النص المفهرس
صفحات 601-620
- الأنفال - والتَّصْدِية فيها قولان أحدهما: أنها من الصَّدى وهو ما يُسْمع مِنْ رَجْع الصوت في الأمكنة الخالية الصُّلبة يقال منه: صَدِي يَصْدَىْ تَصْدِيَة، والمراد بها هنا ما يُسْمع من صوت التصفيق بإحدى اليدين على الأخرى. وفي التفسير: أن المشركين كانوا إذا سمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي ويتلو القرآن صفَّقوا بأيديهم وصَفَروا بأفواههم ليُشْغِلوا عنه مَنْ يَسْمَعُه ويَخْلطوا عليه قراءته. وهذا مناسبٌ لقوله: ((لا تَسْمعوا لهذا القرآن والْغَوا فيه لعلكم تَغْلِبُون))(١) /. وقيل: هي مأخوذةٌ من التَّصْدِدَة وهي الضجيج والصِّياحُ [٤٢٧/ب] والتصفيق، فأُبْدِلَت إحدى الدالين ياءً تخفيفاً، ويدلُّ عليه قولُه تعالى: ((إذا قومُكَ منه يَصِدُّون))(٢) في قراءة (٣) مَنْ كسر الصاد أي: يضجُّون ويَلْغَطون. وهذا قول أبي عبيدة(٤). وقد ردَّه عليه أبو جعفر الرُّسْتمي(٥)، وقال: ((إنما هو مِنْ الصَّدْي فكيف يُجعل من المضعَّف)»؟ وقد ردًّ أبو علي على أبي جعفر رَدَّه وقال: ((قد ثبت أنَّ يَصُدُّون مِنَ نحو الصوت فأخْذُه منه، وتَصْدِيهَ تَفْعِلَة))، ثم ذكر كلاماً كثيراً. والثاني: أنها من الصدِّ وهو المنعُ والأصل: تَصْدِدَة بدالين أيضاً، فأُبْدِلت ثانيتهما ياءً. ويؤيِّد هذا قراءةُ مَنْ قرأ ((يَصُدُّون)) بالضم أي: يمنعون. وقرأ العامَّةُ ((صلاتُهم)) رفعاً، (مُكاءً)) نصباً، وأبان(٦) بن تغلب والأعمش (١) الآية ٢٦ من سورة فصلت. (٢) الآية ٥٧ من سورة الزخرف. (٣) وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم وحمزة وقرأ الباقون بضم الصاد. انظر: السبعة ص ٥٨٧. (٤) المجاز ٢٤٦/١. (٥) لعله أبو جعفر أحمد بن محمد بن رستم البغدادي النحوي كان بصيراً بالعربية ولم تذكر وفاته. طبقات القراء ١١٤/١. (٦) السبعة ص ٣٠٥؛ البحر ٤٩٢/٤؛ الشواذ ص ٤٩. ٦٠١ - الأنفال - وعاصم بخلافٍ عنهما ((وما كان صلاتهم)) نصباً، ((مكاٌ)) رفعاً. وخطَّأ الفارسي (١) هذه القراءةَ وقال: ((لا يجوز أن يُخْبر عن النكرةِ بالمعرفةِ إلا في ضرورة كقول حسان(٢): ٢٤١٣- كأنَّ سَبيئةٌ مِنْ بیت رَأْسٍ يكونُ مزاجَها عَبْلُ ومَاءُ وخرَّجها أبو الفتح (٣) على أن المُكاء والتصدية اسما جنس، يعني أنهما مصدران قال: ((واسم الجنس تعريفُه وتنكيره متقاربان فلِمَ يُقال ثانيهما جُعل اسماً والآخر خبراً؟ وهذا يَقْرُب من المعرَّف بأل الجنسية حيث وُصِف بالجملة، كما يُوصف به النكرة كقوله تعالى: ((وآيةٌ لهم الليلُ تَسْلَغُ منه النهارَ))(٤)، وقولِ الآخِر(٥): فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قلتُ لا يَعْنِينِي ٢٤١٤ - ولقد مَرَرْتُ على اللئيم يَسُبُّني وقال بعضهم(٦): ((وقد قرأ أبو عمرو ((إلا مُكاً)) بالقصر والتنوين، وهذا كما قالوا: بكاء وبُكى بالمد والقصر. وقال الشاعر فجمع بين اللغتين (٧): ٢٤١٥- بَكَتْ عيني وحُقِّ لها بُكاها وما يُغْنِي البكاءُ ولاَ العويلُ أ. (٣٧) قوله تعالى: ﴿ليميز الله الخبيث﴾: قد تقدَّم الخلافُ فيه في (١) الحجة (خ) ٨٦/٣. (٢) تقدم برقم (١٨٢٩) .. (٣) المحتسب ٢٧٩/١ (٤) الآية ٣٧ من سورة يس. (٥) تقدم برقم (٦٩٧). (٦) انظر: البحر ٤ /٤٩٢. (٧) البيت لحسان وهو في ديوانه ص ٥٠٤؛ والسيرة ص ٦٣٣؛ والمقتضب ٢٩٢/٤؛ والمنصف ٤٠/٣؛ وشرح الجمل لابن عصفور ٣٦٢/٢؛ وشرح شواهد الشافية ص ٦٦ . ٦٠٢ - الأنفال ـ آل عمران(١). وقوله ((ويَجْعل)»: يحتمل أن تكون تصييريةً فتنصب مفعولين، وأن تكونَ بمعنى الإلقاء فتتعدّى لواحد، وعلى كلا التقديرين فـ ((بعضه)) بدلُ بعضٍ من كل، وعلى القول الأول يكون ((على بعض)) في موضع المفعول الثاني، وعلى الثاني يكون متعلقاً بنفس الجَعْل نحو قولك: ((ألقيْتَ متاعك بعضَه على بعض)». وقال أبو البقاء(٢) بعد أن حكم عليها بأنها تتعدَّى لواحد: ((وقيل: الجار والمجرور حالٌ تقديرُه: ويجعل الخبيث بعضه عالياً على بعض)). واللام في ((ليميز)) متعلقة بُيُحْشَرون. ويقال: مَيِّزته فتميّزَ، ومِزْتُه فانماز. وقرىء شاذاً ((وانمازوا اليوم)(٣)، وأنشد أبو زيد(٤): وانْمِزْتُ لا مُنْسِئاً غَدْراً ولا وَجِلا ٢٤١٦ - لمَّا نبا اللَّهُ عني شرِّ غَدْرتِه وقد تقدَّم الفرق بين هذه الألفاظ في آل عمران(٥). قوله: ((فيركمه)) نسقٌّ على المنصوب قبله. والرُّكْمُ: جَمْعُك الشيءَ فوق الشيء حتى يَصير رُكاماً ومَرْكوماً، كما يُركم الرمل والسحاب، ومنه «يقولوا سحابٌ مَرْكوم))(٦). والمُرْتَكم: جادّة الطريق للرَّكْم الذي فيه، أي: ازدحام السَّابلة (٧) وآثارهم. و((جميعاً)) حال. ويجوز أن يكونَ توكيداً عند بعضهم. (١) الآية ١٧٩. ويعني الخلاف بين يميزويميز، قرأحمزة والكسائي بضم الياء والتشديد، وقرأ الباقون بفتح الياء والتخفيف. السبعة ص ٣٠٦. (٢) الإملاء ٦/٢. (٣) الآية ٥٩ من سورة يس. ولم أقف على نسبة هذه القراءة. (٤) لم أهتد إلى قائله، وهو في البحر ٤٩٤/٤ ونبا: دفع. والمنسىء: المؤخّر. (٥) انظر: إعرابه للآية ١٧٩ من سورة آل عمران. (٦) الآية ٤٤ من سورة الطور. (٧) السابلة: المارُّون على الطرقات. ٦٠٣ - الأنفال - آ. (٣٨) قوله تعالى: ﴿للذين كفروا﴾: في هذه اللام الوجهان المشهوران: إمَّا التبليغُ، أَمَرَ أن يبلّغهم معنى هذه الجملةِ المحكية بالقول،: وسواءً أوردها بهذا اللفظ أم بلفظٍ آخرَ مؤدٍ لمعناها. والثاني: أنها للتعليل وبه قال الزمخشري(١) ومنع أن تكون للتبليغ فقال: ((أي: قل لأجلهم هذا القولَ إن ينتهوا، ولو كان بمعنى خاطبهم به لقيل: إن تَنْتهوا يغفر لكم وهي قراءةُ ابن مسعود، ونحوه: ((وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سَبَقونا))(٢) خاطبوا به غيرَهم [لأجلهم](٣) ليسمعوه). وقرىء (٤) ((يَغْفِر)) مبنياً للفاعل، وهو ضمير يعود على الله تعالى. [١/٤٢٨] آ. (٣٩) قوله تعالى: / ((﴿ويكونَ﴾: العامةُ على نصبِه نسقاً على المنصوب قبله. وقرأه(٥) الأعمشُ مرفوعاً على الاستئناف. وقرأ(٦) الحسن ويعقوب وسليمان بن سلام (٧) ((بما تَعْملون)) بتاء الخطاب، والباقون بياء الغيبة . آ. (٤٠) قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ مولاكمِ نِعْم المولى﴾: يجوز في. (مولاكم)) وجهان، أظهرُهما: أنَّ ((مولاكم)) هو الخبر و((نِعْم المولى)) جملةٌ مستقلة سِيْقَتْ للمدح. والثاني: أن تكون بدلاً من ((الله)) والجملةُ المَدْحِيَّةُ خبر لـ ((أن)) والمخصوصُ بالمدح محذوف أي: نِعْم المولَّى اللَّهُ أو ربكم. (١) الكشاف ١٥٧/٢. (٢) الآية ١١ من سورة الأحقاف. (٣) من الكشاف. (٤) البحر ٤٩٤/٤. (٥) البحر ٤ /٤٩٥؛ مختصر الشواذ ص ٤٩. (٦) البحر ٤/ ٤٩٥. (٧) في البحر: سلام بن سليمان. ٦٠٤ - الأنفال - آ. (٤١) قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غَنِمْتُمْ﴾: الظاهرُ أن ((ما)) هذه موصولةٌ بمعنى الذي، وكان مِنْ حقها أن تُكتب منفصلةً من ((أنَّ)) كما كُتِبَتْ ((إنَّ ما توعدون لآتٍ))(١) منفصلةً ولكن كذا رُسِمت. و((غَنِمْتم)) صلتُها، وعائدها محذوف لاستكمال الشروط أي: غَنِمْتموه. وقوله: ((فأنَّ الله)) الفاءُ مزيدةٌ في الخبر، لأن المبتدأ ضُمِّن معنى الشرط، ولا يَضُرُّ دخولُ الناسخ عليه لأنه لم يغيِّرْ معناه وهذا كقوله تعالى: ((إن الذين فَتَنوا))(٢) ثم قال: ((فلهم)). والأخفش مع تجويزه زيادةَ الفاء في خبر المبتدأ مطلقاً يمنع زيادتها في الموصول المشبه بالشرط إذا دخلَتْ عليه ((إنَّ)) المكسورة، وآيةُ البروج حجَّةٌ عليه. وإذا تقرَّر هذا فـ ((أنَّ) وما عَمِلَتْ فيه في محلِّ رفع على الابتداء، والخبرُ محذوفٌ تقديرُه: فواجبٌ أن لله خُمُسَه، والجملة من هذا المبتدأ والخبر خبر لـ ((أنَّ)). وظاهر كلام الشيخ(٣) أنه جَعَلَ الفاءَ داخلةً على ((أن لله خُمُسَه)) من غير تقديرٍ أن تكونَ مبتدأ وخبرها محذوف، بل جَعَلَها بنفسها خبراً، وليس مرادُه ذلك، إذ لا تدخل هذه الفاءُ على مفردٍ بل على جملةٍ، والذي يُقَوِّي إرادَته ما ذكرتُه أنه حكى قولَ الزمخشري(٤) أعني كونَه قَدَّره أنَّ ((أنَّ)) وما في حَيِّزها مبتدأُ محذوفُ الخبر، فَجَعَله قولاً زائداً على ما قدَّمه. ويجوز في ((ما)) أن تكونَ شرطيةً، وعاملُها ((غَنِمْتُم)) بعدها، واسمُ ((أنَّ) حينئذٍ ضميرُ الأمرِ والشأن وهو مذهبُ الفراء(٥). إلا أن هذا لا يجوز عند البصريين إلا ضرورةً بشرط أَنْ لا يليها فعل كقوله (٦): (١) الآية ١٣٤ من سورة الأنعام. (٢) الآية ١٠ من سورة البروج. (٣) البحر ٤٩٨/٤. (٤) الكشاف ١٥٨/٢. (٥) معاني القرآن له ٤١١/١. (٦) تقدم برقم (١٣٩٥). ٦٠٥ - الأنفال - ٢٤١٧ - إنَّ مَنْ يدخلِ الكنيسةِ يوماً يَلْقَ فيها جاذِراً وظِباءَ وقول الآخر(١): ٢٤١٨ - إنَّ مَنْ لام في بني بنتِ حََّا نَ أَلُمْهُ وأَعْصِهِ في الخُطوبِ. وقيل: الفاءُ زائدةٌ و ((أن)) الثانيةُ بدلٌ من الأولى. وقال مكي (٢): (وقد قيل: إن الثانيةَ مؤكدةٌ للأولى، وهذا لا يجوز لأن ((أنَّ) الأولى تبقى بغير خبرٍ، ولأنَّ الفاء تحول بين المؤكَّد والمؤكِّد، وزيادتُها لا تَحْسُن في مثل هذا)). وقيل: ((ما)» مصدريةٌ والمصدر - بمعنى المفعول أي: أنَّ مَغْنومكم - [هو] المفعول. به، أي: واعلموا أنَّ غُنْمكم، أي مغنومكم . قوله: ((مِنْ شَيءٍ)) في محلِّ نصبٍ على الحال مِنْ عائد الموصول المقدَّر، والمعنى: ما غنمتموه كائناً من شيء أي: قليلاً أو كثيراً. وحكى ابن عطية(٣) عن الجعفي عن أبي بكر عن عاصم، وحكى غيرُه عن الجعفي عن هارون(٤) عن أبي عمرو: ((فإن الله)) بكسر الهمزة. ويؤيد هذه القراءة قراءة النخعي(٥) ((فللَّه خمسُه)) فإنها استئناف. وخرّجها (٦) أبو البقاء(٧) على أنها وما في حَيِّزها في محل رفع خبراً لـ ((أنَّ)) الأولى. (١) البيت للأعشى وهو في ديوانه ص ٣٣٥؛ والكتاب ٤٣٩/١؛ وشرج الجمل لابن عصفور ٤٤٢/١؛ وابن يعيش ١١٥/٣؛ وأمالي الشجري ٢٩٥/١؛ والخزانة ٤٦٣/٢. (٢) المشكل ٣٤٦/١. (٣) المحرر ٧٣/٨. (٤) الأصل: هرنون وهو سهو. والتصحيح من البحر ٤٩٩/٤. (٥) البحر ٤ /٤٩٩. (٦) أي خرَّج قراءة كسر همزة إن الثانية . . (٧) الإملاء ٧/٢. ٦٠٦ - الأنفال - وقرأ(١) الحسن وعبدالوارث عن أبي عمرو (خُمْسَه)) وهو تخفيفٌ حسن. وقرأ الجعفي ((خِمْسَه))، قالوا(٢): وتخريجها أنه أتبعَ الخاءَ لحركة ما قبلها، وهي هاء الجلالة مِنْ كلمة أخرى مستقلة قالوا: وهي كقراءة مَنْ قرأ ((والسماء ذاتِ الحِبُك))(٣) بكسر الحاء إتباعاً لكسرة التاء من ((ذات)) ولم يَعْتَدُّوا بالساكن وهو لامُ التعريف لأنه حاجزٌ غيرُ حصين. ليت شعري وكيف يَقْرأ الجعفي والحالةُ هذه؟ فإنَّه إنْ قرأ كذلك مع ضم الميم(٤) فيكون في غاية الثقلِ لخروجه مِنْ كسرٍ إلى ضم، وإن قرأ بسكونها وهو الظاهر فإنه نقلها قراءةً عن أبي عمرو أو عن عاصم، ولكن الذي قرأ ((ذاتِ الحِبك)) يُبْقي ضمَّة الباء فيؤدي إلى فِعُل بكسر الفاء وضمِّ العين وهو بناءً مرفوض، وإنما قلت إنه يقرأ كذلك؛ لأنه لو قرأ بكسر الباء لَما احتاجوا إلى تأويل قراءته على الإِتباع لأنَّ في ((الحبك)) لغتين: ضمَّ الحاء والباء أو كسرّهما، حتى زعم / بعضُهم أن قراءة الخروج مِنْ كسرٍ إلى ضمٍ من التداخل. [٤٢٨/ب] والغنيمة أصلُها مِن الغُنْم وهو الفوز، وأصل ذلك مِن الغَنّم هذا الحيوان المعروف فإن الظفرَ به يُسَمَّى غُنْماً ثم اتُّسِع في ذلك فسُمِّي كلّ شيء مظفورٍ به غُنْماً ومَغْنَماً وغنيمةً. قال علقمة بن عبدة(٥): ٢٤١٩ - ومُطْعَمُ الغُنْم يومَ الغُنْمِ مَطْعَمُه أَنَّى توجَّه والمحرومُ محرومٌ وقال آخر(٦): (١) البحر ٤٩٩/٤؛ الشواذ ص ٤٩. (٢) انظر: البحر ٤٩٩/٤. (٣) الآية ٧ من سورة الذاريات، وذكر ابن خالويه في شواذه ص ١٤٥ هذه القراءة من غير نسبة . (٤) أي میم ((خمسه)). (٥) ديوانه ص ٦٧؛ وتفسير القرطبي ١/٨. (٦) البيت لامرىء القيس وهو في ديوانه ص ٩٩؛ والبحر ٤ /٤٩٧؛ وابن عطية ٦٧/٨؛ وتفسير القرطبي ١/٨. ٦٠٧ - الأنفال - ٢٤٢٠ - لقد طَوَّفْتُ في الآفاق حتى رَضِيتُ من الغنيمة بالإِياب قوله: ((إن كنتم)) شرطٌ جوابه مقدرٌ عند الجمهور لا متقدمٌ، أي: إن كنتم آمنتم فاعلموا أن حكمَ الخُمْس ما تقدَّم، أو فاقبلوا ما أُمِرتم به . قوله: ((وما أَنْزِّلْن) ((ما)) عطفٌ على الجلالة فهي مجرورةٌ المحلِّ، وعائدُها محذوف. وزعم بعضهم أن جوابَ الشرط متقدم عليه، وهو قوله «فنِعْم. المَوْلى)) وهذا لا يجوزُ على قواعد البصريين. قوله ((يومَ الفرقان)) يجوز فيه ثلاثةُ أوجهٍ: أحدها: أن يكون منصوباً. بـ ((أَنْزِلنَا)) أي: أَنْزَلْناه في يوم بدر الذي فُرِق فيه بين الحق والباطلُ. الثاني: أن ينتصبَ بقوله ((آمنتم))، أي: إن كنتم آمنتمْ في يومِ الفرقان. ذكره أبو البقاء(١). والثالث: أنه يجوزُ أن يكون منصوباً بغَنِمْتُمْ. قال الزجاج(٢) :: ((أي ما غنمتم في يوم الفرقان حكمُه كذا وكذا)). قال ابن عطية (٣): ((وهذا تأويلٌ حسنٌ في المعنى، ويعترضه أنَّ فيه الفصل بين