النص المفهرس
صفحات 441-460
- الأعراف - اسمُها ضميرَ الشأن؛ لأن الجملة التي بعدها صلةُ ((ما)) فلا تَصْلُح للتفسير فلا يحصُل بها الإِيضاحُ، وتمامُ الاسم والمفسّر يجب أن يكون مستقلاً(١) فتدعو الحاجةُ إلى أن تَجْعل ((فرعون)) اسمُ كان، وفي ((يصنع)) ضميرٌ يعود عليه)). قلت: بعد فَرَض كونِها ناقصةً تلزم أن تكونَ الجملةُ من قوله ((يصنع فرعون)» خبراً لـ ((كان))، ويمتنع أن تكونَ صلةً لـ ((ما)). وقوله: ((فتدعو الحاجة)) أي ذلك الوجهُ الذي بدأت به - واستضعفه هو - احتاج إليه في هذا المكان فراراً مِنْ جَعْل الاسمِ ضميرَ الشأن لما تخيَّله مانعاً. والتدميرُ: الإِهلاك وهو مُتّعذّ بنفسه. فأما قوله ((دَمِّر الله عليهم)) فمفعولُه محذوفٌ أي: خرَّب عليهم منازلهم وبيوتهم. قوله: ((يَعْرشون)) قرأ(٢) ابن عامر وأبو بكر عن عاصم هنا وفي النحل(٣) (يَعُرُشون)) بضم الراء، والباقون بالكسر فيهما. وهما لغتان: عَرَش الكرمَ يعرِشُه ويعرُشُه، والكسرُ لغة الحجاز. قال اليزيدي: ((وهي أفصحُ)). وقُرىء شاذاً بالغين المعجمة والسين المهملة مِن غَرْس الأشجار، وما أظنه إلا تصحيفاً. وقرأ ابن أبي عبلة ((يُعَرِّشون)) بضم الياء وفتحِ العين وكسرِ الراء مشددةً على المبالغة والتكثير. آ. (١٣٨) قوله تعالى: ﴿وجاوَزْنا ببني إسرائيل): كقوله: ((فَرَقْنا بكم البحر)) (٤) من كونِ الباء يجوز أن تكونَ للتعدية، وأن تكون الحالية کقوله(٥): (١) الإِملاء: ((مستقبلاً)) تحريف. (٢) السبعة ٢٩٢؛ الحجة ٢٩٤؛ البحر ٣٧٧/٤. (٣) النحل آية ٦٨. (٤) الآية ٥٠ من البقرة. (٥) تقدم برقم ٤٥٤. ٤٤١ - الأعراف - ٢٢٨٤- تَدوسُ بنا الجماجمَ والتَّريبا وقد تقدَّم ذلك. وجاوز بمعنى جاز. ففاعَل بمعنى فَعَل. وقرأ(١) الحسن وإبراهيم وأبورجاء ويعقوب: جَوَّزنا بالتشديد، وهو أيضاً بمعنى فَعَل المجردِ كقَدَر وقدَّر. قوله: ((يَعْكفون)) صفة لـ ((قوم)). وقرأ(٢) الأخَوَان ((يعكفون)) بكسر العين، ويُروى عن أبي عمرو أيضاً. والباقون بالضم، وهما لغتان في المضارع كَيَعْرشون. وقد تقدَّم معنى العكوف واشتقاقُه في البقرة(٣). قوله: ((كما لهم آلهةٌ)) الكافُ في محلِّ نصب صفة لإلهاً، أي: إلهاً مماثلاً لإِلههم. وفي ((ما)) ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنها موصولةٌ حرفية أي: تَتَأوَّل بمصدرٍ، وعلى هذا فصلتُها محذوفة، وإذا حُذِفت صلة ((ما)) المصدرية فلا بد من إبقاء معمولٍ صلتها كقولهم: ((لا أكلَّمكَ ما أنَّ حِراءَ مكانَه)) أي: ما ثبت أن حراء مكانه. وكذا هنا تقديره: كما ثبت لهم آلهة، فآلهة فاعل بـ ((ثبت)) المقدر. وقال أبو البقاء(٤) - في هذا الوجه -: ((والجملة بعدها صلةٌ لها، وحسَّن ذلك أن الظرف مقدرٌ بالفعل». قلت: کلامُه على ظاهره ليس بجید؛ لأن ((ما)) المصدريةَ لا تُوْصَلُ بالجملة الاسمية على المشهور، وعلى رأي مَنْ يُجَوِّز ذلك فيشترط فيها غالباً أن تُفْهِم الوقت كقوله(٥). فلَأَنْتَ أَوْ هُوَ عن قریبِ ذاهِبُ ٢٢٨٥ - واصِلْ خليلَكَ ما التواصلُ ممكنٌ (١) البحر ٣٧٧/٤، الشواذ ٤٥. (٢) السبعة ٢٩٢؛ والبجر ٣٧٧/٤؛ والحجة ٢٩٤؛ والأخوان هما حمزة والكسائي. (٣) الآية ١٢٥ .. (٤) الإملاء ٢٨٤/١. (٥) تقدم برقم ١٩٢. ٤٤٢ - الأعراف - ولكنَّ مرادَه أنَّ الجارِّ مقدَّرٌ بالفعل، وحينئذ تؤول إلى جملة فعلية أي : كما استقرَّ لهم آلهةٌ. الثاني: أن تكونَ (ما)) كافَّةً لكاف التشبيه / عن العمل فإنها حرف جر. [١/٤٠٢] وهذا كما تُكَفُّ (رُبَّ))، فيليها الجملُ الاسمية والفعلية، ولكن ليس ذلك على سبيل الوجوب، بل يجوزُ في الكاف وفي ((رب)) مع ما الزائدة بعدهما وجهان: العملُ والإِهمالُ، وعلى ذلك قول الشاعر(١): ٢٢٨٦- ونْصُرُ مولانا ونعلمُ أنَّه كما الناسُ مجرومٌ عليه وجارِمُ وقول الآخر(٢): وعناجيجُ بينهنَّ المهارى ٢٢٨٧ - رُبَّما الجامِلُ المُؤَيِّلُ فِيهِمُ يروى برفع ((الناس)) و((الجامل)) وجرِّهما. هذا إذا أمكن الإِعمال. أمَّا إذا لم يمكن تَعَيِّن أن تكونَ كافَّةً كهذه الآيةِ إِذا قيل بأن(٣) ((ما)) زائدة. الثالث: أن تكون ((ما)) بمعنى الذي، و ((لهم)) صلتها وفيه حينئذ ضميرٌ مرفوعٌ مستتر، و((آلهة)) بدل من ذلك الضمير. والتقدير: كالذي استقر هو لهم آلهة. وقال أبو البقاء(٤) - في هذا الوجه: (والعائد محذوف و((آلهة)) بدلُ منه تقديره: كالذي هو لهم)) وتسميتُه هذا حَذْفاً تسامحٌ ؛ لأن ضمائر الرفع إذا كانت فاعلةً لا تُوصف بالحذف بل بالاستتار. (١) تقدم برقم ٨٨٨. (٢) البيت لأبي دؤاد وهو في الأزهية ٩٣؛ وأمالي الشجري ٢٤٣/٢؛ وابن يعيش ٢٩/٨؛ ورصف المباني ١٩٣. والجامل: جماعة الإبل. والمؤبل: كثير الإِبل. والعناجيج: أحسن الخيل. المهارى: أول ما ينتج من الخيل. والرواية المشهورة ((المهارُ)). (٣) الباء هنا مقحمة. (٤) الإملاء ٢٨٤/١. ٤٤٣ - الأعراف - آ. (١٣٩) قوله تعالى: ﴿إِنَّ هؤلاء مُتَبَّرُ ما هُمْ فيه﴾: ((هؤلاء)) إشارة لَمَنْ عَكَفوا على الأصنام و((مُتَبََّ)) فيه وجهان، أحدهما: أن يكون خبراً لـ إنَّ و ((ما)» موصولة بمعنى الذي، و((هم فيه)) جملةٌ اسميةٌ صلةٌ وعائدُه، وهذا الموصولُ مرفوعٌ باسم المفعول فيكون قد أَخْبَرْت بمفرد رفعت به شيئاً. والثاني: أن يكونَ الموصولُ مبتدأَ، و((مُتَبِّر)) خبره قُدِّم عليه، والجملةُ خبرٌ: لـ إنَّ. قال الزمخشري(١): ((وفي ارتفاع ((هؤلاء)) اسماً لـ ((إنَّ))، وتقدیمُ خبر المبتدأ من الجملة الواقعة خبراً لها وَسْمٌ لعبارة الأصنام بأنهم هم المعرَّضون للتَّبار وأنه لا يَعْدوهم البتة، وأنه لهم ضربةُ لازم(٢) ليحذِّرهم عاقبةً ما طلبوا ويبغض إليهم ما أحبُّوا)). قال الشيخ(٣): ((ولا يتعيّن ما قاله من [أنه](٤) قدَّم: خبر المبتدأ من الجملة الواقعة خبراً، لأنَّ الأحسنَ في إعراب مثل هذا أن يكون ((مُتَبَّر)) خبراً لـ إنَّ وما بعده مرفوعٌ)) فذكر ما قَرَّرْتُه، ونظّره بقولك: ((إنَّ زيداً مضروب غلامه)). قال: ((فالأحسن أن يكون ((غلامه)) مرفوعاً بـ ((مضروب)). ثم ذكر الوجه الثاني وهو أن يكون ((مُتَبَّر)) خبراً مقدماً من الجملة، وجعله مرجوحاً وهو كما قال، لأنَّ الأصل في الأخبار أن تكون مفردةً فما أمكن فيها ذلك لا يُعْدل عنه. إلا أن الزمخشريَّ لم يَذْكر ذلك على سبيل التعيين بل على أحد الوجهين. وقد يكون هذا عنده أرجحَ مِنْ جهة ما ذكره من المعنى، وإذا دار الأمر بين مُرَجِّح لفظي ومُرَجِّح معنوي، فاعتبارُ المعنويِّ أولى، ولا أظنُّ حَمَل الزمخشري على ذلك إلا ما ذكرت. (١) الكشاف ١١٠/٢ (٢) كذا في الأصل، وفي الكشاف: لازب. يقال: صار الأمر ضربة لازب أي: ثابت. (٣) البحر ٣٧٨/٤. (٤) من البحر. ٤٤٤ - الأعراف - وقوله: ((وباطِلٌ ما كانوا)) كقوله ((مُتَبَر ماهم فيه)) من جواز الوجهين وما ذُكِر فيهما. والتّشْبير: الإِهلاك، ومنه ((التِّبْر)) وهو كسارة الذهب لتهالك الناس عليه. وقيل: التتبير: التكسير والتحطيم ومنه التُّبْر لأنه كسارة الذهب. آ. (١٤٠) قوله تعالى: ﴿أُغيرَ الله﴾: الهمزةُ للإنكار والتوبيخ. وفي نصب ((غير)) وجهان أحدُهما: أنه مفعولٌ به لـ ((أبغيكم)) على حَذْفِ اللام تقديره: أبغي لكم غيرَ الله، أي: أَطْلُبُ لكم. فلمّا حذف الحرف وصل الفعل بنفسه، وهو غيرُ منقاس. وفي ((إلهاً)) على هذا وجهان أحدُهما: - وهو الظاهر - أنه تمييزُ لـ ((غير)). والثاني: أنه حالٌ، ذكره الشيخ(١) وفيه نظر. والثاني من وجهي ((غير))(٢): أنه منصوب على الحال من ((إلهاً)، و((إلهاً)) هو المفعول به لـ ((أَبْغيكم)) على ما تقرّر، والأصل: أبغي لكم إلهاً غير الله، فـ((غير الله)) صفةٌ لـ ((إله)) فلما قُدِّمَتْ صفةُ النكرةِ عليها نُصِبت حالاً. وقال ابن عطية (٣): ((وغير منصوبة بفعل مضمر، هذا هو الظاهر، ويجوز أن يكون حالًاً))، وهذا الذي ذكره من إضمار الفعل لا حاجةً إليه، فإن أراد أنه على الاشتغال فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ شرطَه أن يعمل المفسِّر في ضمير الأول أو سبيِّه(٤). قوله: ((وهو فَضَّلَكم)) يجوز أن يكونَ في محلُّ نصبٍ على الحال: إمَّا من ((الله)) وإمَّا من المخاطبين، لأن الجملةَ مشتملةً على كلٍ من ضميرَيْهما، ويجوز أن لا يكون لها محلّ لاستئنافها. (١) البحر ٣٧٩/٤. (٢) وردت ((غير)) في الأصل مكررة. (٣) تفسير ابن عطية ١٥١/٧. (٤) أي إن الهاء في قولنا ((زيداً ضربته)) تعود على زيد وقد فسَّرت جملةُ ((ضربته)) الجملة المقدرة، أمَّا (أبغيكم)) فليس الضمير فيها هو الأول الذي قدَّره ابن عطية منصوباً بفعل يفسره ما بعده. ٤٤٥ [٤٠٢/ب] - الأعراف - آ. (١٤١) قوله تعالى: ﴿وإذا أَنْجَيْناكم﴾: قرأه العامَّة / مسنداً إلى المُعَظِّم(١). وابن عامر(٢): ((أنجاكم)) مسنداً إلى ضمير الله تعالى جرياً على قوله ((وهو فَضَّلكم)). وقُرِىء (نَجَّيناكم)) مشدداً. وتقدم الخلاف في تشديد (يقتلون)) وتخفيفها قبل هذا بقليل(٣). وتقدَّم في البقرة(٤) إعراب هذه الآية بكمالها فلا حاجةً إلى إعادته. آ. (١٤٢) قوله تعالى: ﴿وواعَدْنا موسى ثلاثين﴾: تقدُّم الخلاف فِي وَعَدْنا وواعَدْنا(٥). وأتى الظرف بعده مفعول(٦) ثان على حَذْفٍ مضاف، ولا يجوز أن يكون ظرفاً لفساد المعنى في البقرة فكذا هنا، أي: وَعَدْناه تمامَ ثلاثين، أو أثناءها أو مناجاتها. قوله: ((وأَتْمَمْناها بعَشْر)) في هذا الضميرِ قولان، أحدهما: أنه يعودُ على المُواعدة المفهومةِ مِنْ ((واعَدْنا))، أي: وأَتْمَمْنا مواعدته بعشر. والثاني: أنها تعودُ على ثلاثين قاله الحوفي. قال الشيخ(٧): ((ولا يَظْهر لأنَّ الثلاثين لم تكن ناقصةٌ فتتمَّ بُعشر)). وحُذِف تمييز ((عشر)) لدلالة الكلام علیه، أي: وأَتْمَمْناها بعشرٍ ليال. وفي مُصْحِف أُبَيّ (تَمَّمناها)) بالتضعيف، عَذَّاه بالتضعيف . قوله: ((فتمَّ ميقاتُ ربه أربعين)) الفرق بين الميقات والوقت: أن الميقات (١) أي المعظّم نفسه. (٢) الحجة ٢٩٤؛ البحر ٣٧٩/٤. (٣) تقدم في إعرابه الآية ١٢٧ عند قوله تعالى: ((سنُقَتَّل أبناءهم)). (٤) الآية ٤٩. (٥) انظر: إعرابه للآية ٥١ من البقرة عند إعرابه قوله تعالى: ((وإذا واعدنا موسى أربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده)). (٦) كذا في الأصل لعلها: مفعولاً ثانياً. (٧) البحر ٣٨٠/٤. ٤٤٦ - الأعراف - ما قُدِّر فيه عملٌ من الأعمال، والوقت وقت للشيء من غير تقديرٍ عمل أو تقريره. وفي نصب ((أربعين)) أوجة أحدها: أنه حال. قال الزمخشري(١): ((وأربعين)) نصب على الحال أي: تَمَّ بالغاً هذا العدد)). قال الشيخ(٢): ((فعلى