النص المفهرس

صفحات 521-540

- الأعراف -
٢٣٤٤ - لِدُوا للموت وابْنُوا للخراب
وقول الآخر(١):
ولستُ أرىْ حَيّاً لحيٍّ يُخَلَّدُ
٢٣٤٥- ألا كلُّ مولودٍ فللموتِ يُوْلَدُ
وقول الآخر(٢):
كما لخرابِ الدور تُبْنَى المساكنُ
٢٣٤٦- فللموتِ تَغْذُو الوالداتُ سِخالَها
والثاني: أنها للعلةِ وذلك أنهم لمَّا كان مألُهم إليها جعل ذلك سبباً على
طريق المجاز.
وقد ردَّ ابن عطية (٣) على مَنْ جعلها لامَ العاقبة فقال: ((وليس هذا
بصحيح، ولامُ العاقبة إنما تُتَصَوَّر إذا كان فعل الفاعل لم يُقْصد مصيرُ الأمر
إليه، وأما هنا فالفعل قُصِد به ما يصير الأمر [إليه](٤) مِنْ سُكْناهم لجهنم))،
واللام على هذا متعلقة بـ ((ذَرَأْنا)). ويجوز أن تتعلق بمحذوف على أنه حال من
((كثيراً)) لأنه في الأصل صفة لها لو تأخر. ولا حاجة إلى ادعاء قلب وأن
الأصل: ذَرَأْنا جهنم لكثير لأنه(٥) ضرورةٌ أو قليلٌ.
و ((من الجن)) صفة لـ ((كثيراً)). ((لهم قلوب)) جملة في محل نصب: إمَّا
صفة لكثير أيضاً، وإمَّا حالاً من ((كثيراً)) وإن كان نكرة لتخصُّصِه بالوصف،
أو من الضمير المستكن في ((من الجن)) لأنه يَحْمل / ضميراً لوقوعِه صفةً. [٤١٥/أ]
ويجوز أن يكون ((لهم)) على حِدَته هو الوصف أو الحال، و((قلوب)) فاعل به
فيكون من باب الوصفِ بالمفرد وهو أولى. وقوله: ((لا يَفْقَهون بها)» وكذلك
(١) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٤٢٧/٤.
(٢) البيت لسابق البربري، وهو في المغني ٢٨٢؛ والخزانة ١٦٣/٤؛ والدرر ٣١/٢.
(٣) التفسير ٢٠٩/٧.
(٤) من ابن عطية .
(٥) أي القلب.
٥٢١

- الأعراف -
الجملةُ المنفيَّةُ في محلٌّ النعت لما قبلها، وهذا الوصفُ يكاد يكونُ لازماً
لو ورد في غير القرآن لأنه لا فائدةً بدونه لو قلت: ((لزيد قُلْبُ وله عين» وسكتّ
لم يظهر لذلك كبيرُ فائدةٍ .
آ. (١٨٠) قوله تعالى: ﴿الحُسْنِى): فيها قولان، أظهرهما: أنها
تأنيث ((أحسن))، والجمع المكسِّرُ لغير العاقل يجوز أن يُوْصَفَ بما يوصف به
المؤنث نحو: مآرب أخرى، ولو طُوبق به لكان التركيب الحَسَن كقوله: ((مِنْ
أيامٍ أُخَر))(١). والثاني: أن الحسنى مصدر على فُعْلَى كالرُّجْعَى والْبُقْيَا قال(٢).
٢٣٤٧ - ولا يَجْزونُ مِنْ حُسْنى بسوءٍ
و ((الأسماء)) هنا: الألفاظُ الدالّةُ على الباري تعالى كالله والرحمن. وقال
ابن عطية (٣): ((المرادُ بها التسمياتُ إجماعاً من المتأولين لا يمكن غيره، وفيه
نظرٌ لأنَّ التسمية مصدرٌ، والمصدر لا يُدْعى به على كلا القولين في تفسير
الدعاء، وذلك أن معنى ((فادعوه)) نادوه بها، كقولهم: يا الله يا رحمان ياذا
الجلال والإكرام اغفر لنا. وقيل: سمُّوه بها كقولك: ((سَمَّيْت ابني يزيد)) ..
قوله: ((يُلْحِدون)) قرأ حمزة(٤) هنا وفي النحل(٥) وحم السجدة(٦):
يَلْحدون بفتح الياء والحاء مِنْ لحد ثلاثياً. والباقون بضم الياء وكسرِ الحاء مِنْ
الحد. فقيل: هما بمعنى واحد، وهو المَيْل والانحراف. ومنه لَحْد القبر لأنه
يُمال، بحفره إلى جانبه، بخلاف الضريح فإنه يُحْفر في وسطه، ومن كلامهم
(١) ((فَعِدَّةٌ من أيام أخر)) الآية ١٨٤ من البقرة.
(٢) لم أقف عليه .
(٣) التفسير ٢١٢/٧.
(٤) السبعة ٢٩٨؛ الحجة ٣٠٣؛ البحر ٤٣٠/٤.
(٥) الآية ١٠٣ ((لسان الذي يُلحدون إليه أعجمي)).
(٦) الآية ٤٠ وهي فُصِّلَتْ ((إن الذين يُلْحِدون في آياتنا لا يَخْفُون علينا)).
٥٢٢

- الأعراف -
((ما فعل الواجد؟ قالوا لَحَدَه اللاحد)). وإلى كونهما بمعنى واحد ذهب ابن
السِّكِّيت وقال: ((هما العدول عن الحق)). وأَلْحد أكثر استعمالاً مِنْ لَحَدَ
قال(١):
٢٣٤٨ - ليس الإِمام بالشحيح المُلْجِدِ
وقال غيره: ((لَحَدَ بمعنى رَكَنَ وانضوى، وألحد: مال وانحرف» قاله
الكسائي. ونُقل عنه أيضاً: أَلْحَدَ: أعرض، ولحد: مال. قالوا: ولهذا وافق
حمزة في النحل إذ معناه: يميلون إليه.
وروى أبو عبيدة(٢) عن الأصمعي: ((ألحد: مارى وجادل، ولحد: حاد
ومال. ورُجِّحت قراءةُ العامة بالإجماع على قوله ((بإلحاد))(٣). وقال الواحدي:
(ولا يكاد يُسْمع من العرب لاحد)). قلت: فامتناعُهم من مجيء اسم فاعل
الثلاثي يدل على قلَّته وقد قَدَّمْتُ من كلامهم ((لحده اللاحِد)). ومعنى الإلحاد
فيها أن اشتقوا منها أسماءً لآلهتهم فيقولون: اللات من لفظ الله، والعزَّى من
لفظ العزيز، ومناة مِنْ لفظ المَنَّان، ويجوز أن يُراد سَمَّوه بما لا يليق بجلاله.
آ. (١٨١) قوله تعالى: ﴿ومَمَّن خَلَقْنا أمةٌ﴾: ((مَنْ)) يجوز أن تكون
موصولة أو نكرة موصوفة، و((يَهْدون)) صفة لـ ((أمة)). وقال بعضهم: ((في
(١) اختلفوا في نسبته بين أبي بجدلة وحميد الأرقط، وهو في الكتاب ٣٨٧/١، واللسان:
حد .
(٢) ليس في ((مجاز القرآن)) هذا النقل، وإنما قال: ((يلحدون: يجورون ولا يستقيمون)).
الجاز ٢٣/١ .
(٣) ((الآية ٢٥ من الحج: ((ومَنْ يُرِدْ فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم)» ووجهُ الاستدلال
أن إلحاد مصدر أفعل وهي قراءة العامة في ((يُلحدون)) أما حمزة فقد قرأ يَلْحَدون
فإجماعهم هنا على ((إلحاد) يُستأنس به في ترجيح يُلحدون هناك.
٥٢٣

