النص المفهرس

صفحات 581-600

- الأنفال ـ
أو الجملة الواقعة جزاءً أو مجموعهما. ومَنْ التزم عَوْدَ ضميرٍ مِنْ جملةِ الجزاء
على اسم الشرط قدَّره هنا محذوفاً تقديرُه: فإنَّ الله شديدُ العقاب له. واتفق
القراءُ على فَكِّ الإِدغام هنا في ((يُشاقِقٍ)) لأن المصاحفَ كَتَبْه بقافين
مفكوكَتَّيْن، وفكّ هذا النوعِ لغةُ الحجاز، والإِدغامُ بشروطه لغة تميم.
آ (١٤) قوله تعالى: ﴿ذلكم فذوقوه﴾: يجوز في ((ذلكم)» أربعةُ أوجه
أحدها: أن يكونَ مرفوعاً على خبر ابتداء مضمر أي: العقاب ذلكم أو الأمر
ذلكم. الثاني: أن يرتفعَ بالابتداء والخبرُ محذوفٌ أي: ذلكُ العقابُ. وعلى
هذين الوجهين فيكون قولُه ((فذوقوه)» لا تَعَلُّق لها بما قبلها مِنْ جهة الإِعراب.
والثالث: أن يرتفع بالابتداء، والخبرُ قوله: ((فذوقوه))، وهذا على رأي
الأخفش(١) فإنه يرى زيادة الفاء مطلقاً أعني سواءً تضمَّن المبتدأ معنى الشرط
أم لا، وأما غيرُه فلا يُجيز زيادتها إلا بشرط أن يكون المبتدأ مشبهاً لاسم
الشرط، وقد قَدَّمْتُ تقريرَه غير مرة. واستدلَّ الأخفش على جواز ذلك بقول
الشاعر(٢):
وأُكْرِومَةُ الحَيَّنِ خِلْوٌ كما هيا
٢٣٩٥- وقائلةٍ خولانُ فانكِحْ فتاتَهُمْ
وخرَّجه الآخرون على إضمار مبتدأ تقديره: هذه خولان. الرابع: أن
يكون منصوباً بإضمار فعل يُفَسِّره ما بعده، ويكون من باب الاشتغال. وقال
الزمخشري(٣): ((ويجوز أن يكون نصباً على ((عليكم ذلكم)) كقوله: زيداً
فاضربه)). قال الشيخ (٤): ((ولا يَصِحُّ هذا التقدير لأنَّ ((عليكم)) من أسماء
(١) الأخفش في معاني القرآن ص ٣١٩، لم يقدِّر زيادتها هنا فقال: ((كأنه جعل ((ذلكم))
خبراً لمبتدأ أو مبتدأ أضمر خبره)).
(٢) تقدم برقم (١٧٢٥). ولم يقدر زيادتها في هذا البيت وإنما أعربها خيراً لمبتدأ محذوف
تقديره هؤلاء خولان. انظر: معاني القرآن ٨٠/١.
(٣) الكشاف ١٤٨/٢.
(٤) البحر ٤٧٢/٤.
٥٨١

- الأنفال -
الأفعال، وأسماءُ الأفعالِ لا تُضْمَر، فتشبيهُه بقولك: «زيداً فاضرِبْه)) ليس
بجيد، لأنهم لم يُقَدِّروه بـ ((عليك زيداً فاضربه)) وإنما هذا منصوبٌ على
الاشتغال))، قلت: يجوز أن يكون نحا الزمخشري نَحْوَ الكوفيين، فإنهم
يُجرونه مُجْرى الفعل مطلقاً، وكذلك يُعْملونه متأخراً نحو: ((كتابَ الله
علیکم))(١).
وقال أبو البقاء(٢): ((ويجوز أن يكون في موضع نصب، أي: ذوقوا
ذلكم، ويُجْعَلَ الفعلُ الذي بعده مفسِّراً له، والأحسن أن يكون التقدير:
باشروا ذلكم فذوقوه لتكون الفاءُ عاطفةً)). قلت: ظاهرُ هذه العبارةِ الثانيةِ أن
المسألةَ لا تكون مِنْ الاشتغال لأنه قَدَّر الفعلَ غيرَ موافقٍ لما بعده لفظاً مع
إمكانه، وأيضاً فقد جَعَلَ الفاءَ عاطفةً لا زائدةً، وقد تقدَّمَ تحقيقُ الكلام في
هذه الفاء عند قوله: ((وإياي فارهبون))(٣).
قوله: ((وأنَّ للكافرين عذابَ النار)) الجمهور على فتح ((أنَّ) وفيها
تخريجات، أحدها: أنها وما في حَيِّزها في محل رفع على الابتداء، والخبرُ.
محذوفٌ تقديره: حَتْمُ استقرارُ عذاب النار للكافرين. والثاني: أنها خبر مبتدأ.
[٤٢٤/ب] محذوف أي: الحتم / أو الواجب أن للكافرين، أو الواجب أن الكافرين
عذاب النار. الثالث: أن تكون عطفاً على ((ذلكم)) في وجهَيْه، قاله.
الزمخشري(٤)، ويعني بقوله ((في وجهيه))، أي: وجهي الرفع وقد تقدَّما.
الرابع: أن تكون في محلّ نصب على المعيَّة، قال الزمخشري(٥): ((أو نصب
(١) الآية ٢٤ من سورة النساء.
(٢) الإملاء ٥/٢.
(٣) الآية ٤٠ من سورة البقرة.
(٤) الكشاف ١٤٨/٢.
(٥) الكشاف ١٤٨/٢.
٥٨٢