هذا لا تكونُ الحال «أربعين))، بل الحالُ هذا المحذوفُ فيُنَافَى قوله)». قلت: لا تنافيّ فيه لأن النحاة لم يزالوا ينسبون الحكم للمعمول الباقي بعد حَذْف عامله المنوبِ عنه، وله شواهد منها: ((زيد في الدار أو عندك)) فيقولون: الجارّ والظرف خبر، والخبر في الحقيقة إنما هو الحَدَثُ المقدَّر العاملُ فيهما. وكذا يقولون: ((جاء زيد بثيابه)) ((بثيابه)) حال، والحال إنما هو العامل فيه، إلى غير ذلك. وقدَّره الفارسي بـ ((معدوداً)) قال: ((كقولك: ((تمَّ القوم عشرين رجلاً)» أي: معدودين هذا العدد)» وهو تقدیر حسن. الثاني: أن ينتصب ((أربعين)) على المفعول به، قال أبو البقاء (٣): ((لأنَّ معناه بلغ، فهو كقولهم: بَلَغَتْ أرضك جَرِيبَيْن))(٤)، أي يُضَمِّن (تَمَّ) معنى (بلغ)). الثالث: أنه منصوبٌ على الظرف. قال ابن عطية (٥): ((ويصحُّ أن تكون ((أربعين)) ظرفاً من حيث هي عددُ أزمنة)). وفي هذا نظر كيف يكون ظرفاً للتمام، والتمام إنما هو بآخر(٦) جزء من تلك الأزمنة؟ إلا بتجوز بعيد: وهو أنَّ كلَّ جزءٍ من أجزاء الوقت سواء كان أولاً أم آخراً إذا نقص ذهب التمامُ. الرابع: أن ينتصب على التمييز. قال الشيخ (٧): ((والأصل: ((فتمَّ أربعون (١) الكشاف ١١١/٢. (٢) البحر ٤ /٣٨٠. (٣) الإملاء ٢٨٤/١ . (٤) الجريب: مكيال قَدْر أربعة أقفزة. (٥) التفسير ١٥٣/٧. (٦) في ش: تأخير. (٧) البحر ٣٨١/٤. ٤٤٧ - الأعراف - ميقاتُ ربه)) ثم أسند التمام إلى ميقات، وانتصب ((أربعون)) على التمييز، فهو منقولٌ من الفاعلية) يعني فيكون كقوله: ((واشتعل الرأس شيبا))(١) وهذا. الذي قاله وجَعَلَه هو الذي يظهر يُشكل بما ذكره هو في الردِّ على الحوفي، حيث قال(٢) هناك :: ((إن الثلاثين لم تكن ناقصةً فتتمّ)) كذلك ينبغي أن يُقالَ هنا إن الأربعين لم تكن ناقصةً فتتمَّ، فكيف يُقَدِّر ((فتمّ أربعون ميقات ربه)»؟ فإنْ: أجابَ هنا بجواب فهو جوابٌ هناك لِمَنْ اعترض عليه. وقوله: ((فتمَّ ميقاتُ ربِّه أربعين)) في هذه الجملة قولان، أظهرُهما: أنها. للتأكيد لأنَّ قولَه قبل ذلك ((وأَتْمَمْناها بعشر)) فُهِم أنها أربعون ليلةً. وقيل: بل هي للتأسيس لاحتمالِ أن يَتَوهّم متوهّم بعشر ساعات أو غير ذلك، وهو بعيدٌ. جداً. قوله: ((ربِّه)) ولم يقل: ميقاتنا جَرْياً على ((واعَدْنا)» لِما في إظهار هذا الاسم الشريف من الاعترافِ بربوبية الله له وإصلاحه له. قوله ((هرونَ)) الجمهورُ على فتح نونه وفيه ثلاثة أوجه. الأول: أنه مجرورٌ بدلا من «أخيه)). الثاني: أنه عطفُ بيان له. الثالث: أنه منصوبٌ بإضمار أعني. وقرىء (٣) شاذاً ((هرونُ)) بالضم