- الأعراف -
الكلام حَذْفٌ تقديره: ومِمَّن خلقنا للجنة، يدل على ذلك ما ثبت لمُقابلھِمْ،
وهو قوله: ((ولقد ذَرَأْنًا لجهنم))(١).
آ. (١٨٢) قوله تعالى: ﴿والذين كذّبوا﴾: يجوز فيه وجهان،
أظهرهما: أنه مبتدأ وخبره الجملة الاستقبالية بعده. والوجه الثاني: أنه
منصوب على الاشتغال بفعلٍ مقدَّرٍ تقديرُه: سنستدرج الذين كذَّبوا
والاستدراج: التقريبُ منزلةً منزلةً والأخذ قليلاً قليلاً، من الذَّرَج لأن الصاعد
يرقى درجةً درجة وكذلك النازل. وقيل: هو مأخوذ من الدَّرْج وهو الطيّ ومنه:
(دَرَجَ الثوبَ)): طواه، و((دَرَجَ الميتَ)) مثله. والمعنى: تُطوى آجالهم.
وقرأ(٢) النخعي وابن وثاب: ((سَيَسْتَدْرِجُهم)) بالياء، فيحتمل أن يكون
الفاعلُ الباريَ تعالى، وهو التفاتٌ من التكلم إلى الغيبة، وأن يكون الفاعلُ
ضميرَ التكذيب المفهوم مِنْ قوله ((كذّبوا)). وقال الأعشى في الاستدراج(٣):
٢٣٤٩ - فلو كنتَ في جُبِّ ثمانين قامةً
ورُقِّيْتَ أسبابَ السماءِ بِسُلُّمِ
لَيَسْتَدْرِ جَنْكَ القولُ حتى تَهِرَّهُ
وتَعْلَمَ أَنِّي عنكمُ غَيْرُ مُلْجَمٍ
ويقال: (دَرَجَ الصبيُّ)): إذا قارب بين خطاه، ودرج القوم: مات
بعضهم إثرَ بعض.
آ. (١٨٣) قوله تعالى: ﴿وَأُمْلي﴾: جَوَّز أبو البقاء(٤) فيه أن يكون
خبر مبتدأ مضمر، أي: وأنا أُملي، وأن يكونَ مستأنفاً، وأن يكون معطوفاً على
(١) الآية ١٧٩ من الأعراف.
(٢) البحر ٤٣١/٤؛ الشواذ ٤٧.
(٣) ديوانه ١٢٣؛ والبحر ٤٣١/٤. تهره: تكرهه.
(٤) الإملاء ٢٨٩/١.
...
٥٢٤

- الأعراف -
((سنستدرج)). وفيه نظر إذ كان من الفصاحة لو كان كذا [لكان](١) ((ونُمْلِي))
بنون العظمة. ويجوز أن يكون هذا قريباً من الالتفات. والإملاء: الإِمهالُ
والتطويل. والمتين: القوي. ومنه المَتْنُ وهو الوسط لأنه أقوى ما في الحيوان.
وقد مَتْنَ يَمْتُنُ مَتانةً، أي: قَوِيَ. وقرأ العامَّة: ((إِنَّ كيدي)) بالكسر على
الاستئناف المُشْعر بالغلبة. وقرأ(٢) ابن عامر في رواية عبدالحميد(٣) ((أنَّ
كيدي)» بفتحِ الهمزة على العلة.
آ. (١٨٤) قوله تعالى: ﴿أو لم / يتفكروا ما بصاحبهم﴾: يجوز [٤١٥/ب]
في ((ما)) أوجه، أحدُها: أن تكونَ استفهاميةً في محلّ رفع بالابتداء، والخبر
(بصاحبهم)) أي: أيُّ شيء استقرَّ بصاحبهم من الجنون؟ فالجِنَّة مصدرٌ يُراد
بها الهيئة كالرِّكبة والجِّلسة. وقيل: المراد بالجِنَّة الجنُّ كقوله: ((من الجِنَّةِ
والناس)»(٤) ولا بد حينئذ مِنْ حذف مضاف أي: مَسِّ جنة أو تخبيط جنة.
والثاني: أن ((ما)) نافية، أي: ليس بصاحبهم جنون ولا مسُّ جِنّ. وفي
هاتين الجملتين: أعني الاستفهاميةً أو المنفية فيهما وجهان، أظهرهما: أنها
في محل نصب بعد إسقاطِ الخافض لأنهما عَلَّقا التفكّر لأنه من أفعال
القلوب. والثاني: أن الكلامَ تمَّ عند قوله: ((أو لم يتفكروا)) ثم ابتدأ كلاماً
آخر: إمَّا استفهامَ إنكار وإمَّا نفياً. وقال الحوفي: ((إنَّ (ما بصاحبهم)) معلقةٌ
لفعلٍ محذوف دلَّ عليه الكلامُ، والتقدير: أو لم يتفكروا فيعلموا ما بصاحبهم)).
قال: ((وتفكّر)) لا يُعَلَّقُ لأنه لم يدخل على جملة)). وهذا ضعيفٌ، لأنهم نَصُّوا
(١) سقط من الأصل.
(٢) البحر ٤٣١/٤.
(٣) عبدالحميد بن بكار أبو عبدالله الكلاعي الدمشقي أخذ عن أيوب بن تميم وروى عن
الوليد بن مسلم. ولم تُذكر وفاته. طبقات القراء ٦٠/١.
(٤) الآية ٦ من الناس.
٥٢٥

