّ نصبٍ بالقول، وقوله ((إلا بما)) هو المفعولُ الثاني لـ (تُجْزَون))، [٤٧٠/أ] والأولُ قائمٌ مقامَ الفاعلِ ، وهو استثناءً / مفرغ. آ. (٥٣) قوله تعالى: ﴿أَحَقٌّ هو﴾: يجوز أن يكونَ ((حَقٌّ)) مبتدأَ و((هو)) مرفوعاً بالفاعلية سدَّ مَسَدَّ الخبر، و((حق)) وإن كان في الأصلِ مصدراً ليس بمعنى اسم فاعل ولا مفعول، لكنه في قوةِ ((ثابت)) فلذلك رَفَعَ الظاهِرَ. ويجوز أن يكون ((حَقٌّ)) خبراً مقدماً و((هو)) مبتدأً مؤخراً. واختلف في ((يَسْتَنْبِئُونك)» هذه هل هي متعديةٌ إلى واحد أو إلى اثنين أو إلى ثلاثة؟ فقال الزمخشري(٢): ((ويَسْتَنْبِئونك(٣) فيقولون: أحقُّ هو)» فظاهرُ هذه العبارةِ أنها متعديةٌ لواحد، وأن الجملةَ الاستفهاميةَ في محلِّ نصبٍ بذلك القولِ المضمرِ المعطوفِ على ((يَسْتَنْبِئُونك)) وكذا فَهِم عنه الشيخ(٤) أعني تعدِّيَها لواحدٍ. وقال مكي(٥): ((أحقُّ هو ابتداءً وخبرٌ في موضعِ المفعولِ الثاني إذا جَعَلْتَ ((يستنبؤنكُ)) بمعنى يَسْتَخْبِرونكِ، فإذا جَعَلْتَ ((يستنبئونَكَ)) (١) النجاد: حمائل السيف. (٢) الكشاف ٢٤١/٢ . (٣) عبارة الكشاف: ((ويستخبرونك)). (٤) البحر ١٦٨/٥. (٥) المشكل ٣٨٤/٢. ٢١٨ - يونس - بمعنى يَسْتَعْلِمونك كان ((أحقُّ هو)) ابتداءً وخبراً في موضع المفعولَيْن لأنَّ ((أَنْبأ)» إذا كان بمعنى أَعْلَم كان متعدياً إلى ثلاثةِ مفعولِيْن يجوزُ الاكتفاءُ بواحدٍ، ولا يجوزُ الاكتفاء باثنين دون الثالث، وإذا كانت ((أنبأ)) بمعنى أَخْبر تَعَدَّتْ إلى مفعولَيْن، لا يجوز الاكتفاءُ بواحد دون الثاني، وأنبأ ونبًّا في التعدِّي سواءً)». وقال ابنُ عطية (١): ((معناه يَسْتَخْبرونك، وهو على هذا يتعدَّى إلى مفعولين أحدهما الكافُ، والآخرُ في الابتداء والخبر)) فعلى ما قال تكون ((يَسْتنبئونك)) معلقة بالاستفهام، وأصل استنبأ أن يتعدَّى إلى مفعولين أحدهما بـ ((عن))، تقول: اسْتَنْبات زيداً عن عمرو أي: طلبت منه أن يُنْبِشَني عن عمرو. ثم قال(٢): ((والظاهر أنها تحتاج إلى مفعولين ثلاثةٍ أحدُهما الكافُ، والابتداءُ والخبرُ سَدَّ مَسَدَّ المفعولَيْن)). قال الشيخ(٣): ((وليس كما ذكر لأن ((استعلم) لا يُحْفظ كونُها متعديةً إلى مفاعيلَ ثلاثةٍ، لا يُحْفظ ((استعلمت زيداً عمراً قائماً) فتكونُ جملةُ الاستفهامِ سَدَّتْ مَسدَّ المفعولين، ولا يَلْزَمُ مِنْ كونها بمعنى ((يَسْتعلمونك)) أن تتعدّى إلى ثلاثة؛ لأنَّ ((استعلم)) لا