النص المفهرس

صفحات 501-520

- الأعراف -
يحدِّث به نفسَه ويُؤْذِّنُها بفعله، وأُجْري مُجْرى فعل القسم كـ عَلِمَ الله وشهد
اللّه، ولذلكِ أُجيب بما يُجاب به القسم وهو: ليبعثَنَّ)). وقال الطبري(١)
وغيرُه: (تَأَذَّن معناه أَعْلَمَ)) وهو قلقٌ مِنْ جهة التصريف إذ نسبةُ ((تأذِّن)) إلى
الفاعلِ غيرُ نسبة أعلم، وبين ذلك فرقٌ بين التعدي وغيره.
قوله: ((إلى يومِ القيامة)) فيه وجهان أحدُهما: أنه متعلقٌ بـ ((يَبْعَثَنَّ)) وهذا
هو الصحيحُ. والثاني: أنه متعلقٌ بـ ((تأذَّن)) نقله أبو البقاء(٢). ولا جائزٌ أن
يتعلق بيسُومهم لأن مَنْ: إِمَّا: موصولةٌ وإمّا موصوفةٌ، والصلةُ والصفة لا يعملان
فيما قبل الموصول والموصوف.
آ. (١٦٨) قوله تعالى: ﴿أُعماً﴾: إِمَّ حالٌ من مفعول ((قطَّعناهم))، وإمَّا
مفعولٌ ثانٍ على ما تقدَّم من أنَّ قَطَّعَ تضمّن معنى صَيَّر. و((منهم)) الصالحون)»
صفةٌ لأمم. وقال أبو البقاء(٣): ((أو بدل منه، أي: من أمم)) يعني أنه حالٌ من
مفعول ((قَطَّعناهم)) أي: فَرَّقناهم حال كونهم منهم الصالحون.
قوله: ((ومنهم دونَ ذلك)). (منهم)) خبرٌ مقدم، و ((دونَ ذلك)) نعتٌ
لمنعوتٍ محذوف هو المبتدأ، والتقدير: ومنهم ناسٌ أو قومٌ دون ذلك. قال
الزمخشري (٤): ((معناه: ومنهم ناسٌ منحطُّون ◌َنِ الصلاح، ونحوه: ((وما مِنَّا
إلا له مقام معلوم))(٥) بمعنى: ما منا أحدٌ إلا له مقامٌ معلومٌ)) يعني في كونه
حُذِف الموصوفُ وأقيم الجملةُ الوصفية مُقَامَه، كما قام مَقامَه الظرفُ
الوصفي. والتفصيل بـ ((مِنْ)) يجوز فيه حَذْفُ الموصوف وإقامةُ الصفة مُقامه
(١) تفسير الطبري ٢٠٤/١٣ .
(٢) الإملاء ٢٨٨/١.
(٣) الإملاء ٢٨٨/١.
(٤) الكشاف ١٢٧/٢.
(٥) الآية ١٦٤ من الصافات.
٥٠١
-

- الأعراف -
كقولهم: ((منا ظَعَن وَمِنَّا أقام)). وقال ابن عطية (١): ((فإن أريدَ بالصَّلَاحِ الإِيمانُ
فـ ((دون)) بمعنى ((غير)) يُراد به الكفرة)). قال الشيخ(٢): ((إن أراد أنَّ ((دون)»
ترادِفُ غيراً فليس بصحيحٍ ، وإن أرادَ أنه يلزم أنَّ مَنْ كان دون شيء أن يكون
غيراً له فصحیح)).
و((ذلك) إمَّا أن يُشارَ به إلى الصَّلاح، وإما أَنْ يُشار به إلى الجماعة،
فإن أُشير به إلى الصلاح فلا بد من حذف مضاف ليصِحَّ المعنى تقديرُه:
ومنهم دونَ أهلِ ذلك الصلاح ليعتدل التقسيم، وإن أُشير به إلى الجماعة
[٤١٢/أ] أي: ومنهم دونَ أولئك الصالحين فلا حاجة إلى تقدير / مضاف لاعتدال
التقسيم بدونه. وقال أبو البقاء(٣): ((ودون ذلك ظرفُ أو خبر على ما ذكرنا في
قوله ((لقد تقطع بينكم»(٤) . وفيه نظرٌ من حیث إن ((دون» لیس بخبر.
آ. (١٦٩) قوله تعالى: ﴿وَرِثُوا﴾: في محلِّ رفع نعتاً لـ ((خَلْفٌ)).
و ((يأخذون)) حال من فاعل («ورثوا)). والخَلْف والخَلَف(٥) - بفتح اللام
وإسكانها - هل هما بمعنى واحد، أي: يُطلق كل منهما على القَرْن الذي
يَخْلُف غيره صالحاً كان أو طالحاً، أو أن الساكن اللام في الطالح والمفتوحها.
في الصالح؟ خلافٌ مشهور بين اللغويين. قال الفراء(٦): ((يُقال للقرْن : خَلْف
- يعني ساكناً - ولمن استخلفته: خلَفاً - يعني متحرك اللام -)). وقال:
الزجاج (٧): ((يُقال للقَرْن يجيء بعد القرن خَلْف)). وقال ثعلب: ((الناس كلهم.
(١) التفسير ١٩٤/٧.
(٢) البحر ٤١٥/٤.
(٣) الإملاء ٢٨٨/١.
(٤) الآية ٩٤ من الأنعام.
(٥) انظر: المفردات ١٥٥.
(٦) معاني القرآن ٣٩٩/١.
(٧) معاني القرآن ٤٢٨/٢.
٥٠٢