- الأعراف -
على أن فعلَ القلب المتعدِّي بحرفِ جر أو إلى واحد إذا عُلِّق هل يبقى على
حاله أو يُضَمَّن ما يتعدَّى لاثنين(١)؟
الثالث: أن تكون ((ما)) موصولة بمعنى الذي تقديره: أو لم يتفكروا في
الذي بصاحبهم، وعلى هذا يكون الكلام خرج على زعمهم. وعلى قولنا إنها
نافية يكون ((من جنة)) مبتدأ و ((مِنْ)) مزيدةٌ فيه و ((بصاحبهم)» خبره أي : ماجِنّة بصاحبهم.
آ. (١٨٥) قوله تعالى: ﴿وأنْ عسى﴾: ((أنْ)) فيها وجهان أحدهما:
- وهو الصحيح - أنها المخففةُ من الثقيلة، واسمُها ضمير الأمر والشأن.
و «عسى)) وما في حيِّزها في محل الرفع خبراً لها، ولم يُفْصل هنا بين أنْ
والخبر وإن كان فعلاً؛ لأن الفعل الجامد الذي لا يتصرَّف يشبه الأسماء، ومثله
((وأنْ ليس للإِنسان إلا ما سَعَى))(٢) ((والخامسة أنْ غَضِبَ الله عليها))(٣) في
قراءة نافع لأنه دعاء. وقد وقع خبرُ ((أَنْ)) جملةٌ طلبية في هاتين الآيتين
الأخيرتين فإنَّ ((عسى)) للإِنشاء، و((غضب الله)) دعاء.
والثاني: أنها المصدرية، قاله أبو البقاء(٤) يعني التي تنصب المضارع
الثنائية الوضع، وهذا ليس بجيد؛ لأن النحاةَ نَصُوا على أنَّ ((أَنْ)) المصدرية
لا تُوصل إلا بالفعل المتصرِف مطلقاً أي ماضٍ ومضارع وأمر و((عسىْ)).
لا يتصرف فكيف يقع صلة لها؟ و ((أنْ)) على كلا الوجهين
في محل جرِّ نَسَقاً على ((ملكوت))، أي: وألم ينظروا في أن الأمر والشأن
عسى أن يكون. و((أن يكون)) فاعل عسى، وهي حينئذٍ تامَّةٌ لأنها متى رفعت
أَنْ وما في حيزها كانت تامةً، ومثلها في ذلك أوشك واخلولق. وفي اسم
(١) انظر المسألة في: البحر ٤٣٢/٤.
(٢) الآية ٣٩ من النجم.
(٣) الآية ٩ من النور وأنظر: السبعة ٤٥٣.
(٤) الإملاء ٢٨٩/١.
٥٢٦

- الأعراف -
((يكون)) قولان، أحدُهما: هو ضمير الشأن، ويكون ((قد اقترب أجلهم)) خبراً
لها. والثاني: أنه ((أجلُهم)) و ((قد اقترب)) جملةٌ من فعلٍ وفاعلٍ هو ضمير
((أجلهم)) ولكن قَدَّم الخبر - وهو جملة فعلية - على اسمها، وقد تقدَّم ذلك
والخلاف فيه: وهو أن ابن مالك(١) يجيزه، وابن عصفور(٢) يمنعه، عند قوله:
((ما كان يصنعُ فرعون))(٣).
قوله: ((فبأيِّ)) متعلَّقٌ بـ يُؤْمنون)) وهي جملةٌ استفهامية سِيقَتْ للتعجب،
أي: إذا لم يؤمنوا بهذا الحديث فكيف يُؤْمنون بغيره؟ والهاء في ((بعده))
تحتمل العَوْدَ على القرآن وأن تعودَ على الرسول، ويكون الكلامُ على حَذْف
مضافٍ، أي: بعد خبره وقصته، وأن تعود على ((أجلهم))، أي: إنهم إذا ماتوا
وانقضى أجلُهم فكيف يُؤمنون بعد انقضاء أجلهم؟ قال الزمخشري (٤): ((فإن
قلت: بم تُعَلَّق قوله: ((فبأي حديث بعده يؤمنون))؟ قلت: بقوله ((عسى أن
يكونَ قد اقترب أجلهم)). كأنه قيل: لعل أجلّهم قد اقترب فما لهم لا يبادرون
[إلى](٥) الإِيمان بالقرآن قبل الموت، وماذا ينتظرون بعد وضوح الحق، وبأي
حديثٍ أحقُّ منه يريدون أن يؤمنوا))؟ يعني التعلَّق المعنويَّ المرتبطَ بما قبله
لا الصناعي وهو واضح.
قوله: ((ويَذَرهم)) قرأ(٦) الأخَوان بالياء وجزم الفعل، وعاصم وأبو عمرو
بالياء أيضاً ورفع الفعل، ونافع وابن كثير وابن عامر بالنون ورفع الفعل أيضاً.
وقد رُوي الجزمُ أيضاً عن نافع وأبي عمرو في الشواذ. فالرفعُ من وجهٍ واحدٍ
(١) عبارة ابن مالك في شرح الشافية الكافية ٤٠٠/١ تحتمل ذلك.
(٢) انظر: شرح الجمل له ١٧٧/٢.
(٣) الآية ١٣٧ من الأعراف.
(٤) الكشاف ١٣٣/٢.
(٥) من الكشاف.
(٦) السبعة ٢٩٨؛ الحجة ٣٠٣؛ البحر ٤٣٣/٤.
٥٢٧