وفيه وجهان أحدهما: أنه منادى: حُذف منه حرفُ النداء، أي: يا هرون كقوله: ((يوسُفُ أَعْرِضْ))(٤). والثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هوهرون، وهذا في المعنى كالوجه الذي تقدَّم. من أنه منصوبٌ بإضمار أعني فإنَّ كليهما قطع. وقال أبو البقاء(٥): ((ولو قرىء بالرفع)» فذكرهما، كأنَّ لم يطَّلِعْ على أنها قراءة. (١) الآية ٤ من مريم. (٢) البحر ٤ /٣٨٠. (٣) البحر ٣٨١/٤ ولم يذكرها ابن خالويه في شواذه. (٤) الآية ٢٩ من يوسف. (٥) الإملاء ٢٨٤/١. ٤٤٨ - الأعراف - آ. (١٤٣) قوله تعالى: ﴿لميقاتنا﴾: هذه اللامُ للاختصاص وكذا في قوله تعالى: ((لدُلوكِ الشمس (١) / وليست بمعنى ((عند)) كما وَهِمَ بَعضُهم. [٤٠٣/أ] قوله: ((أَرِني)) مفعولُه الثاني محذوفٌ، والتقدير: أرني نفسّك أو ذاتك المقدسةَ وإنما حَذْفُه مبالغةً في الأدب، حيث لم يواجهْه بالتصريح بالمفعول. وأصل أَرِنِي: أَرْ إني فتُقِلَتْ حركةُ الهمزة. وقد تقدَّم تحريرُه. قوله: ((لن تراني)): ((لن)) قد تقدَّم أنه لا يلزم مِنْ نفيها التأبيدُ وإن كان بعضُهم فَهِم ذلك، حتى إن ابن عطية(٢) قال: ((فلوبَقينا على هذا النفي بمجرده لتضمَّن أن موسى لا يَراه أبداً ولا في الآخرة، لكن وَرَدَ من جهة أخرى الحديثُ(٣) المتواتر: أنَّ أهلَ الجنةِ يَرَوْنه)). قلت: وعلى تقدير أنَّ ((لن)) ليست مقتضيةً للتأبيد فكلامُ ابن عطية وغيره ممن يقول: إن نفي المستقبل بعدها یَعُمُّ جميعَ الأزمنة المستقبلة صحيح لكن لِمَدْرك آخرَ: وهو أن الفعلَ نكرةٌ، والنكرةُ في سياق النفي تعمُّ، وللبحث فيه مجال. والاستدراك في قوله ((ولكن انظر)) واضحٌ. وقال الزمخشري(٤): ((فإن قلت: كيف اتصلَ الاستدراك في قوله ((ولكن انظر)) [بما قبله](٥)؟ قلت: اتصلَ به على معنى أن النظر إليَّ مُحالٌ فلا تطلبه، ولكن اطلب نظراً آخر وهو أن تنظر إلى الجبل)) وهذا على رأيه مِنْ أن الرؤية محالٌ مطلقاً في الدنيا والآخرة(٦). (١) الآية ٧٨ من الإسراء: ((أقم الصلاة لِدُلوك الشمس)). - (٢) التفسير ١٥٥/٧. (٣) ابن عطية: بالحديث. (٤) الكشاف ١١٣/٢ - ١١٤. (٥) من الكشاف. (٦) المعروف أن المعتزلة لا يَرَوْن إمكان النظر إلى الله سبحانه في الآخرة ويُؤولون قوله تعالى: ((إلى ربها ناظرة)) إلى نعم ربها. ٤٤٩ - الأعراف - قوله: ((جَعَلَه: دَكّاً) قرأ الأخوان(١) ((دَكّاء)) بالمدّ على وزن حَمْراءٍ والباقون ((دَكّاً)) بالقصر والتنوين. فقراءةُ الأخوين تحتمل وجهين أحدهما: أنها. مأخوذةٌ مِنْ قولهم: ناقةٌ دكَّاء، أي: منبسطة السَّنام غيرُ مرتفعتِه وإمَّا من قولهم: أرضