النص المفهرس
صفحات 41-60
- التوبة - ألا ترى كيف قُوبل ((يريدون أن يُطْفئوا)) بقوله: ((ويأبى الله))، و [كيف](١) أوقع موقع: ولا يريد الله إلا أن يُتِمَّ نوره)). وقال الزجاج(٢): ((إن المستثنى منه محذوف تقديره: ويأبى أي ويكره كُلَّ شيء إلا أن يتم نوره)). وقد جمع أبو البقاء (٣) بين مذهب الزجاج ومذهبٍ غيره، فجعلهما مذهباً واحداً فقال: (يأبى بمعنى يَكْره، ويكره بمعنى يمنع، فلذلك استثنى، لِما فيه من معنى النفي، والتقدير: يأبى كلَّ شيء إلا إتمام نوره)). آ. (٣٤) قوله تعالى: ﴿وَيَصُدُّون﴾: يحتمل أن يكون متعدياً أي: يصدون / الناس، وأن يكون قاصراً، كذا قال الشيخ(٤). وفيه نظر لأنه متعدٍّ [٤٤٠/أ] فقط، وإنما يُحْذف مفعولُه، ويراد أو لا يراد كقوله: ((كُلوا واشربوا))(٥). قوله: (والذين يَكْنِزون)) الجمهورُ على قراءته بالواو. وفيها تأويلان، أحدُهما: أنها استئنافيةٌ، و((الذين)) مبتدأ ضُمِّن معنى الشرط؛ ولذلك دَخَلَتْ الفاءُ في خبره. والثاني: أنه من أوصافِ الكثيرِ من الأحبار والرهبان، وهو قول عثمان ومعاوية، ويجوز أن يكونَ ((الذين)) منصوباً بفعلٍ مقدرٍ يفسِّره ((فَبَشِّرْهم)) وهو أرجحُ [لمكان الأمر](٦). وقرأ(٧) طلحة بن مصرف ((الذين)) بغير واو، وهي تحتمل الوجهين المتقدمين، ولكنَّ كونَها من أوصافِ الكثير من الأحبار والرهبان أظهرُ مِنَ الاستئناف عكس التي بالواو. (١) زيادة من الزمخشري. (٢) معاني القرآن له ٤٩٢/٢. (٣) الإملاء ١٤/٢. (٤) البحر ٣٥/٥. (٥) الآية ٦٠ من سورة البقرة. (٦) ما بين معقوفين مخروم في الأصل. (٧) البحر ٣٦/٥. ٤١ ۔۔ - التوبة - والكَنْزُ: الجمع والضم، ومنه ناقة كِناز أي: منضمَّة الخَلْق، ولا يختص بالذهب والفضة، بل يقال في غيرهما وإن غلب عليهما قال(١): قِرْفَ الحَتِيِّ وعندي البُّ مَكْنِوزُ ٢٤٨٠ - لا دَرَّ دَرِّي إِنْ أَطْعَمْتُ جائِعَهُمْ وقال آخر: (٢) باتَ يُنْزِّيني على أَوْفَازِ ٢٤٨١- على شديدٍ لحُمُه کِنازِ قوله: ((ولا يُنْفقونها)) تقدَّم شيئان وعاد الضمير [على] مفرد فقيل: إنه من بابٍ ما حُذِفَ لدلالة الكلام عليه، والتقدير: والذين يَكْنزون الذهب ولا يُنْفقونه. وقيل: يعود على المكنوزات ودل على هذا جُزْؤه المذكورُ؛ لأنَّ المكنوزَ أَعُمُّ من النقدَيْن وغيرِهم، فلمَّا ذَكَر الجزءَ دلَّ على الكل، فعاد الضميرُ جمعاً بهذا الاعتبار، ونظيره قول الآخر(٣): ٢٤٨٢ - ولو حَلَفَتْ بينَ الصَّفا أمُّ عامرٍ وَمَرْوَتِها بالله بَرَّتْ يمينها أي: ومروة مكة، عاد الضميرُ عليها لمَّا ذُكِر جزؤُها وهو الصفا. كذا استدل به ابن مالك، وفيه احتمال، وهو أن يكون الضمير عائداً على الصَّفا، وأُنَّثَ حَمْلاً على المعنى، إذ هو في معنى البقعة والحَدَبة(٤). وقيل: الضميرُ يعودُ على الذهب لأن تأنيثه أشهر، ويكون قد حُذِفَ بعد الفضة أيضاً. وقيل: يعودُ على النفقة المدلول عليها بالفعل كقوله: ((اعدلوا هو أقربُ))(٥). وقيل: (١) البيت للمتنخل الهذلي، وهو في ديوان الهذليين ١٥/٢، واللسان كنز، وتفسير الطبري ٢٢٥/١٤. وقرف الحتي: قشر شجر الدوم، وهو كناية عن الطعام الخسيس. (٢) لم أهتد إلى قائله، والبيت الثاني في اللسان وفز، وكلاهما في ابن عطية ١٧٠/٨؛ والبحر ٣٥/٥. وينزيني: يثب بي. والأوفاز: من قول العرب: فلان على أوفاز أي: عجلة . (٣) لم أقف عليه . (٤) الحدبة: ما غلظ وارتفع من الأرض. (٥) الآية ٨ من سورة المائدة. ٤٢ . - التوبة - يعودُ على الزّكاة أي: ولا ينفقون زكاة الأموال. وقيل: يعودُ على الكنوز التي يدل عليها الفعل. آ. (٣٥) قوله تعالى: ﴿یوم یجمی﴾: منصوبٌ بقوله: ((بعذاب ألیم»، وقيل: بمحذوفٍ يدلُّ عليه عذاب أي: يُعَذَّبون يوم يُحمى، أو اذكر يومَ يُحْمى. وقيل: هو منصوبٌ بأليم. وقيل: الأصل: عذاب يوم، وعذاب(١) بدل مِنْ عذاب الأول، فلمَّا حُذِفَ المضافُ أقيم المضافُ إليه مُقَامَه. وقيل: منصوبٌ بقولٍ مضمر وسيأتي بیانُه. و ((يُحمى)) يجوز أن يكونَ مِنْ حَمَيْتُ أو أَحْمَيْتُ ثلاثياً ورباعياً. يقال: حَمَيْتُ الحديدة وأَحْمَيْتها أي: أَوْقَدْتُ عليها لتَحْمَى. والفاعلُ المحذوفُ هو النارُ تقديرُه: يوم تُحمى النار عليها، فلما حُذِفَ الفاعل ذهبت علامةُ التأنيث لذَهابِهِ، كقولك: ((رُفِعَت القضيةُ إلى الأمير))، ثم