النص المفهرس
صفحات 481-500
- الأعراف - قلت: وهذا الردُّ تحاملٌ منه عليه، لأنه أراد تفسيرَ المعنى وهو تفسير حسن. قوله: ((إصرهم)) قرأ ابن عامر(١): ((آصارهم)) بالجمع على صيغة أفْعال، فانقلبت الهمزة التي هي فاء الكلمة ألفاً لسَبْقِها بمثلها، والباقون بالإِفراد فهي جمع باعتبار متعلَّقاته وأنواعه، وهي كثيرة. ومَنْ أفرد فلأنه اسمُ جنسٍ. وقرأ بعضهم: ((أَصرهم)) بفتح الهمزة، وبعضُهم (أُصْرهم)) بضمها (٢). وقد تقدم تفسير هذه المادة في أواخر البقرة (٣). والأغلال جمع غُلّ، وهو هنا مَثَل لِما كُلِّفوه. وقد تقدَّم تفسير المادة أيضاً في آل عمران: ((وما كان لنبي أن يَغُلَّ))(٤)، وكذا تقدم تفسير التعزير في المائدة(٥) . والعامَّة على تشديد ((وعزَّروه)). وقرأ(٦) الجحدري وعيسى بن عمر وسليمان التيمي (٧) بتخفيفها، وجعفر بن محمد: ((وعَزَّزوه))(٨) بزايين معجمتین. قوله: ((أُنْزِلَ معه)) قال الزمخشري(٩): ((فإن قلت: ما معنى (أُنْزِلَ معه))، وإنما أُنْزِل مع جبريل؟ قلت: معناه أُنزل مع نبوته؛ لأن (١) السبعة ٢٩٥؛ الحجة ٢٩٨؛ البحر ٤٠٤/٤. (٢) وهي رواية المعلى عن عاصم. انظر: الشواذ ٤٦. (٣) انظر إعرابه للآية ٢٨٦ . (٤) انظر إعرابه للآية ١٦١ . (٥) انظر إعرابه للآية ١٢. (٦) انظر: البحر ٤٠٤/٤. (٧) سليمان بن قَتَّة التيمي مولاهم البصري ثقة، عرض على ابن عباس، وعرض عليه عاصم الجحدري. ولم تذكر وفاته. انظر: طبقات القراء ٣١٤/١. (٨) الأصل: ((عززت)» وهو سهو. (٩) الكشاف ١٢٢/٢. ٤٨١ - الأعراف - اسْتِثْباءَه كان مصحوباً بالقرآن مشفوعاً به. ويجوز أن يتعلَّق بـ «اتَّيعوا))، أي: واتَّبعوا القرآن المنزَّل مع اتِباع النبيّ وبالعمل(١) بسنته وبما أَمَرَ به ونَهَى عنه، أو واتَّبعوا القرآنَ كما اتَبعه مصاحبين له في اتّباعه)) يعني بهذا الوجهِ الأخيرِ أنه [٤٠٨/ب] حالٌ من فاعل ((اتبعوا)). / وقيل: ((مع)) بمعنى ((على))، أي: أُنْزِلَ عليه. وجوَّز الشيخ(٢) أن يكون (معه)) ظَرْفاً في موضعِ الحال. قال: ((والعاملُ فيها محذوف تقديره: أُنْزِلَ كائناً معه، وهي حال مقدَّرة كقولهم: («مررت برجلٍ معه صقرٌ صائداً به غداً) فحالةُ الإنزال لم يكن معه، لكنه صار معه بعدُ، كما أن الصيدَ لم يكن وقتَ المرور)». آ. (١٥٨) قوله تعالى: ﴿إليكم﴾: متعلقٌ بـ ((رسول))، و((جميعاً)) حال من المجرور ب إلی . قوله: ((الذي له مُلْك)) يجوز فيه الرفع والنصب والجر، فالرفعُ والنصبُ على القطع وقد مرَّ غيرَ مرة. والجرُّ من وجهين: إمَّا النعتِ للجلالة، وإمَّا البدلِ منها. قال الزمخشري(٣): ((ويجوز أن يكون جَرّاً على الوصفِ وإن جِيل بين الصفة والموصوف بقوله ((إليكم جميعاً)). وقد استضعف أبو البقاء(٤) هذا ووجهَ البدل فقال: ((ويَبْعُدُ أن يكونَ صفة لله أو بدلاً منه لِما فيه من الفصل بينهما بـ ((إليكم)) وبحالٍ (٥)، وهو متعلّق بـ ((رسول)). قوله: ((لا إله إلا هو)) لا محلّ لهذه الجملةِ من الإعراب، إذ هي بدلٌ من الصلةِ قبلها، وفيها بيانٌ لها، لأنَّ مَنْ مَلَكَ العالَم كان هو الإِلهَ: على (١) الكشاف: ((والعمل)) ولعلها أنسب. (٢) البحر ٤٠٤/٤. (٣) الكشاف ١٢٣/٢. (٤) الإملاء ٢٨٧/١. (٥) وهو قوله ((جميعاً)) وفي الإملاء: ((وحاله)). ٤٨٢ - الأعراف - الحقيقة. وكذا قوله ((يحيي ويميت)) هي بيانٌ لقوله ((لا إله إلا هو)) سِيْقَتْ لبيان اختصاصه بالإلهية لأنه لا يَقْدِرُ على الإِحياءِ والإِماتةِ غيرُه، قال ذلك الزمخشري (١). قال الشيخ(٢): ((وإبدالُ الجملِ من الجمل غيرِ المشتركة في عاملٍ لا نعرفه)). وقال الحوفي: ((إنَّ ((يحيي ويميت)) في موضع خبر ((لا إله)). قال: ((لأن الإِله في موضع رفع بالابتداء، و((إلا هو)) بدلٌ على الموضع)) قال: ((والجملةُ أيضاً في موضع الحال من اسم الله)). قلت: يعني بالجملة قولَه (لا إله إلا هو يحيي ويميت)) ويعني باسم الله، أي الضمير في ((له مُلْك))، أي: استقرَّ له الملك في حال انفراده بالإلهية. وقال الشيخ(٣): ((والأحسن أن تكون هذه جملاً مستقلة من حيث الإِعراب، وإن كان (٤) متعلقاً بعضُها ببعض من حيث المعنى)). وقال في إعراب الحوفي المتقدم: ((إِنه متكلَّفٌ)) وهو كما قال . وقرأ(٥) مجاهد