- الأعراف -
يقولون: ((خَلَف صدق)) للصالح و((خَلْف سوء)) للطالح، وأنشد(١):
وبَقِيتُ في خَلْف کجِلْدِ الأجرب
٢٣٢٤۔۔ ذهب الذین یُعاش في أكنافِھم
وقالوا في المثل: ((سكت أَلْفاً ونطق خَلْفاً))(٢)، ويُعزى هذا أيضاً إلى
الفراء (٣) وأنشدوا (٤):
٢٣٢٥ - خَلَّفْتَ خَلْفاً ولم تَدَعْ خَلفَا ليت بهم كان لا بك التَّلَفَا
وقال بعضهم: «قد يجيء في الرديء خلف بالفتح، وفي الجيد خَلْف
بالسكون، فمِنْ مجيء الأول قوله(٥):
إلى ذلك الخَلَفِ الأعور
٢٣٢٦-
ومِنْ مجيء الثاني قول حسان(٦):
لأولِنا في طاعة الله تابعُ
٢٣٢٧ - لنا القَدَمُ الأُولى عليهم وخَلْفُنا
وقد جمع بينهما الشاعر في قوله(٧):
عبداً إذا ما ناء بالحِمْلِ وَقَفْ
٢٣٢٨ - إنَّا وَجَدْنا خَلْفَنا بِئْسَ الخَلَفْ
فاستعمل الساكنَ والمتحرك في الرديء، ولهذا قال النضر: ((يجوز
التحريكُ والسكونُ في الرديء، فأمَّا الجيدُ فبالتحريك فقط))، ووافقه جماعةُ
أهل اللغة إلا الفراء وأبا عبيد فإنهما أجازا السكون في الخلف المراد به
الصالح .
(١) البيت للبيد وهو في ديوانه ١٥٧؛ وتفسير القرطبي ٣١٠/٧؛ والبحر ٤١٥/٤.
(٢) مجمع الأمثال ٢٢٣/١. الصحاح: خلف. وسكت ألفاً: سكت عن ألف كلمة.
(٣) ورد في معانيه ٣٩٩/١: ((وأنت خَلَف سَوْء، سمعته من العرب)).
(٤) لم أهتد إلى قائله وهو في تفسير الماوردي ٦٧/٢؛ والبحر ٤١٥/٤. من المنسرح.
(٥) لم أهتد إلى تمامه وقائله وهو في ابن عطية ١٩٥/٧.
(٦) ديوانه ٢٦٧؛ والقرطبي ٣١١/٧؛ والبحر ٤١٥/٤.
(٧) لم أهتد إلى قائله وهو في الصحاح خلف، والقرطبي ٣١١/٧؛ والبحر ٤١٥/٤.
٥٠٣

- الأعراف -
والخَلْف - بالسكون - فيه وجهان، أحدهما: أنه مصدر، ولذلك لا يثنّى
ولا يُجْمَعُ ولا يُؤَنَّث وعليه ما تقدَّم من قوله:
إنَّا وَجَدْنا خَلْفَنَا بِئْسِ الخَلَفْ
وإمَّا اسم جمع خالِف كرَكْب لراكب وتَجْر لتاجر، قاله ابن الأنباري.
وردُوه عليه بأنه لو كان اسم جمع لم يَجْرِ على المفرد وقد جرى عليه(١).
واشتقاقُه : إمَّا مِن الخلافة، أي: كلُّ خَلَفٍ يَخْلُفُ مَنْ قبله، وإمَّا مِنْ خَلَفَ
النبيذ يخلُّف، أي: فسد، يقال: خَلَفَ النبيذٌ يَخْلُف خَلْفاً إذا فسد، خَلْفاً.
وخُلُوفاً، وكذا الفم إذا تغيّرت رائحتُه. ومن ذلك الحديث: ((لَخَلُوف فم
الصائم))(٢). وقرأ الحسن البصري(٣): ((وُرِّثوا)) بضم الواو وتشديد الراء مبنياً
لِما لم يُسَمَّ فاعلُه. ويجوز أن يكون ((يأخذون)) مستأنفاً، أخبر عنهم بذلك.
وتقدَّم الكلامُ على لفظ ((الأدنى)) واشتقاقه(٤).
قوله: ((ويقولون)) نسق على ((يأخذون)) بوجهيه و («سيُغْفَر)» معموله. وفي
القائم مقام فاعلِه وجهان، أحدهما: الجارُّ بعده وهو ((لنا)). والثاني: أنه ضمير
الأخذ المدلول عليه بقوله: ((يأخذون))، أي: سيغفر لنا أَخْذُ العَرض الأدنى.
قوله: ((وإنْ يَأْتِهِم عَرَضٌ)) هذه الجملةُ الشرطية فيها وجهان، أحدهما:
- وهو الظاهر - أنها مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب، والثاني: أن الواو
للحال، وما بعدها منصوبٌ عليها. قال الزمخشري(٥): ((الواو للخال، أي:
يرجون المغفرة وهم مُصِرُّون عائدون إلى فعلهم(٦) غير تائبين، وغفرانُ
(١) ضابط اسم الجمع أنه ليس له مفرد من لفظه نحو: قوم ونساء.
(٢) رواه البخاري: الصوم ٢ (الفتح ٤ /١٠٣) ابن حنبل ٤٤٦/١.
(٣) البحر ٤١٦/٤؛ الشواذ ٤٧.
(٤) انظر: إعرابه للآية ٦١ من البقرة.
(٥) الكشاف ١٢٨/٢. ونردُّ عليه بالآية ((إن الله لا يَغْفِرُ أن يُشْرَكَ به ويَغْفر ما دون ذلك
لمَنْ يَشاء».
(٦) الكشاف: مثل فعلهم.
٥٠٤

- الأعراف -
الذنوبِ لا يَصِحُ إلا بالتوبة، والمُصِرُّ لا غفران له)) انتهى. وإنما جَعَل الواو
للحال لهذا الغرض الذي ذكره من أن الغفران شرطُه التوبة، وهو رأي المعتزلة،
وأمَّا أهل السنة فيجوز مع عدم التوبة لأنَّ الفاعلَ مختار.
قوله: ((عَرَض)) العرض - بفتح الراء - ما لا ثبات له، ومنه استعار
المتكلمون العَرَض المقابل للجوهر. وقال أبو عبيدة(١): ((العَرّض - بالفتح -
جميعُ مَتَاعِ الدنيا غيرَ النَّقْدَيْن)). والعَرْض بالسكون هو الدراهم والدنانير التي
هي قيم المُتْلَفات ورؤوسُ الأموال. وعلى الأول قيل: الدنيا عرضٌ حاضر
يأكل منها البُّ والفاجر.
قوله: ((أنْ لا يقولوا)) فيه [أوجه](٢) / أحدها: أنَّ محله رفع على البدل [٤١٢/ب]
من («ميثاق)) لأن قول الحق هو ميثاق الكتاب. والثاني: أنه عطفُ بيان له،
وهو قريب من الأول. والثالث: أنه منصوبٌ على المفعول من أجله. قال
الزمخشري (٣): ((وإن فُسِّر ميثاق الكتاب بما تقدَّم ذكرُه كان ((أن لا يقولوا))
مفعولاً من أجله، ومعناه: لئلا يقولوا)» وكان قد فَسَّر ميثاق الكتاب بقوله في
التوراة: مَنْ ارتكب ذنباً عظيماً فإنه لا يُغفر له إلا بالتوبة. و((أنْ)) مفسرةٌ لميثاق
الكتاب لأنه بمعنى القول. و((لا)) ناهية وما بعدها مجزوم بها، وعلى الأقوال
[الأول](٤) ((لا)) نافية والفعل منصوبٌ بـ ((أنْ)) المصدرية. و((الحق)) يجوز أن
يكون مفعولاً به وأن يكونَ مصدراً، وأُضيف الميثاقُ للكتاب لأنه مذكورٌ فيه.
قوله: ((دَرَسوا)) فيه ثلاثة أوجه، أظهرها ما قال الزمخشري(٥) وهو كونُه
(١) مجاز القرآن ٢٣٢/١. وعبارته: ((أي طمع هذا القريب الذي يعرض لهم في الدنيا)).
(٢) سقط من الأصل وثبت في (ش).
(٣) الكشاف ١٢٨/٢.
(٤) سقط من الأصل وثبت في (ش).
(٥) الكشاف ١٢٨/٢.
٥٠٥