- الأعراف -
وهو الاستئناف أي: وهو يَذَرُهم، أو: ونحن نذرهم على حسب
[٤١٦/أ] القراءتين. / وأمَّا السُّكون فيحتمل وجهين أحدهما: أنه جزم نسَقاً على محلِّ
قوله ((فلا هادي له)) لأن الجملة المنفيَّة جوابٌ للشرط فهي في محلّ جزمٍ
فَعَطَف على مَحَلِّها وهو كقوله تعالى: ((وإنْ تُخْفوها وتُؤْتوها الفقراء فهو خير
لكم ويكفِّر))(١) بجزم ((يكفر))، وكقول الشاعر(٢):
٢٣٥٠- أنَّى سلكتَ فإنني لك كاشحٌ وعلى انتقاصِك في الحياة وأُزْدَدِ
وأنشد الواحدي أيضاً قول الآخر(٣):
٢٣٥١ - فَأَبْلوني بَلِيَّتَكمْ لعلِّي
أُصالِحُكم وأَسْتدِرِجْ نَوَيًّا :
قال: ((حمل ((أستدرج)) على موضع الفاء المحذوفة من قوله ((فلعلي
أصالحكم)). والثاني: أنه سكونُ تخفيف كقراءة أبي عمرو: ((ينصركم)) (٤)
و (يشعركم)»(٥) ونحوه. وأما الغيبة(٦) فَجَرْياً على اسم الله تعالى، والتكلم
على الالتفات من الغيبة إلى التكلم تعظيماً.
آ. (١٨٧) قوله تعالى: ﴿أيَّان مُرْساها﴾: فيه وجهان أحدهما: أن
((أيان)) خبر مقدم(٧)، و((مُرْساها)) مبتدأ مؤخر. والثاني: أن ((أيان)) منصوب.
(١) الآية ٢٧١ من البقرة.
(٢) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٤٣٣/٤؛ وابن عطية ٢١٩/٧.
(٣) البيت لأبي داؤد وهو في الخصائص ١٧٦/١؛ وأمالي الشجري ٢٨٠/١؛ والمغني
٥٥٣؛ واللسان: علل. أبلوني: أعطوني. البلية: الناقة تربط عند قبر صاحبها حتى
تموت. نويا: مفردها نوى وهي الجهة التي ينويها المسافر مِنْ قرب أو بُعد.
(٤) من الآية ١٦٠ من آل عمران: ((فمن ذا الذي ينصركم من بعده)).
(٥) من الآية ١٠٩ من الأنعام: ((وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون)). وانظر: السبعة
٢٦٥. وانظر: أيضاً بحثاً مفصلاً حول تسكين أبي عمرو في إعراب المؤلف للآية ١٧٠
من آل عمران.
(٦) أي في قوله ((ویذرهم)).
(٧) هذا على أسلوب الاختصار لأنه ظرف زمان متعلق بخبر محذوف.
٥٢٨

- الأعراف -
على الظرف بفعل مضمر، ذلك الفعل رافع لـ ((مرساها)) بالفاعلية، وهو مذهب
أبي العباس. وهذه الجملةُ في محل نصب لأنها بدل من ((الساعة)) بدلُ
اشتمال، وحينئذ كان ينبغي ألاّ تكون في محل جر لأنها بدل من مجرور. وقد
صرَّح بذلك أبو البقاء فقال(١): ((والجملةُ في موضع جر بدلاً من ((الساعة))
تقديره: يسألونك عن زمان حلول الساعة))، إلا أنه مَنَع مِنْ كونها مجرورةً
المحل أن البدل في نيَّة تكرار العامل، والعامل هو ((يَسْألونك)) والسؤال يعلق
بالاستفهام وهو متعدٍّ، يعني فتكون الجملة الاستفهاميةُ في محلٌّ نصب بعد
إسقاط الخافض كأنه قيل: يسألونك أيان مُرْسى الساعة، فهو في الحقيقة بدلُ
من موضع ((عن الساعة)) لأن موضع المجرور نصب، ونظيره في البدل على
أحسن الوجوه فيه: عَرَفْتُ زيداً أبو مَنْ هو.
و ((أيان)) ظرف زمان مبني لتضمُّنه معنى الاستفهام ولا يتصرف، ويليه
المبتدأ والفعل المضارع دون الماضي، بخلاف ((متى)) فإنها يليها النوعان.
وأكثرُ ما تكون ((أيَّان)) استفهاماً كقول الشاعر(٢):
٢٣٥٢- أيَّان تَقْضي حاجتي أيَّانا أما تَرى لفِعْلها إبّانا
وقد تأتي شرطيةً جازمة لفعلين. قال الشاعر(٣):
٢٣٥٣ - أيَّان نُؤْمِنْكَ تُؤْمَنْ غيرَنا وإذا لم تُدْرِكِ الأمنَ منَّا لم تزلْ حَذِرا
وقال آخر (٤):
فأيّان ما تَعْدِلْ بها الريحُ تَنْزِلٍ
٢٣٥٤ - إذا النَّعْجَةُ العَجْفاءُ باتت بقَفْرةٍ
(١) الإملاء ٣٩٠/١.
(٢) لم أهتد إلى قائله وهو في تفسير الطبري ٢٩٣/١٣؛ ومجاز القرآن ٢٣٤/١؛ وابن عطية
٢٢٠/٧.
(٣) لم أهتد إلى قائله وهو في شرح الشذور ٣٣٦؛ والعيني ٤٢٣/٤؛ والبحر ٤١٩/٤.
(٤) لم أهتد إلى قائله وهو في الجمع ٦٣/٢؛ والدرر ٨٠/٢.
٥٢٩

- الأعراف -
والفصيحُ فتحُ همزتها وهي قراءةُ العامة. وقرأ(١) السُّلمي بكسرها وهي
لغة سُلَيْمِ. واختلف النحويون في ((أَيَّان)): هل هي بسيطةٌ أم مركبة؟ فذهب
بعضُهم إلى أن أصْلَها: أيّ أوانٍ فَحُذِفَت الهمزةُ على غيرِ قياس ولم يُعَوَّضْ
منهاشيء، وقُلبت الواو ياء على غير قياس، فاجتمع ثلاثُ ياءات فاسْتُثْقِل ذلك
فَحُذِفت إحداهن، وبُنيت الكلمةُ على الفتح فصارت أيان. واختلفوا فيها
أيضاً: هل هي مشتقةٌ أم لا؟ فذهب أبو الفتح إلى أنها مشتقة مِنْ أَوَيْتُ إليه،
لأن البعض آوٍ إلى الكل، والمعنى: أيّ وقت وأي فعلٍ ، ووزنه فَعْلان أو فِعْلانِ
بحسب اللغتين، ومنع أن يكون وزنه فَعَّالاً مشتقةً مِنْ («أين)»، لأنَّ أين ظرف
مکان وایان ظرف زمان.
ومُرْساها يجوز أن يكون اسم مصدر وأن يكون اسم زمان، قال
الزمخشري(٢): ((مُرْساها: إرساؤها أو وقت إرسائها، أي: إثباتها وإقرارها)).
قال الشيخ(٣) ((وتقديره: وقت إرسائها ليس بجيدٍ، لأن ((أَيَّن)) استفهام عن
الزمان فلا يَصِحُّ أن يكونَ خبراً عن الوقت إلا بمجاز لأنه يكون التقدير: في
أي وقتٍ وقتُ إرسائها)) وهو كلام حسن، ويقال: رسا يرسو: ثَبَتَ، ولا يقال
إلا في الشيء الثقيل نحو: رَسَت السفينةُ تَرْسُوِ، وأَرْسَيْتِها.
قوله: ((عِلْمُهَا)) مصدرٌ مضاف للمفعول والظرف خبره. وقوله: ((في
.السموات)) يجوز فيهاوجهان، أحدهما: أن تكون ((في)) بمعنى على، أي: على
أهل السموات أو هي ثقيلة على نفس السموات والأرض لانشقاق هذه وزلزال
ذي. والثاني: أنها على بابها من الظرفية، والمعنى: حَصَل ثِقَلُها وهو شِدَّتها
أو المبالغة في إخفائها في هذين الطرفين.
(١) البحر ٤٣٤/٤.
(٢) الكشاف ١٣٤/١:
(٣) البحر ٤ /٢٣٤.
٥٣٠