الظرف وما يَعْمل فيه. بهذه الجملةِ الكثيرةِ الألفاظِ)). قلت: وهو ممنوعٌ أيضاً من جهةٍ أخرى أخصَّ من هذه، وذلك أن ((ما)): إمَّا شرطية كما هو رأي الفراء(٤)، وإمَّا موصولة، فعلى الأول يؤدِّي إلى الفصل بين فعل الشرط ومعمولِه بجملة الجزاء: ومتعلَّقاتها، وعلى الثاني يؤدِّي إلى الفصل بين فعل الصلة ومعموله بخبر ((أنَّ)). قوله: ((يومَ التقى الجمعان)» فيه وجهان: أحدهما: أنه بدلٌ من الظرفِ. قبله. والثاني: أنه منصوب بالفرقان لأنه مصدرٌ فكأنه قيل: يومَ فرق فيه في (١) الإِملاء ٧/٢. (٢) ليس في كتابه «معانيّ القرآن». (٣) المحرر ٧٣/٨ - ٧٤. (٤) معاني القرآن له ٤١١/١. ٦٠٨ - الأنفال - يوم التقى الجمعان أي: الفرق في يوم التقاءِ الجمعين. وقرأ(١) زيد بن علي ((عُبُدنا)) بضمتين وهو جمع عَبْد، وهذا كما قرىء ((وعُبُد الطاغوت))(٢) والمراد بالعُبُدِ في هذه القراءة هنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومَنْ تبعه من المؤمنین. آ. (٤٢) قوله تعالى: ﴿إذ أنتم﴾: في هذا الظرفِ أربعةُ أوجهٍ أحدها: أنه منصوبٌ بـ((اذكروا)) مقدراً وهو قول الزجاج(٣). الثاني: أنه بدل من ((يوم الفرقان)) أيضاً. الثالث: أنه منصوبٌ بـ ((قدير))، وهذا ليس بواضحٍ، إذ لا يتقيَّد اتصافُه بالقدرة بظرفٍ من الظروف. الرابع: أنه منصوبٌ بالفرقان أي: فَرَقَ بين الحق والباطل إذ أنتم بالعُذْوة. قوله: ((بالعُدْوة)) متعلقٌ بمحذوف لأنه خبر المبتدأ، والباء بمعنى ((في)) كقولك)»: زيد بمكة. وقرأ(٤) ابن كثير وأبو عمرو بالعِدوة بكسر العين فيهما. والباقون بالضم فيهما وهما لغتان في شطِّ الوادي وشفيره(٥) وضِفَّته، سُمِّيَتْ بذلك لأنها عَدَتْ ما في الوادي من ماءٍ ونحوه أن يتجاوزَها أي منعته. قال الشاعر(٦): وحالَتْ دونَها حربٌ زَبُونُ ٢٤٢١ - عَدَتْني عن زيارتها العَوادي وقرأ الحسن وزيد بن علي وقتادة وعمرو بن عبيد بالفتح ، وهي كلُّها لغاتٌ بمعنى واحد. هذا هو قولُ جمهورِ اللغويين. على أن أباعمروبن العلاء أنكر (١) البحر ٤٩٩/٤؛ الشواذ ص ٥٠. (٢) الآية ٦٠ من سورة المائدة، وهي قراءة ابن عباس والنخعي. البحر ٥١٩/٣. (٣) لم يرد هذا القول له في كتابه ((معاني القرآن)). (٤) السبعة ص ٣٠٦؛ الحجة ص ٣١٠؛ البحر ٤٩٩/٤؛ الشواذ ص ٥٠. (٥) شفیر الوادي : جانبه. (٦) لم أهتد إلى قائله وهو في ابن عطية ٧٤/٨؛ والبحر ٤٩٩/٤؛ وحرب زبون: تصدم الناس وتدفعهم. ٦٠٩ - الأنفال :- الضمَّ ووافقه الأخفش(١) فقال: ((لم يُسْمَعْ من العرب إلا الكسرُ)). ونقل أبو عبيد اللغتين إلا أنه قال: ((الضمُّ أكثرهما)). وقال اليزيدي: ((الكسر لغة الحجاز)» وأنشد قولَ أوس بن حجر(٢): وَلَّوا سِراعاً وما هَمُّوا بإقبال ٢٤٢٢- وفارسٍ لم يَحُلَّ القوم عِدْوَتَه بالكسر والضم، وهذا هو الذي ينبغي أن يُقال فلا وجهَ الإِنكار الضمِّ ولا الكسر لتواتر كلٍ منهما. ويُحْمل قول أبي عمرو على أنه لم يَبْلُغْه. [٤٢٩/أ] ويُحتمل أن يُقال في قراءةٍ مَنْ قرأ بفتح / العين أن يكون مصدراً سُمِّ بُه المكان . وقُرىء شاذّاً ((بالعِدْية)) بقلب الواو ياءً لانكسار ما تقدَّمها، ولا يُعْتبر الفاصلُ لأنه ساکن فهو حاجز غیر حصین وهذا كما قالوا: «هو ابن عمي دنيا)» بكسر الدال وهو من الدنو، وكذلك قِنْية (٣) وصِبْية، وأصله السَّلامة كالذِّرْوَة والصِّفْوة والرِّبوة. وقوله: ((الدنيا)) قد تقدَّم الكلام على هذه اللفظة مسبقاً(٤). قوله: ((القُصْوى)) تأنيث الأقصى. والأقصى: الأبعد. والقَصْوُ: البعد. وللتصريفيين(٥) عبارتان أغلبهما أن فُعْلى من ذوات الواو: إن كانت اسماً أَبْدِلَتْ لامُها ياءً، ثم يُمَثِّلون بنحو الدُّنْيَا والعُلْيا والقُصْيا، وهذه صفاتٌ لأنها من باب أفعل التفضيل وكأنَّ العذرَ لهم أن هذه وإن كانت في الأصلِ صفاتٍ إلا أنها جَرَتْ مجرى الجوامد. قالوا: وإن كانت فُعْلى صفةً أُقِرَّتْ لامُها على حالها نحو: الحُلْوى تأنيث الأحلى، ونَصُّوا على أن القُصْوى شاذة وإن كانت (١) لم يرد هذا القول في كتابه ((معاني القرآن)). (٢) ديوانه ص ١٠٤؛ البحر ٤٩٩/٤. العدوة: الناحية ولا تحل عدوته: عزيز الجانب. (٣) القنية: ما اكتُسب. (٤) انظر: إعرابه للآية ٨٥ من سورة البقرة. (٥) انظر: الممتع في التصريف ٥٤١/٢ ٦١٠ - الأنفال - لغة