- الأعراف -
معطوفاً على قوله ((ألم يُؤْخَذْ)) لأنه تقرير، فكأنه قيل: أُخذ عليهم ميثاق
الكتاب ودرسوا، وهو نظيرُ قوله تعالى ((ألم نُرَبَّك فينا وليداً وَبِثْتَ))(١) معناه:
قد ربَّيْناك ولَبِثْتَ. والثاني: أنه معطوف على ((وَرِثوا)). قال أبو البقاء(٢):
(ويكون قولُه ((ألم يُؤْخَذْ)) معترضاً بينهما، وهذا الوجهُ سبقه إليه الطبري(٣)
وغيره .
الثالث: أنه على إضمار قد، والتقدير: وقد درسوا. قلت: وهو على
هذا منصوب على الجال نسقاً على الجملة الشرطية أي: يقولون: سيُغْفر لنا
في هذه الحال، ويجوز أن يكونَ حالاً من فاعل «يأخذوه)»، أي: يأخذون
العرضَ في حال دَرْسِهم ما في الكتاب المانع من أخذ الرُّشا(٤). وعلى كلا
التقديرين فالاستفهامُ اعتراض.
وقرأ(٥) الجحدري: ((أن لا تقولوا)) بتاء الخطاب وهو التفات حسن.
وقرأ(٦) عليّ رضي الله عنه وأبو عبدالرحمن السلمي (وادَّارسوا)) بتشديد الدال
والأصل: تدارسوا، وتصريفُه كتصريف ((فادَّارأتم فيها))(٧) وقد تقدَّم تحريرُه.
قوله: ((أفلا تعقلون)) تقدَّم الكلام على هذه الهمزة والفاء غيرَ مرة.
وقرأ(٨) ابن عامر ونافع وحفص ((تعملون)) بالخطاب والباقون بالغيبة، فالخطاب
يحتمل وجهين، أحدهما: أنه التفات من الغيبة إلى الخطاب، والمراد
(١) الآية ١٨ من الشعراء ((ولبثت فينا مِنْ عُمُرِك سنين)).
(٢) الإملاء ٢٨٨/١.
(٣) تفسير الطبري ٢١٥/١٣.
(٤) الرشا: ج رشوة.
(٥) البحر ٤١٧/٤؛ الشواذ ٤٧.
(٦) البحر ٤ /٤١٧؛ الشواذ ٤٧.
(٧) الآية ٧٢ من البقرة.
(٨) الحجة ٣٠٠؛ البحر ٤ /٤١٧.
٥٠٦

- الأعراف -
بالضمائر حينئذ شيءٌ واحد. والثاني: أن الخطابَ لهذه الأمة، أي:
أفلا تعقلون أنتم حال هؤلاء وما هم عليه وتتعجَّبون من حالهم. وأمَّا الغيبةُ
فجرى على ما تقدَّم من الضمائر. ونقل الشيخ(١) أن قراءة الغيبة لأبي عمرو
وأهلِ مكة، وقراءةَ الخطاب للباقين.
آ. (١٧٠) قوله تعالى: ﴿والذين يَمَسِّكون﴾: فيه وجهان،
أظهرهما: أنه مبتدأ، وفي خبره حينئذ [أوجه](٢)، أحدُهما: الجملة من قوله:
((إنَّا لا نُضيع أَجْرَ المُصْلحين)) وفي الرابط حينئذ أقوال، أحدها: أنه ضميرٌ
محذوفٌ لفَهْم المعنى. والتقدير: المُصْلحين منهم، وهذا على قواعد جمهور
البصريين وقواعد الكوفيين تقتضي أن أل قائمةٌ مَقام الضمير تقديره: أَجْر
مصلحيهم كقوله: ((فإنَّ الجنةَ هي المَأْوى))(٣)، أي: مَأْواه، وقوله: ((مُفَتَّحَةً
لهم الأبواب))(٤)، أي أبوابها، وقوله: ((في أَدْنَى الأرض)»(٥)، أي أرضهم، إلى
غير ذلك. والثاني: أن الرابطَ تكرُّرُ المبتدأ بمعناه نحو: زيد قام أبو عبدالله(٦)
وهو رأيُ الأخفش، وهذا كما يُجيزه في الموصول نحو: أبو سعيدٍ الذي رويتُ
عن الخدريّ، والحجَّاج الذي رأيت ابنُ يوسف، وقد قدَّمْت من ذلك شواهد
كثيرة. الثالث: أن الرابطَ هو العمومُ في ((المُصْلحين)) قاله أبو البقاء (٧)، قال:
((وإن شِئْتَ قلت: لمَّا كان المصلحون جنساً والمبتدأ واحد(٨) منه استغنيت
(١) البحر ٤١٧/٤.
(٢) سقط من الأصل وثبت في (ش).
(٣) الآية ٤١ من النازعات.
(٤) الآية ٥٠ من ص.
(٥) الآية ٣ من الروم ((عُلِيت الروم في أدنى الأرض)).
(٦) وذلك إذا كان أبو عبدالله كنية لزيد فالتقدير: زيد قام هو.
(٧) الإملاء ٢٨٨/١ .
(٨) الإِملاء: واحداً.
٥٠٧