يتعدَّى إلى ثلاثةٍ کما ذكرنا». قلت: قد سَبَقَ أبا محمد إلى هذا مكي بن أبي طالب كما قدَّمْتُ حكايته عنه، والظاهرُ جوازُ ذلك، ويكون التعدي إلى ثالث قد حَصَلَ بالسين، لأنهم نَصُّوا على أن السين تُعَدّي، فيكونُ الأصلُ: ((علم زيدٌ عمراً قائماً) ثم تقول: ((استعلمتُ زيداً عمراً قائماً)، إلا أنَّ النحويين نَصُوا على أنه لا يتعدَّى إلى ثلاثةٍ إِلا (عَلِم)) و((رَأَىْ)) المنقولَيْن بخصوصيةِ همزةِ التعدِّي إلى ثالثٍ، وأنبأ ونَبًا وأخبر وخبّر وحدَّث. (١) المحرر ٥٤/٩. (٢) عبارة ابن عطية بعد القول الأول: ((وقيل: هي بمعنى يستعلمونك، فهي على هذا تحتاج ... )). (٣) البحر ١٦٨/٥. ٢١٩ - يونس - وقرأ(١) الأعمش ((الحقُّ)) بلامِ التعريف. قال الزمخشري(٢): ((وهو أَدْخَلُ في الاستهزاء لتضمُّنه معنى التعريض بأنه باطلٌ، ذلك لأن اللامَ للجنس وكأنه قيل: أهو الحقُّ لا الباطلُ، أو: أهو الذي سَمَّيْتموه الحق)). قوله: ((إي)) حرفُ جوابٍ بمعنى نعم ولكنها تختصُّ بالقسم أي: لا تُسْتعمل إلا في القسم بخلافِ نعم. قال الزمخشري(٣): ((وإي بمعنى نعم في القسم خاصةً كما كان ((هل)) بمعنى ((قد)) في الاستفهامِ خاصةً، وسَمِعْتهم يقولون في التصديق: ((إِيْوَ) فَيَصِلُونه بواو القسم ولا يَنْطِقون به وحده)). قال الشيخ (٤): )) لا حجَّةَ فيما سمعه لعدمِ الحُجة في كلامِ مَنْ سمعه لفسادِ كلامه وكلامِ مَنْ قبله بأزمانٍ كثيرة)). وقال ابن عطية (٥): ((وهي لفظةٌ تتقدَّم القسمَ بمعنى نعم، ويجيءُ بعدها حرفُ القسم وقد لا يجيءُ تقول: إي وربي، إي ربي)). قوله: ((وما أنتم بمعجِزين)) يجوزُ أن تكونَ الحجازيةَ، وأن تكونَ التميميةَ، الخفاءِ النصبِ أو الرفع في الخبر. وهذا عند غيرِ الفارسي (٦) وأتباعِه، أعني جوازَ زيادةِ الباء في خبر التميمية. وهذه الجملةُ تحتملُ وجهين، أحدهما: أن : تكون معطوفةً على جوابٍ القسم، فيكون قد أجاب القسم بجملتين إحداهما مثبتةٌ مؤكّدةٌ بـ ((إنَّ)) واللام، والأخرى منفيةٌ مؤكّدةٌ بزيادة الباء. والثاني: أنها مستأنفةٌ سِيْقَتْ للإِخبار بعَجْزهم عن التعجيز. و((مُعْجز)) مِنْ أعجز فهو متعدٍ لواحدٍ كقوله تعالى: ((ولن نُعْجِزَه هَرَباً»(٧) فالمفعول هنا محذوفٌ أي: (١) المحتسب ٣١٢/١؛ الكشاف ٢٤١/٢. (٢) الكشاف ٢٤١/٢. (٣) الكشاف ٢٤١/٢ . (٤) البحر ١٦٨/٥. (٥) المحرر ٥٤/٩. (٦) الإيضاح العضدي ١١٠. (٧) الآية ١٢ : من سورة الجن. ٢٢٠