تقول: ((رُفع إلى الأمير)». وقيل: المعنى: يُحْمَى الوقود. وقرأ الحسن(٢): ((تُحْمَى)) بالتاء من فوق أي: النار وهي تؤيد التأويل الأول. وقرأ(٣) أبو حيوة: ((يُكوى)) بالياء من تحت، لأن تأنيثَ الفاعلِ مجازيٌّ . والجمهور ((جباهُهم)) بالإظهار، وقرأ(٤) أبو عمرو في بعض طرقه بالإِدغام كما أَدْغم: ((سَلَكَكم))(٥) ((مناسككم))(٦)، ومثل: جباههم: ((وجوههم)) المشهور الإِظهار. (١) أي المقدرة. (٢) البحر ٣٦/٥. (٣) الشواذ ٥٢؛ البحر ٣٧/٥. (٤) الشواذ ٥٢؛ البحر ٣٧/٥. (٥) الآية ٤٢ من سورة المدثر. (٦) الآية ٢٠٠ من سورة البقرة. ٤٣ - التوبة - قوله: ((هذا ماكَتَرْتُمْ لأنفسِكم)) معمولٌ لقول محذوف أي: يُقال لهم ذلك يومَ يحمى. وقوله: ((ما كنتم تَكْثِرُون)) أي: جزاءَ ما كنتم؛ لأنَّ المكنوز لا يُذاق. و «ما)) يجوزِ أن تكون بمعنى الذي، فالعائدُ محذوفٌ، وأن تكونَ مصدرية. وقرىء (١) ((تَكْتُزون)) بضم عين المضارع، وهما لغتان يقال: كَنَزَ يَكْنِزِ، وَكَنَزَ يَكْثُر. آ. (٣٦) قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةٌ﴾: العِدَّة: مصدر بمعنى العَدَد. و((عند الله) منصوبٌ به، أي في حُكْمه. و((اثنا عشر)) خبرُ إنَّ. وقرأ هبيرة(٢) عن حفص ـ وهي قراءةُ أبي جعفر - اثنا عْشَرَ بسكون العين مع ثبوتِ الألف قبلَها، واستُكْرِهَتْ من حيث الجمعُ بين ساكنين على غير حَدَّيْهما كقولهم : [٤٤٠/ب] ((التقت / حَلْقتا البِطان (٣)) بإثباتِ الألفِ من ((حَلْقتا)). وقرأ طلحة(٤) بسكون الشين كأنه حُمِل عشر في المذكر على عشرة في المؤنث. و((شَهْراً)) نصبٌ على التمييز، وهو مؤكِّد لأنه قد فُهِم ذلك من الأول، فهو كقولك: ((عندي من الدنانير عشرون ديناراً)). والجمع متغاير في قوله: ((عدَّة الشهور))، وفي قوله: ((الحجُّ أشهرٌ))(٥) لأن هذا جمعُ كثرة، وذاك لجَمِعُ قلة . قوله: ((في كتابِ الله)) يجوز أن يكونَ صفةٌ لاثنا عشر، ويجوز أن يكونَ بدلا من الظرفِ قبله، وهذا لا يجوزُ، أو ضعيفٌ؛ لأنه يلزمُ منه أن يُخْبر عن (١) قراءة يحيى بن يعمر وأبي السمال. انظر الشواذ ٥٢؛ البحر ٣٧/٥. (٢) الأصل: ميسرة وهو تحريف، وليس هناك راوٍ عن حفص باسم ميسرة. انظر: البحر ٣٨/٥ .. وهبيرة بن محمد التمار أبو عمر الأبرش البغدادي، أخذ عن حفص ولم تذكر وفاته. انظر: طبقات القراء ٣٥٣/٢. (٣) مثلٌ يُضرب للأمر إذا اشتد. جمهرة الأمثال ١٨٨/١. والبطان: حزام الرحل. (٤) البحر ٣٨/٥. (٥) الآية ١٩٧ من سورة البقرة. ٤٤ - التوبة - الموصول قبل تمامٍ صلتِه؛ فإنَّ هذا الجارَّ متعلق به على سبيلِ البدلية، وعلى تقدير صحةٍ ذلك من جهة الصناعة، كيف يَصِحُّ من جهة المعنى؟، ولا يجوز أن يكون «في كتاب الله)) متعلقاً بـ «عدة)» لئلا يلزمَ الفصلُ بين المصدر ومعموله بخبره، وقياس مَنْ جَوَّز إبدالَه من الظرف أن يجوِّزَ هذا. وقد صَرَّح بجوازه الحوفيُّ . قوله: ((يومَ خلق)) يجوز فيه أن يتعلَّق بـ ((كتاب)) على أنه يُرادُ به المصدر لا الجثة. ويجوز أن يتعلَّق بالاستقرار في الجار والمجرور، وهو ((في كتاب الله))، ويكون الكتابُ جثةً لا مصدراً. وجَوَّز الحوفي أن يكونَ متعلقاً بـ «عدة))، وهو مردودٌ بما تقدَّم . قوله: ((منها أربعةُ حُرُمٌ)) هذه الجملةُ يجوز فيها ثلاثة أوجه، أحدها: أن تكونَ صفةً لـ ((اثنا عشر)). الثاني: أن تكون حالاً من الضمير في الاستقرار. الثالث: أن تكونَ مستأنفةً. والضمير في ((منها)) عائدٌ على ((اثنا عشر شهراً)) لأنه أقربُ مذكورٍ لا على ((الشهور)). والضمير في ((فيهنَّ)) عائدٌ على ((الاثنا عشر)) أيضاً. وقال الفراء(١) وقتادة يعودُ على الأربعةِ الحُرُم، وهذا أحسنُ لوجهين، أحدهما: أنها أقربُ مذكورٍ. والثاني: أنه قد تقرَّر أنَّ معاملةَ جمع القلةِ غيرِ العاقل معاملة جماعةِ الإِناث أحسنُ مِنْ معاملة ضمير الواحدة، والجمعُ الكثيرُ بالعكس: ((الأجذاع انكسَرْن)) و((الجذوع انكسرت)) ويجوز العكس. قوله: ((كافّةً) منصوبٌ على الحال: إمّا مِن الفاعل، أو من المفعول، وقد تقدَّم أن ((كافَّةٌ)) لا يُتَصَرَّف فيها بغير النصب على الحال، وأنها لا تدخلُها أل وأنها لا تُثَنَّى ولا تُجْمع، وكذلك ((كافة)) الثانية. (١) معاني القرآن ٤٣٥/١. ٤٥ - التوبة ــ آ. (٣٧) قوله تعالى: ﴿إنما النَّسِيْءُ﴾: في «النسِيْء)) قولان أحدهما: أنه مصدرٌ على فَعِيلٌ مِنْ أَنْسَأ أي أخْر، كالنذير مِنْ أَنْذَر والنكير من أَنْكر. وهذا ظاهرُ قولِ الزمخشري(١) فإنه قال: ((النَّسيء تأخيرُ حرمةِ الشهرِ إلى شهر آخر)»، وحينئذٍ فالإِخبارُ عنه بقوله: ((وزيادة)) واضحٌ لا يَحْتاج إلى إضمار. وقال الطبري(٢): ((النسيء بالهمز معناه الزيادة)). قلت: لأنه تأخير في المدة فيلزمُ منه الزيادة . الثاني: أنه فَعِيل بمعنى مَفْعول، مِنْ نَسَأه أي أخَّره، فهو منسوءٌ، ثم حُوِّل مفعول إلى فعيل كما حُوِّل مفعول إلى فعيل، وإلى ذلك نحا أبو حاتم والجوهري(٣). وهذا القول رَدَّه الفارسي (٤) بأنه يكون المعنى: إنما المؤخّر زيادة، والمُؤخَّر الشهر ولا يكون الشهرُ زيادةٌ في الكفر. وقد أجاب بعضهم عن هذا بأنه على حذف المضاف: إمَّا من الأول أي: إنما إنساءُ المُنْسَأ(٥) زيادة في الكفر، وإمَّا من الثاني أي: إنما المُنْسَأ ذو زيادة. وقرأ الجمهور ((النَّسيء)) بهمزة بعد الياء. وقرأ(٦) ورش عن نافع ((النّسِيّ)) بإبدال الهمزة ياءً وإدغام الياء فيها. ورُويت هذه عن أبي جعفر (١) الكشاف ١٨٩/٢. (٢) تفسير الطبري ٢٤٣/١٤ . (٣) الصحاح: نسأ. (٤) الحجة (خ) ١١٤/٣، وأضاف أبو علي: ((إنما الزيادة في الكفر تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر ليست له تلك الحرمة، فأما نفس الشهر فلا)». (٥) رُسمت الهمزة في الأصل والنسخ على ياء، ولعله غير مناسب؛ لأن التخريج هو فعيل بمعنى مفعول، والمنسبأ اسم مفعول مِنْ أنسأ، ويقال: نسأ وأنسا. (٦) السبعة ٣١٤، وقال: ((رواية شبل عن ابن كثير))؛ والتيسير ١١٨؛ والشواذ ٥٢؛ والبحر ٣٩/٥. ٤٦ - التوبة - والزهري وحميد، وذلك كما خَفَّفوا ((برية))(١) و((خطية))(٢). وقرأ السلمي وطلحة والأشهب وشبل: ((النَّسْء)) بإسكان السين. وقرأ مجاهد والسلمي وطلحة أيضاً: ((النَّسُوء)) بزنة فَعُول بفتح الفاء، وهو التأخير، وفَعول في المصادر قليل، قد تقدَّم منه أَلَيْفاظ في أوائل البقرة، وتقدم في البقرة اشتقاق هذه المادة(٣)، وهو هنا عبارةٌ عن تأخير بعض الشهور عن بعض قال: (٤) ٢٤٨٣ - أَلَسْنا الناسئينَ على مَعَدَّ شهورَ الحِلُّ نجعلُها حَراما وقال الآخر: (٥) ٢٤٨٤- نَسَؤُوا الشّهور بها وكانوا أهلَها مِنْ قبلِكم والعزُّ لم يتحوَّلِ وقوله: ((يضلُّ به)) قرأ(٦) الأخوان وحفص: ((يُضَلُّ)) مبنياً للمفعول، والباقون مبنياً للفاعل والموصول فاعل به. وقرأ ابن مسعود والحسن ومجاهد وقتادة ويعقوب وعمرو بن ميمون: ((يُضِلُّ)) مبنياً للفاعل مِنْ أضل. وفي الفاعل وجهان أحدهما: ضمير الباري تعالى أي: / يُضِلَّ الله الذين كفروا. [٤٤١/أ] والثاني: أن الفاعل ((الذين كفروا)) وعلى هذا فالمفعول محذوف أي: يُضل الذين كفروا أتباعهم. وقرأ أبو رجاء ((يَضَلُّ)) بفتح الياء والضاد، وهي مِنْ ضَلِلْت بكسر اللام أضَلُّ بفتحها، والأصل: أَضْلَلُ، فُقِلت فتحة اللام إلى الضاد لأجل (١) من قوله تعالى: ((أولئك هم شر البرية)) الآية (٦) من سورة البينة، قرأ نافع وابن ذكوان بالهمز والباقون بغير همز وتشديد الياء. انظر: التيسير ٢٢٤ . (٢) من قوله تعالى: ((من يكسب خطيئة أو إثماً)) الآية (١١٢) من سورة النساء. وقرأ الزهري خطيّة. البحر ٣٤٦/٣. (٣) الآية ١٠٦ من سورة البقرة. (٤) البيت لعمير بن قيس، وهو في اللسان: نسأ، وابن عطية ١٨٠/٨؛ والبحر ٤٠/٥. (٥) لم أهتد إلى قائله، وهو في ابن عطية ١٨٠/٨؛ والبحر ٤٠/٥. (٦) السبعة ٣١٤؛ الحجة ٣١٨؛ البحر ٤٠/٥؛ الشواذ ٥٢. ٤٧ - التوبة - الإِدغام. وقرأ النخعي والحسن في رواية محبوب: (نُضِلَّ)) بضم نون العظمة و ((الذين)) مفعول، وهذه تقوِّي أن الفاعل ضمير الله في قراءة ابن مسعود .. قوله: ((يُحِلُّونه)) فيه وجهان أحدهما: أن الجملةَ تفسيريةٌ للضلال. والثاني: أنها حاليةٌ. قوله: ((لِيُواطِئوا)) في هذه اللامِ وجهان: أنها متعلقةٌ بُيُحَرِّفونه. وهذا مقتضى مذهبِ البصريين فإنهم يُعْملون الثاني من المتنازعين. والثاني: أن يتعلَّقَ بُيُحِلُّونه، وهذا مقتضى مذهب الكوفيين فإنهم يُعْملون الأول لسَبْقِه. وقولُ مَنْ قال إنها متعلقةٌ بالفعلين معاً، فإنما يعني من حيث المعنى لا اللفظ . وقرأ(١) أبو جعفر (ليواطِيُوا)) بكسر الطاء وضم الياء الصريحة. والصحيح أنه يَنْبغي أن