النص المفهرس

صفحات 21-40

- التوبة -
٢٤٦٦- يا ليتّما أمُّنا شالَتْ نَعَامَتُها أَيْما إلى جنةٍ أَيْما إلى نارٍ
قوله: (ولا ذِمَّة)) الذِّمَّة: قيل: العهد، فيكون مما كُرِّر لاختلافِ لفظِه إذا
قلنا: إنَّ الإِلَّ العهدُ أيضاً، فهو كقوله تعالى: ((صلواتٌ مِنْ ربهم ورحمة))(١).
وقوله(٢) :
وأَلْفى قولَها كَذِباً ومَيْنا
٢٤٦٧_
وقوله(٣) :
٢٤٦٨-
وهندٌ أتى مِنْ دونِها النَّأْيُ والبعدُ
وقيل: الذِّمَّة: الضَّمان، يقال: هو في ذمَّتي أي: في ضماني وبه سُمِّ
أهلُ الذِّمَّة لدخولهم في ضمانِ المسلمين، ويقال: ((له عليَّ ذِمَّةٌ وذِمام
ومَذَمَّة، وهي الذُّمُ)). قال ذلك ابن عرفة، وأنشد لأسامة بن الحرث(٤):
٢٤٦٩ - يُصَيِّح بالأسْحار في كل صَارَة
كما ناشد الذِّمَّ الكفيلَ المعاهِدُ
وقال الراغب(٥): ((الذِّمام: ما يُذَمُّ الرجلُ على إضاعته مِنْ عهد،
وكذلك الذِّمَّة والمَذَمَّة والمَذِمَّة(٦)) - يعني بالفتح والكسر - وقيل: لي مَذَمَّةٌ
(١) الآية ١٥٧ من سورة البقرة.
(٢) تقدم برقم ٤٦٥.
(٣) تقدم برقم ٤٦٦.
(٤) ديوان الهذليين ٢٠٣/٢؛ تهذيب اللغة ٤١٨/١٤؛ والصارة: أعلى الجبل، والأرض ذات
الشجر، والضمير في ((يصيح)) لحمار الوحش. المعاهد: مَنْ أُعطي عهداً. وقوله:
((صارة))، ورد في الأصل بالسين، وهو تحريف.
(٥) المفردات ١٨١.
(٦) ليس في مطبوعة ((المفردات)) غير لغة الفتح.
٢١

- التوبة -
فلا تَهْتكها. وقال غيره: ((سُمِّيَتْ ذِمَّة لأنَّ كلَّ حُرْمة يلزمك مِنْ تضييعها الذَّمُ
يقال لها ذِمَّة))، وتُجْمع على ذِمّ كقوله(١):
كما ناشد الذُّمَّ
٢٤٧٠_
وعلى ذِمَم وذِمَام. وقال أبو زيد: ((مَذِمَّة بالكسر مِنَ الذُّمام وبالفتح من
الذَّمِ)). وقال الأزهري (٢): ((الذُّمَّة: الأمان))، وفي الحديث: ((ويَسْعِى بذمَّتِهم
أَدْناهم (٣)، قال أبو عبيد(٤): ((الذمَّة الأمانُ ههنا، يقول: إذا أعطى أدنى الناس
أماناً لكافر نَفِذ عليهم، ولذلك أجاز عمر رضي الله عنه أمان عبدٍ علی جمیع
العسكر)». وقال الأصمعي: ((الذِّمَّة: ما لَزِم أن يُحْفَظَ ويُحْمى)).
قوله: ((يُرْضونكم)) فيه وجهان، أحدهما: أنه مستأنفٌ، وهذا
هو الظاهر، أخبر أن حالهم كذلك. والثاني: أنها في محلِّ نصب على الحال
من فاعل ((لا يَرْقُبو))، قال أبو البقاء(٥): ((وليس بشيءٍ لأنهم بعد ظهورهم
لا یُرضون المؤمنین)».
قوله : ((وتَأْبَى)) يقال: أَبَى يَأْبَى إبىَّ أي: اشتد امتناعُه، فكلُّ إباءِ امتناعٌ
مِنْ غير عكس قال(٦):
فلا النكرُ معروفٌ ولا العُرْفُ ضائعُ
٢٤٧١ - أبى الله إلا عَدْلَهِ ووفاءَه
وقال آخر (٧):
(١) تقدم برقم ٢٤٦٩.
(٢) تهذيب اللغة ١٤ /٤١٧.
(٣) رواه البخاري: الفرائض ٢١ (الفتح ٤٢/١٢)؛ أبو داود: المناسك ٩٥ (٥٣١/٢)؛
ابن ماجة: الديات ٣١ (٨٩٥/٢)؛ المسند ٨١/١.
(٤) غريب الحديث ١٠٣/٢.
(٥) الإملاء ١٣/٢.
(٦) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ٤/٥ (٧) تقدم برقم ١٠٧٣.
٢٢

- التوبة -
عليه فَأَقْضى والسيوفُ مَعَاقِلُهُ
٢٤٧٢ - أبى الضيمَ والنعمانُ يَحْرِقُ نابَه
فليس مَنْ فسَّره بمطلق / الامتناع بمصيبٍ. ومجيءُ المضارعِ منه على [٤٣٧/أ]
يَفْعَل بفتح العين شاذٍّ، ومثله قَلَى يَقْلَى في لغة.
آ. (٩) قوله تعالى: ﴿إنهم ساءَ ما كانوا يعملون﴾: يجوز أن تكون
[ساء] على بابِها مِنَ التصرُّف والتعدِّي ومفعولها محذوفٌ أي: ساءهم الذي
كانوا يَعْملونه أو عَمَلُهم، وأن تكون الجارية مَجْرى بئس، فَتُحَوَّل إلى فَعُل
بالضم، ويمتنع تصرُّفها، وتصير للذم، ويكون المخصوصُ بالذمِّ محذوفاً
كما تقرر ذلك غير مرة .
آ. (١١) قوله تعالى: ﴿فإِخْوانُكم﴾: خبرُ مبتدأ محذوف أي: فهم
إخوانُكم، والجملةُ الاسميةُ في محلٍّ جزمٍ على جواب الشرط. و((في
الدين)) متعلَّقُ بإخوانكم لِما فيه من معنى الفعل.
آ. (١٢) قوله تعالى: ﴿أئمة الكفر﴾: قرأ(١) نافع وابن كثير
وأبو عمرو ((أئمة)) بهمزتين ثانيتهما مُسَهَّلة بينَ بينَ ولا ألفَ بينهما. والكوفيون
وابن ذكوان عن ابن عامر بتخفيفهما من غير إدخال ألف بينهما، وهشام كذلك
إلا أنه أَدْخَلَ بينهما ألفاً. هذا هو المشهور بين القراء السبعة. وفي بعضها
كلامٌ يأتي إن شاء الله تعالى. ونقل الشيخ(٢) عن نافع ومَنْ معه، أنهم يُبْدلون
الثانية ياء صريحة، وأنه قد نُقِلَ عن نافع المدُّ بينهما، أي بين الهمزة والياء.
فأما قراءةُ التحقيق وبينَ بينَ، فقد ضعَّفها جماعة من النحويين
(١) ذكر ابن مجاهد في السبعة، أن قراءة نافع وابن كثير بهمز الألف، وبعدها ياء ساكنة.
انظر: السبعة ٣١٢؛ الحجة ٣١٥؛ البحر ١٥/٥.
(٢) البحر ١٥/٥.
٢٣