- الأنفال ـ
على أن الواو بمعنى مع، والمعنى: ذوقوا هذا العذابَ العاجلَ مع الآجل
الذي لكم في الآخرة، فوضَع الظاهرَ موضعَ المضمر)» يعني بقوله ((وَضَع
الظاهرَ موضعَ المضمر)» أن أصلَ الكلام: فذوقوه وأن لكم، فوضع ((للكافرين))
موضعَ ((لكم))، شهادةً عليهم بالكفر ومَنْبَهَةً على العلة. الخامس: أن يكون
في محل نصب بإضمار اعلموا(١)، قال الشاعر(٢):
٢٣٩٦ - تسمع للْأَحْشاء منه لَغَطَأً ولليدين جُسْأَةً وَبَدَدا
أي: وترى لليدين بَدَداً، فأضمر ((ترى))، كذلك فذوقوه: واعلموا أنَّ
للكافرين. وأنكره الزجاج(٣) أشدَّ إنكارٍ وقال: ((لو جاز هذا لجاز: ((زيد قائم
وعمراً منطلقاً))، أي: وترى عمراً منطلقاً، ولا يُجيزه أحد)).
وقرأ(٤) زيد بن علي والحسن بكسرها على الاستئناف.
آ. (١٥) قوله تعالى: ﴿زَحْفاً﴾: فيه وجهان، أحدهما: أنه منصوبٌ
على المصدر، وذلك الناصب له في محل نصب على الحال، والتقدير: إذا
لقيتم الذين كفروا زاحفين زحفاً، أو يزحفون زحفاً. والثاني: أنه منصوبٌ على
الحال بنفسه ثم اختلفوا في صاحبِ الحال فقيل: الفاعل، أي: وأنتم زَحْف
من الزحوف، أي: جماعة، أو وأنتم تمشون إليهم قليلاً قليلاً على حَسَب
ما يُفَسِّر به الزَّحْف وسيأتي. وقيل: هو المفعول أي: وهم جمَّ كثير أو يمشون
إليكم. وقيل: هي حالٌ منهما أي: لقيتموهم متزاحفين بعضكم إلى بعض.
(١) وهو رأي الفراء في معاني القرآن ٤٠٥/١.
(٢) لم أهتد إلى قائله وهو في معاني القرآن للفراء ٤٠٥/١؛ والخصائص ٤٣٢/٢. واللغط:
الأصوات المبهمة، والجُسْأة: الصلابة، والبدد: تباعد ما بين اليدين.
(٣) معاني القرآن له ٤٥٠/٢.
(٤) البحر ٤٧٣/٤؛ مختصر ابن خالويه ص ٤٩.
٥٨٣

- الأنفال -
والزَّحْفُ: الدنُ قليلاً قليلاً يقال: زَحَف يَزْحَف إليه بالفتح فيهما
فهو زاحفْ زَحْفاً، وكذلك تَزَحَّفَ وتَزَاحفِ وأَزْحَفَ لنا عدُّنا أي: دَنَوا لقتالنا.
وقال الليث: ((الزَّحْفُ: الجماعة يمشون إلى عدوّهم، قال الأعشى (١):
٢٣٩٧ - لِمَنِ الظعَائِنُ سَيْرُهُنَّ تَزَخُّفُ
مثلَ السَّفينِ إذا تقاذَفُ تَجْدِفُ
وهذا من باب إطلاق المصدر على العين. والزَّحْفُ: الدبيب أيضاً مِنْ
((زَحَفَ الصبيُّ))، قال امرؤ القيس(٢):
٢٣٩٨- فَزَحْفاً أَتَيْتُ على الرُّكْبَتَيْنِ
فثوباً لَّبِسْتُ وثوباً أَجُرّ
ويجوز جمعُه على زُحوف ومَزاحِف، لاختلاف النوع، قال الهذلي(٣):
٢٣٩٩- كأنَّ مَزاحِفَ الحَيَّاتِ فيه قبيل الصُّبْحِ آثارُ السِّيَاطِ
ومَزاحِف جمع مَزْحَف اسمَ المصدر (٤).
قوله: ((الْأَدْبار) مفعول لـ ((تُوَلُّوهم)).
آ. (١٦) وكذا ﴿دُبُرَه﴾ مفعول ثان لـ ﴿يُوَلَّهم﴾: وقرأ الحسن(٥).
بالسكون كقولهم ((عُنْقِ)) في عُنُقَ، وهذا من باب التعريض حيث ذكر لهم حالة
تُسْتَهْجَنُ (٦) مِنْ فاعلها فأتى بلفظ الدُّبُر دون الظّهر لذلك. وبعضهم من أهل
علم البيان سَمَّى هذا النوع كنايةً وليس بشيء.
(١) ليس في ديوانه وهو في التاج (زحف) غير منسوب. وزاد المسير لابن الجوزي ٣٣١/٣.
(٢) تقدم برقم (١٦٧٨).
(٣) البيت للمتنخل الهذلي، وهو في ديوانه الهذليين ٢٥/٢؛ والبحر ٤٧٤/٤؛ والصحاح:
زحف، وتفسير ابن عطية ٣١/٤.
(٤) لعله يعني المصدر الميمي.
(٥) البحر ٤٧٥/٤؛ المختصر ص ٤٩.
(٦) الأصل: (تستجهن»، وهو سهو.
٥٨٤

- الأنفال -
قوله: ((إلا مُتَحرِّفً) في نصبه وجهان، أحدهما: أنه حال. والثاني: أنه
استثناء. وقد أوضح ذلك الزمخشري(١) فقال: ((فإن قلت: بمَ انتصبَ
(إلا متحرِّفًا)؟ قلت: على الحال، و((إلا)) لغوٌ، أو على الاستثناء من المُؤَلِّين،
أي: ومَنْ يُولِّهم إلا رجلاً منهم متحرفاً أو متحيزاً)). قال الشيخ(٢): ((لا يريد
بقوله ((إلا لغٌ)) أنها زائدة، بل يريد أن العامل وهو ((يُولَّهم)) وَصَلَ لِما بعدها
كقولهم في نحو ((جئت بلا زاد)» إنها لغو، وفي الحقيقة هي استثناءٌ من حال
محذوفة والتقدير: ومَنْ يُولِّهم مُلْتبساً بأية حال إلا في حال كذا، وإن لم تُقَدَّر
حالٌ عامةٌ محذوفة لم يَصِحَّ دخولُ ((إلا)) لأنَّ الشرطَ عندهم واجبٌ، والواجبُ
حكمُه أن لا تدخلَ ((إلا)) فيه لا في المفعول ولا في غيره من الفَضَلات، لأنه
استثناءٌ مفرغ، والمفرَّغ لا يكون في الواجب إنما يكون مع النفي أو النهي،
أو المؤول بهما، فإن جاء ما ظاهرُه خلافُ ذلك يُؤَوَّل))، قلت: قوله: ((لا في
المفعول ولا في غيره من الفَضَلات)» لا حاجةَ إليه؛ لأن الاستثناء المفرغ
لا يدخل في الإِيجابِ مطلقاً سواءً كان ما بعد ((إلا)) فَضْلَةً أم عمدةً، فَذكَرُ
الفَضْلةِ والمفعول / يوهم جوازَه في غيرهما.
[١/٤٢٥]
وقال ابن عطية (٣): ((وأمَّ الاستثناءُ فهو مِنَ المُوَلَّين الذين تتضمَّنهم
(مَنْ)). فَجَعَلَ نَصْبَه على الاستثناء. وقال جماعة: إن الاستثناء من أنواع
التولِّي. وقد رُدَّ هذا بأن لوكان كذلك لَوَجَبَ أن يكونَ التركيبُ: إلا تحيُّزاً
أو تحرُّفاً.
والتحُّزُ والتَّحْوُّزُ: الانضمام. وتحوَّزَت الحَيَّة: انطوَتْ، وحُزْتُ
الشيءَ: ضَمَمْتُه. والحَوْزَةُ ما يَضُمُّ الأشياءَ. ووزنُ متحيِّز: مُتَفَيْعِل، والأصل:
(١) الكشاف ١٤٩/٢.
(٢) البحر ٤ /٤٧٥.
(٣) المحرر ٣٢/٨.
٥٨٥

