النص المفهرس
صفحات 461-480
- الأعراف - قوله: ((وكانوا ظالمين)) يجوز فيها وجهان، أظهرهما: أنها استئنافية، أَخْبَرَ عنهم بهذا الخبرِ وأنه دَيْدَنهم وشأنهم في كلِّ شيءٍ فَاتِّخاذُهم العجلَ من جملة ذلك. ويجوز أن تكون حالاً، أي: وقد كانوا أي: اتخذوه في هذه الحال المستقرة لهم. آ. (١٤٩) قوله تعالى: ﴿سُقِط في أيديهم﴾: / الجارّ قائم مقام [١/٤٠٥] الفاعل. وقيل: القائمُ مقامَ [الفاعل] ضميرُ المصدر الذي هو السُّقوط أي: سُقِط السقوط في أيديهم. ونقل الشيخ(١) عن بعضهم أنه قال: ((وسقط تتضمّن مفعولاً وهوههنا المصدر، أي: الإسقاط كقولك: ((ذُهب بزيد)). قال: ((صوابه: وهو هنا ضميرُ المصدر الذي هو السُّقوط، لأنَّ ((سقط)) ليس مصدرُهُ الإِسقاط، ولأن القائمَ مقامَ الفاعل ضميرُ المصدر لا المصدر)). وقد نقل الواحدي عن الأزهري(٢) أن قولهم ((سُقِط في يده)) كقول امرىء القيس(٣): ولكنْ حديثاً ما حديث الرواحلِ ٢٢٩٤ - دَعْ عنك نَهْباً صِيح في حُجُراتِه في كون الفعل مسنداً للجار كأنه قيل: صاح المنتهبُ في حجراته، وكذلك المراد: ((سُقِط في يده))، أي: سَقَطَ الندم في يده)» قلت: فقوله: ((أي: سقط الندم)) تصريحٌ بأن القائم مقامَ الفاعل حرفُ الجارِّ لا ضميرُ المصدر. ونَقَل الفراء(٤) والزجاج(٥) أنه يُقال: سُقِط في يده وأُسقط أيضاً، إلا أن الفراء قال: ((سَقَط - أي الثلاثي - أكثر وأجودُ)). وهذه اللفظةُ تُستعمل في التندُّم والتحُّر. (١) البحر ٣٩٤/٤. (٢) تهذيب اللغة ٣٩٢/٨. (٣) تقدم برقم ٢١٧٧ . (٤) معاني القرآن له ٣٩٣/١. (٥) معاني القرآن له ٤١٧/٢. ٤٦١ - الأعراف - وقد اضْطَرَبَتْ أقوالُ أهل اللغة في أصلها فقال أبو مروان ابن سراج(١): اللغوي: «قولُ العرب: سُقِط في يده مما أَعْیاني معناه». وقال الواحدي: ((قد بان من أقوال المفسرين وأهل اللغة أن ((سُقِط في يده)» نَدِم، وأنه يُستعمل في صفة النادم)). فأمَّا القول في أصله وما حَدُّه فلم أر لأحدٍ من أئمة اللغة شيئاً. أرتضيه إلا ما ذكر الزجاجي فإنه قال: ((قوله تعالى: ((سُقِط في أيديهم)) بمعنى ندموا، نَظْمُ لم يُسمِع قبل القرآن ولم تَعْرفه العرب، ولم يوجدْ ذلك في أشعارهم، ويدلَّ على صحة ذلك أن شعراء الإِسلام لَمَّا سمعوا هذا النظم واستعملوه في كلامهم خفي عليهم وَجْهُ الاستعمال، لأن عادتَهم لم تَجْرِ به فقال أبو نواس(٢): ٢٢٩٥- ونشوةٌ سُقِطْتُ منها في يدي وأبو نواس هو العالِمُ النُّحْرِيْرِ فأخطأ في استعمال هذا اللفظ لأن فُعِلْتُ لا يُبْنِى إلا من فعل متعدٍ و «سَقَط)) لازم لا يتعدى إلا بحرف الصفة (٣)، لا يقال: ((سُقطت)) كما لا يُقال: رُغبت وغُضِبت إنما يقال: رُغِب في، وغُضِب على. وذكر أبو حاتم [أن] ((سُقِط فلان في يده)) بمعنى ندم وهذا خطأ مثلُ قول أبي نواس، ولو كان الأمر كذلك لكان النظم ((ولما سُقطوا في أيديهم)). و((سُقِط القومُ في أيديهم)). وقال أبو عبيدة(٤): ((يُقال لمن ندم على أمر وعجز عنه: سُقِط في يده» . وقال الواحدي: ((وذِكْرُ اليد ههنا لوجهين أحدهما: أنه يُقال للذي (١) لعله عبيد الله بن سلمة اليحصبي الأندلسي روى عن الأنطاكي وتوفي سنة ٤٠٥. انظر: طبقات القراء ٤٨٧/١. أو لعله سراج بن عبدالملك بن أبي مروان الأندلسي النحوي أخذ عنه ابن البانش توفي سنة ٥٠٨. بقية الوعاة ٥٧٦/١. (٢) لم أقف عليه . (٣) كذا في الأصل ولم أهتد إلى توجيه معناها. أسقطها ناسخ (ش) وأثبتُّها كما هي. (٤) المجاز ٢٢٨/١. ٤٦٢ - الأعراف - يَحْصُل وإن كان ذلك مما لا يكون في اليد: ((قد حَصَل في يده مكروهٌ» يُشَبِّه ما يحصُّل في النفس وفي القلب بما يُرى بالعين، وخُصَّت اليدُ بالذِّكر لأنَّ مباشرة الذنوب بها، فاللائمةُ تَرْجِع عليها لأنها هي الجارحة العظمى، فَيُسْنَدُ إليها ما لم تباشِرْ كقوله: ((ذلك بما قَدَّمَتْ يداك))(١) وكثير من الذنوب لم تقدِّمْه اليد. الوجه الثاني: أن الندم حَدَثٌّ يحصلُ في القلب، وأثرهُ يظهر في اليد لأن النادمَ يَعَضُّ يدَه ويَضْرب إحدى يديه على الأخرى كقوله: «فأصبح يُقَلِّبُ كَفَّيْه))(٢) فتقليبُ الكف عبارةٌ عن الندم، وكقوله: ((ويوم يَعَضِّ الظالم على يديه)»(٣) فلمَّا كان أثرُ الندم