- التوبة -
كأبي علي الفارسي(١) وتابعيه، ومن القرَّاء أيضاً مَنْ ضَعَّفَ التحقيقّ مع روايته
له، وقراءتِه به لأصحابه. ومنهم مَنْ أنكر التسهيلَ بينَ بينَ، فلم يقرأ به
لأصحاب التخفيف، وقرؤوا بياءٍ خفيفةِ الكسرِ، نصُّوا على ذلك في كتبهم.
وأما القراءة بالياء فهي التي ارتضاها الفارسي وهؤلاء الجماعةُ، لأنَّ
النطقَ بالهمزتين في كلمة واحدة ثقيل، وهمزةُ بين بين بزنة المخففة.
والزمخشري(٢) جعل القراءة بصريح الياء لحناً، وتحقيق الهمزتين غير مقبولٍ
عند البصريين قال: ((فإن قلت: كيف لفظ ((أئمة))؟، قلت: بهمزةٍ بعدها همزةً
بين بين أي: بين مخرجِ الهمزة والياء، وتحقيق الهمزتين قراءةٌ مشهورة، وإن
لم تكنْ مقبولةً عند البصريين. وأمَّ التصريحُ بالياء فلا يجوز أن تكون، ومَنْ
قرأ بها فهو لاحِنٌ مُحَرِّف)). قال الشيخ (٣): ((وذلك دأبُه في تلحين المقرئين،
وكيف تكون لحناً، وقد قرأ بها رأسُ النحاة البصريين، أبو عمرو بن العلاء،
وقارىءُ أهلِ مكة ابنُ كثير، وقارىءُ أهل المدينة نافع؟)). قلت: لا يُنْقَم على
الزمخشري شيءٌ فإنه إنما قال إنها غير مقبولة عند البصريين، ولا يلزم من
ذلك أنه لا يَقْبلها، غاية ما في الباب، أنه نَقَل عن غيره. وأمَّا التصريحُ باليَاءِ،
فإنه معذورٌ فيه لأنه كما قَدَّمْتُ لك، إنما اشْتُهِر بين القراء التسهيلُ بين بين
لا الإِبدال المحض، حتى إن الشاطبي جعل ذلك مذهباً للنحويين لا للقراء،
فالزمخشري إنما اختار مذهب القراء لا مذهب النحاة في هذه اللفظة .
:
:
وقد رَدَّ أبو البقاءِ (٤) قراءةً التسهيلِ بينَ بينَ فقال: ((ولا يجوز هنا أن
تُجعل بينَ بينَ، كما جُعلت همزةُ ((أئذا))؛ لأن الكسرةَ هنا منقولةٌ (٥) وهناك
(١) الحجة (خ) ٩٨/٣ - ١٠٤.
(٢) الكشاف ١٧٧/٢ .
(٣) البحر ١٥/٥.
(٤) الإملاء ١٢/٢.
(٥) لأن أصلها أَأْبِمَة.
٢٤

- التوبة -
أصليةٌ، ولو خُفّفَت الهمزةُ الثانية [هنا](١) على القياس لقُلِبت ألفاً لانفتاح
ما قبلها، ولكن تُرَِكَ ذلك لتتحرك بحركةِ الميم في الأصل)). قلت: قوله:
((منقولةٌ) لا يُفيد لأنَّ النقلَ هنا لازم، فهو كالأصل. وقوله: ((ولوخُفِّفَتْ على
القياس إلى آخره)) لا يفيد أيضاً لأن الاعتبار بالإِدغام سابقٌ على الاعتبار
بتخفيف الهمزة. ولذلك موضعٌ يضيق هذا الموضع عنه.
ووزن أَئِمَّة: أَفْعِلة؛ لأنها جمع إمام، كحمار وأَحْمِرة، والأصل أَأْمِمة،
فالتقى ميمان فأريد إدغامُهما فنُقلت حركةُ الميم الأولى للساكن قبلَها،
وهو الهمزة الثانية، فأدَّى ذلك إلى اجتماع همزتين ثانيتهما مكسورة: فالنحويون
البصريون يوجبون إبدالَ الثانية ياء، وغيرُهم يحقق أو يسهِّل بينَ بينَ. ومَنْ
أَدْخَلَ الألفَ فللخِفَّة حتى يُفَرِّق بين الهمزتين، والأحسنُ حينئذٍ أن يكونَ ذلك
في التحقيق كما قرأ هشام. وأمَّا ما رواه الشيخ عن نافع مِن المدّ مع نَقْلِه عنه
أنه يصرح بالياء فللمبالغة في الخفة.
قوله: ((لا أَيْمان)) قرأ(٢) ابن عامر: ((لا إيمان)) بكسر الهمزة، وهو مصدرُ
آمَن يؤمن إيماناً. وهل هو من الأمان؟ وفي معناه حينئذٍ وجهان أحدهما:
أنهم لا يُؤمنون في أنفسهم أي: لا يُعْطون أماناً بعد نُكْثِهم وطَعْنِهم، ولا سبيلَ
إلى ذلك. والثاني: الإِخبار بأنهم لا يُوفون لأحدٍ بعهدٍ يَعْقِدونه له. أو من
التصديق أي: إنهم لا إسلامَ لهم. واختار مكي (٣) التأويلَ الأول لِما فيه من
تجديد فائدة لم يتقدَّمْ لها ذِكْرٌ؛ لأنَّ وَصْفَهم بالكفر وعدمِ الإِيمان قد سَبَقَ
وعُرِف.
وقرأ الباقون بالفتح، وهو جمعُ يمين. وهذا مناسب للنكث، وقد أُجْمع
(١) زيادة من الإِملاء وش. وقوله: ((هنا)) أي في أئمة.
(٢) السبعة ٣١٢؛ الحجة ٣١٥؛ البحر ١٥/٥.
(٣) الكشف ٥٠٠/١.
٢٥