- الأعراف -
عن ضمير)». قلت: العمومُ رابطٌ من الروابط الخمسة وعليه قولُه(١).
سبيلٌ فأمَّا الصبر عنها فلا صبرا
٢٣٢٩- ألا ليت شعري ھَلْ إلی أمِّ سالمٍ
ومنه ((نِعْم الرجل زيد)» على أحدٍ الأوجه.
والوجه الثاني من وجهَيْ الخبر أنه محذوف تقديره: والذين(٢) يمسكون
مأجورون أو مُثابون ونحوه، وقوله: ((إِنَّا لا نضيع)) جملةُ اعتراضية، قاله
الحوفي، ولا ضرورة إلى ادّعاء مثلِه.
الثاني من وجهي ((والذين يُمْسكون)»: أنه في محل جر نسقاً على ((للذين
يتقون))، أي: ولَدار الآخرة خيرٌ للمتقين وللمتمسكين، قاله الزمخشري(٣)،
إلا أنه قال: ((ويكونُ قوله «إنَّا لا نُضيع اعتراضاً». وفيه نظرٌ لأنه لم يقعْ بِين
[٤١٣/أ] شيئين متلازمَيْن ولا بين / شيئين بينهما تعلُّقٌ معنويٌّ فكان ينبغي أن يقولَ:
ويكون على هذا مستأنفاً . .
وقرأ العامَّة: ((يُمَسِّكون)) بالتشديد مِنْ مَسَّك بمعنى تمسَّك، حكاه أَهلُ
التصريف، أي: إنَّ فَعَّل بمعنى تَفَعَّل، وعلى هذا فالباء للآلة كهي في:
تمسَّكْتُ بالحبل. وقرأ أبو بكر(٤) عن عاصم - ورُوِيت عن أبي عمرو
وأبي العالية: ((يُمْسِكُون)) بسكون الميم وتخفيف السين مِنْ أَمْسَك، وهما لغتان
يقال: مَسَكْت وأَمْسكت، وقد جمع كعب بن زهير بينهما في قوله(٥):
٢٣٣٠ - ولا تُمَسِّكُ بالعَهْدِ الذي زَعَمَتْ
إلا كما يُمْسِكُ الماءَ الغرابِيلُ
(١) البيت للرماح بن أبرد، وهو في الكتاب ١٩٣/١؛ وأمالي الشجري ١٨٦/١؛
والهمع ٩٨/١؛ والدرر ٧٤/١.
(٢) الأصل: ((أو)» وهو شهو.
(٣) الكشاف ١٢٨/٢.
(٤) السبعة ٢٩٧؛ الحجة ٣٠١؛ البحر ٤ /٤١٧.
(٥) ديوانه ٨، وقصيدة البردة شرح ابن الأنباري ٩٧.
٥٠٨

- الأعراف -
ولكن أمسك متعدّ. قال تعالى(١): (ويُمْسك السماء)) فعلى هذا مفعولُه
محذوفٌ تقديرُه: ((يُمْسِكون دينَهم وأعمالهم بالكتاب))، فالباءُ يجوز أن تكونَ
للحال وأن تكونَ للآلة، أي: مصاحبين للكتاب، أي لأوامره ونواهيه. وقرأ
الأعمش وهي قراءة عبدالله ((استمسكوا)). وأُبَيّ ((تَمَسَّكوا)) ماضيَيْن.
آ. (١٧١) قوله تعالى: ﴿فوقهم﴾: فيه وجهان، أحدهما: هو متعلُّقٌ
بمحذوف على أنه حال من الجبل، وهي حالٌ مقدرة لأن حالةُ النّْق لم تكن
فوقَهم، لكنه بالنّْق صار فوقهم. والثاني: أنه ظرفٌ لِنَتَقْنا. قاله الحوفي
وأبو البقاء (٢). قال الشيخ(٣): ((ولا يمكن ذلك إلا أن يُضَمِّن معنى فِعْلٍ يمكن
أن يعمل في ((فوقهم))، أي: رفعنا بالنّتْقِ الجبلَ فوقهم فيكون كقوله: ((ورفَعْنا
فوقهم الطور)) (٤) .
والنَّتْق: اختلفَتْ فيه عبارات أهل اللغة. فقال أبو عبيدة(٥): ((هو قَلْعُ
الشيءٍ من موضعه والرَّمْيُ به، ومنه ((نَتَق ما في الجِراب))(٦) إذا نقضه ورمى
ما فيه. وامرأة ناتق ومِنْتاق: إذا كانت كثيرةً الولادة. وفي الحديث: ((عليكم
بزواج الأبكار فإنهن أَنْتَقُ أَرْحاماً وأطيبُ أفواهاً وأرضى باليسير))(٧). وقيل:
النتق: الجَذْب بشدة. ومنه ((نَتَقْتُ السِّقاء))(٨) إذا جَذَبْتَه لتقتلعَ الزُّبْدة من
(١) الآية ٦٥ من الحج.
(٢) الإملاء ٢٨٨/١.
(٣) البحر ٤ /٤١٩.
(٤) الآية ١٥٤ من النساء.
(٥) عبارته في المجاز ٢٣٢/١ ((رفعنا فوقهم)).
(٦) الجراب: وعاء يحفظ فيه الزاد.
(٧) رواه ابن ماجة: النكاح ٧ (٥٩٨/١) برواية ((أعذب)) بدلاً من ((أطيب)).
(٨) السقاء: وعاء من جلد للماء واللبن.
٥٠٩

- الأعراف -
فمه)). وقال الفراء (١): ((هو الرفع)) وقال ابن قتيبة(٢): ((الزعزعة)) وبه فسَّر
مجاهد. وقال النابغة (٣):
طَفَحَتْ عليك بناتقٍ مِذْكار
٢٣٣١ - لم يُحْرَموا حُسْنَ الغِذاءِ وأمُّهُمْ
وكلُّ هذه معانٍ متقاربة. وقد عَرَفْت أن ((فوقهم)) يجوز أن يكون منصوباً
بـ «نتق)) لأنه بمعنی رفع وقلع . .
قوله: ((كأنه ظُلَّة) في محلِّ نصبٍ على الحال من ((الجبل)) أيضاً فتتعدّد
الحال. وقال مكي(٤): ((هي خبرُ مبتدأ محذوف، أي: هو كأنه ظُلَّة)) وفيه
بُعْدٌ.
قوله: ((وظنّوا)) فيه أوجهٌ، أحدها: أنه في محل جَرِّ نسقاً على ((نَتَقْنا)»
المخفوض بالظرف تقديراً. والثاني: أنه حال، و((قد)) مقدرةٌ عند بعضهم،
وصاحب الحال: إمَّا الجبل، أي: كأنه ظُلَّةٌ في حال كونه مظنوناً وقوعُه بهم.
ويضعف أن يكون صاحبه ((هم)) في ((فوقهم)). والثالث: أنه مستأنف فلا محل
له. والظنُّ هنا على بابه، ويجوز أن يكون بمعنى اليقين، والباء على بابها
أيضاً. قيل: ويجوز أن تكون بمعنى ((على)).
قوله: ((واذكروا)» العامَّةُ على التخفيف أمراً مِنْ ذكر يَذْكُر. والأعمش(٥):
((واذَّكِروا)) بتشديد الذال من الاذكار والأصل: اذْتَكِرُوا والاذتكار، وتقدم
تصريفه. وقرأ ابن مسعود: تذكَّروا مِنْ تذكَّر بتشديد الكاف. وقرىء: وتَذَّكَّروا
(١) معاني القرآن ٣٩٩/١.
(٢) تفسير غريب القرآن ١٧٤ .
(٣) ديوانه - م الجزائر - ١٠٨؛ والبحر ٤١٨/٤. طفحت: فاضت. المذكار: التي تلد
الذكور.
(٤) المشكل ٣٣٥/١.
(٥) البحر ٤ /٤٢٠.
٥١٠