- الأعراف -
قوله: ((كأنك حفيٍّ)) هذه الجملة التشبيهية في محل نصبٍ على الحال
مِنْ مفعولِ ((يسألونك)). وفي ((عنها)) وجهان، أحدهما: أنها متعلقةٌ بيسألونك
وكأنك حَفِيٌّ معترض، وصلتها محذوفة تقديره: حَفِيُّ بها.
وقال أبو البقاء (١): ((في الكلام تقديمٌ وتأخير، ولا حاجةً إلى ذلك لأن
هذه كلَّها متعلقاتٌ للفعل فإنَّ قولَه: / ((كأنك حفيٍّ)) حال كما تقدم. والثاني: [٤١٦/ب]
أنَّ ((عن)) بمعنى الباء كما أن الباء بمعنى عن كقوله: ((فاسألْ به خبيراً)(٢)
((ويوم تَشَقَّق السماء بالغمام))(٣) لأن حَفِي لا يتعدَّى بـ ((عن)) بل بالباءِ كقوله:
((كان بي حَفِيّا)»(٤) ويُضَمَّن معنى شيء يتعدَّى بـ((عن))، أي: كأنك كاشف
بحفاوتك عنها .
والحَفِيُّ: المستقصي(٥) عن الشيء، المهتبل(٦) به، المعتني بأمره
قال(٧):
٢٣٥٥ - سؤال حفيّ عن أخيه كأنه بذُكْرَتِهِ وَسْنانُ أو مُتَواسِنُ "
وقال آخر (٨):
السائلةٍ عنا حَفِيّ سؤالُها
٢٣٥٦- فلمَّا التقينا بَيَّن السيفُ بيننا
(١) الإِملاء ٣٩٠/١.
(٢) الآية ٥٩ من الفرقان.
(٣) الآية ٢٥ من الفرقان.
(٤) الآية ٤٧ من مريم.
(٥) لا تتعدى هذه المادة بـ ((عن)) يقال: استقصى الأمر وفيه: بلغ أقصاه في البحث عنه.
(٦) اهتبل الصيد: بغاه واغتنمه.
(٧) البيت للمعطّل الهذلي وهو في ديوان الهذليين ٤٥/٣؛ والطبري ٣٠١/١٣؛ وابن عطية
٢٢١/٧؛ والبحر ٤١٩/٤؛ والذكرة: ضد النسيان.
(٨) البيت لأنيف بن زبان النبهاني وهو في الحماسة ١٠٣/١؛ والكامل ٩٤/١ منسوباً لرجل
من طيء، وابن عطية ٢٢١/٧؛ والبحر ٤١٩/٤.
٥٣١

. - الأعراف -:
وقال الأعشى(١):
حَفِيٍّ عن الأعشى به حيث أَصْعَد !.
٢٣٥٧- فإنْ تَسْأَلي عني فیا رُبُّ سائلٍ
؛
والإِحْفاء: الاستقصاء ومنه ((إحفاء الشوارب)) والحافي، لأنه حَفِيَتْ
قدمُه في استقصاء السَّير. والحفاوة: البُّ واللطف.
وقرأ عبدالله (٢) ((حَفِيٍّ بها)) وهي تَدُلُّ لمن ادَّعى أن ((عَنْ)) بمعنى الباء ..
وحَفِيٌّ فعيل بمعنى مفعول أي: محفوٌّ. وقيل: بمعنى فاعل أي: كأنك مبالغٌ
في السؤال عنها ومتطلع إلى عِلْمِ مجيئها.
آ. (١٨٨) قوله تعالى: ﴿لنفسي﴾: فيه وجهان، أحدهما: أنها
متعلقة بأملك. والثاني: أنها متعلقةٌ بمحذوف على أنها حال من ((نفعاً)) لأنه
في الأصل صفةٌ له لو تأخر. ويجوز أن يكون ((لنفسي)) معمولاً بـ((نفعاً)، واللامُ
زائدةٌ في المفعول به تقويةً للعامل لأنه فرع، إذ التقدير: لا أملك أن أنفع
نفسي ولا أن أضرَّها. وهو وجةٌ حسن.
قوله: ((إلا ما شاء الله)» في هذا الاستثناء وجهان، أظهرهما: أنه متصل،
أي: إلا ما شاء الله تمكيني منه فإني أملكه. والثاني - وبه قال ابن عطية (٣)،
وسبقه إليه مكيّ (٤) _: أنه منقطعٌ، ولا حاجةَ تدعو إليه أنه منقطع.
قوله: ((وما مَسَّني السوءُ)) عطف على جواب ((لو)) وجاء هنا على أحسنٍ.
الاستعمال من حيث أثبت اللام في جواب ((لو)) المثبت(٥) وإن كان يجوزُ
(١) ديوانه ١٨٥؛ والصحاح (حفي))؛ والقرطبي ٣٣٦/٧. وأصعد: مضى في البلاد.
(٢) البحر ٤ /٤٣٥؛ الشواذ ٤٧ .
(٣) التفسير ١.٢٢٢/٧
(٤) المشكل ٣٣٧/١:
(٥) في قوله «لاستكثرت)).
٥٣٢