--
- التوبة -
على فَتْح الثانية. ومعنى نفي الأيمان عن الكفارِ، أنهم لا يُوفون بها، وإن
صَدَرَتْ منهم وَثَبَتَتْ. وهذا كقول الآخر(١):
٢٤٧٣ - وإنْ حَلَفَتْ لا تَنْقُضُ الدهرَعهدَها فليس المخضوبِ البَنانِ يمينُ
وبذلك قال الشافعي. وحمله أبو حنيفة على حقيقته: أن يمين الكافر
لا تكون يميناً شرعيةً، وعند الشافعي يمينّ شرعية.
آ. (١٣) قوله تعالى: ﴿أُولَ مرة﴾: نصبٌ على ظرف الزمان،
وأصلُها المصدر مِنْ مَرَّ يَمُرُّ. وقد تقدَّم تحقيقُه(٢).
قوله: ((فاللَّهُ أحقُّ أن تَخْشَوه)) الجلالةُ مبتدأ، وفي الخبر أوجهٌ، أحدها:
أنه ((أحقُّ)) و((أن تَخْشَوه)) على هذا بدلٌ من الجلالة بدلُ اشتمال، والمفضَّلُ
[٤٣٧/ب] عليه محذوفٌ؛ / فخشية الله أحقُّ مِنْ خشيتهم. الثاني: أَنَّ ((أحقُّ)) خبرٌ مقدمٌ
و ((أَنْ تَخْشَوه)) مبتدأ مؤخر، والجملةُ خبرُ الجلالة. الثالث: أن ((أحقُّ)) مبتدأ
و ((أن تَخْشَوه)) خبرُه، والجملةُ أيضاً خبر الجلالة. قاله ابن عطية(٣). وحَسُنَ
الابتداءُ بالنكرة لأنها أفعلُ تفضيل. وقد أجاز سيبويه (٤) أن تكون المعرفةُ خبراً
للنكرة في نحو: اقصدْ رجلاً خيرٌ منه أبوه. الرابع: أن ((أنْ تَخْشَوه)) في مجلِّ
نصبٍ، أوجر بعد إسقاطِ حرفِ الخفض، إذ التقدير: أحقُّ بأن تَخْشَوه.
وقوله: ((إنْ كنتم مؤمنين)) شرطٌ حُذِفَ جوابُه، أو قُدِّم، على حسب
الخلاف .
(١) لم أهتد إلى قائله، وهو في القرطبي ٨١/٨، وجملة ((لا تنقض)) حالية، وجواب الشرط
محذوف تقديره نكثت، أو أن مخضوب البنان ناب مناب الضمير، والتقدير: فليس لها.
وقوله ((الدهر)) ورد في القرطبي برواية النأي.
(٢) انظر إعرابه للآية ٤١ من سورة البقرة.
(٣) المحرر ١٤٣/٨.
(٤) لم أجده في كتاب سيبويه.
٢٦

- التوبة -
آ. (١٤) قوله تعالى: ﴿وَيَشْفِ﴾: قرأ الجمهور بياء الغَيْبَة رَدّاً على
اسم الله تعالى. وقرأ(١) زيد بن علي: ((نَشْفٍ)) بالنون وهو التفاتُّ حسن.
وقال: ((قوم مؤمنين)) شهادةً للمخاطبين بالإِيمان، فهو من بابِ الالتفاتِ وإقامةٍ
الظاهرِ مُقام المضمر، حيث لم يَقُل: ((صدوركم)).
آ. (١٥) قوله تعالى: ﴿ويُذْهِبْ﴾: الجمهورُ على ضم الياء وكسرٍ
الهاء مِنْ أَذْهب. و((غَيْظ)) مفعول به. وقرأت(٢) طائفةٌ: ((ويَذْهَبْ)) بفتح الياء
والهاء، جَعَله مضارعاً لذهب، ((غيظ)) فاعل به. وقرأ زيد بن علي كذلك، إلا
أنه رفع الفعل مستأنفاً ولم ينسقْه على المجزومِ قبلَه، كما قرؤوا: ((ويتوبُ))
بالرفع عند الجمهور. وقرأ(٣) زيد بن علي والأعرج وابن أبي إسحاق
وعمرو بن عبيد، وعمرو بن فائد، وعيسى الثقفي، وأبو عمرو - في رواية -
ويعقوب: ((ويتوبَ)) بالنصب.
فأمَّا قراءةُ الجمهورِ فإنها استئنافُ إخبارٍ، وكذلك وقع فإنه قد أَسْلَمَ ناسٌ
كثيرون. قال الزجاج(٤) وأبو الفتح(٥): ((وهذا أمرٌ موجودٌ سواءً قوتلوا أم
لم يُقاتَلوا، ولا وجهَ لإدخال التوبة في جواب الشرط الذي في ((قاتِلوهم)).
يَعْنيان بالشرط ما فُهِمَ من الجملةِ الأمرية.
وأمَّا قراءةُ زيد وَمَنْ ذُكِر معه، فإنَّ التوبةَ تكونُ داخلةً في جوابِ الأمر
من طريقِ المعنى. وفي توجيهِ ذلك غموضٌ: فقال بعضهم: إنَّه لمَّا أَمَرَهُمْ
بالمقاتلة شَقَّ ذلك على بعضِهم، فإذا أقدموا على المقاتلةِ، صار ذلك العملُ
. (١) البحر ١٧/٥.
(٢) البحر ١٧/٥.
(٣) الشواذ ٥١؛ البحر ١٧/٥.
(٤) معاني القرآن ٤٨٣/٢.
(٥) المحتسب ٢٨٥/١.
٢٧

- التوبة -
جارياً مَجْرى التوبة من تلك الكراهة. قلت: فيصير المعنى: إن تقاتلوهم
يُعَذِّبْهم ويتبْ عليكم من تلك الكراهة لقتالهم. وقال آخرون في توجيه ذلك:
إنَّ حصولَ الظفر وكثرةَ الأموال لذَّةٌ تُطلب بطريقٍ حرامٍ، فلمَّا حَصَلَتْ لِهم
بطريقٍ حلالٍ، كان ذلك داعياً لهم إلى التوبة ممَّا تقدم، فصارت التوبةُ معلقةً
على المقاتلة.
وقال ابن عطية (١) في توجيهِ ذلك أيضاً: ((يتوجَّه ذلك عندي إذا ذُهِب
إلى أن التوبةَ يُراد بها هنا [أنَّ] قْلَ الكافرين والجهاد في سبيل الله هو توبةٌ
لكم أيُّها المؤمنون وكمالٌ لإِيمانكم، فتدخلُ التوبة على هذا في شرطٍ
القتال)). قال الشيخ (٢): ((وهذا الذي قدَّره من كونٍ التوبة تدخل تحت جوابٍ
الأمر، هو بالنسبة للمؤمنين الذين أُمِروا بقتال الكفار. والذي يظهر أنَّ ذلك
بالنسبة إلى الكفار، والمعنى: على مَنْ يشاء من الكفار، لأنَّ قتالَ الكفارِ
وغلبةَ المسلمين إياهم، قد يكونُ سبباً لإِسلام كثير. ألا ترى إلى فتح مكة
كيف أسلم لأجله ناسٌ كثيرون، وحَسُن إسلامُ بعضِهم جداً، كابن أبي سرح
وغيره)). قلت: فيكون هذا توجيهاً رابعاً، ويصيرُ المعنى: إن تقاتلوهم يتب
الله على مَنْ يشاء من الكفار أي: يُسْلِمُ مَنْ شاء منهم.
آ. (١٦) قوله تعالى: ﴿ولم يتخذوا﴾: يجوز في هذه الجملة
وجهان، أحدهما: أنَّها: داخلةٌ في حيِّز الصلة لعطفِها عليها أي: الذين عاهدوا
ولم يتّخذوا. الثاني: أنَّها في محلِّ نصب على الحال من فاعل ((جاهدوا))
أي: جاهدوا حالَ كونِهم غيرَ متخذين وَلِيْجَةً.
و ((وَلِيجة)) مفعول. و((مِنْ دون الله)): إمَّا مفعول ثان، إن كان الاتخاذُ
بمعنى التصيير، وإمّا متعلقُ بالاتخاذ إن كان على بابه. والوَليجة: فَعِيلة مِنَ
(١) المحرر ١٤٤/٨.
(٢) البحر ١٧/٨.
٢٨