يحصُّل في اليدِ مِن الوجه الذي ذكرناه أُضيف سقوطُ الندم إلى اليد ؛ لأن الذي يظهر للعيون من فِعْلِ النادم هو تقليبُ الكفّ وعَضُّ الأنامل واليد، كما أن السرور معنى في القلب يَسْتشعره الإِنسان والذي يظهر من حالة الاهتزاز والحركة والضحك وما يجري مجراه». وقال الزمخشري (٤): ((ولمَّا سُقِط في أيديهم)): ولما اشتدَّ ندمهم، لأنَّ مِنْ شأن مَنْ اشتدَّ ندمُه وحسرته أن يَعَضُّ يده غَمَّأَ فتصيرَ يدهُ مسقوطاً فيها لأنَّ فاه(٥) قد وقع فيها)). وقيل: مِنْ عادة النادم أن يُطَاطِئِّ رأسه ويضع ذَقَّنه على يده معتمداً عليها ويصير على هيئة لو نُزعت يده لسقط على وجهه، فكأن اليد مسقوط فيها. ومعنى ((في)): ((على))، فمعنى ((في أيديهم)): على / أيديهم [٤٠٥/ب] كقوله: ((ولأصلبنّكم في جُذوع النخل))(٦). وقيل: هو مأخوذ من السِّقاط (١) الآية ١٠ من الحج. (٢) الآية ٤٢ من الكهف. (٣) الآية ٢٧ من الفرقان. (٤) الكشاف ١١٨/٢. (٥) في مطبوعة الكشاف ((لأن فاقده)). (٦) الآية ٧١ من طه ٤٦٣ - الأعراف - وهو كثرة الخطأ، والخاطِئُ يندم على فِعْله. قال ابن أبي كاهل(١): ٢٢٩٦- كيف يَرْجُوْن سِقاطي بعدما لَفِّع الرأسَ بياضٌ وَضَّلَعْ وقيل: هو مأخوذٌ من السَّقيط، وهو ما يُغَشِّي الأرض من الجليد يشبه الثلج؛ يقال منه: سَقَطَت الأرض كما يقال: ثَلَجت، والسَّقْطُ والسَّقيط يذوب بأدنى حرارة ولا يَبْقى، ومَنْ وقع في يده السَّقِيط لم يحصل منه على شيءٍ فصار هذا مثلاً لكل مَنْ خسر في عاقبته ولم يحصل من بغيته على طائل .. واعلم أن ((سُقِطٍ في يده)) عَدَّه بعضُهم في الأفعال التي لا تتصرَّف كنِعْمَ وبئس. وقرأ(٢) ابن السَّمَيْفع ((سَقَط في أيديهم)) مبنيًّاً للفاعِل، وفاعلُه مضمر، أي: سقط الندمُ، هذا قولُ الزجاج(٣). وقال الزمخشري (٤): ((سقطِ العَضّ)). وقال ابن عطية(٥): ((سَقَط الخسران والخيبة)) وكل هذه أمثلةٌ. وقرأ ابن أبي عبلة ((أُسْقِط)) رباعياً مبنياً للمفعول. وقد تقدَّم أنها لغةٌ نقلها الفراءِ (٦) والزجاج(٧). قوله: ((ورَأَوْا أنهم)) هذه قلبيّة، ولا حاجةً في هذه إلی تقدیمٍ وتأخير كما زعمَه بعضُهم قال: ((تقديره: ولما رأوا أنهم قد ضلَّوا وسُقِط في أيديهم)). قال: ((لأنَّ الندمَ والتحسُّر إنما يقعان بعد المعرفة)). (١) وهو سُوَيْد. والبيت في الصحاح ((سقط))؛ وتفسير ابن عطية ١٦٦/٧؛ والبحر ٣٩٣/٤. ولفِّعَ: غطى . (٢) البحر ٤ /٣٩٤؛، الشواذ ٤٦. (٣) معاني القرآن ٤١٧/٢. (٤) الكشاف ١١٨/٢. (٥) التفسير ١٦٦/٧. (٦) معاني القرآن له ٣٩٣/١. (٧) معاني القرآن له ٤١٧/٢ . ٤٦٤ - الأعراف - قوله: (لَئِنْ لم يَرْحَمْنا)) قرأ(١) الأخَوان: ((ترحمنا وتغفر)) بالخطاب، ((ربَّنا) بالنصب. وهي قراءةُ الشعبي وابن وثاب وابن مصرف والجحدري والأعمش، وأيوب، وباقي السبعة بياء الغيبة فيهما، ((ربنا)) رَفْعاً، وهي قراءة الحسن ومجاهد والأعرج وشيبة وأبي جعفر. فالنصبُ على أنه منادى وناسبه الخطاب، والرفعُ على أنه فاعل، فيجوز أن يكون هذا الكلامُ صَدَرَ من جميعهم على التعاقب، أو هذا من طائفة وهذا من طائفة، فَمَنْ غلب عليه الخوفُ وقَوِي على المواجهة خاطب مستقيلاً من ذنبه، ومَنْ غلب عليه الحياء أخرج كلامه مُخْرج المُسْتحيي من الخطاب، فأسند الفعل إلى الغائب(٢). آ. (١٥٠) قوله تعالى: ﴿غضبانَ أَسِفاً﴾: حالان من موسى عند مَنْ يجيز تعدُّدَ الحال، وعند مَنْ لا يجيزه يَجْعَلُ ((أَسِفاً)) حالاً من الضمير المستتر في ((غضبان)) فتكون حالاً متداخلةً، أو يجعلها بدلاً من الأولى، وفيه نظرٌ لعُسْر إدخالِه في أقسام البدل، وأقربُ ما يقال: إنه بدلُ بعضٍ من كل إن فسَّرنا الأسِفَ بالشديد الغضبِ، أو بدلُ اشتمال إن فسَّرناه بالحزين. يقال: أسِف يأسَفُ أَسَفاً، أي: اشتدَّ غضبُه. قال تعالى: ((فلما آسفونا انتقمنا منهم)) (٣) ويقال: بل معناه حَزِن ومنه قوله (٤): ٢٢٩٧- غيرُ مأسوفٍ على زمنٍ ينقضي بالهمِّ والحزن فلما كانا متقاربَيْنِ في المعنى صَحَّت البدليةُ على ما ذكرته لك، ويدلُّ على مقاربة ما بينهما - كما قال الواحدي - قولُه(٥). (١) السبعة ٢٩٤؛ الحجة ٢٩٦؛ البحر ٣٩٤/٤. (٢) انظر: البحر ٣٩٤/٤. (٣) الآية ٥٥ من