- الأعراف -
بتشديد الذال والكاف، والأصلُ: وَلْتَتَذَكَّروا، فأدغمت التاء في الذال وحُذِفَتْ
لامُ الجر كقوله(١) :
٢٣٣٢- محمدُ تَقْدِ نفسَك كلُّ نفسٍ
آ. (١٧٢) قوله تعالى: ﴿مِنْ ظهورهم﴾: بدلٌ من قوله ((من بني
آدم)) بإعادة الجارِّ كقوله: ((لَجَعَلْنا لِمَنْ يكفر بالرحمن لِبيوتهم))(٢) («للذين
. استضعفوا لِمَنْ آمن)»(٣). وهل هو بدلُ اشتمال أو بدل بعض من كل؟ قولان،
الأول لأبي البقاء (٤)، والثاني للزمخشري(٥)، وهو الظاهر كقولك: ضربت
زيداً ظهره، وقطعتُه يدَه، لا يُعْرِب(٦) أحد هذا بدلَ اشتمال.
و ((ذریتهم)) مفعول به. وقرأ(٧) الکوفیون وابن كثير ((ذريتهم» بالإِفراد،
والباقون (ذُرِّيَّاتهم)) بالجمع. قال الشيخ (٨): ((ويحتمل في قراءة الجمع أن
يكونَ مفعولُ ((أخذ)» محذوفاً لفهمِ المعنى، و ((ذريَّاتهم)» بدلٌ من ضميرٍ
(ظهورهم))، كما أنَّ (من ظهورهم)) بدلٌ من ((بني آدم))، والمفعولُ المحذوفُ
هو الميثاق كقوله (وأَخَذْنا منهم ميثاقاً) (٩) قال: ((وتقديرُ الكلام: وإذا أَخَذَ ربُّك
من ظهور ذريات بني آدم ميثاق التوحيد، واستعارَ أن يكون أخذ الميثاق من
الظهر، كأن الميثاق لصعوبته، والارتباطَ به شيءٌ ثقيل يُحمل على الظهر)).
(١) تقدم برقم ٢٢٨٩ .
(٢) (لبيوتهم سُقُفاً من فضة)) الآية ٣٣ من الزخرف.
(٣) ((قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين استضعفوا لِمَنْ آمن منهم)) الآية ٧٥ من
الأعراف.
(٤) الإملاء ٢٨٩/١.
(٥) الكشاف ١٢٩/٢.
(٦) غير واضح في الأصل.
(٧) السبعة ٢٩٧؛ الحجة ٣٠١؛ البحر ٤٢١/٤.
(٨) البحر ٤ /٤٢١.
(٩) الآية ١٥٤ من النساء.
٥١١

- الأعراف -
[٤١٣/ب] وكذلك قرأ الكوفيون وابن كثير في سورة يس(١) وفي / الطور(٢) في
الموضعين: ((ذريتهم)) بالإِفراد، وافقهم أبو عمرو على ما في يس، ونافع
وافقهم في أول الطور وهي ((ذريتهم بإيمان)) دونَ الثانية وهي ((أَلْحَقْنا بهم
ذريَّاتِهم)» فالكوفيون وابن كثير جَرَوا على منوالٍ واحدٍ وهو الإِفراد، وابن عامر
على الجمع، وأبو عمرو ونافع جمعوا بين الأمرين كما بيَّنْتُ لك.
قال الشيخ(٣): في قراءة الإفراد في هذه السورة: ((ويتعيّن أن يكونَ
مفعولاً بـ ((أخذ)) وهو على حَذْف مضاف، أي: ميثاق ذريتهم)) يعني أنه
لم يَجُزْ فيه ما جازَ في ((ذرياتهم)) من أنه بدل والمفعول محذوف، وذلك واضحٌ
لأنّ مَنْ قرأ ((ذريتهم)) بالإِفراد لم يَقْرأه إلا منصوباً، ولو كان بدلاً مِنْ ((هم)) في:
((ظهورهم)) لكان مجروراً بخلافِ ((ذرياتهم)) بالجمع، فإن الكسرةَ تَصْلُّح أن
تكون عَلَماً للجر وللنصب في جمع المؤنث السالم.
قوله: ((بلى)) جوابُ لقوله ((أَلَسْتُ)) قال ابن عباس: (لو قالوا: نعم.
لكفروا)) يريد أن النفيَ إذا أُجيب بنعم كانت تصديقاً له، فكأنهم أقرُّوا بأنه.
ليس بربّهم. هكذا يُنقلونه عن ابن عباس رضي الله عنه، وفيه نظرٌ إِنْ صَحَّ
عنه، وذلك أن هذا النفيَ صار مقرَّراً، فكيف يكفرون بتصديق التقرير؟ وإنما
المانع من جهة اللغة: وهو أن النفي مطلقاً إذا قُصِد إيجابه أُجیب بـ بلی،
وإن كان مقرَّراً بسبب دخول الاستفهام عليه، وإنما كان ذلك تغليباً لجانب
اللفظ، ولا يجوز مراعاةٌ جانبِ المعنى إلا في شعر كقوله (٤):
1
(١) الآية ٤١ ((وآية لهم أنّا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون)).
(٢) الآية ٢١ ((والذين آمنوا واتّبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم)).
(٣) البحر ٤٢١/٤.
(٤) تقدم برقم ٥٦٧
٥١٢