- التوبة -
الوُلوج وهو الدخول. والوليجة: مَنْ يُداخِلك في باطن أمورك. وقال
أبو عبيدة(١): ((كلُّ شيءٍ أَدْخَلْته في شيءٍ وليس منه فهو وليجة، والرجلُ في القوم
وليس منهم، يقال له وَليجة))، ويُستعمل بلفظٍ واحد للمفرد والمثنى
والمجموع. وقد يُجمع على وَلائج ووُلُج كصحيفة وصحائف وصُحُف.
وأنشدوا لعبادة بن صفوان الغنوي (٢):
٢٤٧٤ - وَلَائِجُهُمْ في كل مَبْدَى ومَحْضَرٍ إلى كلِّ مَنْ يُرْجَى وَمَنْ يَتْخَوَّفُ
وقرأ الحسن(٣) ((بما يَعْملون)) بالغَيْبةِ على الالتفات، وبها قرأ يعقوب
في رواية سَلَام.
آ. (١٧) قوله تعالى: ﴿ما كان للمشركين أن يَعْمُروا مساجد
الله﴾: ((أن يَعْمروا)) اسم كان. وقرأ(٤) ابن كثير وأبو عمرو ((مسجد الله))
بالإِفراد / وهي تحملُ وجهين: أن يُراد به مسجدٌ بعينه، وهو المسجد الحرام [١/٤٣٨]
لقوله: «وعمارة المسجد الحرام(٥)))، وأن يكون اسم جنسٍ فتندرج فيه سائرُ
المساجد، ويدخل المسجد الحرام دخولاً أَوَّلِيّاً. وقرأ الباقون ((مساجد))
بالجمع، وهي أيضاً محتملةً للأمرين. ووجه الجمع: إمَّا لأنَّ كلَّ بقعةٍ من
المسجد الحرام يُقال لها مسجدٌ، وإمَّ لأنه قبلةُ سائر المساجد، فصَحَّ أن
يُطْلَقَ عليه لفظُ الجمع لذلك.
قوله: ((شاهدين)) الجمهور على قراءته بالياء نصباً على الحال مِنْ فاعل
(١) المجاز ٢٥٤/١.
(٢) المحرر ١٤٥/٨؛ البحر ١٨/٥.
(٣) البحر ١٨/٥ .
(٤) السبعة ٣١٣؛ الحجة ٣١٦؛ البحر ١٨/٥.
(٥) من الآية ١٩ من سورة التوبة.
٢٩

۔
- التوبة -
(يَعْمُروا)). وقرأ زيد بن علي (١) ((شاهدون)) بالواو رفعاً على خبرِ ابتداءٍ مضمرٍ،
والجملةُ حالٌ أيضاً. وقرأ(٢) ابن السَّمَيْفع ((يُعْمِروا)) بضم الياء وكسر الميم مِنْ
أَعْمَرَ رباعياً، والمعنى أن يُعينوا على عمارته.
قوله: ((على أنفسِهم)) الجمهورُ على ((أنفسهم)) جمعَ نَفْس. وقُرىء(٣)
(أَنْفَسهم)) بفتح الفاء، ووجهُها أن يُراد بالأنْفَس - وهو الأشرفُ الأجلُّ، من
النَّفاسة - رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلم. قيل: لأنه ليس بَظْنٌ مِنْ بطون
العرب إلا وله فيهم ولادة. وهذا المعنى منقولٌ في تفسير قراءة الجمهور
أيضاً، وهو مع هذه القراءة أوضح .
قوله: ((وفي النار هم خالدون)) هذه جملةٌ مستأنفة، و ((في النار)) متعلقٌ
بالخبر، وقُدِّم للاهتمام به، ولأجل الفاصلة. وقال أبو البقاء (٤): ((أي: وهم
خالدون في النار، وقد وقع الظرفُ بين حرف العطف والمعطوف)). قلت: فيه
نظرٌ من حيث إنه يُوهم أن هذه الجملةَ معطوفةٌ على ما قبلها عَطْفَ المفرد
على مثله تقديراً، وليس كذلك بل هي مستأنفةٌ، وإذا كانت مستأنفةً، فلا يُقال
فيها فَصَلَ الظرف بين حرف العطف والمعطوف، وإنما ذلك في المتعاطفَيْن
المفردين أو في تأويلهما، وقد تقدَّم تحقيقُ هذا في قوله تعالى: ((ربَّنا آتِنا في
الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنة))(٥) وفي قوله: ((وإذا حَكَمْتم بين الناس أن
تَحْكموا بالعدل))(٦).
(١) البحر ١٩/٥.
(٢) البحر ١٨/٥.
(٣) البحر ١٩/٥ من دون نسبة.
(٤) الإِملاء ١٣/٢.
(٥) الآية ٢٠١ من سورة البقرة.
(٦) الآية ٥٨ من سورة النساء.
٣٠