- الأعراف -
غيرُه، وقد تقدَّم، وحَذَف اللامَ من المنفيّ لأنه يمتنع ذلك فيه. وقال
الشيخ(١): ((ولم تصحب ((ما) النافيةَ - أي اللام-، وإن كان الفصيحُ أن
لا تصحبَها كقوله: ((ولو سمعوا ما استجابوا لكم))(٢). وفيه نظرٌ لأنهم نصُّوا
على أن جوابَها المنفيَّ لا يجوز دخولُ اللام عليه .
قوله: ((لقوم)) هذه من باب التنازع فُختار عند البصريين تعلُّقُه بـ((بشير))
لأنه الثاني، وعند الكوفيين بالأول لسبقه، ويجوز أن يكونَ المتعلَّق بالنذارة
محذوفاً، أي: نذير للكافرين، ودَلَّ عليه ذِكْرُ مقابله، وهو قريب من حذف
المعطوف كقوله: ((تقيكم الحَرَّ»(٣).
آ. (١٨٩) قوله تعالى: ﴿حَمّلاً﴾: المشهور أن الحَمل بالفتح ما كان
في بطن أو على رأس شجرة، وبالكسر ما كان على ظهر أو رأس [غير]
شجرة. وحكى أبو سعيد(٤) في حمل المرأة: حِمْل وحَمْل. وحكى يعقوب(٥)
في حمل النخلة الكسرة. والحمل في الآية يجوز أن يراد به المصدرُ فينتصبَ
انتصابَه، وأن يُراد به نفسُ الجنين، وهو الظاهر، فينتصبَ انتصابَ المفعول به
كقولك: حَمَلْت زيداً.
قوله: ((فَمَرَّت)) الجمهورُ على تشديد الراء ومعناه: استمرت به، أي:
قامَتْ وقعدت. وقيل: هو على القلب، أي: فمرَّ بها، أي استمر ودام.
وقرأ ابن عباس(٦) وأبو العالية ويحيى بن يعمر وأيوب ((فَمَرَتْ)) خفيفةً
(١) البحر ٤٣٧/٤.
(٢) الآية ١٤ من فاطر.
(٣) ((وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر)) الآية ٨١ من النحل.
(٤) وهو السيرافي.
(٥) انظر: المشوف المعلم ٢١٥/١.
(٦) البحر ٤ /٤٣٩؛ الشواذ ٤٧.
٥٣٣

ـ الأعراف -
الراء، وفيها تخريجان ، أحدهما: أن أصلها التشديد، ولكنهم كرهوا
التضعيف في حرف مكرر فتركوه، وهذا كقراءة ((وقّرْن))(١) بفتح القاف إذا
جَعَلْناه من القرار. والثاني: أنه من المِرْية وهو الشك، أي: فشكَّتْ بسببه
أهو حَمْل أم مرض؟
وقرأ عبدالله بن عمرو بن العاص والجحدري: ((فمارَتْ)) بألف وتخفيف
الراء. وفيها أيضاً وجهان، أحدهما: أنها مِنْ مار يمور، أي جاء وذهب،
ومارَتِ الريح، أي: جاءت وذهَبَتْ وتصرَّفَتْ في كل وجه، ووزنه حينئذ فَعَلَتْ
والأصل مَوَرَتْ، ثم قُلبت الواو ألفاً فهو كطافَتْ تطوف. والثاني: أنها من
المِرْية أيضاً قاله الزمخشري (٢) وعلى هذا فوزنه فاعَلَت والأصل: مارَيَتْ
كضارَبَتْ، فتحرك حرف العلة وانفتح ما قبله فَقُلِبَ ألفاً، ثم حُذِفَتْ لالتقاءِ
الساكنين فهو كبارَتْ(٣) ورامت.
وقرأ سعد بن أبي وقاص وابن عباس أيضاً والضحاك ((فاسْتَمَرَّتْ به))
وهي واضحة. وقرأ أُبَيّ ((فاستمارَتْ)) وفيها الوجهان المتقدمان في ((فمارَتْ))،
[٤١٧/أ] أي: أنه يجوز / أن يكون من المِرْية، والأصل ((اسْتَمْرَيَتْ))(٤)، وأن يكون من
المَوْر والأصل: استَمْوَرَتْ.
قوله: ((أَثْقَلَتْ))، أي: صارت ذا ثِقل كقولهم: أَلْبَنَ الرجل وأَتْمَرَ، أي ::
(١) الآية ٣٣ من الأحزاب وهي قراءة نافع وعاصم وقرأ الباقون بالكسر. السبعة ٥٢١.
(٢) الكشاف ١٣٦/٢
(٣) بارت في الأمر: عارضت وفعلَتْ مثله.
(٤) هذا سهو من المؤلف لأن الياء على كلامه تحركت وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً فأصبحت!
((اسْتَمْراتْ)) فالتقى ساكنان، حذفت الألف فأصبحت استَمْرَتْ، في حين أن القراءة:
(فاستمارَتْ)) وينبغي أن يكون الأصل فاستمارَيَتْ تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت
ألفاً فأصبحت فاستمارأتْ، فالتقى ساكنان فحذفت الألف فأصبحت ((فاستمارَتْ)).
٥٣٤

- الأعراف -
صار ذا لبنٍ وتمرٍ. وقيل: دخلت في الثقل، كقولهم: أصبح وأمسى، أي:
دخلَتْ في الصباح والمساء. وقرىء (١) (أَتْقِلَتْ)) مبنياً للمفعول.
قوله: ((دَعَوا الله)) متعلَّقُ الدعاء محذوفٌ لدلالة الجملة القسمية عليه،
أي: دَعَواه في أن يُؤْتيَهما ولداً صالحاً.
وقوله: ((لئن آتَيْتَنا)) هذا القسمُ وجوابُه فيه وجهان، أظهرهما: أنه مفسّرٌ
لجملة الدعاء کأنه قيل: فما کان دعاؤهما؟ کان دعاؤهما کیت وکیت، ولذلك
قلت: إن هذه الجملةَ دالَّةٌ على متعلق الدعاء. والثاني: أنه معمول لقول مضمر
تقديره: فقالا: لئن آتيتنا. و((لنكونَنَّ)) جوابُ القسم، وجواب الشرط محذوفٌ
على ما تقرَّر. و((صالحاً) فيه قولان أظهرهما: أنه مفعولٌ ثان، أي: ولداً
صالحاً. والثاني - وبه قال مكي - (٢): أنه نعتُ مصدرٍ محذوف، أي: إيتاءً
صالحاً. وهذا لا حاجةً إليه لأنه لا بد مِنْ تقدير المؤتى لهما.
آ. (١٩٠) قوله تعالى: ﴿جَعَلا له﴾: قيل: ثَمَّ مضاف، أي: جعل
له أولادُهما شركاء، وإلا فحاشا آدم وحواء من ذلك، وإن جُعِل الضمير ليس لآدم
وحواء فلا حاجة إلى تقديره. وقيل في الآية أقوال تقتضي أن يكون الضميرُ
لآدم وحواء من غيرِ حَذْفِ مضاف بتأويل ذُكر في التفسير(٣).
وقرأ نافع (٤) وأبو بكر عن عاصم ((شِرْكً) بكسر الشين وتسكين الراء
وتنوين الكاف. والباقون بضمِّ الشين وفتح الراء ومدّ الكافِ مهموزةً من غير
تنوين، جمع شريك، فالشِرْك مصدرٌ ولا بد من حَذْف مضاف، أي: ذوي
شِرْك بمعنى إشراك، فهو في الحقيقة اسمُ مصدر. وقيل: المرادُ بالشرك
(١) البحر ٤ / ٤٤٠.
(٢) المشكل ٣٣٧/١.
(٣) يقال إن الشرك في طاعة إبليس في التسمية بعبد الحرث. انظر: ابن عطية ٢٢٥/٧.
(٤) السبعة ٢٩٩؛ الحجة ٣٠٤؛ البحر ٤٤٠/٤.
٥٣٥