- الأنفال -
مُتَخَيْوِز. فاجتمعت الياء والواو وسبقَتْ إحداهما بالسكون فقُلِبت الواو ياءً
وأُدْغِمت في الياء بعدها كمَيِّت. ولا يجوز أن يكون مُتَفَّعِّلاً لأنه لو كان كذا
لكان متحوّزاً، فأمَّا متحوِّز فمتفعّل.
آ. (١٧) قوله تعالى: ﴿فَلَّمْ تَقْتلوهم﴾: في هذه الفاء وجهان
أحدهما - وبه قال الزمخشري(١) -: أنها جوابُ شرطٍ مقدر أي: إن افتخرتم
بِقَتْلهم فَلَمْ تقتلوهم))، قال الشيخ(٢): ((وليست جواباً بل لرَبْطِ الكلام بعضِه
ببعض)).
قوله: ((ولكنَّ اللَّهَ قَتَلَهم)) قرأ(٣) الأخَوان وابن عامر ((ولكن الله قَتَلهم))
((ولكن الله رمى)) بتخفيف ((لكن)) ورفع الجلالة، والباقون بالتشديد ونصب
الجلالة. وقد تقدَّم توجيهُ القراءتين مُشْبعاً في قوله ((ولكن الشياطين))(٤).
وجاءت هنا ((لكن)) أحسن مجيْءٍ لوقوعها بين نفي وإثبات، وقوله: ((وما رَمَّيْت
إذ رَمَيْت)) نفى عنه الرَّميَ وأثبته له، وذلك باعتبارين: أي: ما رَمَيْتَ على
الحقيقة إذ رَمَيْتَ في ظاهر الحال، أو ما رَمَيْتَ الرُّعْبَ في قلوبهم إذ رَمَّيْت
الحَصَيَات والتراب. وقوله: ((وما رَمَيْتَ)) هذه الجملة عطفٌ على قوله «فلم
تقتلوهم)) لأنَّ المضارع المنفي بـ لم في قوة الماضي المنفي بـ ((ما)»، فإنك إذا
قلت: ((لم يَقُم)) كان معناه ما قام. ولم يقل هنا: فلم تقتلوهم إذ قتلتموهم،
كما قال: ((إذ رَمَيْت)) مبالغةً في الجملة الثانية.
قوله: ((ولِيُّبْلِيَ المؤمنين))، متعلَّقُ بمحذوف أي: وليبليَ فَعَلَ ذلك.
(١) الكشاف ١٤٩/٢.
(٢) البحر ٤ /٤٧٦.
(٣) الحجة ص ٣٠٩.
(٤) الآية ١٠٢ من سورة البقرة.
٥٨٦

- الأنفال ـ
أو يكون معطوفاً على علةٍ محذوفة أي: ولكن الله رَمَى ليمحق الكفار وليّبْلي
المؤمنين. والبلاء في الخير والشر. قال زهير(١):
٢٤٠٠_
وأبلاهما خيرَ البلاء الذي يبلو
.
والهاءُ في ((منه)) تعود على الظفر بالمشركين. وقيل: على الرمي قالهما
مكي(٢). والظاهر أنها(٣) تعود على الله تعالى.
آ. (١٨) قوله تعالى: ﴿ذلكم﴾: يجوز فيه الرفعُ على الابتداء أي: ذلكم
الأمر، والخبرُ محذوف قاله الحوفي، والأحسنُ أن يُقَدَّر الخبر: ذلكم البلاءُ
حقٌّ وَحَتْمٌ. وقيل: هو خبر مبتدأ، أي: الأمر ذلكم وهو تقدير سيبويه(٤).
وقيل: محلُّه نصب بإضمار فِعْلٍ أي: فَعَل ذلك. والإِشارةُ بـ((ذلكم)) إلى
القتل والرمي والإِبلاء. وقوله ((بلاءً)) يجوز أن يكونَ اسمَ مصدر أي إبلاء،
ويجوز أن يكون أريد بالبلاء نفسُ الشيء المبلوِّ به.
قوله: ((وأن الله)) يجوز أن يكون معطوفاً على ((ذلكم)) فيُحكم على محلُّه
بما يُحْكَمُ على محلِّ ((ذلكم)) وقد تقدَّم، وأن يكون في محلّ نصبٍ بفعل
مقذَّر أي: واعلموا أن الله، وقد تقدَّم ما في ذلك(٥). وقال الزمخشري(٦):
(إنه معطوفٌ على ((وليْلي))، يعني أن الغرضَ إبلاء المؤمنين وتوهينُ كيد
الکافرین».
(١) تقدم برقم (٤٥٢).
(٢) المشكل ٣٤٤/١.
(٣) الأصل: «أنه» وهو سهو.
(٤) الكتاب ٤٦٣/١.
(٥) انظر: إعرابه للآية ١٤ .
(٦) الكشاف ١٥٠/٢ وقد ذكر الغرض ولكنه بدأه بقوله ((معطوف على ((ذلكم)). وقد يكون
ما نقله السمين من نسخة ثانية من الكشاف.
٥٨٧