- التوبة -
وقرأ زيد بن علي (١): ((خالدين)) بالياء نصباً على الحال من الضمير
المستتر في: الجارِّ قبله، لأنَّ الجارَّ صار خبراً كقولك: ((في الدار زيد
قاعداً)، فقد رفع زيد بن علي ((شاهدين))، ونصب ((خالدون)) عكسَ قراءةٍ
الجمهور فيهما .
آ. (١٨) قوله تعالى: ﴿إِنما يَعْمُر مساجِدَ اللهِ﴾: جمهورُ القراء من
السبعة وغيرهم على الجمع. وقرأ الجحدري(٢) وحماد بن أبي سلمة(٣) عن
ابن كثير بالإِفراد. والتوجيهُ يؤخذ مما تقدم(٤). والظاهر هنا أن الجمعَ هنا
حقيقةٌ، لأن المراد جميع المؤمنين العائدين لجميع مساجد أقطار الأرض.
قوله: ((سِقايةً الحاجِّ وعِمارة)» الجمهور على قراءتهما مصدرين على
فِعالة، كالصِّيانة والوقاية والتِّجارة، ولم تُقْلب الياء همزة (٥)، لتحصُّنها بتاء
التأنيث بخلاف رِداء، وعَباءة لطُروء تاء التأنيث فيها، وحينئذٍ فلا بُدَّ مِنْ حذف
مضاف: إمَّا من الأول، وإمَّا من الثاني ليتصادقَ المجعولان، والتقدير:
أجعلتمْ أهلَ سقايةِ الحاجِّ وعِمارةً المسجد الحرام كمَنْ آمن، أو أَجَعَلْتم
السقايةَ والعِمارة كإيمان مَنْ آمن، أو كعملٍ مَنْ آمن.
وقرأ(٦) ابن الزبير والباقر وأبو وَجْرة ((سُقاة)) و ((عَمَرَة)) بضم السين وبعد
الألف تاء التأنيث، وعَمَرة بفتح العين والميم دون ألف. وهما جمع ساقٍ
وعامر كما يُقال: قاضٍ وقُضَاة ورَام ورُماة وبارٌ وبَرَرة وفاجِر وفَجَرة. والأصل:
(١) البحر ١٩/٥.
(٢) البحر ١٩/٥.
(٣) حماد بن سلمة البصري. روى عن عاصم وابن كثير. توفي سنة ١٦٧. انظر: طبقات
القراء ٢٥٨/١. ولعل قوله ((بن أبي سلمة)) فيه زيادة ((أبي)).
(٤) انظر إعرابه للآية ١٧ .
(٥) في الأصل ((ياء)»، وهو سهو.
(٦) الشواذ ٥٢؛ البحر ٢٠/٥.
٣١

- التوبة -
سُقَيَةٍ، فَقُلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها. ولا حاجةً إلى تقديرِ حذفٍ
مضافٍ، وإن احتيج إليه في قراءة الجمهور.
وقرأ سعيد بن جبير كذلك إلا أنه نَصَبَ ((المسجد الحرام)» بـ ((عَمَرَة))
وحَذَفَ التنوينَ لالتقاء الساكنين كقوله: (١)
ولا ذاكرَ اللَّهَ إلا قليلا
٠
٢٤٧٥-
وقوله: ((هو الله أحدُ الله الصمد))(٢).
وقرأ الضحاك ((سُقاية)) بضم السين و ((عمرة))، وهما جمعان أيضاً، وفي
جمع «ساقٍ)) على فُعالةُ نظرٌ لا يَخْفى. والذي ينبغي أن يُقَالَ ولا يُعْدَّلَ [عنه]
أن يُجعل هذا جمعاً لسِقْي، والسِّقْي هو الشيء المَسْقِيّ كالرِّعْي والطّحْنِ،
وفِعْل يُجمع على فُعالٍ، قالوا: ظِئْر وظُوار(٣)، وكان مِنْ حقه أن لا تدخلّ
عليه تاءُ التأنيث كما لم تدخل في ((ُؤَار))، ولكنه أَنَّث الجمعَ كما أنَّث في
قولهم حِجارة وفُحولة. ولا بد حينئذٍ من تقديرِ مضافٍ أي: أجعلتم أصحابَ
الأشياءِ المَسْقِيّة كَمَنْ آمن.
[٤٣٨/ب]
قوله: ((لا يَسْتَؤُونَ)) فيه وجهان / أظهرهما: أنها مستأنفة، أخبر تعالى
بعدم تساوي الفريقين. والثاني: أن يكونَ حالاً من المفعولين للجَعْل
والتقدير: سوَّيْتُم بينهم في حال تفاوتهم.
آ. (٢١) وقد تقدَّم اختلافُ القرَّاء في ((يبشرهم)) وتوجيه ذلك في آل
عمران (٤)، وكذلك الخلافُ في ((رضوان))(٥). وقرأ(٦) الأعمش ((رضوان)) بضمٌّ
(١) تقدم برقم ١٥٠٤.
(٢) الآيتان ١، ٢ من سورة: الصمد، وهي قراءة عمر ونصر بن عاصم. انظر: الشواذ ١٨٢ .
(٣) الظِئْر: المرضعة لغير ولدها، وجمعها على ظُؤار. قال في اللسان ((ظار»: من الجمع العزيز.
(٤) الآية ٣٩، وانظر: البحر ٢١/٥.
(٥) انظر: إعرابه للآية ١٥ من سورة آل عمران.
(٦) البحر ٢١/٥.
٣٢

- التوبة -
الراء والضاد، وَرَدَّها أبو حاتم وقال: ((لا يجوز))، وهذا غيرُ لازمٍ للأعمش فإنه
رواها، وقد وُجِد ذلك في لسان العرب قالوا: السُّلْطان بضمّ السين واللام.
قوله: ((لهم فيها نعيمٌ)) يجوز أن تكونَ هذه الجملةُ صفةً لـ((جنات))، وأن
تكونَ صفةً لـ ((رحمة))؛ لأنهم جَوَّروا في هذه الهاءِ أن تعودَ للرحمة وأن تعودَ
للجنات. وقد جَوَّز مكي(١) أن تعود على البشرى المفهومة من قوله:
(يُبَشِّرهم))، كأنه قيل: لهم في تلك البشرى، وعلى هذا فتكونُ الجملةُ صفةً
لذلك المصدرِ المقدَّرِ إن قدَّرْتَه نكرةً، وحالاً إن قدَّرْتَه معرفةً. ويجوز أن
يكون ((نعيم)) فاعلاً بالجارِّ قبله، وهو أَوْلى لأنه يَصير من قبيل الوصف
بالمفرد، ويجوز أن يكونَ مبتدأً، وخبرُه الجار قبله. وقد تقدَّم تحقيق ذلك غيرَ
مرة. و((خالدين)) حالٌ من الضمير في ((لهم)).
آ. (٢٤) قوله تعالى: ﴿إِن كانَ آباؤكم﴾: ((آباؤكم)) - وما ◌ُطِف
عليه - اسمُ كان، و((أحبَّ)) خبرها فهو منصوب. وكان المتفاصح الحجاجُ ابن
يوسف يَقْرِؤها بالرفع، ولَحَّنه يحيى بن يعمر فنفاه. قال الشيخ(٢): ((إنما لَحَّنه
باعتبار مخالفةِ القراء النَّقَلَة وإلا فهي جائزةٌ في العربية، يُضمر في ((كان)»
اسماً، وهو ضميرُ الشأن ويُرفع ما بعدها على المبتدأ والخبر، وحينئذٍ تكونُ
الجملةُ خبراً عن ((كان)). قلت: فيكون كقول الشاعر: (٣)
٢٤٧٦ - إذا مِتُّ كان الناسُ صِنْفان شامتٌ وآخرُمُثْنِ بالذي كنتُ أَصْنَعُ
هذا في أحد تأويلَي البيت. والآخر: أنَّ ((صنفان)) خبرٌ منصوب، وجاء
به على لغةٍ بني الحرث ومَنْ وافقهم.
(١) المشكل ٣٦٠/١.
(٢) البحر ٢٢/٥.
(٣) تقدم برقم ١١٨٨ .
٣٣