- الأعراف -
النصيبُ، وهو ما جعلاه مِنْ رزقهما له يأكله معهما، وكانا يأكلان ويشربان
وحدَهما. فالضمير في ((له)) يعود على الولد الصالح. وقيل: الضمير في ((له))
لإِبليس ولم يَجْرِ لهِ ذِكْر. وهذان الوجهان لا معنى لهما. وقال مكي(١).
وأبو البقاء(٢) وغيرهما: إن التقدير يجوز أن يكون: جَعَلا لغيره شِرْكاً. قلت:
هذا الذي قدَّروه(٣) هؤلاء قد قال فيه أبو الحسن (٤): ((كان ينبغي لمَنْ قرأ
((شِرْكً)) أن يقول: المعنى: جعلا لغيره شِرْكاً [فيما أتاهما](٥) لأنهما لا يُنْكِران
أن الأصل لله، فالشرك إنما لجعله لغيره)).
قوله: ((فتعالى اللَّهُ عَمَّا يُشْركون)) قيل: هذه جملةٌ استئنافية، والضميرُ
في ((يشركون)» يعود على الكفار، والكلامُ قد تَمَّ قبله. وقيل: يعودُ على آدم
وحواء وإبليس، والمرادُ بالإِشراك تسميتُهما لولٍ ثالث بعبد الحرث، وكان أشار
بذلك إبليس، فالإِشراك في التسمية فقط. وقيل: لم يكن آدمُ عَلِم، ويؤيد
الوجه الأولَ قراءةُ السلمي ((عَمَّا تشركون)) بتاء الخطاب، وكذلك ((أَتُشرِكون))
بالخطاب أيضاً وهو التفات.
آ. (١٩١) قوله تعالى: ﴿وهم يُخْلَقون﴾: يجوز أن تعود على
((ما)) من حيث المعنى، والمراد بها الأصنام، وعَبَّر عنهم بـ ((هم)) لاعتقاد
الكفار فيها ما يعتقدون في العقلاء، أو لأنهم مختلطون بمَنْ عُبِد من العقلاء:
كالمسيح وعُزَير، أو يعود على الكفار، أي: والكافرون مخلوقون فلو تفكّروا
في ذلك لآمنوا.
(١) المشكل ٣٣٧/١.
(٢) الإملاء ٣٩٠/١.
(٣) كذا على لغة أكلوني البراغيث.
(٤) وهو الأخفش في ((معاني القرآن)) ٣١٦/٢.
(٥) زيادة من الأخفش
٥٣٦

- الأعراف -
آ. (١٩٣) قوله تعالى: ﴿وإن تَدْعوهم﴾: الظاهرُ أن الخطاب
للكفار وضميرَ النصب للأصنام، والمعنى: وإن تدعوا آلهتكم إلى طَلَب هدى
ورشاد كما تطلبونه من الله لا يتابعوكم على مُرادكم. ويجوز أن يكونَ الضميرُ
للرسول والمؤمنين والمنصوب للكفار: وإن تدعوا أنتم هؤلاء الكفار إلى
الإِيمان. ولا يجوز أن يكونَ ((تَدْعوا)) مسنداً إلى ضمير الرسول فقط،
والمنصوبُ للكفار أيضاً، لأنه كان ينبغي أن تُحذف الواو لأجل الجازم،
ولا يجوز أن يُقال قَدَّر حَذْفَ الحركة وثبت حرف العلة كقوله(١):
مِنْ هَجْوِ زبَّنَ لم تهجو ولم تَدَعِ
٢٣٥٨ - هَجَوْت زَبَّان ثم جِئْتَ مُعْتذراً
ويكون مثلَ قوله تعالى: ((إنه مَنْ يتقي / ويصبر))(٢) ((فلا تنسَىْ))(٣) [٤١٧/ب]
(لا تَخَفْ دَرَكاً ولا تخشى)»(٤) لأنه ضرورةٌ، وأمّا الآيات فمؤولة وسيأتي ذلك،
وقد مضى منه جملة.
قوله: ((لا يَتَبِعكم)) قرأ(٥) نافع بالتخفيف وكذا في الشعراء(٦) (يَتْبَعُهم))،
والباقون بالتشديد، فقيل: هما لغتان، ولهذا جاء في قصة آدم: ((فَمَنْ
تَبَع))(٧)، في موضع آخر ((اتّبع))(٨). وقيل: تبع: اقتفى أثره، واتَّبعه -
بالتشدید - اقتدى به. والأول أظهر.
(١) لم أهتد إلى قائله وهو في أمالي الشجري ٨٥/١؛ وابن يعيش ١٠٤/١٠؛
والهمع ٥٢/١؛ والدرر ٢٨/١.
(٢) وهي رواية قنبل عن ابن كثير في الوصل والوقف «إنه مَنْ يتقي ويصبرْ فإن الله لا يضيع
أجر المحسنين)) الآية ٩٠ من يوسف. انظر: السبعة ٣٥١.
(٣) الآية ٦ من الأعلى. وإثبات الألف بالإجماع.
(٤) الآية ٧٧ من طه، قرأ حمزة ((لا تخفْ)) وقرأ الجميع ((ولا تخشى)). انظر: السبعة ٤٢١.
(٥) السبعة ٣٠٥؛ السبعة ٢٩٩؛ البحر ٤٤١/٤.
(٦) الآية ٢٢٤. وانظر: السبعة ٤٧٤.
(٧) الآية ٣٨ من البقرة: ((فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون)).
(٨) الآية ١٢٣ من طه: ((فَمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى)).
٥٣٧