- الأنفال -
وقرأ(١) ابن عامر والكوفيون(٢) ((مُؤْهِن)) بسكون الواو وتخفيف الهاءَ مِنْ
أوهن كأكرم. ونَوَّن ((موهن)) غيرُ حفص. وقرأ الباقون ((مُوَمِّن)) بفتح الواو
وتشديد الهاء والتنوين. فـ ((كيد)) منصوبٌ على المفعول به في قراءة غير
حفص، ومخفوضٌ في قراءةٍ حَفْص، وأصلُه النصب. وقراءة الكوفيين جاءت.
على الأكثر لأن ما عينُه حرفُ حلقٍ غيرَ الهمزة تعديتُه بالهمزة، ولا يُعَدَّى
بالتضعيف إلا كَلِمٌ محفوظة نحو: وهَّنْتُهُ وضَعَّفْتُه.
آ. (١٩) قوله تعالى: ﴿ولن تُغْنِيَ﴾: قرأ الجمهور بالتاء من فوق
التأنيث الفئة. وقرىء(٣) ((ولن يُغْني)) بالتاء من تحت لأن تأنيثِه مجازي
وللفصلِ أيضاً. ((ولو كَثُرَت)) هذه الجملةُ الامتناعية حالية، وقد تقدَّم تحقيق
ذلك.
قوله: ((وأنَّ الله مع المؤمنين)) قرأ(٤) نافع وابن عامر وحفص عن عاصم
بالفتح والباقون بالكسر. فالفتح من أوجه أحدها: أنه على لام العلة تقديره:
ولأن الله مع المؤمنين كان كيت وكيت. والثاني: أنَّ التقدير: ولأن الله مع
المؤمنين امتنع عنادهم. والثالث: أنه خبرُ مبتدأ محذوف، أي: والأمر أن الله
مع المؤمنين. وهذا الوجهُ الأخيرُ يَقْرُب في المعنى مِنْ قراءة الكسر لأنه
استئناف.
آ. (٢٠) قوله تعالى: ﴿ولا تَوَلَّوا﴾: الأصل: تَتَوَلّوا / فحذف إحدى
التاءين. وقد تقدَّم الخلاف في أيهما المحذوفة.
[٤٢٥/ب]
(١) السبعة ص ٣٠٥؛ الحجة ص ٣٠٩؛ البحر ٤٧٨/٤.
(٢) الأصل: والکوفیین وهو سهو.
(٣) نسبها ابن خالويه في مختصره ص ٤٩، إلى يحيى وإبراهيم.
(٤) الحجة ص ٣١٠؛ السبعة ص ٥٠٣؛ البحر ٤٧٩/٤.
٥٨٨

- الأنفال ـ
قوله: ((وأنتم تَسْمعون)) جملةٌ حالية، والضمير في ((عنه)) يعود على الرسول؛
لأن طاعته من طاعة الله. وقيل: يعود على الله وهذا كقوله تعالى: ((واللَّهُ
ورسولهُ أحقُّ أن يُرْضُوه))(١). وقيل: يعود على الأمر بالطاعة.
آ. (٢٢) وقوله تعالى: ﴿الصُّمُّ﴾: إنما جُمِع ((الصُمُّ) وهو خبر
((شر))(٢) لأنه يُراد به الكثرةُ، فَجُمع الخبر على المعنى، ولو كان الأصم لكان
الإِفرادُ على اللفظ، فالمعنى على الجمع.
وقوله: ((الذين لا يَعْقِلون)) يجوز رفعُه أو نصبه على القطع.
آ. (٢٤) قوله تعالى: ﴿بين المرْء﴾: العامَّةُ على فتح الميم، وقرأ
ابن أبي إسحاق(٣) بكسرِها على إتباعها لحركة الهمزة وذلك أن في ((المَرْء)»
لغتين أفصحُهما على فَتْح الميم مطلقاً. والثانية بإتباع الميم لحركة الإعراب،
فتقول: هذا مُرْءٌ بضم الميم ورأيت مَرْءاً بفتحها، ومررت بمِرْءٍ بكسرها. وقرأ
الحسن والزهري بفتح الميم وتشديد الراء. وتوجيهُها أن يكون نَقَلَ حركة
الهمزة إلى الراء، ثم ضَعَّف الراء وأجرى الوصل مُجْرى الوقف.
قوله: ((وأنه)) يجوز أن تكون الهاء ضمير الأمر والشأن، وأن تعودَ على الله
تعالى، وهو الأحسنُ لقوله ((الله))(٤).
آ. (٢٥) قوله تعالى: ﴿لا تُصِيْبَنَّ﴾: في ((لا)) وجهان، أحدهما: أنها
ناهيةٌ، وعلى هذا فالجملةُ لا يجوز أن تكون صفةً لـ ((فتنة))؛ لأنَّ الجملة الطلبيةَ
لا تقعُ صفةً، ويجوز أن تكون معمولة لقول، ذلك القولُ هو الصفةُ أي: فتنةٌ
(١) الآية ٦٢ من سورة التوبة.
(٢) الأصل: ((شرا)) والألف مقحمة سهواً.
(٣) البحر ٤ /٤٨٢.
(٤) في قوله ((واعلموا أن الله)).
٥٨٩

- الأنفال -
مقولاً فيها: لا تصيبنَّ. والنهيُ في الصورة للمصيبة وفي المعنى للمخاطبين،:
وهو في المعنى كقولهم: لا أُرَيَنَّك ههنا أي: لا تتعاطوا أسباباً يُصيبكم فيها
مصيبةٌ لا تَخْصُ ظالمَكم. ونونُ التوكيد على هذا في محلّها. ونظيرُ إضمارِ
القول قولُه(١).
٢٤٠١ - جاؤوا بمَذْقٍ هل رأيتَ الذئبَ قَطْ
أي: مقول فيه: هل رأيت. والثاني: أن ((لا)) نافية، والجملةُ صفةٌ
لـ ((فتنة)) وهذا واضحٌ من هذه الجهة، إلا أنه يُشْكل عليه توكيد المضارع في
غير قسم ولا طلب ولا شرط، وفيه خلافٌ: هل يَجْري النفيُ بـ ((لا)) مَجْرى
النهي؟ من الناس من قال نعم، واستشهد بقوله(٢):
٢٤٠٢- فلا الجارةُ الدنيا لها تَلْحَيَّنَّها ولا الضيفُ منها إنْ أَناخَ مُخَوَّلُ
وقال آخر (٣):
وإن قال قَرِّظني وخُذْ رشوةً أبى
٢٤٠٣ - فلا ذا نعيمٍ يُتْرَكَنْ لنعيمه
فينفعَه شكوٌ إليه إن اشْتَكى
ولا ذا بيئسٍ يُتركنَّ لبؤسه.
فإذا جاز أن يُؤكَّد المنفيُّ بـ ((لا)) مع انفصاله فلأنْ يؤكّد المنفيُّ غِيرُ
المفصولِ بطريق الْأُوْلى. إلا أن الجمهور يَحْملون ذلك على الضرورة.
وزعم الفراء(٤) أنَّ ((لا تصييَنَّ)) جواب للأمر نحو: «انزلْ عن الدابة
(١) يُنسب للعجاج وليس في ديوانه، وهو في العيني ٦١/٤؛ والجمع ١١٧/٢؛ والدرر
١٤٨/٢.
(٢) البيت للنمر بن توليب، وهو في ديوانه ص ٩٢؛ وجمهرة القرشي ٥٤٦/٢؛ والأشموني
٢١٨/٣؛ والعيني ٣٤٢/٤. تلحينها: تلو منها. أناخ: نزل.
(٣) لم أهتد إلى قائلهما، وهما في البحر ٤٨٣/٤.
(٤) معاني القرآن له ١ /٤٠٧.
٥٩٠