- التوبة -
والحكاية (١) التي أشار إليها الشيخُ مِنْ تلحين يحيى للحجاج، هي أن
الحجاج كان يَدَّعي فِصاحةً عظيمة، فقال يوماً ليحيى بن يعمر وكان يعظّمه:
هل تجدني ألحن؟، فقال: الأمير أجَلُّ(٢) من ذلك، فقال: عَزَمْتُ عليك إلا
ما أخبرتني، وكانوا يُعَظّمون عزائم الأمراء(٣). فقال: نعم. فقال: في أي
شيء؟، فقال: في القرآن. فقال: ويلك !! ذلك أقبحُ بي. في أَيِّ آيَةٍ؟،
قال: سَمِعْتك تقرأ: قل إن كان آباؤكم، إلى أن انتهيت إلى ((أحبُّ)) فرفعتّها.
فقال: إذن لا تسمعني أَلْحَنُ بعدها، فنفاه إلى خراسان، فمكث بها مدةً،
وكان بها حينئذٍ يزيد بن المهلب بن أبي صفرة(٤)، فجاءهم جيش، فكتب إلى
الحجاج كتاباً وفيه: ((وقد جاءنا العدوُّ فتركناهم بالحضيض، وصَعِدنا عُرْعُرَةٍ(٥)
الجبل)». فقال الحجاج: ما لابن المهلب ولهذا الكلام؟، فقيل له: إنَّ يحيى
هناك. فقال: إذن ذلك.
وقرأ الجمهور: ((عشيرتكم)) بالإِفراد، وأبوبكر عن عاصم(٦):
((عشيراتكم)) جمعَ سلامة. ووجهُ الجمع، أنَّ لكلِّ من المخاطبين عشيرةٌ
فَحَسُن الجمع. وزعم الأخفش أن ((عشيرة)) لا تجمع بالألف والتاء، إنما
تُجْمع تكسيراً على عشائر. وهذه القراءة حجةٌ عليه، وهي قراءةٌ
أبي عبدالرحمن السلمي، وأبي رجاء. وقرأ الحسن ((عشائركم)) قبل:
وهي أكثر مِنْ عشيراتكم.
(١) انظر: طبقات فحول الشعراء ٢٤/١.
(٢) رسمت في أصله ((الجل)) والتصحيح من النسخ.
(٣) يعني بها قوله: ((عزمت عليك ....
(٤) يزيد بن المهلب أبو خالد، من القادة الشجعان، ولي خراسان بعد أبيه. نابذ بني أمية
الخلافة فقتل بعد حروب كثيرة. توفي سنة ١٠٢ هـ انظر: وفيات الأعيان ٢٦٤/٢؛
الأعلام ١٩٠/٨.
(٥) عرعرة الجبل: أعلاه، وانظر: اللسان ((عرر)).
(٦) السبعة ٣١٣؛ الحجة ٣١٦؛ البحر ٢٢/٥؛ الشواذ ٥٢.
٣٤

- التوبة -
والعَشِيرة: هي الأهلُ الْأُدْنَون. وقيل: هم أهل الرجلِ الذين يَتَكثَّر
بهم أي: يصيرون له بمنزلة العدد الكامل، وذلك أن العشيرة هي العدد
الكامل، فصارت العشيرة اسماً لأقارب الرجل الذين يَتْكثِّر بهم، سواءً بلغوا
العشرةَ أم فوقها. وقيل: هي الجماعة المجتمعة بنسَبٍ أو عَقْدٍ أو وِداد كعقد
العِشْرة.
آ. (٢٥) قوله تعالى: ﴿ويومَ حنين﴾: فيه أوجة، أحدُها: أنه عطفٌ
على محلِّ قوله ((في مواطنَ))، عَطَّفَ ظرف الزمان من غير واسطة ((في)) على
ظرفِ المكان المجرورِ بها. ولا غَرْو في نسق ظرف زمان على مكان
أو العكسِ تقول: ((سرت أمامك يوم الجمعة)) إلا أنَّ الأحسنَ أن يُتْرِكَ العاطفُ
مثله. الثاني: زعم ابن عطية (١) أنه يجوز أن يُعْطَفَ على لفظ ((مواطن))
بتقدير: وفي، فحذف حرفَ الخفض. وهذا لا حاجةً إليه. الثالث: قال
الزمخشري(٢): ((فإن قلت: كيف عطفَ الزمانَ على المكان، وهو ((يوم حنين))
على ((مواطن))؟، قلت: معناه: وموطن يوم حنين أو في أيام مواطنَ كثيرة ويوم
حنين)). الرابع: أن يُراد بالمواطن الأوقاتُ، فحينئذٍ إنما عُطِف زمانُ على
زمان. قال الزمخشري(٣) بعدما قَدَّمْتُه عنه: («ويجوز أن / يُراد بالمواطن الوقت [٤٣٩/أ]
كمقتل الحسين، على أن الواجب أن يكون ((يومَ حنين)) منصوباً بفعل مضمر
لا بهذا الظاهر. ومُوْجِبُ ذلك أن قوله: ((إذا أعجبتكم)) بدلُ من ((يوم حنين)»،
فلو جَعَلْتَ ناصبَه هذا الظاهرَ لم يصحُّ؛ لأنَّ كثرتَهم لم تُعْجبهم في جميع تلك
المواطن، ولم يكونوا كثيرين في جميعها، فبقي أن يكونَ ناصبُه فعلاً خاصاً
به)). قلت: لا أدري ما حَمَله على تقدير أحد المضافين أو على تأويل
(١) المحرر ١٥٤/٨.
(٢) الكشاف ٢ /١٨١.
(٣) الكشاف ٢ /١٨١.
٣٥