الحجاز، وأن القُصْيا قياسٌ، وهي لغة تميم. ومَمَّن نصَّ على شذوذ القصوى يعقوب بن السكيت. وقال الزمخشري(١): ((وأما القصوى فكالقَوَد في مجيئه على الأصل، وقد جاء القُصْيا إلا أنَّ استعمالَ القُصْوى أكثر، كما كثر استعمال ((استصوب)) مع مجيء ((استصاب)) وأَغْيلت مع أغالَتْ))(٢) انتهى. وقد قرأ(٣) زيد بن علي ((بالعُدْوَةِ والقُصْيا)) فجاء بها على لغة تميم، وهي القیاسُ عند هؤلاء. والعبارة الثانية - وهي المغلوبَةُ القليلةُ - العكس، أي: إن كانَتْ صفةً أَبْدِلت نحو: العُليا والدنيا والقُصْيا، وإن كانت اسماً أُقِرَّت نحو: حُزْوَى کقوله(٤): ٢٤٢٣ - أداراً بحُزْوَى هِجْتِ للعين عَبْرَةً فماءُ الهوى يَرْفَضُّ أو يَتَرَفْرَقُ وعلى هذا فالحُلْوى شاذة لإِقرار لامها مع كونها صفةً، وكذا القُصوى أيضاً عند هؤلاء لأنها صفة. وقد ترتّب على هاتين العبارتين أن ((قُصْوى)) على خلافِ القياس فيهما، وأن ((قُصْيا)) هي القياس لأنها عند الأوَّلين من قبيل الأسماء، وهم يقلبونها ياء، وعند الآخرين من قبيل الصفات وهم يقلبونها أيضاً ياءً، وإنما يَظْهر الفرقُ في الحُلْوى وخُزْوى: فالحُلْوى عند الأوَّلين تصحيحُها قياسٌ لكونها صفةً وشاذة عند الآخرين لأنَّ الصفةَ عندهم تُقْلَبُ واوُها ياءً، والحُزْوَى عكسُها: فإن الأوَّلين يُعِلُّون في الأسماء دون الصفات، والآخرون عكسُهم. وهذا موضعٌ (١) الكشاف ١٥٩/٢. (٢) أغيلت المرأة ولدها: أرضعته وهي حامل. (٣) البحر ٥٠٠/٤. (٤) تقدم برقم (٥٩٩). ٦١١ - الأنفال ـ حَسَنٌ يختلط على كثير من الناس فلذلك نَقَّحْته. ونعني بالشذوذِ شذوذٍ القياسِ لا شذوذَ الاستعمال، ألا ترى إلى استعمال المتواتر بالقصوى. قوله: ((والركبُ أسفل منكم)» الأحسنُ في هذه الواو، والواو التي قبلها الداخلة على ((هم)) أن تكونَ عاطفةٌ ما بعدها على ((أنتم)) لأنها مَبْدأُ تقسيم أحوالهم وأحوال عدوهم. ويجوز أن تكونا واوَيْ حال. و((أسْفَل)) منصوبٌ على الظرف النائب عن الخبر، وهو في الحقيقة صفةٌ لظرف مكان محذوف أي: والركب مكاناً أسفلَ من مكانكم. وقرأ(١) زيد بن علي ((أسفلُ)) بالرفع وذلك على سبيل الاتِّساع، جعل الظرف نفسَ الركب مبالغة واتساعاً. وقال مكي (٢): ((وأجاز الفراء(٣) والأخفش(٤) والكسائي ((أسفلُ)) بالرفع على تقديرِ محذوفٍ أي: موضعُ الركب أسفلُ». والتخريجُ الأولُ أبلغُ في المعنى. والرَّكْبُ اسمُ جمعٍ لراكب لا جمعُ تكسيرٍ له خلافاً للأخفش (٥) لقوله(٦): ٢٤٢٤ - بَيْتُه مِنْ عُصْبَةٍ مِنْ مالِيا أخشى رُكَيْباً أو رُجَيْلاً غاديا فصَغَّره على لفظه، ولو كانٍ جمعاً لَما صُغِّر على لفظه. قوله: ((ولكنْ لَيَقْضِي)) ((ليَقْضي)) متعلَّقُ بمحذوف، أي: ولكن تلاقَيْتُم ليقضيّ. وقدَّر الزمخشري(٧) ذلك المحذوفَ فقال: ((أي: ليقضيَ الله أمراً كان واجباً أن يُفْعل وهو نصرُ أوليائه وقَهْرُ أعدائه دَبِّر ذلك». (١) البحر ٥٠٠/٤. (٢) المشكل ٣٤٧/١: (٣) معاني القرآن له ٤١١/١. (٤) معاني القرآن له ٣٢٣/٢. (٥) معاني القرآن ٥٠٤/٢. (٦) البيت لأحيحة بن الجلاح وهو في المنصف ١٠١/٢؛ وتكملة الفارسي ص ١٧٨؛ وابن يعيش ٧٧/٥؛ وشرح شواهد الشافية ص ١٥٠. (٧) الكشاف ١٦٠/٢. ٦١٢ - الأنفال ـ و((كان)) يُحتمل أن تكون على بابها من الدلالة على اقتران مضمون الجملة بالزمان الماضي، وأن تكونَ بمعنى صار، فتدلَّ على التحوُّل أي: صار مفعولاً بعد أن لم یکن كذلك. / قوله: ((لَيَهْلِكَ)) فيه أوجه، أحدها: أنه بدلٌ من قوله: ((ليقضيَ)) بإعادة [٤٢٩/ب] العامل فيتعلّق بما تعلَّق به الأول. الثاني: أنه متعلقٌ بقوله ((مفعولاً)»، أي: فعل هذا الأمر لِكَيْتَ وكيتَ. الثالث: أنه متعلُّقٌ بما تعلَّق به ((ليقضيَ)) على سبيل العطف عليه بحرفِ عطفٍ محذوف تقديره: وليهلك، فحذف العاطفَ وهو قليلٌ جداً. وقد قدَّمْتُ التنبيهَ عليه. الرابع: أنه متعلُّقٌ بـ ((يَقْضي)) ذكره أبو البقاء(١). وقرأ(٢) الأعمش وعصمة عن أبي بكر عن عاصم ((ليهلَكَ)) بفتح اللام، وقياسُ ماضي هذا ((هَلِك)) بالكسر. والمشهور إنما هو الفتح قال تعالى: (إن امرؤُ هَلَك))(٣) ((حتى إذا هَلَّكَ))(٤). قوله: «مَنْ حَيُّ)) قرأ(٥) نافع، وأبو بكر عن عاصم، والبزي عن ابن كثير بالإظهار، والباقون بالإِدغام. والإظهارُ والإدغام في هذا