- الأنفال -
لا تَطْرَحَنَّك))، أي: إِنْ تنزل عنها لا تَطْرحنك، ومنه قوله ((لا يَحْطِمَنّْكم))(١)،
أي: إِنْ تَدْخُلوا لا يَحْطِمنَّكم، فدخلت النونُ لِما فيه من معنى الجزاء. قال
الشيخ (٢): ((وقوله: لا يَحْطِمَنْكم وهذا المثالُ ليس نظيرَ ((فتنةً لا تصيبنُّ الذين))
لأنه ينتظم من الآية والمثالِ شرطٌ وجزاءٌ كما قَدَّر، ولا ينتظم ذلك هنا، ألا ترى
أنه لا يَصِحُّ تقدير: إنْ تتقوا فتنة لا تُصِبِ الذين ظلموا، لأنه يترتَّبُ على
الشرط غيرُ مقتضاه من جهة المعنى)).
قال الزمخشري(٣): ((لا تصيينَّ)): لا يخلو: إمَّا أن يكونَ جواباً للأمر
أو نهياً بعد أمرٍ أو صفةً لفتنة. فإذا كانت جواباً فالمعنى: إنْ أصابتكم لا تُصِبِ
الظالمين منكم خاصة، بل تَعُمُّكم))، قال الشيخ(٤): ((وأخذ الزمخشري قولَ
الفراء فزاده فساداً وخَبَط فيه))، فذكر ما نقلتُه عنه ثم قال: ((فانظر إليه كيف قدَّر
أن يكون جواباً للأمر الذي هو ((اتقوا))، ثم قدَّر أداةَ الشرطِ داخلةً على غير
مضارع (اتقوا)) فقال: المعنى: إن أصابَتْكم، يعني الفتنة. وانظر كيف قدَّر
الفراء: انزل عن الدابة لا تَطْرَحَنَّك، وفي قوله: ((ادخلوا مساكنكم
لا يَحْطِمَنَّكم))(٥)، فأدخل أداةَ شرطٍ على مضارع فعل الأمر وهكذا [يُقَدَّر](٦)
ما كان جواباً للأمر».
وقيل: ((لا تصيبنَّ)) جوابُ قسمٍ محذوف، والجملةُ القسميةُ صفةً لفتنة
أي: فتنة واللَّهِ لا تصيبنَّ. ودخولُ النونِ أيضاً قليلٌ لأنه منفيٌّ. وقال:
(١) الآية ١٨ من سورة النمل.
(٢) البحر ٤٨٤/٤.
(٣) الكشاف ١٥٢/٢.
(٤) البحر ٤٨٤/٤.
(٥) الآية ١٨ من سورة النمل.
(٦) زيادة من البحر.
٥٩١

- الأنفال -
أبو البقاء(١): ((ودخلت النون على المنفي في غير القسم على الشذوذ))،
وظاهرُ هذا أنه إذا كان النفي في جواب القسم يَطُرد دخولُ النونِ، وليس
كذلك.
[١/٤٢٦]
- - -
وقيل: إن اللامُّ لامُ التوكيد، والفعلُ بعدها مثبتٌ، وإنما مُطِلت اللام،
أي: أُشْبِعَتْ فتحتُها فتولَّدَتْ ألفاً، فدخول النون فيها قياسٌ. / وتأثَّر هذا
القائلُ بقراءةٍ جماعةٍ كثيرة ((لتصيبَنَّ)) وهي قراءةُ(٢) أمير المؤمنين وابن مسعود
وزيد بن ثابت والباقر والربيع وأنس وأبي العالية وابن جماز. وممن وَجَّه ذلك
ابن جني(٣). والعجب أنه وَجَّه هذه القراءةَ الشاذة بتوجيهٍ يَرُدُّها إلى قراءةِ
العامَّة، فقال: ((ويجوز أن تكون قراءةُ ابن مسعود ومَنْ ذُكر معه مخففةً من
(لاء يعني حُذِفَتْ ألفُ ((لا)) تخفيفاً، واكتُفي بالحركة))، قال: ((كما قالوا: أمَ.
والله يريدون: أما والله)). قال المهدوي: ((كما حُذِفت مِنْ ((ما)) وهي أُختُ
(لا) في نحو ((أما والله لأفعلنَّ)) وشبهه. قوله ((أخت لا)) ليس كذلك لأن ((أما))
هذه للاستفتاحِ كـ ((ألا))، وليست مِنَ النافية في شيءٍ، فقد تحصَّل من هذا
أن ابن جني خرَّج كلَّ من القراءتين على الأخرى، وهذا لا ينبغي أن يجوز
البتة، كيف يُورِدُ لفظَ نفيٍ ويتأوَّل بثبوتٍ وعكسِه؟ هذا إنما يَقْلب الحقائق
ويؤدِّي إلى التعمية .
وقال المبرد والفراء(٤) والزجاج(٥) في قراءة العامَّة: ((لا تصيبنَّ)): (إنّ
الكلامَ قد تَمَّ عند قوله «فتنة)) وهو خطابٌ عامٌّ للمؤمنين، ثم ابتدأ نَهْلَيَ الظلمةِ
:
(١) الإملاء ٥/٢.
(٢) البحر ٤٨٤/٤؛ وأمير المؤمنين على، والمختصر ص ٤٩.
(٣) المحتسب ٢٧٧/١ .!
(٤) معاني القرآن ٤٠٧/١.
(٥) معاني القرآن ٤٥٣/٢.
٥٩٢