- التوبة ــ
الموطن بالوقت ليصحَّ عَطْفُ زمانٍ على زمان، أو مكان على مكان، إذ يصح
عَطْفُ أحدُ الظرفين على الآخر؟
وأمَّا قولُه: ((على أن الواجبَ أن يكون إلى آخره)) كلامٌ حسن، وتقديره أن
الفعلَ مقيدٌ بظرفِ المكانِ، فإذا جعلنا ((إذ)) بدلاً من ((يوم)) كان معمولاً له؛ لأنَّ
البدلَ يَحُلُّ مَحَلَّ المبدل منه، فيلزم أنه نصرهم إذا أعجبتهم كثرتُهم في مواطن
كثيرة، والفرض أنهم في بعض هذه المواطن لم يكونوا بهذه الصفة. إلا أنه
قد ينقدح فإنه تعالى لم يقل: في جميع المواطن حتى يلزم ما قال، ويمكن أن
يكونَ أراد بالكثرة الجميعَ، كما يُراد بالقلة العدمُ.
قوله: ((بما رَحُبَتْ)) ((ما)) مصدريةٌ أي: رَحْبها (١) وسَعَتها. وقرأ زيد ابن
علي (٢) في الموضعين: ((رَحْبَت)) بسكون العين، وهي لغة تميم، يَسْلُبون عين
فَعُل فيقولون في شَرُفٍ: شَرْف.
والرُّحْب بالضم: السَّعَة، وبالفتح: الشيء الواسع. يقال: رَحُب
المكان يَرْحُب رُحْباً ورَحَابة وهو قاصر. فأمَّا تعدِّيه في قولهم: ((رَحُبَتْكم الدار))
فعلى التضمين لأنه بمعنى وَسِعَتْكم.
وحُنَيْن اسمُ واد، فلذلك صَرَفَه. وبعضُهم جعله اسماً للبقعة فَمَنَعَه في
قوله: (٣)
٢٤٧٧ - نَصَرُوا نبيَّهُمُ وَشَدُّوا أَزْرَه بحنينَ يومَ تواكُلِ الأبطال
وهذا كما قال الآخر في ((حراء)) اسمِ الجبل المعروف اعتباراً بتأنيث
(١) الأصل: ((برحها))، وهو سهو.
(٢) البحر ٢٤/٥.
(٣) البيت لحسان بن ثابت رضي الله عنه، وهو في ديوانه ٥١٢/١، وتفسير
الطبري ١٧٨/١٤، ومعاني القرآن للفراء ٤٢٩/١؛ واللسان: حنن؛ والبحر ٢٤/٥.
٣٦

- التوبة -
البقعة في قوله: (١)
٢٤٧٨- ألسنا أكبرَ الثَّقَلَيْنِ رَحْلاً وأَعْظَمَهم ببطنَ حِراءَ نارا
والمواطن جمع مَوْطِن بكسر العين، وكذا اسم مصدره وزمانه لاعتلال
فائه کالموعد قال: (٢)
٢٤٧٩- وكم مَوْطنِ لولايَ طِحْتَ كما هوى بأجرامه مِنْ قُلَّة النّيْقِ مُنْهوي
آ. (٢٨) قوله تعالى: ﴿إِنَّا المشركون نَجَسٌ﴾: على المبالغة،
جُعِلوا نفسَ النَّجَس أو على حذف مضاف. وقرأ(٣) أبو حيوة ((نِجْسٌ)) بكسر
النون وسكون الجيم، ووجهُه أنه اسمُ فاعل في الأصل على فَعِل مثل كَتِف
وكَبِد، ثم خُفِّفَ بسكون عَيْنِه بعد إتباع فائه، ولا بُدَّ من حذف موصوف
حينئذٍ قامَتْ هذه الصفةُ مَقامه أي: فريق نجس أو جنس نجس. وقرأ ابن
السميفع ((أنجاس)) بالجمع، وهي تحتمل أن تكونَ جمعَ قراءةِ الجمهور،
أو جمع قراءةِ أبي حيوة.
آ. (٢٩) قوله تعالى: ﴿من الذين أُوْتُوا﴾: بيانٌ للموصول قبلَه.
والجِزْية: فِعْلَة لبيان الهيئة كالرِّكْبَة لأنها مِنَ الجزاء على ما أُعْطُوه من الأمن.
و ((عن يدٍ)) حالٌ أي: يُعْطَوها مقهورِين أَذِلاء. وكذلك ((وهم صاغرون)).
(١) البيت لجرير وليس في ديوانه، وهو في معاني القرآن للفراء ٤٢٩/١؛ والكتاب ٢٤/٢
ورواية صدره :
ستعلم أيُّنا خيرٌ قديماً
ولعله يعني هنا بالرحل المنزل.
(٢) البيت ليزيد بن أم الحكم، وهو في الكتاب ٣٨٨/١؛ المقتضب ٧٣/٣؛ ابن
يعيش ١١٨/٣؛ الخزانة ٤٣٠/٢؛ العيني ٢٦٢/٣. والقلة: أعلى الجبل، والنيق: أرفع
موضع في الجبل.
(٣) الشواذ ٥٢؛ البحر ٢٨/٥.
٣٧

- التوبة -
آ. (٣٠) قوله تعالى: ﴿عُزَيْرٌ ابنُ الله﴾: قرأ(١) عاصم والكسائي
بتنوين ((عُزَيْرٌ)) والباقون من غير تنوين. فأمَّا القراءة الأولى فيُحتمل أن يكونَ
اسماً عربيّاً مبتدأً، و((ابنُ)) خبره، فتنوينه على الأصل. ويُحتمل أن يكون
أعجمياً، ولكنهُ خفيفُ اللفظِ كنوح ولوط، فصُرِفَ لِخِفَّة لفظه، وهذا قول
أبي عبيد، يعني أنه تُصغيرُ (عَزَر)) فحكمه حكمُ مُكَّره. وقد رُدَّ هذا القولُ
على أبي عبيد بأنه ليسَ بتصغيرٍ، إنما هو أعجمي جاء على هيئة التصغيرِ في
لسانِ العربِ، فهو كسليمان جاء على مثال عثيمان وعُبَيْدان.
وأمَّا القراءة الثانية فَيَحتمل حَذْفُ التنوينِ ثلاثةَ أوجه أحدها: أنه حُذِفَ
لالتقاء الساكنين على حَدِّ قراءة: ((قل هو الله أحدُ. الله الصمد))(٢) وهو اسمٌ
منصرفٌ مرفوعٌ بالابتداء و ((ابن)) خبره. الثاني: أن تنوينَه حُذِفَ لوقوع الابن
صفة له، فإنه مرفوعٌ بالابتداء و («ابن» صفته، والخبرُ محذوفٌ أي: عزيرٌ ابن
الله نبيّنا أو إمامنا أو رسولنا، وكان قد تقدَّم أنه متى وقع الابنُ صفةً بين علمين
غيرَ مفصولٍ بينه وبين موصوفه، حُذِفَتْ ألفُه خطاً وتنوينُه لفظاً، ولا تَثْبت إلا
ضرورة، وتقدَّم الإنشادُ عليه آخر المائدة(٣). ويجوز أن يكون ((عزير)) خبر
مبتدأ مضمر أي: نبيّنا عُزَيْر و((ابن)) صفةٌ له أو بدل أو عطف بيان.
الثالث: أنه إنما حُذف لكونه ممنوعاً من الصرف للتعريف والعجمة،
[٤٣٩/ب] ولم يُرْسم في المصحف إلا ثابتِ الألف، وهي تَنْصُرُ مَنْ / يجعلُه خبراً.
وقال الزمخشري(٤): ((عزير ابن: مبتدأ وخبره، كقوله: ((المسيحُ ابن
الله))(٥). و((عُزَيْر)) اسم أعجمي كعزرائيل وعيزار، ولعجمته وتعريفه امتنع مِنْ
(١) السبعة ٣١٣؛ الحجة ٣١٦؛ البحر ٣١/٥.
(٢) الآيتان ١ - ٢ من سورة الصمد، وهي قراءة عمر بن عاصم. انظر: الشواذ ١٨٢.
(٣) انظر إعرابه للآية ١١٠ من سورة المائدة.
(٤) الكشاف ١٨٥/٢.
(٥) الآية ٣٠ من سورة التوبة.
٣٨