يُقْرأ بضم الطاء وحذف الياء؛ لأنه لمَّا أبدل الهمزةَ ياءً استثقل الضمةَ عليها فحذفها، فالتقى ساكنان، فحُذِفَت الياء وضُمَّت الطاء لتجاتِّسَ الواو. والمُواطأة: المُوافَقَةُ والاجتماع يقال: تواطُؤُوا على كذا أي: اجتمعوا عليه، كأنَّ كل واحد يطأ حيث يطأ الآخر، ومنه قوله تعالى: ((إنَّ ناشئةً الليلِ هي أشدُّ وَطْئً))(٢)، وقُرِىء وِطاءً(٣). وسيأتي إن شاء الله. وقرأ(٤) الزهري ((ليواطِيُّوا)) بتشديد الياء. هكذا ترجموا قراءتّه وهي مشكلةٌ حتى قال بعضهم(٥): ((فإن لم يُرِدْ به شدة بيان الياء وتخليصها مِنّ الهمز دون التضعيف، فلا أعرف وجهها))، وهو كما قال. (١) والأعمش كما في البحر ٤٠/٥. (٢) الآية ٦ من سورة المزمل: (٣) قراءة أبي عمرو وابن عامر- انظر: السبعة ٦٥٨. (٤) الشواذ ٥٢؛ البحر ٤٠/٥. (٥) نسب صاحب البحر ٤٠/٥ هذا القول إلى صاحب ((الموامح)). ٤٨ - التوبة - قوله: ((زُيِّنَ)) الجمهورُ على ((زُيِّن)) مبنياً للمفعول، والفاعلُ المحذوف هو الشيطان. وقرأ(١) زيد بن علي ببنائه للفاعل وهو الشيطان أيضاً، و((سوء)) مفعوله . آ. (٣٨) قوله تعالى: ﴿اَنَّاقَلْتُمْ﴾: أصلُه تثاقلتم، فلمَّا أريد الإِدغامُ سَكَنت الياءُ فاجتُلبت همزةُ الوصل كما تقدَّم ذلك في ((فادَّارَأْتِم))(٢)، والأصل: تدارأتم. وقرأ الأعمش(٣) ((تثاقلتم)) بهذا الأصل، و((ما)) في قوله (مالكم)) استفهامية وفيها معنى الإِنكار. وقيل: فاعله المحذوف هو الرسول (٤). و ((اثَّاقلتم)) ماضي اللفظ مضارع المعنى أي: يتناقلون، وهو في موضع الحال، وهو عاملٌ في الظرف أي: مالكم متثاقلين وقت القول. وقال أبو البقاء(٥): ((اثَّاقلتم: ماض بمعنى المضارع أي: مالكم تتناقلون وهو في موضع نصب أي: أيُّ شيء لكم في التثاقل، أو في موضع جر على رأي الخليل. وقيل: هو في موضع حال))(٦) قال الشيخ (٧): ((وهذا ليس بجيدٍ، لأنه يلزمُ منه حذفُ ((أَنْ))، لأنه لا يَنْسِبُك مصدرٌ إلا من حرفٍ مصدري والفعل، وحَذْفُ ((أَنْ)) في نحو هذا قليلٌ جداً، أو ضرورة، وإذا كان التقديرُ: ((في التثاقل)) فلا يمكن عملُه في ((إذا))، لأنَّ معمول المصدرِ الموصول لا يتقدَّم (١) البحر ٤١/٥؛ الشواذ ٥٢ ونسبها إلى ابن مسعود. (٢) الآية ٧٢ من سورة البقرة. (٣) الشواذ ٥٣؛ البحر ٤١/٥. (٤) فيكون الأصل: قال لكم الرسول. (٥) الإِملاء ١٥/٢. (٦) أي: مالكم متثاقلين. (٧) البحر ٤١/٥. ٤٩ - التوبة - عليه، فيكون الناصب لـ ((إذا)) والمتعلَّق به ((في التثاقل)) ما تعلّق به ((لكم)) الواقعُ خبراً لـ «ما». وقرىء(١) (أَنَّاقَلْتم)) بالاستفهام الذي معناه الإِنكار، وحينئذٍ لا يجوزُ أن يَعْمل في ((إذا)»؛ لأنَّ ما بعد حرف الاستفهام لا يعمل فيما قبله، فيكون العاملَ في هذا الظرف: إمَّا الاستقرارُ المقدَّرَ في ((لكم))، أو مضمرٌ مدلولٌ عليه باللفظ. والتقدير: ما تصنعون إذا قيل لكم. وإليه نحا الزمخشري (٢). والظاهر. أن يُقْدَّر: ما لكم تتثاقلون إذا قيل، ليكون مدلولاً عليه من حيث اللفظُ والمعنى . وقوله: ((إلى الأرض)) ضُمِّنَ معنى المَيْل والإِخلاد. وقوله: ((من الآخرة)) تظاهَرَتْ أقوالُ المُعْربين والمفسرين على أنَّ ((مِنْ)) بمعنى بدل كقوله: ((لجَعَلْنا منكم ملائكة))(٣) أي بدلكم، ومثلُه قولُ الآخر: (٤) ٢٤٨٥ - جاريةٌ لم تَأْكُلِ المُرَقِّقا ولم تَذُقْ من البُقولِ الفُسْتُقا وقول الآخر: (٥) ٢٤٨٦ - فليت لنا مِنْ ماءِ زمزمَ شَرْبَةً مُبَرَّدَةً باتَتْ على طَهَيَانٍ / إلا أنَّ أكثرَ النحويين لم يُثْبتوا لها هذا المعنى، ويتأوَّلون ما أوهم ذلك والتقديرُ هنا: اعتَصَمْتُمْ من الآخرة راضين بالحياة وكذلك باقيها. وقال : [٤٤١/ب] (١) نسبها في الشواذ ٥٣ إلى أبي عمرو. وانظر: البحر ٤١/٥. (٢) الكشاف ١٨٩/٢. (٣) الآية ٦٠ من سورة الزخرف ((ولو نشاء لجَعَلْنا منكم ملائكةٌ في الأرض يَخْلُفُونِ)) . (٤) تقدم برقم ١١٨٢. (٥) البيت ليعلى بن مسلم الشكري، أو الأحول الكندي وهو في القرطبي ١٤١/٨؛ والخزانة ١٣٢/٤. ومعجم البلدان طهيان، وهو اسم جبل. ٥٠ - التوبة - أبو البقاء (١): ((مِن الآخرة في موضع الحال أي: بدلاً من الآخرة»، فقدَّر المتعلَّقَ كوناً خاصاً، ويجوز أن يكون أراد تفسير المعنى. قوله: ((في الآخرة)» متعلقٌ بمحذوفٍ من حيث المعنى تقديره: فما متاعُ الحياة الدنيا محسوباً في الآخرة. فـ ((محسوباً) حالٌ مِنْ ((متاع)). وقال الحوفي: ((إنه متعلق بـ قليل وهو خبر المبتدأ)). قال: ((وجاز أن يتقدَّمَ الظرفُ على عامله المقرونِ بـ ((إلا)) لأنَّ الظروفَ تعمل فيها روائحُ الأفعال. ولو قلت: ((ما زيدٌ عمراً إلا يَضْرب)) لم يَجُزْ». آ. (٤٠) قوله تعالى: ﴿إِنْ لا تَنْصُروه فقد نَصَره﴾: هذا الشرط جوابُه محذوف لدلالة قوله: ((فقد نصره)) عليه، والتقديرُ: إنْ لا تنصروه فسينصره. وذكر الزمخشري (٢) فيه وجهين، أحدهما ما تقدم، والثاني: قال: ((إنه أَوْجب له النُّصْرةَ، وجعله منصوراً في ذلك الوقت فلن يُخْذَّلَ مِنْ بعده». قال الشيخ(٣): ((وهذا لا يظهرُ منه جوابُ الشرط لأنَّ إيجابَ النصرةِ له أمرٌ سَبَق، والماضي لا يترتَّب على المستقبل فالذي يَظْهر الوجهُ الأول)). قوله: ((ثانيَ اثنين)) منصوبٌ على الحال مِنْ مفعول ((أخرجه)) وقد تقدَّم معنى الإضافة في نحو هذا التركيب عند قوله ((ثالث ثلاثة))(٤). وقرأت جماعة(٥) (ثاني اثنين)) بسكون الياء. قال أبو الفتح (٦): ((حكاها أبو عمرو)) ووجهُها أن يكونَ سَكَّن الياءَ تشبيهاً لها بالألفِ، وبعضُهم يخصُّه بالضرورة. (١) الإملاء ١٥/٢. (٢) الكشاف ٢ /١٩٠. (٣) البحر ٤٣/٥. (٤) الآية ٧٣ من سورة المائدة. (٥) البحر ٤٣/٥. (٦) المحتسب ٢٨٩/١. ٥١ - التوبة - قوله: ((إذ هما في الغار)) ((إذ)): بدلُ مِنْ ((إذ)) الأولى فالعاملُ فيها ((فقد نَصَرَه)»، قال أبو البقاء(١): «ومَنْ مَنَع أن يكونَ العاملُ في البدلِ هو العامل في المبدل منه قَدَّرَ عاملاً آخر، أي: نصره إذهما في الغار)). و ((الغار)) نَقْبٌ يكونُ في الجبلِ، ويُجمع على غِيران ومثله: تاج وثِيْجان، وقاع وقِيعان. والغارُ أيضاً نّبْتُ طيبُ الريح، والغارُ أيضاً الجماعة، والغاران البطن والفرج. وألف الغار عن واو. قوله: ((إذ يقولُ)) بدلٌ ثانٍ من ((إذ)) الأولى. وقال أبو البقاء (٢): ((إنَّ إذ هما في الغار، وإذ يقول ظرفان لثاني اثنين))، والضمير في ((عليه)) يعود على. أبي بكر، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عليه السكينة دائماً. وقد : تقدم القول في ((السكينة)»(٣). والضمير في ((أيَّده)) للنبي صلى الله عليه. وسلم. وقرأ(٤) مجاهد ((وأَيَدَه)) بالتخفيف. و((لم تَرَوْها)) صفة لجنود. قوله: ((وكلمةُ اللَّهِ هي العُلْيا)) الجمهورُ على رفع ((كلمة)) على الابتداء، و((هي)) يجوزُ أَنْ تكونَ مبتدأ ثانياً، و((العُليا)) خبرها، والجملة خبر الأول، ويجوز أن تكونَ ((هي)) فصلاً و((العليا)) الخبر. وقُرِىء(٥) ((وكلمةَ الله)) بالنصب نسقاً على مفعولَيْ جَعَلَ، أي: وجعل كلمة الله هي العليا. قال أبو البقاء(٦): ((وهو ضعيفٌ لثلاثة أوجه، أحدها: وَضْعُ الظاهرِ موضّعَ المضمر، إذ الوجهُ أن تقولَ: وَكَلِمَتُه. الثاني: أن فيه دلالةً على أنَّ كلمة الله كانت سُفْلى فصارت عليا، وليس كذلك. الثالث: أن توكيدَ مثل ذلك (١) الإملاء ٢ /١٥. (٢) الإِملاء ١٥/٢. (٣) انظر إعرابه للآية ٢٤٨ من سورة البقرة. (الدر ٥٢٤/٢). (٤) البحر ٤٤/٥ . (٥) البحر ٤٤/٥. (٦) الإملاء ١٥/٢. ٥٢ - التوبة - بـ ((هي)) بعيد، إذ القياسُ أن يكونَ ((إياها)). قلت: أما الأولُ فلا ضعفَ فيه لأنَّ القرآنَ ملآنُ من هذا النوع وهو مِنْ أحسنِ ما يكون لأن فيه تعظيماً وتفخيماً. وأمّا الثاني فلا يلزمُ ما ذكر وهو أن يكون الشيء المصيَّر على الضد الخاص، بل يدل التصيير على انتقال ذلك الشيء المُصَيَّر عن صفةٍ ما إلى هذه الصفة. وأمَّا الثالث فـ((هي)) ليست تأكيداً البتة إنما ((هي)) ضمير فصل على حالها، وكيف يكون تأكيداً وقد نَصَّ النحويون على أن المضمر لا يؤكد المظهر؟ آ. (٤١) وانتصب ﴿خفافاً وثِقالاً﴾: على الحال من فاعل ((انفروا)). آ. (٤٢) قوله تعالى: ﴿لو كان عَرَضَاً﴾: اسمُ كان ضميرٌ يعود على ما دل عليه السِّياق، أي: لو كان ما دعوتُهم إليه. وقرأ(١) عيسى بن عمر والأعرج ((بَعِدَت)) بكسر العين. وقرأ(٢) عيسى ((الشِّقَّة)) بكسر الشين أيضاً. قال أبو حاتم: «هما لغةٌ تميم)». والشُّقَّة: الأرض(٣) التي يُشَقُّ ركوبُها اشتقاقاً مِنَ الشِّق أو المَشَفَّة. قوله: (بالله)) متعلقٌ بـ ((سَيَحْلِفُون))، وقال الزمخشري (٤): ((بالله)) متعلقٌ بـ «سَيَحْلِفُون)»، أو هو من جملة كلامهم، والقولُ مرادٌ في الوجهين، أي: سيَحْلِفون، يعني المتخلِّفين عند رجوعِك متعذّرين يقولون: باللّهِ لو استطعنا، أو وسَيحلفون بالله يقولون: لو اسْتَطَعْنا، وقوله ((لَخَرَجْنا)) سدَّ مَسَدَّ جواب(٥) القسم و(لو)) جميعاً)). قال الشيخ(٦): ((قوله: لخَرَجْنا سدَّ مَسَدَّ (١) الشواذ ٥٣؛ البحر ٤٥/٥. (٢) البحر ٤٥/٥ . (٣) ش: الناحية . (٤) الكشاف ١٩١/٢. (٥) عبارة الكشاف: ((جوابَي)) وهي أوضح. (٦) البحر ٤٥/٥. ٥٣ - التوبة - جواب القسم و ((لو)) جميعاً ليس بجيد، بل للنحويين في نحو هذا مذهبان، أحدُهما: أنَّ ((لَخَرَجْنَا)) جواب القسم، وجوابُ ((لو)) محذوفٌ على قاعدة اجتماع القسم والشرط، إذا تقدَّم القسم على الشرط، وهذا اختيارُ أبي الحسن ابن عصفور(١). والآخر: أنَّ ((لَخَرَجْنا)) جوابُ ((لو))، و ((لو)) وجوابها جواب القسم، وهذا اختيارُ ابنِ مالك(٢)، أمَّا أنَّ ((لَخَرَجْنا)) سادًّ مَسَدَّهما فلا أعلمُ أحداً ذَهَبَ إلى ذلك. ويحتمل أن يُنَأول كلامُه على أنَّهِ لمَّا حُذِف جواب ((لو)) وَلَّ عليه جوابُ القسم جُعِل كأنه سَدَّ مَسَدَّ جوابِ القسم وجوابٍ لو)». وقرأ(٣) الأعمش وزيد بن علي ((لوُ اسْتَطَعْن)) بضم الواو، كأنهما فرًّا من الكسرة على الواو، وإن كان الأصلَ، وشبّها واوَ ((لو)» بواو الضمير كما شبّهوا واوَ الضمير بواو ((لو)، حيث كسَرُوها نحو ((اشتروا الضلالة))(٤) لالتقاء الساكنين. وقرأ الحسن ((اشْتَرَوَا الضلالة))، و((لو استطعنا)) بفتح الواو تخفيفاً. قوله: ((يُهْلِكون)) في هذه الجملةِ ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنها حالٌ من فاعل ((سَيَحْلِفُون))، أي: سَيَحْلفون مُهْلِكين أنفسَهم. والثاني: أنها بدلٌ مِن الجملةِ قبلها وهي ((سَيَحْلِفُون)). الثالث: أنها حالٌ من فاعل (لَخَرَجْنا)). وقد ذكر الزمخشري(٥) هذه الأوجه الثلاثة، فقال: ((يُهْلِكون: إمَّا أنَ يكونَ بدلاً من (سيحلفون)) أو حالاً بمعنى مُهْلكين. والمعنى: أنهم يُؤْقِعُون في الهلاكُ أنفسَهم بخلفهم الكاذب. ويحتمل أن يكونَ حالاً من فاعل ((خَرَجْنا)»، أي: لَخَرَجْنا (١) انظر: شرح جمل الزجاجي لابن عصفور ٥٢٩/١. (٢) في كتابه عمدة الحفاظ ٣٦٧ ما يخالف هذا. (٣) البحر ٤٦/٥. (٤) الآية ١٦ من سورة البقرة، وهي قراءة يحيى بن يعمر وابن أبي إسحاق. البحر ٠٧١/١ (٥) الكشاف ١٩١/٢ . ٥٤ - التوبة - وإنْ أهلكْنا أنفسنا. وجاء بلفظ الغائب لأنه مُخْبِرٌ عنهم، ألا ترى أنه لو قيل: سَيَحْلِفون بالله لو استطاعوا لخرجوا لكان سديداً، يقال: حَلَفَ بالله ليفعلن ولأفعلن، فالغيبةُ على حكم الإِخبار، والتكلمُ على الحكاية)). قال الشيخ(١): ((أمَّا كونُ ((يُهْلِكون)) بدلاً مِنْ ((سَيَحْلِفون)» فبعيدٌ؛ لأنَّ الإِهلاكَ ليس مُرادِفاً للحَلف ولا هو نوع منه، ولا يُبدل فِعْلٌ من فعل إلا إنْ كان مرادفاً له أو نوعاً منه)) قلت: يَصِحُّ البدل على معنى أنه بدلُ اشتمال؛ وذلك لأنَّ الحَلْفَ سببٌ للإِهلاك فهو مشتملُ عليه، فأبدل المُسَبَّب مِنْ سبِهِ لاشتمالِه عليه، وله نظائرُ كثيرةٌ منها قولُه(٢): ٢٤٨٧ - إنَّ عليَّ اللَّهَ أن تُبايعا تُؤْخَذَ كَرْهاً أو تجيءَ طائعاً فـ ((تُؤْخَذ)) بدلٌ مِنْ ((تبايع)) بدلُ اشتمالٍ بالمعنى المذكور، وليس أحدهما نوعاً من الآخر. ثم قال الشيخ: ((وأمَّا كونُه حالاً من قوله «لخرجنا)» [فالذي يظهرُ أن ذلك لا يجوز لأنَّ قولَه ((لَخَرَجْنا))](٣) فيه ضمير المتكلم، فالذي يجري عليه إنما يكون بضمير المتكلم، فلو كان حالاً من فاعل ((لخَرَجنا)) لكان التركيبُ: نُهْلك أنفسنا أي مهلكي أنفسنا. وأمَّا قياسُه ذلك على (حَلَفَ زيد ليفعلن)) و ((لأفعلنَّ) فليس بصحيحٍ ؛ لأنَّه إذا أَجْراه على ضمير الغيبة لا يَخْرُجُ منه إلى ضمير المتكلم، لوقلت: ((حَلَفَ زيد ليفعلن وأنا قائم)) على أن يكون ((وأنا قائم)) حالاً من ضمير ((ليفعلن)) لم يجز، وكذا عكسُه نحو: ((حَلَفَ زيدٌ لأفعلن يقوم)) تريد: قائماً لم يجز. وأمَّا قولُه («وجاء به على لفظِ الغائب لأنه مُخْبَرٌ عنهم)) فمغالطة، ليس مخبراً عنهم بقوله ((لَوِ استطعنا لَخَرَجْنا))، بل هو حاكٍ لفظَ قولهم. ثم قال: ((ألا ترى لوقيل: لو استطاعوا (١) البحر ٤٦/٥. (٢) تقدم برقم ١٧٢ .. (٣) ما بين معقوفين