النوع لغتان مشهورتان: وهو كلَّ ما آخرُه ياءان من الماضي أولاهما مكسورة نحو: حَبِي وعَيِيَ. ومن الإِدغام قولُ المتلمس(٦): (١) الإملاء ٧/٢. (٢) البحر ٥٠١/٤. (٣) الآية ١٧٦ من سورة النساء. (٤) الآية ٣٤ من سورة غافر. (٥) السبعة ص ٣٣١؛ الحجة ص ٣١١؛ البحر ٥٠١/٤. (٦) الديوان ص ١٢٣؛ والحماسة ٣٣٢/١؛ الخصائص ٣٧٧/٢؛ المحرر الوجيز ٧٨/٨؛ البحر ٥٠١/٤. وعجزه: زنابيرُهُ والأزرقُ المتلِمِّس العرض: وادٍ باليمامة. حي ذبابه: عاش بالخصب فيه. الأزرق: جنس آخر غير الأول. المتلمس: الطالب. ٦١٣ - الأنفال - ٢٤٢٥- فهذا أَوانُ الْعِرْضِ حَيَّ ذُبابُه وقال آخر(١): ٢٤٢٦ - عَيُّوا بأمرِهِمُ كما عَيَّتْ ببيضَتِها الحَمامَةْ فأدغم ((عُيُّوا))، ويُنْشَدُ: عَيَّتْ وعَبِيَتْ بالإِظهار والإِدغام. فَمَنْ أَظهر فلأنه الأصلُ، ولأن الإِدغامَ يؤدِّي إلى تضعيفِ حرفِ العلةِ وهو ثقيلٌ في ذاته، ولأن الياءَ الأولى يتعيَّنِ فيها الإِظهارُ في بعضِ الصور، وذلك في مضارع هذا الفعلِ لانقلاب الثانيةَ ألفاً في يَحْيَا ويَعْيَا، فَحُمِل الماضي عليه طَرْداً للبابِ، ولأن الحركة في الثاني عارضةٌ لزوالها في نحو: حَييت وبابه، ولأنَّ الحركتين مختلفتان، واختلافُ الحركتين كاختلاف الحرفين قالوا(٢): ولذلك قالوا: لَحِحَت عينه(٣) وضَبِبَ المكان (٤) وأَلِلَ السِّقاء(٥) ومَشِشَتْ الدابة (٦). قال سيبويه(٧): ((أخبرنا بهذه اللغة يونس)) يعني بلغة الإظهار. قال: ((وسمعت بعض العرب يقول: أَحْيِياء(٨) وأَحْيِيَة فَيُظْهر)) وإذا لم يُدْغم مع لزومِ الحركةِ فمع عُروضها أَوْلى. ومَنْ أدغم فلاستثقالِ ظهورِ الكسرة في حرفٍ يُجانسه؛ ولأنَّ حركةَ الثانية لازمةٌ لأنها حركةُ بناء، ولا يَضُرُّ زوالُها في نحو حَيْتُ، كما لا يضرُّ ذلك فيما يجب إدغامُه من الصحيح نحو: حَلَلْتُ وظَلَلْتُ؛ وهذا كلُّه فيما كانت حركتُه حركةَ بناءٍ، ولذلك قُيِّد به بالماضي، أمَّا إذا كانت حركةً إعراب فالإظهارُ فقط له: يُحْبِيَ ولن يُعْبِيَ. (١) البيت لعبيد بن الأبرص وهو في ديوانه ص ١٢٦؛ والكتاب ٣٨٧/٢؛ والمقتضب ١٨٢/١؛ والمنصف ١٩١/٢؛ وابن يعيش ١١٥/١٠، ورصف المباني ص ١٩٩. (٢) أحصى الغلاييني في جامع الدروس ١٠٠/٢ هذه الألفاظ. (٣) لححت عينه: لصقت بالرَّمَص. (٤) ضبب المكان: كثر ضيابه. (٥) أكل السقاء: فسدت رائحته. (٦) مششت الدابة: إذا ظهر في وظيفها المشش. والوظيف: مستدق الذراع. (٨) أخيياء: جمع حپيّ کغني. (٧) الكتاب ٣٨٧/٢ - ٣٨٨. ٦١٤ - الأنفالـ قوله: ((عن بَيِّنَةٍ: متعلقٌ بـ ((يَهْلِكَ)) و((يَحْيَا)). والهلاك والحياةُ عبارةٌ عن الإِيمان والكفر. والمعنى: ليصدرَ كفرُ مَنْ كفر عن وضوحٍ وبيان لا عن مخالجةِ شبهة، وليصدرَ إسلامُ مَنْ أسلم عن وضوحٍ لا عن مخالجة شبهة . آ. (٤٣) قوله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيْكَهُمُ الله﴾: الناصب لـ ((إذ)) يجوز أن يكون مضمراً أي: اذكر، ويجوز أن يكون ((عليم)) وفيه بُعْدٌ من حيث تقييدُ هذه الصفةِ بهذا الوقت. ويجوز أن تكون ((إذ)) هذه بدلاً من ((إذ)) قبلها. والإِراءة هنا حُلْمية واختلف فيها النحاةُ: هل تتعدَّى في الأصل لواحدٍ كالبصَريَّة أو لاثنين كالظنّة؟ فالجمهورُ على الأول. فإذا دخلت همزةُ النقلِ أَكْسَبَتْها ثانياً أو ثالثاً على حسب القولين، فعلى الأول تكون الكافُ مفعولاً أول، و((هم)) مفعول ثان. و((قليلاً)) حال، وعلى الثاني يكون ((قليلاً)) نصباً على المفعول الثالث، وهذا يَبْطُلُ بجواز حَذْفِ الثالث في هذا الباب اقتصاراً، أي من غيرٍ دليلٍ تقول: أراني الله زيداً في منامي، ورأيته في النوم، ولو كانت تتعدَّى لثلاثةٍ لَمَا حُذِف اقتصاراً لأنه خبر في الأصل. آ. (٤٤) قوله تعالى: ﴿وإذ يُرِيكُموهم﴾: الإِراءةُ هنا بَصَرية والإِتيان هنا بصلة ميم الجمع(١) واجبٌ لاتصالها بضمير. ولا يجوز التسكينُ ولا الضمُّ من غير واو. وقد جوّز يونس ذلك فيقول: أنتم ضَرَبْتُمُه في (ضربتموه)) بتسكين الميم وضمها. وقد يتقوَّى بما رُوي عن عثمان رضي الله عنه: ((أراهُمُني / الباطل شيطاناً)). وفي هذا الكلام شذوذٌ من وجهٍ آخرَ: [٤٣٠/أ] تقديم الضمير غيرِ الأخص على الأخصِّ مع الاتصال. آ. (٤٦) قوله تعالى: ﴿فَتَفْشَلوا﴾: يحتمل وجهين، أحدهما: نصبٌ على جواب