الزخرف. (٤) البيت لأبي نواس وليس في ديوانه، وهو في المغني ٢١١؛ والخزانة ١٦٧/١؛ والهمع ٩٤/١؛ والذرر ٧٢/١. (٥) لم أقف عليه . ٤٦٥ ٢٢٩٨_ - الأعراف - فحزنُ كلِّ أخي حُزْنٍ أخو الغضبِ وقال الأعشى(١): ٢٢٩٩ - أرى رجلاً منكمْ أسِيفاً كأنما يَضُمُّ إلى كَشْحَيْه كَفّاً مُخَضِّبًا فهذا بمعنى غضبان. وفي الحديث: ((إنَّ أبا بكر رجلٌ أسيف))(٢) ، أي: حزين، ورجلٌ أَسِف: إذا قُصِد ثبوتُ الوصف واستقراره، فإن قُصِد به الزمان جاء على فاعِل. قوله: ((قال: بِثْسما)) هذا جوابُ ((لمَّا)) وتقدَّم الكلامُ على ((بئسما»، ولكنَّ المخصوصَ بالذم محذوفٌ، والفاعلُ مستتر يفسِّره ((ما خَلَفْتموني)) والتقدير: بئس خلافةً خَلَقْتمونها خلافتُكم. قوله: ((أَعَجِلْتُمْ أمرَ ربكم)) في ((أَمْرَ)) وجهان أحدهما: أنه منصوب على المفعول بعد إسقاط الخافض وتضمين الفعل معنى ما يتعدى بنفسه، والأصل: أَعَجِلْتُمْ عن أمر ربكم. قال الزمخشري (٤): ((يقال: عَجِل عن الأمر: إذا تركه غير تامًّ، ونقيضه تَمَّ، وأعجله عنه غيره، ويُضَمَّن معنى سبق فيتعدَّى تعديتَهُ فيقال: عَجِلْتُ الأمر، والمعنى: أعجلتم عن أمر ربكم)). والثاني: أنه متعدٍ بنفسه غيرَ مضمَّنٍ معنى فعل(٥) آخر. حكى يعقوب ((عَجِلْتُ الشيء سبقته، وأعجلت الرجل استعجلته، أي: حملته على العَجْلة)). قوله: ((يَجُرُّه إليه)) فيه ثلاثة أوجه، أحدُها: أن الجملةَ حالٌ من ضمير موسى المستتر في ((أخذ))، أي: أخذ جارًّاً إليه. الثاني: أنها حال من (رأس). (١) ديوانه ١١٥؛ شرج جمل الزجاجي ٦٩١/٢؛ مجالس ثعلب ٣٨. (٢) البخاري: الأذان ٣٩؛ (الفتح) ١٥١/٢؛ ابن حنبل ١٥٩/٦. (٣) انظر: إعرابه للآيات: ٩٠ البقرة، ٩٣ البقرة. (٤) الكشاف ٠١١٩/٢. (٥) قوله ((فعل)) غير واضح في الأصل. ٤٦٦ - الأعراف - قاله أبو البقاء (١) وفيه نظرٌ لعدم الرابط. الثالث: أنها حال من ((أخيه)) قال أبو البقاء(٢): ((وهو ضعيفٌ)) يعني من حيث / إن الحال من المضاف إليه يَقِلُّ [٤٠٦/أ] مجيئُها أو يمتنعُ عند بعضهم. قلت: وقد تقدم غيرَ مرة أن بعضَهم يُجَوّزه في صورٍ هذه منها، وهو كونُ المضافُ جزءاً من المضاف إليه. قوله: ((قال ابن أُمَّ)) قرأ(٣) الأخَوان وأبو بكر وابن عامر هنا وفي طه(٤) بكسر الميم والباقون بفتحها. فأمَّا قراءة الفتح ففيها مذهبان: مذهبُ البصريين أنهما بُنيا على الفتح لتركُبهما تركيب خمسة عشر، فعلى هذا فليس ((ابن)) مضافاً لـ ((أم)) بل مركَّب معها فحركتُهما حركةُ بناء. والثاني: مذهب الكوفيين وهو أن (ابن)) مضاف لـ ((أُمّ)) و((أم)) مضافة لياء المتكلم، وياء المتكلم قد قلبت ألفاً كما تقلب في المنادى المضاف إلى ياء المتكلم نحو: يا غلاماً، ثم حُذِفَتْ الألفُ واجْتُزِىء عنها بالفتحة كما يُجْتَزَأُ عن الياء بالكسرة، فحينئذ حركة ((ابن)) حركةُ إعراب وهو مضاف لـ ((أُمَّ) فهي في محلِّ خفضٍ بالإِضافة . وأما قراءةُ الكسر فعلى رأي البصريين هو كسرُ بناءٍ لأجل ياء المتكلم، بمعنى أَنَّا أَضَفْنا هذا الاسمَ المركب كلَّه لياء المتكلم فكُسِر آخرُه، ثم اجتزِىء عن الياء بالكسرة فهو نظير: يا أحَدَ عشري ثم: يا أحد عَشرِ بالحذف، ولا جائز أن يكونا باقيين على الإِضافة إذ لم يَجُزْ حَذْفُ الياء لأن الاسمَ لیس منادى، ولكنه مضافٌ إليه المُنادى فلم يَجُزْ حَذْفُ الياءِ منه. وعلى رأي الكوفيين يكون الكسرُ كسرَ إعراب وحُذِفت الياءُ مجتَزَاً عنها بالكسرة كما اجتزِىءَ عن ألفها بالفتحة. وهذان الوجهان يَجْريان في ((ابن أم)) و((ابن عم)) (١) الإملاء ٢٨٥/١. (٢) الإملاء ١ /٢٨٥ . (٣) السبعة ٢٩٥؛ الحجة ٢٩٧؛ البحر ٣٩٦/٤؛ الشواذ ٤٦. (٤) الآية ٩٤. ٤٦٧ - الأعراف - و((ابنة أم)) و((ابنة عم)). فاعلم أنه يجوزُ في هذه الأمثلةِ الأربعةِ خاصةً خَمْسُ لغات، فُصْحاهُنَّ: خَذْفُ الياءِ مجتزأ عنها بالكسرة، ثم قَلْبُ الياءِ ألفاً فَيَلْزَمُ قُلْبُ الكسرةِ فتحةً، ثم حَذْفُ الألف مجتزاً عنها بالفتحة، ثم إثبات الياء ساكنة أو مفتوحة(١)، وأمَّا غيرُ هذه الأمثلة الأربعة(٢) ممَّا أُضيف إلى مضاف. إلى ياء المتكلم في النداء فإنه لا يجوزُ فيه إلا ما يجوزُ في غير باب النداء لأنه ليس منادى نحو: يا غلامَ أبي ويا غلام أمي، وإنما جَرَتْ هذه الأمثلةُ خاصةً هذا المجرى تنزيلاً للكلمتين منزلةً كلمةٍ واحدة ولكثرة الاستعمال. وقُرىء ((يابن أمي)) بإثباتِ الياء ساكنةٌ، ومثلُه قوله(٣): ٢٣٠٠ - يابنَ أُمِّ ويا شُقَيِّق نفسي أنت خَلَّفْتَني لدهرِ شديدٍ وقول الآخر(٤): ٢٣٠١ - يا بنَ أمي فَدَتْكَ نفسي ومالي وقُرىء أيضاً: ((ابن إمّ)) بكسر الهمزة والميم وهو إتباعٌ. ومِنْ قَلْبِ الياءِ ألفاً قولُه(٥): ٢٣٠٢ - يا بنة عَمَّا لا تَلُومي واهْجَعي (١) فتكون اللغات كما يلي: ابن أمِ - ابن أما - ابن أمَّ - ابن أميْ - ابن أميَ. (٢) وهي: ابن أم وابن عم وابنة أم وابنة عم. (٣) البيت لأبي زبيد الطائي، وهو في الكتاب ٣١٨/١، واللسان: شقق؛ والجمع ٥٤/٢؛: والدرر ٧٠/٢؛ والخلل في شرح أبيات الجمل لابن السيد ٢١٥. (٤) لم أهتد إلى قائله وتمامه، وهو في البحر ٣٩٦/٤. (٥) البيت لأبي النجم وبعده: ! لا يخرق اللومُ حجابَ مسمعي وهو في الكتاب ٣١٨/١؛ والنوادر ١٩؛ والمختسب ٢٣٨/٢؛ والحلل ٢١٤؛ والهمع ٥٤/٢؛ والدرر ٧٠/٢. ٤٦٨ - الأعراف - وقوله(١): ٢٣٠٣- كُنْ لي لا عَليَّ يا بن عَمَّا نَدُمْ عَزِيزَيْنِ ونُكْفَ الذَّمًّا قوله: (فلا تُشْمِتْ)) العامَّة على ضم التاء وكسر الميم وهو مِنْ أَشْمت رباعياً، (الأعداء)) مفعول به. وقرأ(٢) ابن محيصن ((فلا تَشْمِتْ)) بفتح التاء وكسر الميم، ومجاهد بفتح التاء أيضاً وفتح الميم، ((الأعداء)) نصب على المفعول به. وفي: هاتين القراءتين تخريجان، أظهرهما: أن شمِت أو شَمَت بكسر الميم أو فتحها متعدٍّ بنفسه كأشمت الرباعي، يقال: شمت بي زيدٌ العدوّ، كما يقال: أَثْمَتَّ بي العدو. والثاني: أنَّ ((تَشْمت)) مسندٌ لضمير الباري تعالى، أي: فلا تَشْمت يا رب، وجاز هذا كما جاز ((الله يَسْتهزىء بهم)) ثم أضمر ناصباً للأعداء كقراءة الجماعة قاله ابن جني (٣)، ولا حاجةً إلى هذا التكلف لأنَّ ((شمت)) الثلاثي يكون متعدِّياً بنفسه، والإِضمارُ على خلاف الأصل. وقال أبو البقاء(٤) - في هذا التخريج -: ((فلا تشمت أنت)) فجعل الفاعلَ ضميرَ موسى، وهو أولى من إسناده إلى ضمير الله تعالى. وأمّا تنظيرُه بقوله ((الله يَسْتهزىء بهم)) فإنما جاز ذلك للمقابلة في قوله: ((إنما نحن مستهزئون)» (٥) وكقوله: ((ومَكَروا ومَكَر الله))(٦) ولا يجوز ذلك في غير المقابلة . وقرأ حميد بن قيس: ((فلا تَشْمِت)) كقراءة ابن محيصن، ومجاهد(٧) (١) لم أهتد إلى قائله، وهو في العيني ٤ / ٢٥٠. (٢) البحر ٣٩٦/٤؛ الشواذ ٤٦. (٣) المحتسب ٢٥٩/١ . (٤) الإملاء ٢٨٥/١. (٥) الآية ١٤ من البقرة. (٦) الآية ٣٠ من الأنفال. (٧) هذه رواية ثانية عن مجاهد، فالأولى بنصب الأعداء، والثانية برفعها، وكلاهما بفتح الميم. ٤٦٩ : - الأعراف - [٤٠٦/ب] كقراءته فيه أولاً، إلا أنهما رفعا الأعداء على الفاعلية، جعلا شمت / لازماً فرفعا به ((الأعداء)) على الفاعلية، فالنهي في اللفظ للمخاطب والمرادُ به غيرُه. كقولهم: ((لا أُرَيَنَّك ههنا))، أي: لا يكنْ منك ما يقتضي أن تَشْمت بي: الأعداء . والإِشمات(١) والشَّماتة: الفَرَح بيلِيَّة تنال عدوَّك قال(٢): ٢٣٠٤_ والموتُ دون شماتَةِ الأعداء . قيل: واشتقاقُها مِنْ شوامِتِ الدابة وهي قوائمُها؛ لأن الشماتةَ تَقْلِبُ. قلبَ الحاسِد في حالَتَي الفرح والترح كتقلَّب شوامت الدابة. وتشميت العاطس وتَسْميته بالشين والسين الدعاء له بالخير، قال أبو عبيد(٣): ((الشينُ أَعْلَى اللغتين)) وقالٍ ثعلب: ((الأصلُ فيهما السين مِنَ السَّمْت، وهو القصد. والهَدْيُ)). وقيل: معنى تشميت العاطس بالمعجمة أن يُثَبِّته الله كما يثبت قوائم الدابة. وقيل: بل التفعيل للسُّلْب، أي: أزال الله الشماتة به، وبالسين المهملة، أي: ردَّه الله إلى سَمْتِه الأول أي هيئته لأنه يحصُّل له انزعاج. وقال أبو بكر: ((يقال: سَمَتْه وسَمَت عليه، وفي الحديث: ((وسَمَّت عليهما))(٤). آ. (١٥٢) قوله تعالى: ﴿وكذلك نَجْزي المفترين﴾: أي: ومثل ذلك النيل من المعصية والذل نجزي المفترين . آ. (١٥٣) قوله تعالى: ﴿والذين عملوا﴾(٥): مبتدأ، وخبره قوله: (١) انظر: المفردات ٢٦٦. (٢) تقدم برقم ١١٥٣ . (٣) غريب الحديث له ٢ /١٨٤ وزاد ((وأكثر)). (٤) رواه ابن حنبل في المسند ١٠٠/٣؛ ١١٧، ١٧٦. (٥) الأصل: «کسبوا)» وهو سهو. ٤٧٠ - الأعراف - (إن ربك)) إلى آخره. والعائد محذوف والتقدير: غفورٌ لهم رحيم بهم كقوله: ((ولمَنْ صبر وغفر إن ذلك لَمِنْ عَزْمِ الأمور))(١) أي: منه. قوله: ((مِنْ بعدها)) يجوز أن يعود الضمير على ((السيئات)) وهو الظاهر، ويجوز أن يكون عائداً على التوبة المدلول عليها بقوله: ((ثم تابوا))، أي: من بعد التوبة. قال الشيخ (٢): ((وهذا أَوْلَى، لأن الأولَ يلزمُ منه حَذْفُ مضافٍ ومعطوفِه، إذ التقدير: من بعد عَمَلِ السيئات والتوبة منها)). قوله: ((وآمنوا)) يجوز أن تكونَ الواوُ للعطفِ فيقال: التوبة بعد الإِيمان فكيف جاءَتْ قبلَه؟ فيقال: الواو لا تُرَتِّبُ، ويجوز أن تكونَ الواوُ للحال، أي: تابوا وقد آمنوا. آ. (١٥٤) قوله تعالى: ﴿وَلَّا سكت﴾: السُّكوت والسُّكات: قَطْعُ الكلامِ ، وهو هنا استعارةٌ بديعة. قال الزمخشري (٣): ((هذا مَثَلُ كأن الغضبَ كان يُغْرِيه على ما فعل ويقول له: قل لقومك كذا، وأَلْقِ الألواحِ وجُرَّ برأس أخيك إليك، فترك النطق بذلك وترك الإغراء به، ولم يستحسن هذه الكلمة ولم يَسْتَفْصِحْها كل ذي طبع سليم وذوق صحيح إلا لذلك، ولأنه من قبيل شُعَب البلاغة، وإلا فما لِقراءة معاوية بن قرة ((ولمَّا سكن)) بالنون لا تجدُ النفسَ عندها شيئاً من تلك الهزة وطرفاً من تلك الروعة؟)). وقيل: شَبَّه جمود الغضب بانقطاع كلام المتكلم. قال يونس(٤): ((سال (١) الآية ٤٣ من الشورى. (٢) البحر ٣٩٧/٤. (٣) الكشاف ١٢٠/٢. (٤) وهو يونس بن حبيب يحكي قولاً عن العرب. انظر: البحر ٣٩٨/٤. ٤٧١ - الأعراف - الوادي ثم سكت)) فهذا أيضاً استعارةٌ. وقال الزجاج(١): ((مصدر سَكَتَ الغضبُ السكتة، ومصدر سَكَت الرجل السكوت)) وهذا يقتضي أن يكون ((سكت الغضب)) فعلًا على حِدَته. وقيل: هذا من باب القلب والأصل: ولما سكت موسى عن الغضب نحو: أَدْخَلْتُ القلنسوة في رأسي، وهذا ينبغي أنٍ لا يجوز لعدم الاحتياج إليه، مع ما في القلب من الخلاف الذي ذكرته لك غیر مرة . قوله: ((وفي نُسْخَتها هدئً))، هذه الجملة في محل نصب على الحال من الألواح أو من ضمير موسى، والأول أحسن. قوله: ((للذين)) متعلقٌ بمحذوف لأنه صفةٌ لـ ((رحمة)) أي: رحمة كائنة للذين. ويجوز أن تكونَ اللامُ لامَ المفعول من أجله كأنه قيل: هدى ورحمةٍ لأجل هؤلاء، و((هم)) مبتدأ، و ((يرهبون)) خبره، والجملةُ صلة الموصول. قوله: ((لربِّهم يَرْهَبون)) في هذه اللامِ أربعةُ أوجه، أحدها: أن اللامَ مقويةٌ للفعل، لأنه لمَّا تقدَّم معمولُه ضَعُفَ فقوي باللام كقوله: ((إن كنتم للرؤيا تَعْبُرون)) وقد تقدم أن اللامَ تكونُ مقويةً حيث كان العامل مؤخراً أو فرعاً نحو: ((فَعَّل لِما يريد))(٢)، ولا تُزاد في غير هذين إلا ضرورةً عند بعضهم كقوله(٣): ٢٣٠٥ - ولمّا أن تواقّفْنا قليلًا أَنَخْنا للكلاكل فارْتَمْيْنا (١) معاني القرآن ٤١٩/٢، وعبارته: ((يقال سكت يسكُت سَكْتاً إذا هو سكن، وسكت بسكت سُكوتاً وسَكْتاً إذا قطع الكلام)). وظاهر النص هنا أنه لم يفرق بين الرجل. والغضب . (٢) الآية ١٠٧ من هود. (٣) تقدم برقم ٤١. ٤٧٢ - الأعراف - أو في قليل عند آخرين كقوله تعالى: ((رَدِفَ لكم))(١). والثاني: أن اللامَ لامُ العلة، وعلى هذا فمفعولُ ((يرهبون)) محذوفٌ تقديره: يرهبون عقابه لأجله، وهذا مذهب الأخفش(٢). / الثالث: أنها متعلقةً بمصدرٍ محذوف [١/٤٠٧] تقديره: الذين هم رهبتهم لربهم، وهو قول المبرد، وهذا غير جارٍ على قواعد البصريين لأنه يَلْزَمُ منه حَذْفُ المصدر وإبقاءُ معموله وهو ممتنعٌ إلا في شعر، وأيضاً فهو تقديرٌ مُخْرِجٌ للكلام عن وجه فصاحته. الرابع: أنها متعلقةٌ بفعلٍ مقدر أيضاً تقديره: يخشعون لربهم. ذكره أبو البقاء(٣) وهو أولى ممَّا قبله. آ. (١٥٥) قوله تعالى: ﴿واختار موسى﴾: ((اختار)» يتعدّى لاثنين إلى أوَّلهما بنفسه وإلى ثانيهما بحرف الجر، ويجوز حَذْفُه، تقول: ((اخترت زيداً من الرجال))، ثم تَسِعُ فتحذف ((مِنْ)) فتقول: ((زيداً الرجال)) قال(٤). ٢٣٠٦ - اخْتَرْتُكَ الناسَ إذ رتَّتْ خلائِقُهُمْ واعتلَّ مَنْ كان يُرجى عنده السُّؤْلُ وقال الراعي(٥): ٢٣٠٧ - فقلْتُ له اخترها قَلوصاً سمينة ونابٌ علينا مثل نابِكَ في الحيا وقال الفرزدق(٦): (١) الآية ٧٢ من النمل. (٢) معاني القرآن ٣١١/٢. (٣) الإملاء ٢٨٦/١. (٤) البيت للراعي وهو في الطبري ١٤٦/١٣؛ والقرطبي ٢٩٤/٧. (٥) ديوان الراعي ١٩٢ وصدره فيه: فقلت لِرَبِّ الناب خُذھا ئيَّةٌ والحيا: الشحم والسمن. (٦) البيت للفرزدق وهو في ديوانه ٤١٨/١؛ والكتاب ١٨/١؛ ومعاني القرآن للأخفش ٣١٢/٢؛ وابن يعيش ١٢٣/٥؛ ومجالس العلماء ١٩٣. وقد حُذِفت حركة من التفعيلة الأولى فأصبحت فَعْلن لأن البيت من الطويل. ٤٧٣ - الأعراف - وجوداً إذا هَبَّ الرياح الزعازعُ ٢٣٠٨- منا الذي اختير الرجال سماحة وهذا النوعُ مقصورٌ على السماع، حَصَره النحاة في ألفاظ، وهي: اختار وأَمَر كقوله(١) : ٢٣٠٩ - أمرتك الخيرَ فافعلْ ما أُمِرْتَ به فقد تَرَكْتُك ذا مالٍ وذا نَشَبِ واستغفر كقوله (٢): ٢٣١٠- أستغفرُ اللّهَ ذنباً لستُ محصیه ربَّ العبادِ إليه الوجهُ والعملُ وسمَّى [نحو: ) سَمَّيْتُ ابني بزيد، وإن شئت: زيداً. و((دعا)) بمعناه قال(٣): ٢٣١١ - دَعَتْني أُمُّ عمرو أخاها ولم أكن أخاها ولم أَرْضَعْ لها بَلَبَانِ و ((كَنَى)) تقول: كَنَيْته بفلان، وإن شئت فلاناً. و ((صَدَق)) قال تعالى: ((ولقد صدقكم الله وعده»(٤). و ((زوَّج)) قال تعالی: ((زوجناكها)»(٥). ولم یزد الشيخ(٦) عليها. ومنها أيضاً ((حدَّث وأنبأ ونبّأ وأخبر وخبِّ)) إذا لم تُضَمَّن معنى أَعْلَمَ. قال تعالى: (مَنْ أَنباك هذا))(٧) وقال: ((فلمَّا نَبَّها به))(٨). وتقول: حَدَّثْتُك بكذا، وإن شئت: كذا، قال(٩): ٢٣١٢- لَئِنْ كان ما حُدِّثْتُه اليومَ صادقاً أَصُمْ في نهارٍ القيظ للشمس بادیا (١) تقدم برقم ٢٢١. (٢) تقدم برقم ٦٩٠. (٣) تقدم برقم ٤٩٨. (٤) الآية ١٥٢ من آل عمران. والتعدّي الآخر للفعل بـ ((في)). انظر: القاموس: صدق. (٥) الآية ٣٧ من الأحزاب ((فلما قضى زيدٌ منها وَطَرَأْ زوَّجناكها)). (٦) البحر ٣٩٨/٤. (٧) الآية ٣ من التحريم ((فلما نبّأها به قالت مَنْ أنبأك هذا)). (٨) الآية ٣ من التحريم. (٩) تقدم برقم ٦٦٢. - ٤٧٤ - الأعراف - و ((قومه)) مفعولٌ ثانٍ على أوَّلهما، والتقدير: واختار موسى سبعين رجلاً من قومه. ونقل أبو البقاء(١) عن بعضهم أن (قومه)) مفعول أول و((سبعين)) بدل، أي: بدل بعض من كل، ثم قال: ((وأرى أن البدلَ جائزٌ على ضعف وأن التقدير: سبعين رجلاً منهم)). قلت: إنما كان ممتنعاً أو ضعيفاً لأنَّ فيه حَذْفَ شيئين: أحدُهما المختار منه، فإنه لا بد للاختيار من مختارٍ ومختار منه، وعلى البدل إنما ذُكِر المختارُ دونَ المختار منه. والثاني: أنه لا بد من رابط بين البدل والمبدل منه وهو ((منهم)) كما قدَّره أبو البقاء(٢)، وأيضاً فإن البدلَ في نية الطَّرْح. وأصل اختار: اختّيَرّ افتعل من لفظ الخير كاصطفى من الصفوة. و ((لميقاتنا)) متعلقٌ به أي: لأجل ميقاتنا. ويجوز أن يكونَ معناها الاختصاصَ، أي: اختارهم مخصصاً بهم الميقات كقولك: اختير لك هذا. قوله: ((لو شِئْت)) مفعولُ المشيئة محذوف أي: لوشِئْتَ إهلاكنا، و ((أهلكتهم)) جواب لو، والأكثر الإِتيانُ باللام في هذا النحو، ولذلك لم يَأْتِ مجرداً منها إلا هنا، وفي قوله ((أنْ لو نشاء أَصَبْناهم))(٣) وفي قوله: ((لو نشاء جَعَلْناه أُجاجاً))(٤). ومعنى ((من قبل)) أي: قبل الاختيار وأَخْذ الرجفة. قوله: ((وإياي)» قد يتعلَّق به مَنْ يرى جواز انفصال الضمير مع القدرة على اتصاله، إذ كان يمكنُ أن يُقال: أهلكتنا، وهو تعلُّقُ واوٍ جداً لأن مقصودَه صلى الله عليه وسلم التنصيص على هلاك كلٍ على حِدَتِه تعظيماً للأمر، وأيضاً فإن موسى لم يتعاطَ ما يقتضي إهلاكّه بخلاف قومه، وإنما قال ذلك تسليماً منه لربِّه، فعطَف ضميرَه تنبيهاً على ذلك، وقد تقدم لك (١) الإملاء ٢٨٦/١. (٢) لا يشترط النحاة في البدل مثل هذا الرابط. (٣) الآية ١٠٠ من الأعراف. (٤) الآية ٧٠ من الواقعة. ٤٧٥ - الأعراف - - فهذه من هذا - في قوله ((ولقد وصَّيْنا الذين أوتوا الكتاب مِنْ قبلكم وإياكم))(١) وقوله ((يُخْرِجون الرسول وإياكم))(٢). قوله: ((أَتُهْلكنا)) يجوز فيه أن يكون(٣) على بابه، أي: أَتَعُمُّنْا بِالإِهلاك [٤٠٧/ب] أم تخصُّ به السفهاء منا؟ / ويجوز أن يكونَ بمعنى النفي، أي: ما تُهْلِك مَنْ لم يُذنب بذنب غيره، قاله أبو بكر بن الأنباري، قال: ((وهو كقولك: أُتُّهين مَنْ يكرمك؟ وعن المبرد: هو سؤالُ استعطاف. و((منا)) في محل نصب على الحال من «السفهاء» ويجوز أن تكون للبيان. قوله: ((تُضِلُّ بها)) يجوز فيها وجهان، أحدهما: أن تكون مستأنفةً فلا محلّ لها. والثاني: أن تكون حالاً من «فتنتك)) أي: حالَ كونها مُضِلاً. بها. ويجوز أن تكون حالاً من الكاف لأنها (٤) مرفوعةٌ تقديراً بالفاعلية، ومنعه أبو البقاء(٥) قال: ((لعدم العامل فيها)) وقد تقدَّم البحث معه فيه غير مرة . . آ. (١٥٦) قوله تعالى: ﴿هُدْنا﴾: العامَّةُ على ضم الهاء، مِنْ هاد يهود بمعنى مال، قال (٦): أني مِنَ اللّه لها هائِدُ ٢٣١٣- قد عَلِمَتْ سَلْمى وجاراتُها أو تاب، مِنْ قوله(٧) : ٢٣١٤- إني امرؤٌ مما جَنَّيْتُ هَائِدُ (١) الآية ١٣١ من النساء. (٢) الآية ٨ من الممتحنة. (٣) أي الاستفهام . (٤) أي الكاف. (٥) الإملاء ٢٨٦/١، وعبارة المطبوعة ((ويجوز)) وسقطت ((لا)) سهواً. (٦) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٤ /٤٠١. (٧) تقدم برقم ٥١٢. ٤٧٦ - الأعراف - ومن كلامِ بعضهم: ((يا راكبَ الذنب هُدْهُدْ، واسجد كأنك هُدْهُد)). وقرأ(١) زيد بن علي وأبو وَجْزة(٢) ((هِدْنا)) بكسر [الهاء] من هاد يَهيد أي حرَّك. وقد أجاز الزمخشري(٣) في هُدنا وهِدْنا بالضم والكسر أن يكون الفعلُ مبنياً للفاعل أو للمفعول في كل منهما بمعنى مِلْنا أو أمالنا غيرُنا، أو حرَّكْنا نحن أنفسَنا أو حرَّكَنا غيرُنا وفيه نظر، لأن بعض النحويين قد نصَّ(٤) على أنه متى أُلبس وَجَبَ أن يؤتى بحركةٍ مزيلةٍ لِلْبس فيقال في ((عقتُ)) من العَوْق إذا عاقك غيرك: ((عِقت)) بالكسر فقط أو الإِشمام، وفي بعتُ يا عبد إذا قصد أن غيرَه باعه: ((بُعْت)) بالضم فقط أو الإِشمام، ولكن سيبويه(٥) جَوَّز في قيل وبيع ونحوهما الأوجه الثلاثة من غير احتراز. و ((هي))(٦) ضميرٌ يفسِّره سياقُ الكلام إذ التقدير: إنْ فتتُهم إلا فتتُك. وقيل: يعود على مسألة الإِراءة من قوله: ((أَرِنا اللّهَ جَهْرةً)) أي: إنْ مسألة الرؤية . قوله: ((عذابي أُصِيْبُ)) مبتدأ وخبره. والعامَّةُ على ((مَنْ أشاء)) بالشين المعجمة. وقرأ(٧) زيد بن علي وطاوس وعمرو بن فائد: ((أساء)» بالمهملة من الإِساءة. قال الداني: ((لا تَصِحُّ هذه القراءة عن الحسن ولا عن طاوس، (١) البحر ٤٠١/٤؛ الكشاف ١٢٢/٢؛ الشواذ ٤٦. (٢) يزيد بن عبيد السعدي المدني روى عنه محمد بن إسحاق، توفي سنة ١٣٠. طبقات القراء ٣٨٢/٢. (٣) الكشاف ١٢٢/٢. (٤) انظر: أوضح المسالك ٢٦٥. (٥) الكتاب ٣٦٠/٢. (٦) عاد إلى الآية ١٥٥ من قوله: ((إن هي إلا فتنتك)). (٧) البحر ٤ /٤٠٢؛ الشواذ ٤٦. ٤٧٧ - الأعراف -: وعمرو بن فائد رجل سَوْء، وقرأها يوماً سفيان بن عيينة(١) واستحسنها(٢)، فقام. إليه عبدالرحمن المقرىء فصاح به وأسمعه فقال سفيان: ((لم أَفْطِنْ لما يقولُ: أهل البدع)». قلت: يعني عبدالرحمن أن المعتزلةَ تعلَّقوا بهذه القراءة في أن فِعلَ العبدِ مخلوقٌ له، فاعتذر سفيان عن ذلك. آ. (١٥٧) قوله تعالى: ﴿الذين يتبعون﴾: في محله أوجه، أحدها: الجر نعتاً لقوله ((الذين يتقون)). الثاني: أنه بدلُ منه. الثالث: أنه منصوبٌ على القطع. الرابع: أنه مرفوع على خبر ابتداء مضمر وهو معنى القطع أيضاً. الخامس: أنه مبتدأ، وفي الخبر حينئذ وجهان، أحدهما: أنه الجملةُ: الفعلية من قوله ((يأمرهم بالمعروف)). والثاني: الجملةُ الاسمية من قوله ((أولئك هم المُفْلحون)) ذكر ذلك أبو البقاء(٣)، وفيه ضعف، بل مَنْعٌ، كيف يجعل (يأمرهم)) خبراً وهو من تتمة وَصْفِ الرسول صلى الله عليه وسلم، أو على أنه معمولٌ للوجدان عند بعضهم كما سيأتي التنبيهُ عليه، وكيف يَجْعَلُ. ((أولئك هم المفلحون)) خبراً لهذا الموصول، والموصولُ الثاني وهو قوله ((فالذين آمنوا به وعزَّروه ونصروه)» يطلبه خبراً، لا يتبادَرُ الذهنُ إلى غيره. ولو تبادر لم يكن مُعْتبراً. قوله: ((الْأُمّيّ)) العامَّةُ على ضم الهمزة نسبةً: إمَّا إلى الأمة وهي أمة. العرب، وذلك