- التوبة -
صرفه، ومَنْ صرفه جعله عربياً. وقول مَنْ قال: سقوطُ التنوين لالتقاء الساكنين
كقراءة ((قل هو الله أحدُ الله))(١)، أو لأنَّ الابن وقع وصفاً والخبر محذوف
وهو ((معبودنا)) فتمخُّلٌ عند مَنْدوحة (٢).
قوله: (يُضاِئُون)) قرأ العامة: ((يضاهِئُون)) بضم الهاء بعدها واو،
وعاصم (٣) بهاءٍ مكسورة بعدها همزةٌ مضمومة، بعدها واو. فقيل: هما بمعنى
واحد وهو المشابهة وفيه لغتان: ضاهَأْتُ وضاهَيْت، بالهمزة والياء، والهمزُ لغة
ثَقيف. وقيل: الياء فرع عن الهمز كما قالوا: قرأت وقَرَيْت وتوضَّأت
وتوضَّيْت، وأَخْطَأْت وأَخْطَيْت. وقيل: بل يضاهِكُون بالهمز مأخوذ من
يضافِيُوْن، فلمَّا ضُمَّت الهاءُ قُلِبَتْ همزةً. وهذا خطأ لأن مثل هذه الياء
لا تَثْبُتُ في هذا الموضعِ حتى تُقْلَبَ همزةً، بل يؤدي تصريفه إلى حذفِ الياء
نحو (يُرامُون)) من الرمي و ((يُماشُون)) من المشي. وزعم بعضُهم أنه مأخوذٌ من
قولهم: امرأةٌ ضَهْيَا بالقصر، وهي التي لا ئَدْيَ لها، أو التي لا تَحيض،
سُمِّيت بذلك لمشابهتها الرجال. يقال: امرأةٌ ضَهْيَا بالقصر وضَهْيَاء بالمد
كحمراء، وضَهْيَاءَة بالمدِّ وتاءِ التأنيث ثلاث لغات، وشذَّ الجمع بين علامتي
تأنيث في هذه اللفظة. حكى اللغة الثالثة الجرمي عن أبي عمرو الشيباني (٤).
قيل: وقولُ مَنْ زعم أنَّ المضاهاة بالهمز مأخوذةٌ مِنْ امرأة ضَهْياء في لغاتِها
الثلاث خطأً لاختلاف المادتين، فإن الهمزةَ في امرأةٌ ضَهْياء زائدة في اللغاتِ
الثلاث وهي في المضاهأة أصلية.
(١) الآيتان ١، ٢ من سورة الصمد.
(٢) المندوحة: السَّعَة.
(٣) السبعة ٣١٤؛ البحر ٣١/٥.
(٤) الذي في كتاب ((الجيم)) لأبي عمرو الشيباني ((والضهيأ: التي لا تحيض من النساء))؛
الجيم ١٩٣/٢.
٣٩

- التوبة -
فإن قيل: لِمَ لم يُدَّعَ أن همزةَ ضهياء أصلية وياؤها زائدة؟، فالجواب
أن فَعْيَلاً بفتح الياء لم يَثْبت. فإن قيل: فلِمَ لم يُدَّع أن وزنَها فَعْلَل كجعفر؟،
فالجواب أنه قد ثبتت زيادة الهمزة في ضَهْياء بالمدِّ فَلْتَثْبت في اللغة الأخرى،
وهذه قاعدةٌ تصريفية .
والكلامُ على حَذْف مضاف تقديره: يُضاهي قولُهم قول الذین، فَخُذِف
المضاف، وأُقيم المضافُ إليه مُقامه، فانقلب ضميرَ رفع بعد أن كان ضميرَ
جرّ.
والجمهور على الوقف على ((أفواههم)) ويَبْتدئون بـ ((يضاهئون)) وقيل:
الباءُ تتعلَّق بالفعل بعدها. وعلى هذا فلا يُحْتاج إلى حَذْفِ هذا المضافِ.
واستضعف أبو البقاء(١) قراءةً عاصم وليس بجيدٍ لتواترها.
آ. (٣١) قوله تعالى: ﴿والمسيحَ ابن مريم﴾: عطف على «رُهْبانَهم))
والمفعول الثاني محذوف، إذ التقدير: اتخذ اليهود أحبارهم أرباباً،
والنصارى رهبانهم والمسيحَ ابن مريم أرباباً، وهذا لأمْنِ اللَّبس خَلَط الضمير
في ((اتخذوا)) وإن كان مقسماً لليهود والنصارى، وهذا مراد أبي البقاء في
قوله(٢): ((أي واتخذوا المسيحَ ربّاً، فحذف الفعل وأحد المفعولين، وجوز فيه
أيضاً أن يكون منصوباً بفعل مقدر أي: وعَبَدوا المسيح ابن مريم)).
آ. (٣٣) قوله تعالى: ﴿ويأبى الله إلا أنْ يُتَمَّ﴾: ((إلا أن يُتِمَّ) مفعول
به، وإنما دَخَل الاستثناء المفرغ في الموجَب لأنه في معنى النفي، فقال
الأخفش الصغير: ((معنى يَأْبَى يمنع)). وقال الفراء(٣): ((دَخَلَتْ ((إلا)) لأنَّ في
الكلامِ طَرَفاً من الجحد)). وقال الزمخشري(٤): ((أَجْرى ((أبى)) مُجرى ((لم يُرِدْ)،
(١) الإِملاء ١٤/٢ .
(٢) الإِملاء ١٤/٢.
(٣) معاني القرآن ٤٣٣/١.
(٤) الكشاف ١٨٦/٢.
٤٠