- الأعراف -
وإيانا فذاك بنا تداني
٢٣٣٣ - أليس الليلُ يجمعُ أُمَّ عمروٍ
نعم وترى الهلالَ كما أراه
ويعلوها النهار كما علاني
فأجاب قوله ((أليس)» بـ نعم مراعاةً للمعنى لأنه إيجاب.
قوله: ((شَهِدْنا)) هذا من كلامِ الله تعالى. وقيل: من كلام الملائكة.
وقيل: من كلام الله تعالى والملائكة. وقيل: من كلام الذرية. قال الواحدي:
(وعلى هذا لا يَحْسُن الوقفُ على قوله ((بلى)) ولا يتعلَّقُ ((أَنْ تقولوا)) بـ ((شَهِدْنا))
ولكن بقوله «وأَشْهَدَهُمْ)).
قوله ((أَنْ تقولُوا)) مفعولٌ مِنْ أجله، والعامل فيه: إمَّا شهدْنا، أي: شهِدْنا
كراهةَ أن تقولوا، هذا تأويل البصريين، وأمَّا الكوفيون فقاعدتهم تقدير
لا النافية، تقديره: لئلا تَقولوا، كقوله ((أن تميدَ بكم))(١)، وقول الآخر(٢):
٢٣٣٤ - رَأَيْنا ما رأى البُصَراء فيها فآَلَيْنا عليها أَنْ تُباعا
أي: أن لا تُباع، وأمَّا ((وأشهدهم))، أي: أشهدهم لئلا تقولوا أو كراهةً
أَنْ تقولوا. وقد تقدَّم أن الواحديِّ قد قال: ((إنَّ شَهِدْنا إذا كان من قولِ الذرية
يتعيَّن أن يتعلَّقَ ((أن تقولوا)) بـ ((أَشْهَدَهم)) كأنه رأى أن التركيب يصير: شَهِدْنا أن
تقولوا سواءً قرىء بالغيبة أو الخطاب، والشاهدون هم القائلون في المعنى،
فكان ينبغي أن يكون التركيب: شهدنا أن نقول نحن. وهذا غيرُ لازم لأن
المعنى: شهد بعضهم على بعض، فبعضُ الذرية قال: شهدنا أن
يقول البعض الآخر كذلك. وذكر الجرجانيُّ لبعضهم وجهاً آخر
وهو أن يكون قوله ((وإذْ أَخَذَ ربك)) إلى قوله: ((قالوا بلى)) تمامَ قصة الميثاق، ثم
(١) الآية ١٥ من النحل ((وألقى في الأرض رواسي أن تَمْيْذَ بكم)).
(٢) تقدم برقم ١٦٨٣ .
٥١٣

- الأعراف -
ابتدأ عز وجل خبراً آخر بذِكْرٍ ما يقوله المشركون يوم القيامة فقال تعالى:
((شَهِدْنا)) بمعنى نشهد كما قال الحطيئة(١):
٢٣٣٥ - شَهِدَ الحطيئةُ حين يلقى ربَّه
أي: يشهد، فيكون تأويله ((يَشْهد أن تقولوا)).
وقرأ(٢) أبو عمرو ((يقولوا)) في الموضعين (٣) بالغَيْبة جرياً على الأسماء
المتقدمة، والباقون بالخطاب، وهذا واضحٌ على قولنا إنَّ ((شَهِدْنا)) مُسْندٌ
الضمير الله تعالى. وقيل: على قراءة الغيبة يتعلَّق ((أَنْ يقولوا)) بأشهدهم،
ويكون ((قالوا شهدنا)) معترضاً بين الفعلِ وعلَّته، والخطابُ على الالتفات
فيكون الضميران لشيء واحد. وهل هذا من باب الحقيقة وأن الله أخرج
الذرية من ظهره بأَنْ مَسَح عليه فخرجوا كالذَّرِ وأَنْطَقهم فشهدوا(٤) الكلّ بأنه
ربهم، فالمؤمنون قالوه حقيقةً في الْأَزَل والمشركون قالوه تقيّةً(٥)، وعلى هذا
جماعةٌ كثيرة، أو من باب التمثيل، قاله جماعة منهم الزمخشري(٦)، وجعله كقوله
تعالى: ((ائتيا طَوْعاً أو كَرْهاً قالتا: أتينا طائعين))(٧)، وقولِ الشاعر(٨):
٢٣٣٦ - إذ قالت الأنساع للبطن الحَقِي
(١) عجزه :
أن الوليد أحقُّ بالعُذْرِ
وهو في ديوانه ٢٣٣.
(٢) السبعة ٣٠٢؛ الحجة ٢٩٨؛ البحر ٤٢١/٤.
(٣) الموضع الثاني في الآية ١٧٣ .
(٤) كذا على لغة أكلوني البراغيت.
(٥) غير واضح في الأصل.
(٦) الكشاف ١٢٩/٢
(٧) الآية ١١ من فصلت.
(٨) تقدم برقم ٦٩٦ .
٥١٤

- الأعراف -
وقول الآخر(١):
٢٣٣٧ - قالت له ريحُ الصَّبَا قَرْقَارٍ
إلى غير ذلك.
آ. (١٧٤) قوله تعالى: ﴿وكذلك نُفَصِّل): أي: ومثلَ ما بَيِّنَّا أَخْذَ
الميثاق المتقدم وفصلناه نبيِّن ونفصِّل الآيات. وقرأت(٢) فرقة ((يُفَصّل)) بياء
الغيبة وهو الله تعالى.
آ. (١٧٥) قوله تعالى: ﴿فَأَتْبعه﴾: الجمهورُ على ((أَتْبعه)) رباعياً وفيه
وجهان أحدهما: أنه متعدٍ لواحدٍ بمعنى أَدْركه ولحقه وهو مبالغةٌ في
حقه، / حيث جُعِل إماماً للشيطان. ويحتمل أن يكون متعدِّياً لاثنين لأنه [١/٤١٤]
منقولٌ بالهمزة مِنْ تَبع، والمفعولُ الثاني محذوفٌ تقديره: أتبعه الشيطان
خطواتِهِ، أي: جعله تابعاً لها. ومِنْ تعدِّيه لاثنين قولُه تعالى: ((وأَتْبعناهم
ذرياتهم بإيمان))(٣). وقرأ(٤) الحسن وطلحة - بخلافٍ عنه ـــ ((فَأَتَّبعه)) بتشديد
التاء. وهل تبعه واتَبعه بمعنى أو بينهما فرق؟ قيل بكلٍ منهما. وأبدى
بعضهم(٥) الفرق بأنَّ تَبِعه مشى في أثره، واتَّبعه إذا وازاه في المشي. وقيل:
اتَّبعه بمعنى استتبعه(٦).
والانسلاخ: التعرِّي من الشيء، ومنه: انسلاخ جلد الحية. وليس في
(١) بعده: واختلط المعروف بالإِنكار. ولم أهتد إلى قائله وهو في شرح الكافية ٧٦/٢؛
والبحر ٤٢١/٤؛ وشواهد الكشاف ٤٠٤/٤. وقرقار: صوّت.
(٢) البحر ٤٢٢/٤.
(٣) قراءة أبي عمرو. انظر: السبعة ٦١٢ وهي الآية ٢١ من الطور.
(٤) البحر ٤٢٣/٤.
(٥) نسبه في البحر ٤٢٣/٤ إلى صاحب ((اللوامح)).
(٦) أي جعله له تابعاً فصار له مطيعاً سامعاً. انظر: البحر ٤ /٤٢٣.
٥١٥