سقط سهواً من الأصل والنسخ الأخرى، وأثبتناه من البحر. ٥٥ - التوبة - لخرجوا لكان سديداً إلى آخره)» كلامٌ صحيحٌ لكنه تعالى لم يقل ذلك إخباراً [٤٤٢/ب] عنهم، بل حكايةٌ، والحالُ من جملةِ كلامِهم المحكيّ، فلا يجوزُ / أن يخالفَ بين ذي الحال وحالِه لاشتراكهما في العامل. لو قلت: «قال زيد خرجت يضرب خالدً)) تريد: اضرب خالداً، لم يجز. ولو قلت: ((قالت هند: خرج زيد اضربْ خالداً) تريد: خرج زيد ضارباً خالداً لم يجز)) انتهى. الرابع: أنها جملةٌ استئنافيةٌ أخبر الله عنهم بذلك. آ. (٤٣) قوله تعالى: ﴿لِمَ أَذِنْتَ لهم﴾: ((لِمَ» و «لهم)» كلاهما متعلقٌ بـ أَذِنْتَ. وجاز ذلك لأنَّ معنى اللامين مختلف، فالأولى للتعليل، والثانيةُ للتبليغ، وحُذِفَتْ ألفُ ما الاستفهاميةِ لانجرارِها. وتقديمُ الجارّ الأول واجبٌ لأنه جرِّ ما له صدرُ الكلام. ومتعلَّقُ الإِذْنِ محذوفٌ، يجوز أن يكونَ القُعود، أي: لِمَ أذنت لهم في القعود، ويدل عليه السّياق مِن اعتذارهم عن تَخَلِّفِهم عنه عليه السلام. ويجوز أن يكون الخروج، أي: لِمَ أذنت لهم في الخروج، لأنَّ خروجَهم فيه مفسدةٌ مِنَ التخذيل وغيرِه يدل عليه ((لو خرجوا فيكم ما زادوکم إلا خبالاً»(١). قوله: ((حتى يَتْبِيِّنَ)) ((حتى)) يجوز أن تكون للغاية، ويجوزُ أن تكونَ للتعليل، وعلى كلا التقديرين فهي جارَّةٌ: إمَّا بمعنى إلى وإمَّ اللام، و((أَنْ)) مضمرةٌ بعدها ناصبة للفعل، وهي متعلقة بمحذوفٍ. قال أبو البقاء(٢): (تقديره: هلَّ أَخَّرْتَهم إلى أن يتبيَّنَ أو ليتبيَّن. وقوله: ((لِمَ أَذِنْتَ لهم)) يدلُّ على المحذوف، ولا يجوزُ أن تتعلَّقَ ((حتى)) بـ((أَذِنْتَ)) لأن ذلك يوجب أن يكونَ أَذِن لهم إلى هذه الغاية أو لأجل التبيين، وذلك لا يُعاتَبُ عليه)). وقال الحوفي: (١) الآية ٤٧ من سورة التوبة . (٢) الإملاء ١٦/٢. ٥٦ - التوبة - ((حتى غاية لِمَا تضمَّنه الاستفهامُ، أي: ما كان له أن يأذن لهم حتى يتبيَّنَ له العُذْر)). قلت: وفي هذه العبارةِ بعضُ غضاضة(١). آ. (٤٤) قوله تعالى: ﴿أَن يُجاهدوا﴾: فيه وجهان، أظهرهما: أنه متعلَّقُ الاستئذان، أي: لا يستأذنونك في الجهاد، بل يَمْضون فيه غير مترددين. والثاني: أن متعلق الاستئذان محذوف و((أن يُجاهدوا)) مفعولٌ من أجله تقديره: لا يستأذنك المؤمنون في الخروج والقعودِ كراهةَ أن يُجاهدوا بل إذا أَمَرْتهم بشيءٍ بادروا إليه. آ. (٤٦) قوله تعالى: ﴿لَأُعَدُّوا له عُدَّةِ﴾: العامَّةُ على ((عُدّة)) بضم العين وتاء التأنيث وهي الزَّادُ والراحلةُ وجميعُ ما يَحْتَاج إليه المسافرُ. وقرأ(٢) محمد بن عبدالملك بن مروان وابنُه معاوية ((عُدَّةُ)) (٣) كذلك إلا أنه جعل مكان تاء التأنيث هاء ضمير غائب تعود على الخروج. واختُلِف في تخريجِها فقيل: أصلُها كقراءة الجمهور بتاء التأنيث، ولكنهم يحذفونها للإِضافةِ كالتنوين. وجعل الفراء (٤) من ذلك قولَه تعالى: ((وإقامَ الصلاة))(٥)، ومنه قولُ زهير(٦): ٢٤٨٨ - إِنَّ الخَلِيْطَ أَجَدُّوا البَيْنَ فَانْجَرَدُوا وَأَخْلَفُوكُ عِدَ الأمرِ الذي وَعِدُوا يريد: عِدَّة الأمرِ. وقال صاحب ((اللوامح)): ((لمَّا أضافَ جعل الكناية (١) زاد في ش: وفظاظة. (٢) محمد بن عبدالملك بن مروان الأموي، من أمراء الأمويين، له رواية للحديث، أخذ عنه الأوزاعي. توفي سنة ١٣٢هـ. انظر: الأعلام ٢٤٨/٦. (٣) البحر ٤٨/٥؛ وضبطها في الشواذ ٥٣ «عُدَدَه)). (٤) معاني القرآن للفراء ٢٥٤/٢. (٥) الآية ٣٧ من سورة النور. (٦) تقدم برقم ١٧٥٩ . ٥٧ - التوبة - نائبةً عن التاء فأسقطها؛ وذلك لأنَّ العُدَّ بغير تاء ولا تقديرها هو الشيء الذي يخرج في الوجه)). وقال أبو حاتم: ((هو جمع عُدَّة كـ بُرّ جمع بُرّة، ودُرّ جمع دُرَّة، والوجهُ فيه عُدَد، ولكن لا يوافق خطَّ المصحف. وقرأ زر بن حبيش وعاصم في رواية أبان «عِدَّهُ)) بكسر العين مضافةً إلى هاءِ الكناية. قال ابن عطية (١): ((وهو عندي اسمٌ لِما يُعَدُّ كالذِّبْح والقِتْل. وقُرىء أيضاً ((عِدَّة)) بكسر العين وتاء التأنيث، والمرادُ عدة من الزاد والسلاح مشتقاً من العَدّد. قوله: (ولكنْ كره الله)) الاستدراك هنا يحتاجُ إلى تأمل؛ ولذلك قال الزمخشري(٢): ((فإن قلت: كيف موقعُ حرفِ الاستدراك؟ قلت: لمَّا كان قولُه ((ولو أرادوا الخروج)) معطياً نفيَ خروجهم واستعدادهم للغزو قيل: ولكنْ كره الله [انبعاثَهم]، كأنه قيل: ما خرجوا ولكن تَبَّطوا عن الخروج لكراهةِ انبعاثهم، كما [تقول: ما](٣) أحسن زيدٌ إليَّ ولكن أساء إليّ)) انتهى. يعني أن ظاهر الآية يقتضي أنَّ ما بعد ((لكن)) موافقٌ لما قبلها، وقد تقرّر فيها أنها لا تقع [٤٤٣/أ] إلا بين ضدين أو نقيضين أو خلافين - على / خلاف في هذا الأخير - فلذلك احتاج إلى الجواب المذكور. قال الشيخ (٤): ((وليست الآيةُ نظيرَ هذا المثال يعني: ما أحسن زيداً إليّ ولكن أساء، لأن المثالَ واقعٌ فيه ((لكن)) بين [ضدَّيْن، والآيةُ واقعٌ فيها ((لكن)) بين](٥) متفقين من جهة المعنى))، قلت: مُرَادُهم بالنقيضين النفي والإثبات لفظاً وإن كانا يتلاقيان في المعنى، ولا يُعَدُّ ذلك اتفاقاً. (١) المحرر ١٩٤/٨. (٢) الكشاف ١٩٣/٢. (٣) سقط سهواً من الأصل وأثبتناه من الكشاف وش. (٤) البحر ٤٨/٥. (٥) زيادة من البحر يقتضيها السياق. ٥٨ - التوبة - والتّشْبِيطُ: التَّعْويق. يقال: ثَبَّظْتُ زيداً أي: عُقْتُه عَمَّا يريده من قولهم: ناقة شَبِطَة أي بطيئة السير. والمراد بقوله ((اقعدوا)) التَّخْلية وهو كنايةٌ عن تباطُئِهم، وأنهم تشبهوا بالنساء أو الصبيان والزَّمْنى(١) وذوي الأعذار، وليس المراد قعوداً كقوله(٢): ٢٤٨٩ - دَع المكارِمِ لا تَقْصِدْ لِبُغْيَتِها واقعُدْ فإنَّك أنت الطاعِمُ الكاسي آ. (٤٧) قوله تعالى: ﴿لو خَرَجُوا فيكم﴾: أي: في جيشكم وفي جمعكم. وقيل: ((في)» بمعنى مع، أي: معكم. وتقدَّم تفسير ((الخبال))(٣) في آل عمران. وقوله: ((إلا خَبالاً)) جَوَّزوا فيه أن يكون استثناء متصلاً وهو مفرَّغٌ؛ لأنَّ ((زاد)) يتعدى لاثنين. قال الزمخشري(٤): ((المستثنى منه غيرُ مذكور، فالاستثناءُ من أعمِّ العام الذي هو الشيء، فكان استثناء متصلاً فإن الخَبال بعضُ أعمِّ العام كأنه قيل: ما زادوكم شيئاً إلا خبالاً)). وجَوَّزوا فيه أن يكونَ منقطعاً والمعنى: ما زادوكم قوة ولا شدةً ولكنْ خبالاً، وهذا يجيءُ على قول مَنْ قال إنه لم يكن في عَسْكر رسول الله صلى الله عليه وسلم خَبال، كذا قال الشيخ(٥). وفيه نظرً؛ لأنه إذا لم يكن في العَسْكر خبالٌ أصلاً فكيف يُستثنى شيءٌ لم يكنْ ولم يُتوهّم وجوده؟ قوله: ((خلالَكم)) منصوبٌ على الظرفِ. والخلال: جمع خَلَل وهو الفُرْجَةُ بين الشيئين ويُستعار في المعاني فيُقال: في هذا الأمر خلل. (١) الزمنى: ذوو العاهات. (٢) البيت الحطيئة وهو في ديوانه ٢٨٤؛ وابن يعيش ١٥/٦؛ والأشموني ٢٠٠/٤. (٣) انظر إعرابه للآية ١١٨. (٤) الكشاف ١٩٤/٢. (٥) البحر ٤٩/٥. ٥٩ .-. - التوبة - والإِيُضاع: الإِسْراع يُقال: أَوْضَعَ البعيرُ، أي: أسرع في سَيْره قال امرؤ القيس (١): ونُسْحَرُ بالطعامِ وبالشراب ٢٤٩٠ - أرانا مُوضِعِينَ لِأُمْرِ غيبٍ وقال آخر (٢): ٢٤٩١- يا لَيْتَني فيها جَذَعْ. أَخُبُّ فيها وأَضَعْ ومفعول ((أوضعوا)) محذوف، أي: أوضعوا ركائبهم لأنَّ الراكبَ أسرعُ من الماشي. ويُقال: وَضَعَتْ الناقةُ تَضَعُ: إذا أَسْرعت، وأوضعتها أنا. وقرأ(٣) ابن أبي عبلة («ما زادَكم إلا خَبالاً)»، أي: ما زادكم خروجهم. وقرأ(٤) مجاهد ومحمد بن زيد: ((ولأُوْفَضوا)) وهو الإِسراع أيضاً من قوله تعالى: (إلى نُصُبِ يُؤْفِضون))(٥)، وقرأ ابن الزبير ((وَلأُرْفَضُوا))(٦) بالراء والفاء والضاد المعجمة مِنْ رَفَضَ، أي: أسرع أيضاً، قال حسان(٧): (١) تقدم برقم ٩٤٣. (٢) البيت لدريد بن الصمة أو ورقة بن نوفل، في ديوان الأول ٩٣، وهو في المحتسب ٢٩٣/١؛ والسيرة ٨٢/٤. والسان: جذع. والجذع: الصغير السن. والخبب: ضرب من العَدْوِ. (٣) البحر ٤٩/٥. (٤) الشواذ ٥٣؛ البحر ٤٩/٥. ومحمد بن زيد لعله محمد بن زيد بن عبدالله بن عمر المدني ثقة من الثالثة. انظر: تقريب التهذيب ٤٧٩. (٥) الآية ٤٣ من سورة المعارج. (٦) لعل هذه القراءة مُصَحَّفة من ((ولأرقصوا)) فليس في اللغة رفض بمعنى أسرع، وإنما رقص في مشيه رَقْصاً ورَقَصاناً، وهو ضرب من العَدْو، وما استشهد به من شعر لم يَرِد إلا من رقص. وانظر: الكشاف ١٩٤/٢؛ ومصعب بن الزبيربن بكاربن المدني، قرأ برواية نافع. انظر: الطبقات ٢٩٩/٢. (٧) ديوانه ٧٥. واللسان: رقص. وابن عطية ١٩٦/٨. والقلوص: الناقة الشابة. وورد المصدر رقص بسكون القاف وفتحها . ٦٠