- الأنفال -
خاصةً عن البُعْد من الظلم فتصيبهم الفتنة خاصة. والمرادُ هنا: لا يتعرَّض
الظالم للفتنة فتقعَ إصابتُها له خاصة)).
قال الزمخشري(١) في تقرير هذا الوجه: ((وإذا كانت نهياً بعد أمرٍ فكأنه
قيل: واحذروا ذنباً أو عقاباً، ثم قيل: لا تتعرَّضوا للظلم فيصيبَ العقابُ أو أثرُ
الذنبِ مَنْ ظَلَم منكم خاصة)).
وقال علي بن سليمان(٢) ((هو نَهْيٌ على معنى الدعاء، وإنما جعله نهياً
بمعنى الدعاء لأنَّ دخولَ النونِ في المنفي بـ لا عنده لا يجوز، فيصير المعنى:
لا أصابَتْ ظالماً ولا غيرَ ظالم، فكأنه قيل: واتقوا فتنةً لا أوقعها الله بأحدٍ)).
وقد تَحَصَّلْتُ ممَّا تقدَّم في تخريج هذه الكلمة على أقوال: النهي بتقديرَيْه،
والدعاء بتقديريْه، والجواب للأمر بتقديريه، وكونها صفةً بتقدير القول.
قوله(٣) ((منكم)) فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أظهرُها: أنها للبيان مطلقاً. والثاني:
أنها حالٌ فتتعلُّقُ بمحذوف، وجعلها الزمخشري (٤) للتبعيض على تقديرٍ،
وللبيان على تقدير آخر فقال: ((فإن قلت: ما معنى ((مِنْ)) في قوله ((الذين
ظلموا منكم))؟ قلت: التبعيضُ على الوجه الأول، والبيان على الثاني؛ لأن
المعنى: لا تصيبنَّكم خاصة على ظلمكم، لأنَّ الظلمَ منكم أقبحُ مِنْ سائر
الناس)). قلت: يعني بالأولِ كونَّه جواباً لأمر، وبالثاني كونَه نهياً بعد أمرٍ.
وفي تخصيصه التبعيض بأحد الوجهينِ دون الآخر وكذا الثاني نظرٌ؛ إذ المعنى يَصِحُ
بأحد التقديرين مع التبعيضِ والبيان.
قوله: ((خاصَّةً)) فيه ثلاثة أوجه، أحدُها : - وهو الظاهر - أنها حالٌ من
الفاعلِ المستكنَّ في قوله: ((لا تصيبنَّ))، وأصلها أن تكون صفةً لمصدرٍ
(١) الكشاف ١٥٢/٢.
(٢) وهو الأخفش الصغير وتقدمت ترجمته.
(٣) الأصل ((له)) وسقطت ((قو)) سهوا.
(٤) الكشاف ١٥٣/٢.
٥٩٣

- الأنفال -
محذوفٍ تقديره: إصابةً خاصة. الثاني : أنها حالٌ من المفعول وهو الموصول
تقديره: لا تصيبنَّ الظالمين خاصة بل تعمُّهم وتعمُّ غيرهم. والثالث: أنه حالٌ
من فاعل ((ظلموا)) قاله ابن عطية (١). قال الشيخ(٢): (ولا يُعْقَلُ هذا الوجهُ)) ..
قلت: ولا أدري ما عَدَمُ تَعَقُّلِه؟ فإن المعنى: واتقوا فتنةً لا تصيبنَّ الذين ظلموا
ولم يَظْلم غيرُهم، بمعنى أنهم اختصوا بالظلم ولم يشاركهم فيه غيرهم، فهذه
الفتنةُ لا تختصُّ إصابتها هؤلاء بأنفسهم وتصيبُ مَنْ لم يَظْلم البتة، وهذا معنَّى
واضح .
آ. (٢٦) قوله تعالى: ﴿إِذ أنتم قليلٌ﴾: فيه ثلاثةُ أوجه، أوضحها:
أنه ظرف ناصبه محذوف تقديره: واذكروا حالكم الثابتة في وقت قلَّتكم، قاله
ابن عطية(٣). والثاني: أنه مفعول به. قال الزمخشري (٤): ((نصبُ على أنه
[٤٢٦/ب] مفعولٌ به مذكورٌ لا ظرفٌ / أي: اذكروا وقتَ كونِكم أقلةً أذلةً. وفيه نظرٍ لأنّ
((إذ)) لا يُتَصَرَّف فيها إلا بما ذكرته فيما تقدم، وليس هذا منه. الثالث: أن
يكون ظرفاً لـ ((اذكروا)) قاله الحوفي وهو فاسدٌ، لأن العاملَ مستقبلٌ، والظرفُ
ماضٍ ، فكيف يتلاقيان؟
قوله: ((تخافون)) فيه ثلاثةُ أوجهٍ أظهرُها: أنه خبرٌ ثالثٌ. والثاني: أنه
صفةٌ لـ ((قليل)) وقد بُدىء بالوصفِ بالمفرد ثم بالجملة. والثالث: أن يكون
حالاً من الضمير المستتر في ((مُسْتَضْعَفون)).
آ. (٢٧) قوله تعالى: ﴿وتخونوا﴾: يجوز فيه أن يكونَ منصوباً
بإضمار ((أَنْ)) على جواب النهي أي: لا تجمعوا بين الجنايتين كقوله(٥).
(١) المحرر الوجيز ٤٢/٨ - ٤٣.
(٢) البحر ٤٨٥/٤.
(٣) المحرر الوجيز ٤٣/٨.
(٤) الكشاف ١٥٣/٢.
(٥) تقدم برقم (٤١١).
٥٩٤

- الأنفال ـ
٢٤٠٤ - لا تَنْهَ عن خُلُقٍ وتأتيَ مثلَه عارٌ عليك إذا فَعَلْتَ عظيمُ
والثاني: أن يكونَ مجزوماً نسقاً على الأول، وهذا الثاني أَوْلى؛ لأنه فيه
النهيُ عن كلٍّ واحدٍ على حِذْته بخلاف ما قبله، فإنه نهيٌ عن الجمع بينهما،
ولا يلزمُ من النهي عن الجمع بين الشيئين النهيُّ عن كلّ واحدٍ على حِدَته.
وقد تقدَّم تحريرُ هذا في قوله: ((وتكتموا الحق))(١) أُولَ البقرة.
و((أماناتِكم)) على حَذْف مضاف أي: أصحابَ أماناتكم. ويجوز أن
يكونوا نُهوا عن جناية الأماناتِ مبالغةً كأنها جُعِلت مخونةً. وقرأ(٢) مجاهد
- ورُوِيت عن أبي عمرو - ((أمانتكم)) بالتوحيد والمرادُ الجمع.
(وأنتم تعلمون)) جملة حالية، ومتعلَّقُ العلم يجوز أن يكون مراداً أي:
تعلمونَ قُبْحَ ذلك أو أنكم مؤاخذون بها. ويجوز ألَّ يُقَدَّر أي: وأنتم من ذوي
العلم. والعلمُ يُحتمل أن يكون على بابه، وأن يكونَ بمعنى العرفان.
آ. (٢٩) وتقدَّم الكلامُ على ((الفرقان)) أول البقرة(٣) والمراد به هنا
المُخْرِج من الضلال، أو الشيء الفارق بين الحق والباطل، قال مزرد ابن
ضرار(٤):
أظلم الليلُ لم يَجِدْ فُرْقانا
٢٤٠٥ - بادَرَ الأفقّ أن يغيبَ فلمَّا
وقال آخر(٥):
٢٤٠٦ - ما لك مِنْ طولِ الأُسى فُرْقَانُ بعد قَطين رحلوا وبأنُوا
(١) في الآية ٤٢.
(٢) البحر ٤٨٦/٤؛ الشواذ ص ٤٨.
(٣) الآية ٥٣ .
(٤) المحرر الوجيز ٤٧/٨؛ والبحر ٤٨٦/٤.
(٥) لم أهتد إلى قائله، وهو في المحرر الوجيز ٤٧/٨؛ البحر ٤٨٦/٤؛ القرطبي ٣٩٦/٧.
٥٩٥

- الأنقال -
وقال آخر (١):
٢٤٠٧- وكيف أُرَجِّي الخلدَ والموتُ طالبي وما ليَ من كأسِ المنية فرقانُ
آ. (٣٠) قوله تعالى: ﴿وإذ يَمْكر﴾: هذا الظرفُ معطوفٌ على الظرف
قبله، و((ليُثْبتوك)) متعلِّقٌ بـ((يَمْكُرُ)). والتثبيتُ هنا الضربُ حتى لا يبقى
للمضروب حرکةٌ قال(٢):
٢٤٠٨- فقلت ويحك ماذا في صحیفتکمْ
قالوا الخليفةُ أمسى مُثْبَتاً وجِعا
وقرأ(٣) ابن وثاب ((ليُثَّبِّتوك)) فعدَّاه بالتضعيف. وقرأ النخعي (ليُبَيِّتُوك)) من
البيات.
آ. (٣٣) قوله تعالى: ﴿هو الحق): العامَّةُ على نصب ((الحق))
وهو خبر الكون و ((هو)) فصل، وقد تقدَّم الكلامُ عليه مُشْبعاً. وقال الأخفش (٤):
(هو) زائد، ومرادُه ما تقدَّم من كونِه فصلاً. وقرأ(٥) الأعمش وزيد بن علي
برفع (الحق))، ووجهُها ظاهرٌ برفع ((هو)) بالابتداء و ((الحق)) خبره، والجملةُ خبرُ
الكون كقوله(٦):
٢٤٠٩- تَحِنُّ إلى ليلى وأنت تركتَها وكنتَ عليها بالمَلا أنت أقدرُ
وهي لغةُ تميم. وقال ابن عطية (٧): ((ويجوز في العربية رفع ((الحق))
(١) لم أهتد إلى قائله وهو في المحرر الوجيز ٤٧/٨؛ البحر ٤٨٦/٤؛ القرطبي: ٣٩٦/٧.
(٢) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٤٨٧/٤؛ والقرطبي ٣٩٧/٧.
(٣) المحرر الوجيز ٤٩/٨؛ الكشاف ١٥٥/٢؛ الشواذ ص ٤٩.
(٤) معاني القرآن ٣٢١/٢.
(٥) البحر ٤٨٨/٤.
(٦) تقدم برقم (١٨٥٧).
(٧) المحرر ٥٢/٨.
:
٥٩٦

- الأنفال ـ
على خبر ((هو)، والجملةُ خبرٌ لـ ((كان)). وقال الزجاج(١): ((ولا أعلم أحداً قرأ
بهذا الجائزِ)). قلت: قد ظهر مَنْ قرأ به وهما رجلان جليلان.
وقوله: ((مِنْ عندك)) حالٌ من معنى الحق أي: الثابت حالَ كونه مِنْ
عندك. وقوله ((من السماء)) فيه وجهان أحدهما: أنه متعلقٌ بالفعل قبله.
والثاني: أنه صفة لحجارة فيتعلقُ بمحذوفٍ. وقولهم ((من السماء)) مع أن
المطر لا يكون إلا منها، قال الزمخشري(٢): ((كأنه أراد أن يقال: فأمطرْ علينا
السِّجِّيلَ، فوضعَ ((حجارة من السماء)) موضعَه، كما يقال: ((صبَّ عليه مسرودةٌ
من حديد)) تريد: درعاً)، قال الشيخ(٣): (إنه يريد بذلك التأكيد))، قال: ((كما
أن قوله ((من حديد)» معناه التأكيد؛ لأنَّ المسرودَ لا يكون إلا من حديد كما أن
الأمطار لا تكون إلا من السماء)). وقال ابن عطية (٤): ((قولهم من السماء مبالغة
وإغراق)). قال الشيخ(٥): ((والذي يظهر أنَّ حكمةً قولهم من السماء هي
مقابلتُهم مجيءَ الأمطارِ من الجهة التي ذَكَر عليه السلام أنه يأتيه الوحي من
جهتها أي: إنك تذكر أن الوحيَ يأتيك مِن السماء فَأَتِنا بالعذابِ من الجهة
التي يأتيك الوحي منها قالوه استبعاداً له)).
آ. (٣٣) قوله تعالى: ﴿لِيُعَذَّبَهم﴾: قد تقدَّم الكلامُ على هذه اللام
المسماة لام الجحود. والجمهورُ على كسرها. وقرأ أبو السمال(٦) بفتحها قال
ابن عطية (٧) عن أبي زيد: ((سمعت من العرب مَنْ يقول: ((لَيعذبهم)) بفتح
(١) معاني القرآن له ٤٥٥/٢.
(٢) الكشاف ١٥٥/٢.
(٣) البحر ٤٨٨/٤.
(٤) المحرر ٥٢/٨.
(٥) البحر ٤٨٩/٤.
(٦) البحر ٤ /٤٨٩؛ الشواذ ص ٤٩.
(٧) المحرر ٥٣/٨.
٥٩٧