- الأعراف -
قوله: ((أم أنتم صامتون)) هذه جملةٌ اسميةٌ عُطفت على أخرى فعلية
لأنها في معنى الفعلية، والتقدير: أم صَمَّتُّم. وقال أبو البقاء (١): ((جملةٌ اسمية
في موضعِ الفعلية والتقدير: أدعوتموهم أم صَمَّتُّم)). وقال ابن عطية(٢):
((عَطَفَ الاسمَ على الفعل إذ التقدير: أم صَمَتُّم، ومثله قول الشاعرِ(٣):
٢٣٥٩ - سواءٌ عليك الفقرُ أم بِتَّ ليلةً
بأهل القباب مِنْ نميرٍ بن عامٍ
قال الشيخ (٤): ((وليس(٥) من عَطْفِ الفعلِ على الاسم، إنما هو من
عَطْفِ الاسمية على الفعلية، وأمَّا البيتُ فليس فيه عطفُ فعلٍ على اسم، بل
مِنْ عطفِ الفعليةِ على اسمٍ مقدَّرٍ بالفعلية إذ الأصل: سواء عليك أفتقرْتَ أم
بِتَّ، وإنما أَتَّى في الآية بالجملة الثانية اسمية لأن الفعلَ يُشعِر بالحدوث
ولأنها رأسُ فاصلة)».
والصَّمْتُ: السكون، يقال منه: صَمَت يصمُت: بالفتح في الماضي
والضم في المضارع. ويقال: صَمِت بالكسر يصمت بالفتح، والمصدر:
الصَّمْت والصُّمات. و((إِصْمِت)) بكسر الهمزة والميم اسمُ فلاة معروفة،
وهو منقولٌ من فعل الأمر من هذه المادة. وقد رَدَّ بعضهم هذا بأنه لو كان منقولاً
من الأمر لكان ينبغي أن تكون همزتُه همزةَ وصل، ولكان ينبغي أن تكون ميمُه
مضمومةً إن كان مِنْ يَصْمُت، أو مفتوحةً إن كان من يَصْمَت، ولأنه كان ينبغي
ألَّ يؤنث بالتاء وقد قالوا إصْمِتة. والجواب أن فعلَ الأمر يجبُ قَطْعُ همزتِهِ إذا
(١) الإملاء ٣٩٠/١.
(٢) التفسير ٢٢٨/٧ .
(٣) لم أهتد إلى قائله، وهو في العيني ١٧٩/٤؛ والبحر ٤٤٢/٤؛ وابن عطية ٢٢٨/٧.
(٤) البحر ٤٤٢/٤ وقد حدث اضطراب في الرد على ابن عطية في مطبوعة البحر.
(٥) أي في الآية.
٥٣٨

- الأعراف -
سُمِّي به نحو ((إشرب)) لأنه ليس لنا من الأسماء ما همزته للوصل إلا أسماءٌ
عشرة [ونوع الانطلاق من كل مصدر زاد على الخمسة](١) وهو قليلٌ فالإِلحاق
بالكثير أولى، وأما كسر الميم فلأنَّ التغييرَ يُؤْنِسُ بالتغيير، وكذلك الجوابُ
عن تأنيثِه بالتاء.
آ. (١٩٤) قوله تعالى: ﴿إن الذين﴾: العامَّة على تشديد إنَّ
فالموصولُ اسمُها وعبادٌ خبرها. وقرأ(٢) سعيد بن جبير بتخفيف ((إِنْ)) ونصب
(عباد) و(أمثالكم)). وقد خَرَّجها أبو الفتح ابن جني(٣) وغيره أنها ((إنْ)) النافيةُ،
وهي عاملةٌ عملَ ((ما)) الحجازية، وهذا مذهب الكسائي وأكثرُ الكوفيين غير
الفراء، وقال به من البصريين ابن السراج(٤) والفارسي وابن جني، واختلف
النقل عن سيبويه(٥) والمبرد. والصحيح أن إعمالَها لغةً ثابتة نظماً ونثراً
وأنشدوا(٦):
٢٣٦٠- إنْ هو مستولياً على أحد إلا على أَضْعف المجانين
ولكن قد استشكلوا هذه القراءة من حيث إنها تنفي كونهم عباداً
أمثالهم، والقراءة الشهيرة تُثْبت ذلك، ولا يجوز التناقض في كلام الله تعالى.
وقد أجابوا عن ذلك بأن هذه القراءة تُفْهم تحقيرَ أمرِ المعبود من دون الله
وغباوةً عابدِه، وذلك أن العابدين أتمُّ حالاً وأقدرُ على الضرِّ والنفع من آلهتهم
(١) كذا في الأصل ولم أهتد إلى توجيهه .
(٢) البحر ٤٤٤/٤؛ وشواذ ابن خالويه ٤٨، ولكنه ضبط دال عباد بالضم، ولام أمثالكم
بالفتح، ولعله تحريف من ناشره.
(٣) المحتسب ٢٧٠/١.
(٤) الأصول ٢٣٦/١.
(٥) قال سيبويه ٤٧٥/١: (وتكون في معنى ما)). وقال ٣٠٦/٢: ((وتكون في معنى ليس))
ولعل اختلاف النقل لأن سيبويه لم ينص على عملها وإنما ذكر معناها وهو النفي.
(٦) تقدم برقم ٥٦١.
٥٣٩

- الأعراف -
فإنها جمادٌ لا تفعل شيئاً من ذلك فكيف يَعْبُد الكاملُ مَنْ هودونَه؟ فهي موافقةٌ
للقراءة المتواترة بطريق الأولى.
وقد ردَّ أبو جعفر(١) هذه القراءة بثلاثة أوجه، أحدها: مخالفتها لسواد
المصحف. الثاني: أن سيبويه يختار الرفع في خبر ((إنْ)) المخففة (٢) فيقول:
(إنْ زيد منطلق)) لأنْ عَمَلَ ((ما)) ضعيف و((إِنْ)) بمعناها فهي أضعف منها.
الثالث: أن الكسائي لا يرى أنها تكون بمعنى ((ما)) إلا أن يكون بعدها
إيجاب. وما ردَّ به النحاس ليس بشيء لأنها مخالَفَةٌ يسيرة(٣). قال الشيخ(٤):
((ويجوز أن يكون كتب المنصوب على لغة ربيعة في الوقف على المنون
المنصوب بغير ألف فلا تكون فيه مخالِفَةً للسواد)». وأما سيبويه فاختلف الناس
في الفهم عنه في ذلك. وأما الكسائي فهذا القيد غير معروف له. وخرّج
الشيخ (٥) القراءة على أنها ((إنْ)) المخففة قال: ((وإنْ المخففة تعمل(٦) في
القراءة المتواترة كقراءة ((وإنْ كلّا)) (٧)، ثم إنها قد ثبت لها نصب الجُزْأَيْنِ،
وأنشد (٨):
٢٣٦١ _
إِنَّ حُرَّاسنا أُسْدا
(١) وهو النحاس في إعراب القرآن ٦٥٧/١.
(٢) قال النحاس: ((إذا كانت بمعنى ما)).
(٣) يعني به حجة النحاس الأولى.
(٤) البحر ٤٤٤/٤.
(٥) البحر ٤٤٤/٤.
(٦) قال سيبويه ٢٨٣/١: ((حدثنا مَنْ نثق به أنه سمع من العرب من يقول: إنْ عمراً
لمنطلق)).
(٧) الآية ١١١ من هود: قرأ ابن كثير ونافع: ((وإنْ كلّا لَمَا لَيُوَفِينهم)).
(٨) تقدم برقم ١٨٣٨.
٥٤٠