لأن العرب لا تحسب ولا تكتب، ومنه الحديثُ: ((إنَّا أمةٌ أَمِّيَّةٌ لا نكتب ولا نحسب)»(٤)، وإمَّا نسبةً إلى الأُمّ وهو مصدر أَمَّ يَوْمُّ، أي: قصد (١) سفيان بن عيينة الكوفي الأعور المشهور عرض على ابن كثير توفي سنة ١٩٨. طبقات القراء ٣٠٨/١. (٢) في الأصل ((واستسجها)) والتصحيح من البحر. (٣) الإملاء ٢٨٦/١. (٤) رواه البخاري: الصوم ١٣؛ (الفتح) ٤ / ١٢٦؛ ابن حنبل ٤٣/٢. ٤٧٨ - الأعراف - يقصد، والمعنى على هذا: أن هذا النبيَّ الكريم مقصود لكل أحدٍ. وفيه نظر، لأنه كان ينبغي أن يقال: الْأُمِّيّ بفتح الهمزة. وقد يقال: إنه من تغيير النسب. وسيأتي أن هذا قراءةٌ لبعضهم، وإما نسبةً إلى أمِّ القرى وهي مكة، وإمَّا نسبة إلى الْأُمّ كأن الذي لا يقرأ ولا يكتب على حالةٍ ولادتِه من أمه. وقرأ(١) يعقوب ((الْأُمِّيّ)) بفتح الهمزة، وخرِّجها بعضهم على أنه من تغيير النسب، كما قالوا في النسب إلى أُمَّة: أَمَوي / . وخرَّجها بعضهم على [٤٠٨/أ] أنها نسبةٌ إلى الْأُمّ وهو القصد، أي: الذي هو على القصد والسَّداد، وقد تقدَّم ذكرُ ذلك أيضاً في القراءة الشهيرة. فقد تحصَّل أن كلا من القراءتين يحتمل أن تكون مُغَيَّرَةً من الأخرى. قوله: ((تجدونه)) الظاهر أن هذه متعديةٌ لواحد لأنها اللُّقْيَة، والتقدير: تَلْقَوْنِه، أي تَلْقَوْن اسمه ونعته مكتوباً، لأنه بمعنى وُجْدان الضالّة فيكون ((مكتوباً)) حالاً من الهاء في ((تجدونه)). وقال أبو علي: ((إنها متعدية لاثنين أولهما الهاء، والثاني ((مكتوباً)). قال: ((ولا بد من حذف هذا المضاف، أعني قوله ((ذكره أو اسمه)). قال سيبويه(٢): ((تقول إذا نظرت في هذا الكتاب: هذا عمرو، وإنما المعنى: هذا اسم عمرو وهذا ذِكْر عمرو قال: ((وهذا يجوزُ على سَعة الكلام)). قوله: ((عندهم في التوراة)) هذا الظرف وعديلُه كلاهما متعلِّقٌ بـ(تَجدون))، ويجوز - وهو الأظهر - أن يتعلَّقًا بـ ((مكتوباً)، أي: كُتِبَ اسمُه ونعته عندهم في تَوْراتهم وإنجيلهم. قوله: ((يأمرهم)) فيه ستةُ أوجه، أحدها: أنه مستأنف، فلا محلَّ له حينئذ (١) البحر ٤٠٣/٤. (٢) انظر أمثلة على ذلك في: الكتاب ١٠٨/١ - ١١٠. ٤٧٩ - الأعراف - وهو قول للزجاج(١). والثاني: أنه خبر لـ ((الذين)). قاله أبو البقاء(٢)، وقد ذُكِرَ، قلت: وقد ذكر ما فيه ثَمَّة. الثالث: أنه منصوبٌ على الحال من الهاء في ((تجدونه)) ولا بد من التجوز(٣) بها، ذلك بأن تُجْعَلَ حالاً مقدرة. وقد منع أبو علي أن تكون حالاً من هذا الضمير قال: ((لأن الضميرَ للاسم والذِّكْرِ، والاسم والذّكر لا يأمران)) يعني أن الكلام على حَذْفِ مضافٍ كما مرَّ، فإن تقديره: تجدون اسمه أو ذِكْره، والذكرُ والاسمُ لا يأمران، إنما يأمر المذكور والمسمَّى. الرابع: أنه حال من ((النبيّ)). الخامس: أنه حال من الضمير المستكن في ((مكتوباً». السادس: أنه مفسِّر لـ ((مكتوباً)، أي لِما كُتِب، قاله الفارسي. قال: ((كما فَسَّر قوله: ((وَعَد اللَّهُ الذين آمنوا)» بقوله: ((لهم مغفرةٌ ورزق كريم» (٤)، وكما فسَّر المَثَل في قوله تعالى: ((إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم))(٥) بقوله (خَلَقَه من تراب)». وقال الزَّجَّاج(٦) هنا: ((ويجوز أن يكون المعنى: يجدونه مكتوباً عندهم أنه يأمرُهم بالمعروف، وعلى هذا يكون الأمرُ بالمعروف وما ذُكِر معه مِنْ صفته التي ذُكِرت في الكتابين)). واستدرك أبو علي عليه هذه المقالةَ فقال: ((لا وجه لقوله ((يجدونه مكتوباً عندهم أنه يأمرهم بالمعروف)» إن كان يعني أن ذلك مرادٌ، لأنه لا شيءَ يَدُلُّ على حَذْفِه، ولأنَّا لا نَعْلَمهم أنهم صَدَقُوا في شيء، وتفسير الآية أنَّ ((وجدت))(٧) فيها تتعدى لمفعولين)) فَذَكر نحو ما قدَّمته عنه. (١) معاني القرآن ٤٢١/٢ . (٢) الإِملاء ٢٨٦/١. وانظر: الورقة ٤٠٧ ب، حيث عدَّه خبراً وردًّ عليه السمين. (٣) الأصل ((التجو)) وسقطت الزاي سهواً. (٤) الآية ٩ من المائدة. (٥) الآية ٥٩ من آل عمران. (٦) لم يزد الزجاج في ((معانيه)) هنا على قوله ((يأمرهم بالمعروف)) يجوز أن يكون يأمرهم مستأنفاً)) ٤٢١/٢. (٧) لعل الأنسب ((وجده لأن لفظ الآية ((يجدونه)) وذلك كما في ش. ٤٨٠