النهي. والثاني: الجزم عطفاً على فعل النهي قبله، وقد تقدَّم (١) وهي الواو بعد الميم. ٦١٥ - الأنفال ـ تحقيقهما في ((وتَخُونوا))(١) قبل ذلك. ويدلُّ على الثاني قراءةُ(٢) عيسى ابن عمر ((ويَذْهَبْ)) بياء الغيبة وجزمه. ونقل أبو البقاء(٣) قراءةَ الجزم ولم يُقَيِّدها بياء الغيبة. وقرأ أبو حيوة وأبان وعصمة ((ويَذْهَبَ)) بياء الغيبة ونصبِه. وقرأ (٤) الحسن: فَتَفْشِلوا بكسر الشين. قال أبو حاتم: ((هذا غيرُ معروف)» وقال غيره: إنها لغةٌ ثانية . آ. (٤٧) قوله تعالى: ﴿بَطَرَأَ ورِئاءٍ﴾: منصوبان على المفعول له، ويجوز أن يكونا مَصْدرين في موضع نصبٍ على الحال من فاعل (خرجوا)» أي: خَرَجُوا بَطِرِين ومُرائين. و «رئاء)» مصدرٌ مضاف لمفعولِه. قوله: ((ويَصُدُّون)) يجوز أن يكونَ مستأنفاً، وأن يكون عطفاً على («بطراً)) ورثاء)) لأنه مُؤوَّل بالحال أي: بَطرِينٍ ومُرائين وصادِّين الناسَ، وحُذِفَ المفعولُ للدلالة عليه أو تناساه. آ. (٤٨) قوله تعالى: ﴿وإذْ زَيِّنَ﴾: أي: اذكر وقت تزيين و ((قال)» يجوز أن تكون عطفاً على ((زَيَّن))، ويجوز أن تكون الواو للحال، و ((قد)» مضمرة بعد الواو عند مَنْ يَشْترِطِ ذلكِ. قوله: ((لا غالبَ لكم)) ((لكم)) خبر ((لا)) فيتعلّق بمحذوف و ((اليوم)) منصوبٌ بما تعلَّق به الخبر. ولا يجوز أن يكون (لكم)) أو الظرف متعلقاً بـ «غالب)) لأنه يكون مُطَوَّلاً، ومتى كان مُطَوَّلاً أُعرب نصباً. قوله: ((من الناس)) بيان لجنس الغالب. وقيل: هو حال من الضمير في (لكم)) لتضمُّنه معنى الإستقرار. ومنع أبو البقاء(٥) أن يكون ((من الناس)) حالاً (١) الآية ٢٧ من سورة الأنفال. (٢) البحر ٥٠٣/٤. (٣) الإملاء ٨/٢. (٤) البحر ٥٠٣/٤؛ الشواذ، ص ٥٠. (٥) الإملاء ٨/٢. ٦١٦ - الأنفال ـ من الضمير في ((غالب)) قال: ((لأن اسم ((لا)) إذا عمل فيما بعده أُعْرِب))(١) والأمر كذلك. قوله: ((وإني جارٌ لكم)) يجوز في هذه الجملةِ أن تكون معطوفةً على قوله ((لا غالبَ لكم)) فيكون قد عطف جملةً منفيَّةً على أخرى منفيةٍ. ويجوز أن تكونَ الواو للحال. وألف ((جار)» من واو لقولهم ((تجاوروا)) وقد تقدم تحقيقه(٢). و((لكم)) متعلقٌ بمحذوف لأنه صفةٌ لـ ((جار))، ويجوز أن يتعلق بـ ((جار)) لما فيه من معنى الفعل. و((الريح))(٣) في قوله ((ريحكم)) كنايةٌ عن الدَّوْلة والغلبة قال(٤): ٢٤٢٧ - إذا هَبَّتْ رياحُكَ فاغتِمْها فإنَّ لكلِّ عاصفةٍ سكونا ورواه أبو عبيد ((ركوداً)). وقال آخر(٥): أم تَعْدُوانِ فإن الريح للعادي ٢٤٢٨ - أَنْظُران قليلاً رَيْثَ غَقْلَتِهِمْ ٢٤٢٩- قد عودتْهمْ ظُباهمْ أن یکون لهم ريحُ القتالِ وأسلابُ الذين ◌َقُوا وقال(٦): وقيل: الريح: الهيبة، وهو قريبٌ من الأول كقوله(٧): (١) لأنه يصير شبيها بالمضاف، وإذا كان كذلك فكيف يقول بالبناء في ((غالب» ولم يقل لا غالباً؟». (٢) انظر إعرابه للآية ٣٦ من سورة النساء. (٣) في الآية ٤٦. (٤) لم أهتد إلى قائله وهو في ابن عطية ٨٤/٨؛ والبحر ٥٠٣/٤؛ والقرطبي ٢٤/٨. (٥) البيت لتأبط شراً أو السليك بن السلكة أو أعشى فهم، وهو في الصحاح روح، والكشاف ١٦٢/٢؛ والبحر ٥٠٣/٤. (٦) البيت لضرار بن الخطاب وهو في السيرة ١٤٦/٢؛ والمحرر ٨٣/٨؛ والبحر ٤/ ٥٠٤. والأسلاب: ج سلب. (٧) البيت لعبيد بن الأبرص، وهو في ديوانه ص ٥٩؛ والطبري ٥٧٥/١٣؛ وابن عطية ٨٣/٨؛ والبحر ٥٠٤/٤؛ والنعف: ما انحدر من حزونة الجبل. ٦١٧ - الأنفال ـ والفضلُ للقوم مِنْ ریحٍ ومن عَدّدٍ ٢٤٣٠ - كما حَمَيْنَاكُ يوم النَّعْفِ مِنْ شَطَطٍ قوله: ((نَكَص)) جواب (لمَّا)) والنُّكوص: قال النضر بن شميل: ((الرجوع قهقرى هارباً)). قال بعضهم: هذا أصلُه، إلا أنه قد اتُّسِع فيه حتى استُعْملِ في كل رجوع وإن لم يكن قَهْتَرى قال الشاعر(١): ٢٤٣١- هم يضربون حَبِيْكَ الَيْضِ إِذَلَحِقُوا لا يَنْكُصُون إذا ما استُلْحِموا لَحِموا وقال المؤرِّج: ((النُّكوص: الرجوعُ بلغة سُلَيْم)) وقال الشاعر (٢): ٢٤٣٢- ليس النكوصُ على الأَعْقابِ مَكْرُمَةٌ إن المكارمَ إقدامٌ على الْأَسْلِ فهذا إنما يريد به مُطْلَق الرجوع لأنه كنايةٌ عن الفِرار، وفيه نظر؛ لأن: غالب الفِرار في القتال إنما هو كما ذُكِر رجوعُ القَهْقَرِىْ. و ((علی عَقِبَيْه» جال :. إمَّا مؤكدةً عند مَنْ يَخُصُّه بالقهقرى، أو