وعيسى ((وكلمة)) بالتوحيد، والمراد بها الجنس كقوله(٦): (أصدقُ كلمةٍ قالها شاعر كلمة لبيد))(٧)، ويسمُّون القصيدة كلها كلمةُ، وقد تقدَّم لك شرح هذا. قوله: ((فَآَمِنُوا بالله ورسوله)) قال الزمخشري(٨): ((فإن قلت: هَلَّ قيل: (١) الكشاف ١٢٣/٢. (٢) البحر ٤٠٥/٤. (٣) البحر ٤٠٥/٤. (٤) البحر: ((كانت)) وهي أنسب. (٥) البحر ٤٠٦/٤. (٦) الأصل: «کقولهم)) وهو سهو. (٧) رواه البخاري: مناقب الأنصار ٢٦؛ (الفتح) ١٤٩/٧؛ البيهقي ٢٣٧/١٠ وهذه الكلمة هي قوله: ألا كلُّ شيء ما خلا اللَّهَ باطل وكل نعيمٍ لا محالة زائل (٨) الكشاف ١٢٣/٢. ٤٨٣ - الأعراف - فآمنوا بالله وبي بعد قوله: ((إني رسول الله إليكم جميعاً)). قلت: عَدّل عن المضمر إلى الاسم الظاهر لتجري عليه الصفاتُ التي أُجْرِيَتْ عليه، ولِما في طريقة الالتفات من البلاغة، وليُعْلِم أنَّ الذي يجب الإِيمان به واتباعه هو هذا الشخص المستقلّ بأنه النبيُّ الأميُّ الذي يؤمن بالله وكلماته كائناً مَنْ كان أنا أو غيري إظهاراً للنَّصَفة وتفادياً من العصبية لنفسه)). آ. (١٦٠) قوله تعالى: ﴿وَقَطَّعْناهم اثنتَيْ عَشْرة﴾: الظاهر أن ((قطعناهم)) متعدٍّ لواحد لأنه لم يُضَمَّنْ معنى ما يتعدى لاثنين، فعلى هذا يكون ((اثنتي)) حالاً من مفعول «قطّعناهم))، أي: فَرَّقْناهم معدودِين بهذا العدد. وجَوَّز أبو البقاء (١) أن يكون قَطَّعْنا بمعنى صَيَّرنا وأن ((اثنتي)) مفعولٌ ثانٍ، وجزم الحوفي بذلك. وتمييز ((اثنتي عشرة)) محذوف لفهم المعنى تقديره: اثنتي عشرة فرقة و ((أسباطاً)) بدل من ذلك التمييز. وإنما قلت إن التمييز محذوف، ولم أجعل ((أسباطًا)) هو المميِّز لوجهين، أحدهما: أن المعدودَ مذكرٌ لأن أسباطاً جمع سِبْط، فكان يكون التركيبُ اثني عشر. والثاني: أن تمييز العدد المركب وهو من أحد عشر إلى تسعة عشر مفرد منصوب، وهذا ـــ كما رأيت - جمعٌ. وقد جعله الزمخشري(٢) تمييزاً له معتذراً عنه فقال: ((فإن قلتَ: مميِّز ما عدا. العشرةَ مفردٌ فما وجهُ مجيئه جمعاً؟ وهلا قيل: اثني عشر سِبْطاً. قلت: لو قيل ذلك لم يكن تحقيقاً لأن المرادَ: وقطَّعْناهم اثنتي عشرة قبيلة، وكلُّ قبيلة أَسْباط لا سِبْط، فوضع أسباطاً موضع قبيلة. ونظيرُه(٣): (١) الإملاء ٢٨٧/١. (٢) الكشاف ١٢٤/٢ .. (٣) البيت لأبي النجم وقبله: تبقَّلَتْ في أول التبقُّلِ وهو في ابن يعيش ١٥٥/٤؛ والخزانة ٤٠١/١؛ وشرح شواهد الشافية ٣١٢. ٤٨٤ - الأعراف - ٢٣١٥- بين رماحَيْ مالكٍ ونَهْشَلِ قال الشيخ(١): ((وما ذهب إليه من أن كل / قبيلة أسباط خلافُ ما ذكره [٤٠٩/أ] الناس: ذكروا أن الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في العرب، وقالوا: الأسباط جمع [سبط](٢)، وهم الفرق والأسباط في ولد إسحاق كالقبائل في ولد إسماعيل ويكون على زعمه قولُه تعالى: ((وما أُنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط)) معناه: والقبيلة. وقوله وهو نظير قوله ((بين رماحَيْ مالك ونهشل)) ليس بنظيره، لأن هذا من باب تثنية الجمع وهو لا يجوز إلا في ضرورة، وكأنه يشير إلى أنه لولم يُلْحَظْ في الجمع كونُه أريد به نوعٌ من الرماح لم تَصِحَّ التثنية، كذلك هنا لُحِظ في الأسباط - وإن كان جمعاً - معنى القبيلة فَمُيِّزَ به كما يُمَيِّزُ بالمفرد)». وقال الحوفي: ((يجوز أن يكونَ على الحَذْف، والتقدير: اثنتي عشرة فرقةُ أسباطاً، ويكون ((أسباط)) نعتاً لفرقة، ثم حُذف الموصوفُ وأقيمت الصفة مُقامه. وأمم نعتُ لأسباط، وأَنَّث العددَ وهو واقعٌ على الأسباط وهو مذكر وهو بمعنى فرقة أو أمة كما قال(٣): ٢٣١٦- ثلاثةأنفس يعني رجلاً. [وقال: ](٤) ٢٣١٧- . . عشرُ أَبْطُنِ بالنظر إلى القبيلة. ونظيرُ وصفِ التمييز المفرد بالجمع مراعاةً للمعنى قول الشاعر(٥): (١) البحر ٤ /٤٠٧. (٢) من البحر. (٣) تقدم برقم ٢١٣٦. (٤) تقدم برقم ٢١٣٤. (٥) تقدم برقم ٢٢٢٠. ٤٨٥ ب الأعراف - ٢٣١٨ _ فيها اثنتان وأربعون حَلوبةٌ سُوداً كخافيةِ الغرابِ الْأُسْحَمِ فوصف ((حلوبة)) وهي مفردةٌ لفظاً بـ ((سُوْد) وهو جمع مراعاةً لمعناها، إذ المرادُ الجمع». وقال الفراء(١): ((إنما قال ((اثنتي عشرة)) والسِّبط مذكر لأنَّ ما بعدهِ أممٌ فذهب التأنيث إلى الأمم، ولو كان اثني عشر لتذكير السبط لكان جائزاً)) واحتجَّ النحويون على هذا بقول الشاعر(٢): ٢٣١٩ - وإنَّ قريشاً هذه عشرُ أبطنٍ وأنت بريءٌ من قبائلها العشر ذهب بالبطن إلى القبيلة والفصيلة، لذلك أنَّث والبطن ذَكَر (٣). وقال الزجاج(٤): ((المعنى: وقَطَّعناهم اثنتي عشرة فرقةً أسباطاً، من نعتٍ فرقة كأنه قال: جَعَلناهم أسباطاً وفَرَّقْناهم أسباطاً))، وجوَّز أيضاً أن يكون ((أسباطاً)) بدلًا من ((اثنتي عشرة)) وتبعه الفارسيُّ في ذلك. وقال بعضهم: ((تقدير الكلام: وقطعناهم فرقاً اثنتي عشرة، فلا يُحتاج حينئذٍ إلى غيره. وقال آخرون: جَعَل كلَّ واحد من الاثنتي عشرة أسباطاً، كما تقول: لزيد دراهم ولفلان دراهم ولفلان دراهم، فهذه عشرون دراهم، يعني أن المعنى على عشرينات من الدراهم. ولو قلت: لفلان ولفلان ولفلان عشرون درهماً بإفراد ((درهم)) لأدَّى إلى اشتراك الكل في عشرين واحدة (١) معاني القرآن له ٣٩٧/١. (٢) تقدم برقم ٢١٣٤. (٣) أي أعطى العدد ((عشر)) حكم عشرة المفردة إن كان المعدود مؤنثاً على الرغم من أن المعدود الملفوظ به مذكراً. (٤) معاني القرآن له ٤٢٣/٢. ٤٨٦ - الأعراف - والمعنى على خلافه. وقال جماعة منهم البغوي(١): ((وفي الكلام تقديمٌ وتأخير تقديرُه: وقطعناهم أسباطاً أمماً اثنتي عشرة)). وقوله ((أمماً)): إمَّا نعتٌ لأسباطاً، وإمَّا بدل منها بعد بدل على قولنا: إن أسباطاً بدلٌ من ذلك التمييزِ المقدر. وجَعَلَه الزمخشري(٢) أنه بدل(٣) من اثنتي عشرة قال: ((بمعنى: وقَطَّعناهم أمماً لأن كل أسباط كانَتْ أمةً عظيمة وجماعة كثيفة العدد)» وكلُّ واحدة تَهُمُّ خلاف ماتؤُمُّه الأخری لا تكاد تأتلف)) انتهى. وقد تقدَّم القول في الأسباط(٤). وقرأ(٥) أبان بن تغلب ((وَقَطَّعْناهم)) بتخفيف العين، والشهيرةُ أحسنُ لأنَّ المقامَ للتكثير، وهذه تحتمله أيضاً. وقرأ(٦) الأعمش وابن وثاب وطلحة ابن سليمان ((عَشِرة)) بكسر الشين، وقد رُوي عنهم فتحُها أيضاً، ووافقهم على الكسر فقط أبو حيوة وطلحة بن مصرف. وقد تقدَّم تحقيق ذلك في البقرة(٧)، وأن الكسرَ لغةُ تميم والسكونَ لغةُ الحجاز. قوله: ((أن اضْرِبْ)) يجوز في ((أَنْ)) أن تكون المفسِّرة للإِيحاء، وأن تكونَ المصدرية. وقوله: ((فانبجسَتْ)) كقوله: ((فانفجرَتْ))(٨) إعراباً وتقديراً ومعنىّ، وقد تقدم جميعُ ذلك في البقرة. وقيل: الانبِجاسُ: العَرَق. قال (١) تفسير البغوي ٣٠٠/٢. وهو الحسين بن مسعود" فقيه محدَّث له لباب التأويل، توفي سنة ٥١٠. وفيات الأعيان ١٤٥/١؛ الأعلام ٢٥٩/٢. (٢) الكشاف ١٢٤/٢. (٣) لعل الأنسب ما في ش: وجعله الزغشري بدلاً. (٤) انظر إعرابه للآية ١٣٦ من البقرة. (٥) البحر ٤٠٦/٤؛ الشواذ ٤٦ ونسبها إلى أبي حيوة. (٦) البحر ٤ /٤٠٦. (٧) انظر: إعرابه للآية ١٩٦ من البقرة. (٨) من الآية ٦٠ من البقرة ((فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت)). ٤٨٧ - الأعراف - [٤٠٩/ب] أبو عمرو بن العلاء: / ((انبجست: عَرِقَتْ، وانفجرت: سالَتْ)) ففرَّق بينهما بما ذُكر، وفي التفسير أن موسى عليه الصلاة والسلام كان إذا ضَرَبَ الحجر ظهر عليه مثلُ ثَدْي المرأة فَيَعْرَقُ ثم يَسيل، وهما قريبان من الفّرْق المذكور في النضخ والنضح(١). وقال الراغب(٢): ((يقال: بَجَس الماءُ وانِجَسَ انفجر، لكن الانبجاسَ أكثرُ ما يُقال فيما يَخْرج من شيءٍ ضيق، والانفجار يُستعمل فيه وفيما يخرج من شيء واسع، ولذلك قال تعالى: ((فانبجستُ منه اثنتا عشرةَ عيناً)، وفي موضعٍ آخرَ ((فانفجرت))(٣)، فاستعمل حيث ضاق المخرج اللفظتان)) يعني ففرَّق بينهما بالعموم والخصوص، فكلُّ انبجاس انفجارٌ من غير عكس. وقال الهروي: ((يقال: انبجسَ وتَبَجَّس وتَفَجَّر وتُفتَّقُ بمعنى واحدٍ)»، وفي حديث حذيفة (٤): ((ما منا إلا رجلٌ له آمَّةٌ يَبْجُسُها الظُّفُر غيرَ رَجُلَيْن)) يعني عمر وعلياً رضي الله عنهم. الأمَّة: الشجَّة تبلغ أمَّ الرأس، وهذا مَثَل يعني أن الأمَّة منا قد امتلأت صديداً بحيث إنه يُقْدر على استخراج ما فيها بالظفر من غير احتياج إلى آلة حديد كالمِبْضَع فعبَّر عن زَلَلِ الإِنسانِ بذلك، وأنه تفاقم إلى أن صار يشبه شَجَّةً هذه صفتها. قوله: ((كلُّ أنأُس)) قد تقدَّم الوعدُ في البقرة بالكلام على لفظة (أناس) هنا. قال الزمخشري(٤): ((الأناس: اسم جمع غير تكسير نحو: رُخال(٥). وتُنَاءِ(٦) وتُؤام(٧) وأخواتٍ لها. ويجوز أن يقال: إن الأصل الكسر والتكسير، (١) نضح الإِناء رشح، ونضخ الماء: اشتدَّ فورانه من ينبوعه. (٢) المفردات ٣٧. (٣) الآية ٦٠ من البقرة. (٤) انظر: النهاية ٩٧/١؛ والكشاف ١٢٤/٢. (٥) الرِّخْل: الأنثى من أولاد الضأن، جمعها رُخال. (٦) تِناء البلد: القاطنون فيه، مفردها تانىء ولم أجدها بالضم. (٧) التوءم: المولود مع غيره في بطن، جمعها تؤام. والظاهر أن هذه الجموع الثلاثة أتى بها لمشابهتها أناساً من حيث اللفظ، فهي ليست بأسماء جموع، حيث إن لها مفرداً من لفظها. ٤٨٨ - الأعراف - والضمة بدل من الكسرة كما أُبدلت(١) في نحو سُكارَى وغُيارَى من الفتحة)). قال الشيخ(٢): ((ولا يجوز ما قال لوجهين، أحدهما: أنه لم يُنْطَقْ بـ ((إناس)) بكسر الهمزة فيكون جمعَ تكسيرٍ حتى تكونَ الضمةُ بدلاً من الكسرة بخلاف سُكارى وغيارى فإن القياس فيه فَعالى بفتح فاء الكلمة، وهو مسموع فيهما. والثاني: أن سُكارى وغُيارى وعُجالى وما ورد من نحوها ليست الضمةُ فيه بدلاً من الفتحة، بل نَصَّ سيبويه في ((كتابه)) على أنه جمعُ تكسيرٍ أصلٌ، كما أن فَعالى جمعُ تكسيرٍ أصلٌ، وإن كان لا ينقاس الضمُّ كما ينقاس الفتح. قال سيبويه(٣) في حَدٌّ تكسيرٍ الصفات: ((وقد يُكَسِّرون بعضَ هذا على فُعالى وذلك قول بعضِهم ((عُجالى وسُكارى)). وقال سيبويه(٤) في الأبنية أيضاً: (ويكونُ فُعالى في الاسم نحو: حُبَارَى(٥) وسُمانى(٦) ولُبادى(٧) ولا يكون وصفاً إلا أن يُكَسِّر عليه الواحدُ للجمع نحو: سُكارى وعجالى)) فهذان نَصَّان من سيبويه على أنه جمعُ تكسير، وإذا كان جمعَ تكسيرٍ أصلاً لم يَسُغْ أن يُدَّعى أن أصلَه فَعالَى وأنه أُبْدلت الحركة فيه. وذهب المبرد إلى أنه اسمُ جمع أعني فُعالى بضم الفاء وليس بجمع تكسير، فالزمخشري لم يذهبْ إلى ما ذهب إليه سيبويه، ولا إلى ما ذهب إليه المبرد، لأنه عند المبرد اسمُ جمعٍ، فالضمة في فائه أصلٌ لیست بدلاً من الفتحة بل أحدث قولاً ثالثاً» انتهى. قوله: ((كُلوا مِنْ طيبات)) قد تقدُّم الكلامُ على هذه الجملةِ وما قبلها، وما بعدها في البقرة(٨)، وكأن هذه القصةً مختصرةٌ مِنْ تِيْكَ، فإن تِيْكَ أَشبعُ (١) أي: أبدلت الضمة . (٢) البحر ٤ /٤٠٨. (٣) الكتاب ٢١٢/٢. (٤) الكتاب ١٩٩/٢. (٥) (٦) (٧) حبارى وسمانى ولبادى ضروب من الطير. ((٨) انظر: إعرابه للآية ١٧٢ . ٤٨٩ : - الأعراف - من هذه. قال الزمخشري(١): ((التقديمُ والتأخيرُ في ((وقولوا وادخلوا)) سواء. قَدَّموا الحِطّة على دخول الباب أو اخروها، فهم جامعون في الإِیجادِ بينهما)» قال الشيخ(٢): ((وقولُه: سواءٌ قَدَّموا أو أخَّروها تركيبٌ غير عربي، وإصلاحهُ: سواء أقدَّموا أم أخّروا كما قال تعالى: ((سواءٌ علينا أَجَزِعْنا أم صَبَرْنا))(٣) قلت: يعني كونه أتى لفظُ ((سواء)» بأو دون أم، ولم يأت بهمزة التسوية بعد سواء، وقد تقدم أن ذلك جائزٌ وإن كان الكثيرُ ما ذكره، وأنه قد قرىء ((سواء عليهم أأنذرتهم أو لم تُنْذِرْهم)»(٤) والردُّ بمثل هذا غيرُ طائلٍ. وقرأ(٥) عيسى الهمذاني ((ما رَزَقْتُكم)) بالإِفراد، وسيأتي خلافٌ بين السبعة في مثل هذا في سورة طه (٦). قوله: (تَغْفِرْ لكم خطاياكم))(٧) قد تقدَّم الخلاف في ((يغفر))(٨) وأما (خطاياكم)) فقرأها ابنُ عامر ((خطيئتكم)) بالتوحيد والرفع على ما لم يُسَمَّ فاعلُه، والفرض أنه يقرأ ((تُغْفَر)) بالتاء من فوق(٩). ونافع قرأ: ((خطيئاتگم)» بجمعِ السَّلامة رفعاً على ما لم يُسَمَّ فاعلُه؛ لأنه يقرأ ((تُغْفَر)) كقراءة ابن عامر، وأبو عمرو قرأ: ((خطاياكم)) جمعَ تكسير، ويَقرأ ((نغفر)) بنون العظمة، (١) الكشاف ١٢٥/٢. (٢) البحر ٤ /٤٠٩. (٣) الآية ٢١ من إبراهيم. (٤) الآية ٦ من البقرة وهي قراءة ابن محيصن كما في معجم القراءات ٢٢/١، والذي في شواذ ابن خالويه أن ابن محيصن قرأ بهمزة واحدة ولم ينص على (أو)) انظر: الشواذ ٢. (٥) البحر ٤٠٨/٤ وهو عيسى بن عمير الكوفي القارىء، قرأ عليه الكسائي وقرأ على طلحة بن مصرف ولم تذكر وفاته. الطبقات ٦١٣/١. (٦) الآية ٨٠، والآية ٨١. (٧) رسمها على قراءة أبي عمرو كما سيأتي. (٨) السبعة ٢٩٥؛ الحجة ٢٩٨؛ البحر ٤ /٤٠٩. (٩) وهو يقرأ كذلك. ٤٩٠ - الأعراف - والباقون: نَغْفر كأبي عمرو، ((خطيئاتكم)) بجمع السَّلامة منصوباً بالكسرة على القاعدة(١). وفي سورة نوح(٢) قرأ أبو عمرو / ((خطاياهم) بالتكسير أيضاً، والباقون [١/٤١٠] بجمع التصحيح. وقرأ ابن هرمز ((تُغْفَر)) بتاء مضمومة مبنياً للمفعول كنافع، ((خطاياكم)) كأبي عمرو. وعنه أيضاً: ((يَغْفر)) بياء الغيبة، وعنه: (تَغْفِر)) بفتح التاء من فوق، على معنى أن الحِطّة سببٌ للغفران فنسب الغفرانَ إليها. آ. (١٦٣) قوله تعالى: ﴿عن القرية﴾: لا بد من مضافٍ محذوفٍ، أي: عن خبر القرية، وهذا المضافُ هو الناصبُ لهذا الظرف وهو قوله: (إذ يَعْدون)) وقيل: بل هو منصوبٌ بـ ((حاضرة)). قال أبو البقاء (٣): ((وجوَّز ذلك أنها كانت موجودةً ذلك الوقتَ ثم خَرِبَتْ)). وقدَّر الزمخشري (٤) المضاف ((أهل))، أي: عن أهل القرية، وجعل الظرفَ بدلاً من ((أهل)) المحذوف فإنه قال: ((إذ يَعْدون)) بدل من القرية، والمرادُ بالقرية أهلُها، كأنه قيل: وسَلْهم عن أهل القرية وقت عدوانهم في السبت، وهو مِنْ بدل الاشتمال. قال الشيخ(٥): ((وهذا لا يجوزُ، لأنَّ ((إذ)) من الظروف التي لا تتصرَّف، ولا يَدْخل عليها حرفُ جر، وجَعْلُها بدلاً يُجَوِّز دخول ((عن)) عليها لأنَّ البدلَ هو على نية تكرار العامل، ولو أَدْخَلْت ((عن)) عليها لم يَجُزْ، وإنما يُتَصَرَّفُ فيها بأنْ تُضِيْفَ إليها بعضَ الظروفِ الزمانية نحو ((يوم إذ كان كذا))، وأمَّا قولُ (١) فيكون تفصيل السبعة كما يلي: ابن كثير والكوفيون: نغفر خطيئاتكم، وأبو عمرو: نغفر خطاياكم، وتافع: تُغفر خطيئاتُكم، وابن عامر: تُغْفَر خطيئتكم. (٢) الآية ٢٥. وانظر: السبعة ٦٥٣؛ والحجة ٧٢٦. (٣) الإملاء ٢٨٧/١. (٤) الكشاف ١٢٥/٢. (٥) البحر ٤ /٤١٠. ٤٩١ - الأعراف - مَنْ ذهب إلى أنها تكونُ مفعولةً بـ ((اذكر)) فقولُ مَنْ عَجَز عن تأويلها على ما ينبغي لها من إبقائها ظرفاً)). وقال الحوفي: ((إذ متعلقةً بـ ((سَلْهم)). قال الشيخ (١): ((وهذا لا يُتّصور، لأن ((إذ» لِما مضى، و((سَلْهم)) مستقبلٌ، ولو كان ظرفاً مستقبلاً لم يَصِحَّ المعنى، لأنَّ العادِين وهم أهل القرية مفقودون، فلا يمكن سؤالُهم فالمسؤول غير أهل القرية العادين)). وقرأ(٢) شهر بن حوشب وأبو نهيك: ((يَعَدُّون)) بفتح العين وتشديد الدال، وهذه تشبه قراءةً نافع(٣) في قوله ((لا تَعَدُّوا في السبت)) والأصل (تَعْتَدُّوا)) فأدغم التاءَ في الدال لمقاربتها لها. وقُرىء ((تُعِدُّون)) بضمِ التاء وكسرٍ العين وتشديد الدال من أعدَّ يُعِدُّ إعداداً: إذا هَيَّ آلاتِه. وفي التفسير: أنهم كانوا مأمورين في السبت فيتركونها ويُهَيِّئُون آلاتِ الصید. قوله: ((إذْ تأتيهم)) العاملُ فيه ((يَعْدُون))، أي: إذْ عَدَوا إذ أَتَتْهم، لأنَّ :. الظرفَ الماضي يَصْرِفُ المضارع إلى المضيّ. وقال الزمخشري(٤): (وإذ تأتيهم بدلٌ من إِذْ يَعْدُون بدلاً بعد بدل)) يعني أنه بدلٌ ثانٍ من القرية على ما تقرَّر عنه. وقد تقدَّم ردُّ الشيخ عليه هناك وهو عائدٌ هنا. و ((حِيْتان)) جمع حُوتِ، وإنما أُبدلت الواو ياء لسكونها وانكسارِ ما قبلَها. ومثلُه : نون ونينان. والنونُ: الحوت. (١) البحر ٤ /٤١٠. (٢) البحر ٤١٠/٤؛ الشواذ ٤٦؛ وضبطها الناشر بكسر العين ولعله خطأ. (٣) الآية ١٥٤ من النساء في رواية ورش. انظر: السبعة ٢٤٠. (٤) الكشاف ١٢٥/٢. ٤٩٢ - الأعراف - قوله: ((شُرَّعاً)) حالٌ من ((حِيتانهم)) وشُرَّعٌ جمعُ شارع. وقرأ(١) عمر ابن عبدالعزيز ((يوم إسْباتهم)) وهو مصدرٌ ((أسبت)) إذا دخل في السُّبْت. وقرأ عاصم بخلافٍ عنه(٢) وعيسى بن عمر: لا يَسْبُتون بضم الباء. وقرأ علي والحسن وعاصم بخلاف عنه ((يُسْبِتون)) بضم الياء وكسرِ الباء مِنْ أَسْبت، أي: دَخّل في السبت. وقرىء: ((يُسْبَتُون)) بضمِّ الياء وفتح الباء مبنياً للمفعول، نقلها الزمخشري(٣) عن الحسن قال: ((أي: لا يُدار عليهم السَّبْت ولا يؤمرون بأن يَسْبِتُوا)). والعاملُ في ((يوم لا يَسْبتون)) قوله ((لا تَأْتيهم)) أي: لا تأتيهم يوم