- الأنفال -
اللام، وهي لغةٌ غيرُ معروفةٍ ولا مستعملةٍ في القرآن)»، قلت: يعني في
المشهور منه ولم يَعْتَدَّ بقراءة أبي السمال». وروى ابن مجاهد عن أبي زيد
[٤٢٧/أ] فتحَ كلّ لامٍ / عن بعض العرب إلا في ((الحمد لله))(١). وروى عبدالوارث
عن أبي عمرو فَتْحَ لامِ الأمرِ من قوله ((فَلْيَنْظُرِ الإِنسانُ إلى طعامِه))(٢).
وأتى بخبر ((كان)) الأولى على خلاف ما أتى به في الثانية، فإنه: إمّا أن:
يكونَ محذوفاً وهو الإِرادة كما يقدِّره البصريون أي: ما كان الله مُريداً
التعذيبهم، وانتفاءُ إرادة العذاب أبلغُ من نفي العذاب، وإمَّا أنه أكَّده باللام
على رأي الكوفيين لأنَّ كينونته فيهم أبلغُ من استغفارهم فشتّان بين وجودِهِ
عليه السلام فيهم وبين استغفارهم.
وقوله: ((وأنت فيهم)) حال، وكذلك ((وهم يَسْتغفرون)). والظاهر أن
الضمائرَ كلَّها عائدةٌ على الكفار وقيل: الضمير في ((يُعَذِّبهم)) و((مُعَذِّبهم))
للكفار، والضمير من قوله ((وهم)) للمؤمنين. وقال الزمخشري(٣): ((وهم
يستغفرون)) في موضع الحال، ومعناه نفيُ الاستغفارِ عنهم أي: ولو كانوا مِمَّن.
يؤمن ويَسْتغفر من الكفر لَمَا عِذَّبهم كقوله تعالى: ((وما كان ربك ليُهْلِكَ القرى
بظلمٍ وأهلُها مُصْلخَون))(٤) ولكنهم لا يَسْتغفرون ولا يؤمنون ولا يُتوقَّع ذلك.
منهم)) وهذا المعنى الذي ذكره منقولٌ عن قتادة وأبي زيد واختاره
ابنُ جرير(٥).
آ. (٣٤) قوله تعالى: ﴿أن لا يُعَذِّبَهم﴾: في ((أن)) وجهان، أحدهما:
(١) أي لام الجر كما في البحر ٤٨٨/٤، إذا دخلت على الظاهر أو ياء المتكلم
(٢) الآية ٢٤ من سورة عبس.
(٣) الكشاف ١٥٦/٢
(٤) الآية ١١٧ من سورة هود.
(٥) الطبري ٥١٧/١٣
٥٩٨

- الأنفال ـ
- وهو الظاهر ـ أنها مصدريةٌ، وموضعها: إمَّا نصبٌ أو جرُّ لأنها على حذف حرف
الجر؛ إذ التقدير: في أن لا يعذبهم. وهذا الجارُّ متعلقٌ بما تعلَّق به ((لهم)) من
الاستقرار. والتقدير: أيُّ شيءٍ استقرَّ لهم في عدم تعذيبِ اللَّهِ إِياهم، بمعنى
لا حظّ لهم في انتفاء العذاب. والثاني: أنها زائدةٌ وهو قول الأخفش(١). قال
النحاس(٢): ((لو كانت كما قال لَرَفع ((يُعَذِّبهم)). يعني النحلس فكان ينبغي
أن يرتفع الفعلُ على أنه واقعٌ موقعَ الحال كقوله: ((وما لنا لا نؤمن بالله))(٣)،
ولكن لا يلزم من الزيادة عدمُ العمل، ألا ترى أن ((مِنْ)) والباء تعملان وهما
مزيدتان(٤). وقال أبو البقاء(٥): ((وقيل: هو حال وهو بعيد؛ لأنَّ ((أَنْ)) تُخَلِّص
الفعلَ للاستقبال)). والظاهر أن ((ما)) في قوله ((وما لهم)) استئنافية، وهو استفهامٌ
معناه التقرير أي: كيف لا يُعَذَّبون وهم متصفون بهذه الحال؟ وقيل: ((ما))
نافية فهي إخبارٌ بذلك أي ليس عدمُ التعذيب، أي: لا ينتفي عنهم التعذيبُ
مع تلُسِهم بهذه الحال.
قوله: ((وما كانوا أولياءَه)) في هذه الجملةِ وجهان أحدهما: أنها
استئنافيةٌ، والهاء تعود على المسجد أي: وما كانوا أولياءَ المسجد. والثاني:
أنها نسقُ على الجملة الحالية قبلها وهي ((وهم يَصُدُّون)) والمعنى: كيف
لا يُعَذِّبُهم الله وهم متصفون بهذين الوَصْفَيْن: صَدِّهم عن المسجد الحرام
وانتفاءِ كونهم أولياءَه؟ ويجوز أن يعودَ الضميرُ على الله تعالى، أي: لم يكونوا
أولياء الله .
(١) معاني القرآن ٣٢٢/٢.
(٢) إعراب القرآن ٦٧٥/١.
(٣) الآية ٨٤ من سورة المائدة.
(٤) والأخفش نفسه بعد أن قرر زيادتها قال: ((وقد عملت وقد جاء في الشعر)).
(٥) الإملاء ٦/٢.
٥٩٩

- الأنفال ـ
: آ. (٣٥) قوله تعالى: ﴿إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيةً﴾: أي: ما كان شيءٌ مِمَّا
يَعُدُّونِه صلاةً وعبادةً إلا هذين الفعلين وهما المُكاء والتّصْدية، أي: إن كانٍ
لهم صلاةٌ فلم تكن إلا هذين كقول الشاعر(١):
٢٤١٠- وما كنت أخشى أن يكونَ عطاؤه
أداهِمَ سُوداً أو مُحَدْرَجَةً سُمْرًا.
فأقام القيود والسِّيَاطِ مُقام العطاء.
والمُكاء: مصدر مَكا يمكو، أي صَفَر بين أصابعه أو بين كَفَّيْه، قال
الأصمعي: ((قلت لمسجع بن نبهان: ما تمكو فريصتُه؟ فَشَبك بين أصابعه
وجَعَلها على فِيه ونفخ فيها. قلت: يريد قول عنترة(٢):
٢٤١١- وحَليلٍ غانيةٍ تركتُ مُجَدَّلَا تَمْكُو فريصتُه كشِدْقِ الْأَعْلَمِ
يقال: مَكَتِ الفَريصة، أي: صَوَّتَتَ بالدم. ومكت اسْتُ الدابة، أي:
نفخت بالريح. وقال مجاهد: المُكَّاء: صفير على لحنٍ طائرٍ أبيضَ يكون
بالحجاز (٣) قال الشاعر:
٢٤١٢ - إذا غرَّد المُكَّاء في غير روضةٍ
فويلٌ لأهل الشَّاءِ والحُمُرات
المُكّاء فُعَّال بناء مبالغة. قال أبو عبيدة(٤): ((يقال مكا يمكو مُكُوَّاً
ومُكاءً: صَفَر، والمُكاء بالضم كالبُكاء والصُّراخ. قيل: ولم يشذّ من أسماء
الأصوات بالكسرِ إلا الغِناء والنِّداء.
(١) تقدم برقم (١٤٦٩).
(٢) ديوانه ص ٢٠٧؛ تفسير الطبري ٥٢١/١٣. واللسان: مكا. الحليل: الزوج ..
مجدلاً: صريعاً على الأرض. الفريصة: لحمة ترعد عند الفزع؛ والأعلم: الجمل
المشقوق الشفة العليا.
(٣) لم أهتد إلى قائله وهو في اللسان: مكا. والقرطبي ٧/ ٤٠٠.
(٤) ليس في المجاز.
٦٠٠