- الأعراف ـ
. الآية قُلْبٌ؛ إذ لا ضرورة تدعو إليه وإن زعمه بعضهم، وأن أصلَه؛ فانسلختْ
منه .
آ. (١٧٦) قوله تعالى: ﴿لَرَفَعْناه بها﴾: الضميرُ المنصوبُ الظاهرُ
عودُه على الذي أوتي الآيات، والمجرورُ عائد على الآيات. وقيل: المنصوبُ
يعودُ على الكفر المفهوم مِمَّا سبق، والمجرور على الآيات أيضاً، أي: لرَفَعْنا
الكفر بما ترى من الآيات. وقيل: الضمير المجرور يعود على المعصية
والمنصوب على ((الذي)). والمراد بالرَّفْع الأخذُ كما تقول: رُفِع الظالمُ، أي
قُلِعَ وأُهْلِكَ، أي: لأهلكناه بسبب المعصية. وهذه أقوال بعيدة، وإن كانت
مرويةً عن مجاهد وغيره. ولا يظهر الاستدراك إلا على الوجه الأول. ومعنى
أخلد، أي: ترامى بنفسه. قال أهل العربية: ((وأصله من الإِخلاد وهو الدوامُ.
واللزوم، فالمعنى: لَزِمِ المَيْلَ إلى الأرض، قال مالك بن نويرة (١).
:
٢٣٣٨ _ بأبناء حَيّ مِنْ قبائل مالك وعمرو بن يربوع أقاموا فأخلدوا
قوله: ((إنْ تَحْمِلْ عليه يلهَتْ)) هذه الجملة الشرطية في محل نصب
على الحال، أي: لاهثاً في الحالتين. قال بعضهم (٢): ((وأما الجملة الشرطية
فلا تكاد تقع بتمامها موضعَ الحال فلا يقال: ((جاء زيد إنْ يَسْأَل يُعط)» على
الحال، بل لو أريد ذلك لجُعِلت الجملة(٣) خبراً عن ضمير ما أريد جَعْلُ:
الحال منه فيقال: جاء زيد وهو إن يسأل يُعط، فتكون الجملة الاسمية في
الحال. نعم قد أوقعوا الجملة الشرطية موقعَ الحال، ولكن بعد أن أخرجوها
عن حقيقة الشرط، وتلك الجملة لا تخلو: مِنْ أن يُعطف عليها ما يناقضها
أو لم يُعطف، فالأول يستمرُّ فيه تَرْكُ الواو نحو: أتيتك إن أتيتني وإن
(١) الأصمعيات ٣٢٣؛ تفسير الطبري ٢٧٠/١٣.
(٢) نسبه في البحر ٤٢٤/٤ إلى بعض شراح المصباح.
(٣) أي الشرطية .
٥١٦

- الأعراف -
لم تأتني، إذ لا يَخْفى أن النقيضين من الشرطين في مثل هذا الموضع
لا يَبْفيان على معنى الشرط، بل يتحولان إلى معنى التسوية كالاستفهامين
المتناقضين في قوله: ((أأنذرتهم أم لم تنذرهم»(١)، والثاني لا بد فيه من الواو
نحو: أتيتك وإن لم تأتني، لأنه لو تركْتَ الواوَ فقيل: أتيتُك إن لم تأتِني
لا لتبس (٢). إذا عُرِف هذا فقوله ((إنْ تَحْمِلْ عليه يلهَتْ أو تَتْرُكْه يَلْهَثْ)) من قبيل
النوع الأول لأنَّ الحَمْل عليه والترك نقيضان)).
والكلب: يجمع في القلة على أَكْلُب، وفي الكثرة على كلاب، وشذُّوا
فجمعوا أكلباً على أكالب، وكلاباً على كلابات، وأمَّا كَلِيب فاسم جمع كفريق
لا جمع قال طرفة(٣):
٢٣٣٩ - تَعَفَّق بالْأَرْطَى لها وأرادَها رجالٌ فبذَّت نبلَهم وكليبُ
وتقدَّمت هذه المادة في المائدة(٤). ويقال: لَهَثَ يَلْهَث بفتح العين في
الماضي والمضارع لَهَاً ولُهْئاً(٥) بفتح اللام وضمها وهو خروجُ لسانه في حال
راحته وإعيائه، وأمَّا غيره من الحيوان فلا يَلْهَثُ إلا إذا أعيا أو عطش. والذي
يَظْهر أن هذه الجملةَ الشرطيَة لا محلَّ لها من الإعراب لأنها مفسِّرة للمثَل
المذكور، وهذا معنى واضح كما قالوا في قوله تعالى ((خَلَقَّه من تراب)» فإنَّ
الجملةً من قوله ((خَلَقَه من تراب)) مفسرةٌ لقولِه تعالى: ((إنَّ مَثَلَ عيسى عند الله
كمثل آدم))(٦).
(١) الآية ٦ من البقرة.
(٢) أي بالشرط.
(٣) تقدم برقم ١٠٥٦.
(٤) الآية ٤.
(٥) لم أقف على اللُّهْث.
(٦) الآية ٥٩ من آل عمران.
٥١٧

د الأعراف -
قوله: ((ذلك مَثَلُ)) يجوز أن يُشارَ بـ ((ذلك)) إلى صفةِ الكلب، ويجوز أن
يُشارَ به إلى المنسلخِ من الآيات أو إلى الكلب. وأداةُ التشبيهِ محذوفةٌ من
ذلك، أي: صفة المنسلخ أو صفة الكلب مثل الذين كذَّبوا. ويجوز أن تكون
المحذوفةُ من مثل القوم، أي: ذلك الوصف وهو وصف المنسلخ أو وصف
الكلب كمثل القوم.
آ. (١٧٧) قوله تعالى: ﴿ساءَ مثلاً﴾: ((ساء)» بمعنى بئس، وفاعلها:
مضمر فيها و((مثلاً)) تمييزٌ مفسِّر له، وقد تقدَّم غيرَ مرة أنَّ فاعل هذا الباب إذاِ
كان ضميراً يُفَسِّر بما بعده ويُسْتَغْنى عن تثنيته وجمعه وتأنيثه بتثنية التمييز
وجمعه وتأنيثه عند البصريين. وتقدَّم أن ((ساءَ)) أصلُها التعدِّي لمفعولٍ،
[٤١٤/ب] والمخصوصُ بالذم لا يكون إلا من جنسٍ التمييز /، والتمييز مفسِّر للفاعلِ
فهو هو، فلزم أن يَصْدُقَ الفاعلُ والتمييز والمخصوصُ على شيءٍ واحد. إذا
عُرِف هذا فقوله ((القوم)) غيرُ صادقٍ على التمييز والفاعل، فلا جَرَمَ أنه لا بد
من تقدير محذوف: إمّا من التمييز، وإمَّا من المخصوص، فالأولُ يُقدَّر: ساء.
أصحاب مَثَل، أو أهل مثل القوم، والثاني يُقَدَّر: ساء مَثَلاً مثلُ القوم، ثم
حُذِف المضاف في التقديرين وأقيم المضاف إليه مُقامه، وهذه الجملةُ تأكيدٌ
للتي قبلها.
وقرأ(١) الحسن والأعمش وعيسى بن عمر: ((ساء مثلُ القوم)) برفع ((مثل))
مضافاً للقوم. والجحدري رُوِي عنه كذلك، وروي عنه كسرُ الميم وسكونُ
الثاء ورفعُ اللامِ وجَرُّ القوم. وهذه القراءةُ المنسوبةُ لهؤلاء الجماعة تحتمل
وجهين، أحدهما: أن تكون ((ساء» للتعجب مبنية تقديراً على فَعُل بضم العين
كقولهم: ((لقَضُو الرجل))(٢)، و((مثل القوم)) فاعل بها، والتقدير: ما أسوأ مثلَ
(١) البحر ٤٢٥/٤؛ الشواذ ٤٧.
(٢) لقضو الرجل: تقول ذلك إذا بالغت في الخبر عنه بجودة القضاء. وانظر: الممتع
٥١٩/٢.
٥١٨