لا يَسْبتون، وهذا يدلُّ على جواز تقديم معمول المنفي بـ ((لا)) عليها (٤). وقد قدَّمْتُ فيه ثلاثةَ مذاهب: الجوازّ مطلقاً كهذه الآية، المنعَ مطلقاً، التفصيلَ: بين أن يكون جوابَ قسم فيمتنعَ أو لا فيجوز. قوله: ((كذلك نَبْلُوهم)) ذكر الزجاج وابن الأنباري في هذه الكاف ومجرورِها وجهين، أحدهما: قال الزجاج(٥): «أي: مثلَ هذا الاختبار الشديد نختبرهم، فموضعُ الكاف نصب بـ ((نّبْلوهم)). قال ابن الأنباري: ((ذلك)) إشارةٌ إلى ما بعدَه، يريد: نَبْلوهم بما كانوا يفسُقون كذلك البلاء الذي وقع بهم في أَمْرِ الحِيتان، وينقطع الكلام عند قوله ((لا تأتيهم)). الوجه الثاني: قال الزجاج(٦): ((ويحتمل أن يكون - على بُعْدٍ - أن (١) البحر ٤ /٤١١؛ الشواد ٤٧. (٢) وهي رواية الجعفي عن عاصم. البحر ٤ /٤١١؛ الشواذ ٤٧. (٣) الكشاف ١٢٥/٢. (٤) أي على لا . (٥) معاني القرآن ٤٢٥/٢. (٦) معاني القرآن ٤٢٥/٢. ٤٩٣ - الأعراف - يكونَ: ويومَ لا يَسْبِتُون لا تأتيهم كذلك، أي: لا تأتيهم شُرَّعاً، ويكون نَّيْلوهم مستأنفا). قال أبو بكر (١): ((وعلى هذا الوجهِ: ((كذلك)) راجعةٌ إلى الشُّروع في قوله تعالى: ((يوم سَبْتِهم شُرَّعاً)) والتقدير: ویوم لا یَسْبتون لا تأتیهم كذلك الإِتيانَ بالشروع، وموضعُ الكاف على هذا نصبٌ بالإِتيان على الحال، أي: [٤١٠/ب] لا تأتي مثلَ ذلك الإتيان)». / وقوله: ((بما كانوا)) الباء سبيةٌ، و((ما)) مصدريةٌ أي: نَبْلُوهم بسببٍ فِسْقِهِم، ويَضْعُفُ أنْ تكونَ بمعنى الذي لتكلُّفِ حَذْفِ العائد على التدريج. وقد ذكر مكي هنا مسألةً مختلفاً فيها بين النحاة لا تعلُّق لها بهذا الموضع فقال(٢): ((وأفصحُ اللغات أن ينتصبَ الظرف مع السبت والجمعة فتقول: اليومَ السبتُ، واليومَ الجمعة، فَتُنْصَبَ ((اليوم)) على الظرف وتُرْفَعَ مع سائر الأيام فتقول: اليومَ الأحد، واليومَ الأربعاء، لأنه لا معنى للفعل فيهما، فالمبتدأ هو الخبر فترفع)). قلت: هذه المسألة فيها خلافٌ بين النحويين، فالجمهور كما ذكر يوجبون الرفعَ لأنه بمنزلة قولك: اليومُ الأولُ، اليوم الثاني. وأجاز الفراء وهشام النصب قالا: ((لأن اليوم بمنزلة الآن، فالآن أعم من الأحد والثلاثاء، فكأنه قيل: الآن الأحد، الآن الاثنان»، أي: إنهما واقعان في الآن، وليست هذه المسألةُ مختصةً بالجمعة والسبت، بل الضابطُ فيها أنّه إذا ذُكر ((اليوم)) مع ما يتضمن عملاً وحدثاً جاز النصب والرفع نحو قولهم: اليوم العيد، اليوم الفطر، اليوم الأضحى، كأنك قلت: اليوم يَحْدُث اجتماع وفطر وأُضْحیة. آ. (١٦٤) قوله تعالى: ﴿معذرة﴾: قرأ العامة ((معذرة)) رفعاً على (١) وهو ابن الأنباري . (٢) المشكل ٣٣٢/١. ٤٩٤ - الأعراف - خبر ابتداء مضمر، أي موعظتنا معذرة. وقرأ(١) حفص عن عاصم وزيد ابن علي وعيسى بن عمر وطلحة بن مصرف: ((معذرةً)) نصباً. وفيها ثلاثةُ أوجه، أظهرُها: أنها منصوبةٌ على المفعول من أجله، أي: وعَظْناه لأجلِ المعذرة. قال سيبويه(٢): ((ولو قال رجلٌ لرجل: معذرةً إلى الله وإليك من كذا انتصب)). الثاني: أنها منصوبةٌ على المصدر بفعل مقدرٍ مِنْ لِفِظها تقديرُه: نعتذر معذرةً. الثالث: أن ينتصبَ انتصابَ المفعولِ به لأنَّ المعذرةَ تتضمّن كلاماً، والمفردُ المتضمنُ لكلامٍ إذا وقع بعد القول نُصِبَ نَصْبَ المفعول به كقلت خطبة. وسيبويه يختار الرفع قال(٣): ((لأنهم لم يريدوا أن يعتذروا اعتذاراً مستأنفاً، ولكنهم قيل لهم: لِمَ تَعِظُون؟ فقالوا: موعظتنا معذرة)). والمَعْذِرة: اسمُ مصدر وهو العُذْر. قال الأزهري(٤): ((إنها بمعنى الاعتذار)) والعُذْر: التنصُّل من الذنب. آ. (١٦٥) قوله تعالى: ﴿فلمَّا نَسُوا ما ذُكَّروا به﴾: الضمير في (نَسُوا)) للمنهيين. و((ما)) موصولةٌ بمعنى الذي، أي: فَلَّما نَسُوا الوعظَ الذي ذكَّرهم به الصالحون. قال ابن عطية(٥): ((ويحتمل أن يُرادَ به الذِّكْرُ نفسُه، ويُحتمل أن يرادَ به ما كان فيه (٦) الذكر)) قال الشيخ (٧): ((ولا يَظْهر لي هذان الاحتمالان)) قلت: يعني ابن عطية بقوله ((الذكر نفسه))، أي: نفسُ الموصول مرادٌ به المصدر كأنه قال: فلما نَسُوا الذكر الذي ذُكَّروا به، وبقوله ((ما كان فيه (١) السبعة ٢٩٦؛ الحجة ٣٠٠؛ البحر ٤١٢/٤. (٢) الكتاب ١٦١/١. (٣) الكتاب ١٦١/٢. (٤) تهذيب اللغة ٣٠٦/٢. (٥) التفسير ١٨٩/٧. (٦) الأصل: ((في)) والتصويب من ابن عطية. (٧) البحر ٤١٢/٤. ٤٩٥ . - الأعراف - الذكر)» نفسُ الشيء المُذَكَّر به الذي هو متعلَّق الذكر، لأن ابن عطية لمّا جَعَل · (ما)) بمعنى الذي قال: ((إنها تحتملُ الوقوعَ على هذين الشيئين المتغايرين)». قوله: ((بعذاب بئيس)) قرأ(١) نافع وأبو جعفر وشيبة: ((بیْسٍ)) بياء ساكنة. وابن عامر بهمزة ساكنة، وفيهما أربعة أوجه، أحدها: أن هذا في الأصل فعلٌ ماضٍ سُمِّي به فأُعْرِبِ كقوله عليه السلام: ((أنهاكم عن قيلٍ وقال)) بالإِعراب والحكاية، وكذا قولهم: ((مُذْ شَبَّ إلى دَبَّ) و((مُذْ شَبّ إلى دَبٍ)) فلمَّا نُقِل إلى الاسمية صار وَصْفاً كـ نِضْو ونِقْض. والثاني: أنه وصف وُضِع على فِعْل كحِلْف. الثالث: أن أصلَه بَئيس كالقراءة المشهورة، فخفّف الهمزة، فالتقت ياءان ثم كَسَر الباء إتباعاً كرغيف وشِهيد، فاستثقل توالي ياءين بعد كسرة، فحذفت الياء المكسورة فصار اللفظ بِئْسٍ ، وهو تخريج الكسائي. الرابع: أن أصله ((بَئِس)) بزنة كَتِف ثم أُنْبعت الباءُ للهمزة في الكسر، ثم سُكُنت الهمزة ثم أُبدلت ياء(٢). وأمَّ قراءةُ ابنٍ عامر فتحتمل أن تكون فعلاً منقولاً، وأن تكون وصفاً كحِلْف. وقرأ أبو بكر عن عاصم ((بَيْئَسٍ)) بياء ساكنة بين باء وهمزة مفتوحتين [٤١١/أ] وهو صفةٌ على فَيْعَل كضيغَم (٣) وصَيْرَف(٤) وهي كثيرة في الأوصاف /. وقال امرؤ القيس بن عابس الكندي(٥) : ٢٣٢٠- كلاهما كان رئيساً بَيْئَساً يَضْرِبُ في يومِ الهياجِ القَوْنَسا (١) السبعة ٢٩٦؛ الحجة ٣٠٠؛ البحر ٤١٣/٤؛ الشواذ ٤٧. (٢) أي على قراءة نافع (٣) الضيغم: الأسد. (٤) الصيرف: المحتال . (٥) الطبري ١،٢٠٠/١٣ البحر ٤١٣/٤ والقونس: مقدم الرأس وأعلى بيضة الحديد. ٤٩٦ - الأعراف - وقرأ باقي السبعة بَيْسٍ بزنة رئيس. وفيه وجهان، أحدهما: أنه وصفٌ على فَعِيل كشديد وهو للمبالغة وأصله فاعل. والثاني: أنه مصدرٌ وُصف به أي: بعذابٍ ذي بأس بئيس، مصدر مثل النذير والنكير والعذير، ومثل ذلك في احتمال الوجهين قول أبي الإصبع العدواني(١): ٢٣٢١ - حَنَقَاً عَلَيَّ ولا أَرَىْ ليَ منهما شَرَّأَ بئياً وهي أيضاً قراءةُ علي وأبي رجاء. وقرأ يعقوبُ القارىء: بَئِسَ (٢) بوزن شَهِدَ، وقرأها أيضاً عيسى بن عمر وزيد بن علي. وقرأ نصر بن عاصم: بَأَس بوزن ضَرَب فعلاً ماضياً. وقرأ الأعمش ومالك بن دينار: بَأْس فعلاً ماضياً، وأصله بئس بكسرٍ الهمزة فسَكَّنها تخفيفاً كشَهْد في قوله(٣): ٢٣٢٢ - لو شَهْدَ عادَ في زمانٍ تُبَّعِ وقرأ ابن كثير(٤) وأهل مكة: بئسٍ بكسر الباء والهمز همزاً خفيفاً، ولم يُبَيَّن: هل الهمزةُ مكسورةٌ أو ساكنة؟ وقرأ طلحة وخارجة عن نافع بَيْسٍ بفتح الباء وسكون الياء مثل كَيْل وأصله بَيْشَس مثل: ضَيْغَم فخفَّف الهمزةَ بقلبها ياءً وإدغامِ الياء فيها، ثم خَفَّفه بالحذف كمّيْت في ميّت. (١) الطبري ٢٠١/١٣؛ مجاز القرآن ٢٣١/١؛ البحر ٤١٣/٤. (٢) كذا ضبطها المؤلف وهي في البحر غفل، وضبطها ابن عطية ٧ / ١٩٠ بَشِّسَ. وثمة أكثر من قارىء باسم يعقوب: فهناك يعقوب بن إسحاق الحضرمي ويعقوب بن جعفر، ويعقوب الأعشى. انظر: طبقات القراء ٣٨٦/٢. (٣) تقدم برقم ٢٢٢٧ . (٤) وهي حكاية الزهراوي عنه. البحر ٤١٣/٤. ٤٩٧ - الأعراف - وقرأ عيسى بن عمر والأعمش وعاصم في رواية: بَيْئِسٍ كقراءة أبي بكر عنه إلا أنه كسر الهمزة. وهذه قد رَدَّها الناسُ لأن فَيْعِلاً بكسر العين في المعتلِّ، كما أن فَيْعَلَا بفتحها في الصحيح كسيِّدٍ وضَيْغَم. على أنه قد شدَّ :. صَيْقِل (١) بالكسر، وعَيَّل (٢) بالفتح . وقرأ نصر في رواية مالك بن دينار عنه (بَأَسٍ)) بفتح الباء والهمزة وجَرِّ السين بزنة جَبَل. وقرأ أبو عبدالرحمن السلمي وطلحة بن مصرف (بئس ) مثل کبد وحذِرِ قال عبيدالله بن قيس (٣): ٢٣٢٣- ليتني أَلْقَى رُقَيَّةً في خَلْوةٍ من غير ما يَئِسِ وقرأ نصر بن عاصم في رواية ((بِيِّسٍ)) بتشديد الياء كميّت، وفيها تخريجان، أحدهما: أنها من البؤس ولا أصلَ لها في الهمز، والأصل: بَيْوِس كَمَّيْوت ففُعِل به ما فُعِل به. والثاني: أن