مؤسِّسٌ عند مَنْ يَسْتعمله في مطلق الرجوع. آ. (٤٩) قوله تعالى: ﴿إِذ يقولُ﴾: العامل في ((إذ)) إمَّا (زَيَّن))، وإمّا (نكص))، وإمَّا ((شديد العقاب، وإمَّا اذكروا. و((غرَّ هؤلاءِ دينَهم)) منصوبُ المحل بالقول. آ. (٥٠) قوله تعالى: ﴿يَتَوَفَّى الذين كفروا﴾: قرأ(٣) ابن عامر والأعرج ((تتوفَّى)) بتاء التأنيث في ((تتوفَّى)) التأنيث الجماعة. والباقون بياء الغيبة وفيها تخريجان: أظهرهما : - لموافقة قراءة مَنْ تقدم - أن الفاعل الملائكة: (١) البيت لزهير، وهو في ديوانه ص ١٥٩؛ والطبري ١١/١٤؛ وابن عطية ٨٦/٨. وحبيك البيض: طرائق حديده. والبيض: ج بيضة وهي الخوذة. استلحم: نشب في القتال فلم يجد مخلصاً. (٢) لم أهتد إلى قائله وهو في القرطبي ٢٧/٨. والأسل: الرماح. (٣) السبعة ص ٣٠٧؛ الحجة ص ٣١١؛ البحر ٥٠٦/٤. ٦١٨ - الأنفال - وإنما ذُكِّر للفصل؛ لأن التأنيث مجازي. والثاني: أن الفاعل ضمير الله تعالى لتقدُّم ذِكْرِهِ، و((الملائكةُ)) مبتدأ و((يَضْربون)) خبره. وفي هذه الجملةِ حينئذٍ وجهان أحدُهما: أنها حالٌ من المفعول. والثاني: أنها استئنافيةٌ جواباً لسؤالٍ مقدر، وعلى هذا فيوقف على ((الذين كفروا)) بخلاف الوجهين قبله. وضَعَّف ابنُ عطية(١) وجهَ الحال بعدم / الواو، وليس بضعيفٍ لكثرة مجيء الجملة [٤٣٠/ب] الحالية مشتملة على ضمير ذي الحال خاليةً من واو نظماً ونثراً. وعلى كون ((الملائكة)) فاعلاً يكون ((يَضْربون)) جملةً حاليةً سواءً قرىء بالتأنيث أم بالتذكير. وجوابُ ((لو)) محذوفٌ للدلالة عليه أي: لرأيت أمراً عظيماً. قوله: ((وذُوقوا)) هذا منصوب بإضمار قول الملائكة أي: يضربونهم ويقولون لهم: ذوقوا. وقيل: الواو في ((يَضْربون)) للمؤمنين، أي: يَضْربونهم حالَ القتال وحال تَوَفِّي أرواحِهم الملائكة. قوله: ((وأنَّ الله)) عطفُ على ((ما)) المجرورة بالباء أي: ذلك بسببٍ تقديم أيديكم، وبسبب أنَّ اللّه ليس بظلَّامٍ للعبيد. آ. (٥٢) وقوله تعالى: ﴿كذَأْب آل﴾: قد تقدَّم نظيره في آل عمران(٢). آ. (٥٣) قوله تعالى: ﴿ذلك بأنَّ﴾: مبتدأ وخبر أيضاً كنظيره، أي: ذلك العذابُ أو الانتقامُ بسبب أن الله. وقوله: ((وأنَّ الله سميعٌ)) الجمهورُ على فتح ((أنَّ)) نَسَقاً على ((أنَّ)) قبلها، أي: وسبب أن الله سميع عليم. ويُقْرأ(٣) بكسرِها على الاستئناف. (١) المحرر ٩٠/٨. (٢) الآية ١١ من سورة آل عمران. (٣) ذكرها العكبري في الإملاء ٨/٢ من دون نسبة. ٦١٩ - الأنفال ـ آ. (٥٤) قوله تعالى: ﴿گدأب﴾: قال قومٌ: «هو تکریرٌ للأول». وقال قوم: كُرِّر لغير تأكيد لوجوهٍ منها: أن الأول دَأْبٌ في أن هلكوا لمَّا كفروا، وهذا دَأْبُ في أَنْ لم يغير الله نعمتهم حتى غيَّروها هم، قاله ابن عطية (١). ومنها: أن الثاني جارٍ مجرى التفصيل الأول فإن الأولَ متضمِّنٌ لِذِكْرِ إجرامهم والثاني متضمِّنٌ لذكر إغراقهم، وفي الأولى ما يَنْزِل بهم حالَ الموت من العقوبة، وفي الثاني ما يَخُلُّ بهم من العذاب في الآخرة، وجاء في الأولى بآيات الله إشارةً إلى إنكارِ ذِكْر دلائلِ الإِلهَّة. وفي الثاني بآيات ربهم إشارةً إلى إنكارهم مَنْ رَبَّاهم وأحسنَ إليهم. وقال الكرماني: ((يُحتمل أن يكون الضمير في ((كفروا)) في الآية الأولى عائداً على قريش، والضمير في ((كذّبوا)) في الثانية عائداً على آلِ فرعون ومَنْ ذُكِر معهم)). قوله: ((وكلُّ كانوا ظالمين) جُمِع الضميرُ في ((كانوا)) وجُمع ((ظالمين» مراعاةً لمعنى ((كل))؛ لأنَّ ((كلََّ)) متى قُطعت عن الإِضافة جاز مراعاةُ لفظِها تارةٌ ومعناها أخرى، وإنما اختير هنا مراعاةُ المعنى لأجلِ الفواصلِ، ولو رُوعي اللفظُ فقيل مثلاً: وكلَّ كان ظالماً لم تتَّفق الفواصل. آ. (٥٦) قوله تعالى: ﴿الذين عاهَدْتَ﴾: يجوز فيه أوجه، أحدها: الرفعُ على البدل من الموصولِ قبلَه أو على النعت له، أو على عطف البيان، أو النصبُ على الذم، أو الرفعُ على الابتداء، والخبرُ قولُه: ((فَإِمَّا تَشْتَفَنَّ)) بمعنى: مَنْ تعاهد منهم - أي من الكفار - ثم ينقضون عهدهم، فإن ظفِرْتَ بهم فاصنعْ كيت وكيت، فدخلت الفاءُ في الخبر لشبه المبتدأ بالشرط، وهذا ظاهر كلام ابن عطية(٢). و((منهم)) يجوز أن يكون حالاً من عائد الموصول (١) المحرر ٩٢/٨ (٢) لم أجد في ((محرر)) ابن عطية هذا القول. ٦٢٠