- الأعراف -
القوم، والموصولُ على هذا في محلِّ جر نعتاً لقوم. والثاني: أنها بمعنى
بئس، ومَثَلُ القوم فاعل، والموصولُ على هذا في محل رفعٍ لأنه المخصوصُ
بالذمِّ، وعلى هذا فلا بد مِنْ حَذْف مضاف ليتصادقَ الفاعلُ والمخصوصُ على
شيءٍ واحد. والتقدير: ساءَ مثلُ القومِ مثل الذين. وقَدَّر الشيخ (١) تمييزاً في
هذه القراءة وفيه نظرٌ، إذ لا يحتاج إلى تمييز إذا كان الفاعلُ ظاهراً حتى جَعَلوا
الجمع بينهما ضرورةً كقوله(٢):
٢٣٤٠ - تَزوَّدْ مثلَ زادٍ أبيك فينا فنعمَ الزَّادُ زادُ أبيك زادا
وفي المسألة ثلاثةُ مذاهب: الجوازُ مطلقاً، والمنع مطلقاً، والتفصيل: فإن
كان مغايراً للفظِ ومفيداً فائدةً جديدة جاز نحو: نعم الرجل شجاعاً زيد، وعليه
قوله(٣):
٢٣٤١ - تخيَّرَهُ فلم يَعْدِلْ سواه فنِعْمَ المرءُ مِنْ رجلٍ تَهامي
قوله: ((وأنفسَهم كانوا يظلمون)) مفعول لـ ((يظلمون))، وفيه دليلٌ على
تقديم خبر كان عليها؛ لأنَّ تقديم المعمول يُؤْذِنُ بتقديم العامل غالباً. وقلت
((غالباً)) لأن ثَمَّ مواضع يمتنع فيها ذلك نحو ((فأمَّا اليتيمَ فلا تَقْهَرْ)(٤) فاليتيم
مفعول بـ ((تقهر)) ولا يجوز تقديم ((تقهر)) على جازِمِه، وهو محتملٌ للبحث.
وهذه الجملة الكونيةُ تحتمل وجهين، أحدهما: أن تكونَ نسقاً على
الصلة وهي ((كَذَّبوا بآياتنا)). والثاني: أن تكون مستأنفة، وعلى كلا القولين
(١) البحر ٤٢٦/٤.
(٢) البيت لجرير وهو في ديوانه ١٣٥؛ والمقتضب ١٥٠/٢؛ والخصائص ٨٣/١؛ وابن
يعيش ١٣٢/٧؛ والخزانة ٤ /١٠٨.
(٣) البيت لجبير بن عبدالله القشيري أو الأسود بن شعوب، أو أبي بكر بن الأسود، وهو في
ابن يعيش: ١٣٣/٧؛ والعيني ٢٢٧/٣؛ ومعجم شواهد العربية ٣٧٠.
(٤) الآية ٩ من الضحى.
٥١٩

- الأعراف -
فلا محلَّ لها، وقُدِّمَ المفعولُ ليفيدَ الاختصاص، وهذا على طريقٍ
الزمخشري(١) وأنظاره .
آ. (١٧٨) قوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ الله فهو المهتدي﴾: راعى لفظ مَنْ
فأفرد، وراعى معناهافي قوله ((أولئك هم الخاسرون)) فجمع. وياء ((المهتدي))
ثابتةٌ عند جميع القراء لثبوتها في الرسم، وسيأتي لك خلافٌ في التي في.
الإِسراء(٢) وبحثها .. وقال الواحدي: ((فهو المهتدي: يجوز إثباتُ الياءِ على
الأصل، ويجوزُ حَذْقُها استخفافاً كما قيل في بيت الكتاب(٣):
دوامي الْأَيْدِ يَخْبِطْنَ السَّريحا
٢٣٤٢- فَطِرْتُ بُمُنْصُلِي فِي يَعْمَلات
ومنه (٤):
ومَسَحْتَ بالِِّثتين عَصْفَ الإِثْمِدِ
٢٣٤٣ - كنَواحِ ریشِ حَمامةٍ نَجْدیةٍ
قال ابن جني: ((شَبَّه المضاف إليه بالتنوين فحذف له الیاء)).
آ. (١٧٩) قوله تعالى:
لجهنم﴾: يجوز في هذه اللام وجهان،
أحدهما: أنها لامُ الصيرورة والعاقبة، وإنما احتاج هذا القائلُ إلى كونها لامَ
العاقبة لقوله تعالى ((وما خلقْتُ الجن والإِنس إلا ليعبدون))(٥) فهذه علةٌ معتبرةٌ
محصورة، فكيف تكون هذه العلةُ أيضاً؟ وأوردوا من ذلك قول الشاعر(٦):
(١) الكشاف ١٣١/٢.
(٢) الآية ٩٧ ((ومن يهد الله فهو المهتد)).
(٣) البيت لمضرس بن ربعي، وهو في الكتاب ٩/١، ٢٩١/٢؛ وأمالي الشجري ٧٢/٢؛
والمغني ٢٩٧. المنصل: السيف. اليعملات: النوق القوية، السريح: النعال.
(٤) البيت لخفاف بن نذبة وهو في الكتاب ٩/١؛ والمغني ١٤٣؛ وابن يعيش ١٤٠/٣. أراد
كنواحي. يصف شفتيها، وعصف الإِثمد: ما سحق منه.
(٥) الآية ٥٦ من الذاريات.
(٦) تقدم برقم ١٩٣٢.
٥٢٠