أصلَه الهمزةُ فأبدلها ياءً ثم أدغم الياء في الياء. وقرأ أيضاً في روايةٍ ((بَأْس)) بهمزةٍ مشددة، قالوا: قَلَبَ الياءَ همزةً وأدغمها في مثلها ماضياً كشَمَّر. وطائفة أخرى: ((بَأَسَ)) كالتي قبلها إلا أن الهمزةَ خفيفةٌ. وطائفة: ((باسٍ)) بألف صريحة بين الباء والسين المجرورة. وقرأ أهلُ المدينة: ((بِئيس)) كرئيس، إلا أنهم كسروا الباءَ، وهذه لغةُ (١) الصيقل: شحّاذ السيوف وجلاؤها. (٢) العيّل: واحد العيال. (٣) ديوانه ١٦٠؛ الطبري ٢٠١/١٣؛ البحر ٤١٣/٤. ٤٩٨ - الأعراف - تميم في فعيل الحلقيَّ العين نحو: بِعير وشعير وشهيد سواء أكان اسماً أم صفة . وقرأ الحسن والأعمش: ((بِئْيَسٍ)) بباٍ مكسورة ثم همزةٍ ساكنة ثم ياءٍ مفتوحةٍ بزنة حِذْيَم(١) وعِثْيَر(٢). وقرأ الحسن: بِشْسَ بكسرٍ الباء وسكون الهمزة وفتح السين، جَعَلَها التي للدَّمِّ في نحو: بئس الرجل زيد، ورُوِيت عن أبي بكر. وقرأ الحسن أيضاً كذلك إلا أنه بياءٍ صريحة، وتخريجُها كالتي قبلها وهي مرويَّةٌ عن نافع. وقد ردَّ أبو حاتم هذه القراءةً والتي قبلها بأنه لا يُقال: ((مررت برجلٍ بئس)) حتى يقال: بئس الرجل، أو بئس رجلاً. قال النحاس(٣): ((وهذا مردودٌ - يعني قولَ أبي حاتم - حكى النحويون: ((إن فعلتَ كذا وكذا فيها ونعمَتْ))، أي: ونِعمَتِ الخَصْلة، والتقدير: بئس العذاب)). قلت: أبو حاتم معذورٌ في [ردّ](٤) القراءة فإن الفاعلَ ظاهراً غيرُ مذكور والفاعلُ عمدةٌ لا يجوز حذفه، ولكن قد ورد في الحديث: ((من توضّأ فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل))(*) ففاعل ((نعمت)) هنا مضمرٌ يفسِّره / سياقُ الكلام. قال الشيخ (٦): ((فهذه اثنان وعشرون (٧) قراءةً، [٤١١/ب] وضبطُها بالتلخيص أنها قُرِئَتْ ثلاثيةَ اللفظِ ورباعيِّتَه: فالثلاثي اسماً: بِيْسٍ، (١) الحذيم: القاطع. (٢) العثير: التراب. (٣) إعراب القرآن ٦٤٧/١. (٤) سقط سهواً من الأصل. (٥) رواه البيهقي في السنن الكبرى ٢٩٦/١. (٦) البحر. ٤١٣/٤. (٧) الذي ذكره السمين في تفصيله السابق عشرون قراءة وسقط من شرحه ما ذكره صاحب البحر من أن الحسن قد قرأ بِئْس، وأن فرقة قد قرأت بَيْس. ٤٩٩ - الأعراف - بِئْسٍ، بَيْسٍ، بَأسٍ، بَأَسٍ ، بِئِسٍ، بَيْسٍ. وفعلاً: بِْسَ، بِيْسَ، بَيْسَ، بَأَسَ، بَأْسَ، بَيْسَ، والرباعية اسماً: بَيْسٍ، بِئْسٍ(١)، بَيْئِسٍ، بَيِّسٍ، يَئْسٍ . بِئْسٍ، بِئْيَسٍ. وفعلاً: بَأَسَ. قلت: وقد زاد أبو البقاء(٢) أربع قراءات أخر: بَيِسٍ بياء مفتوحة ویاءٍ مكسورةٍ. قال: ((وأصلُها همزة مكسورة فأبدلَتْ ياء، وبَيَسٍ بفتحهما، قال: (وأصلها ياءٌ ساكنةٌ وهمزةٌ مفتوحة (٣)، إلا أن حركةَ الهمزةِ أُلْقِيَتْ على الياء وحُذِفَتْ، ولم تُقْلَبِ الياءُ ألفاً لأن حركتَها عارضةٌ)). وبَأْيُسٍ بفتح الباءِ وسكونٍ الهمزة وفتح الياء، قال: ((وهو بعيد إذ ليس في الكلام فَعْيَل)). وقرىء بَيَّس على فَيْعال وهو غريب. فهذه ستُّ وعشرون قراءة في هذه اللفظة، وقد حرِّرْتُ ألفاظها وتوجيهاتها بحمد الله تعالى . آ. (١٦٧) قوله تعالى: ﴿وإذ تأذَّنَ﴾: تَأَذَّن: فيه أوجهٌ، أحدها: أنه بمعنى آذَنَ أي: أَعْلَمَ. قال الواحديُّ: ((وأكثرُ أهل اللغة على أنَّ التأذُّن بمعنى الإِيذان وهو الإِعلامُ: قال الفارسي: ((آذن: أَعْلَمَ، وأَذَّن: نادى وصاح للإعلام ومنه قوله تعالى: ((فَأَذَّن مؤذِّن بينهم»(٤). قال: «وبعض العرب يُجْري آذَنْتُ مجرى تأذِّنْتُ، فيجعل آذن وتأذَّن بمعنى، فإذا كان أذَّن أعلم في لغة بعضهم فأذَّن: تفعّل مِنْ هذا. وقيل: إن معناه حَتَّم وأوجب)). وقال الزمخشري(٥): ((تأذَّن: عَزَم ربك، وهو تَفَعَّل من الإِيذان وهو الإِعلامُ، لأن العازمَ على الأمر (١) هذه القراءة رسمها المؤلف هنا ولم يشر إليها هو في تفصيله، ولم يشر إليها أيضاً في البحر، وأسقط من هذا السرد القراءة الخامسة عشرة في تفصيله: بَأْسَ خفيفة الهمزة من الرباعية فعلاً. أما القراءتان اللتان أشار إليهما أبو حَيَّن ولم يُشر السمين إليهما فهما: بَيْسَ، بِئْسَ فيكون المجموع اثنتين وعشرين كما قال أبو حيان. (٢) الإملاء ٢٨٨/١. (٣) صورة الأصل: بَيْئَسٍ. (٤) الآية ٤٤ من الأعراف. (٥) الكشاف ١٢٧/٢: ٥٠٠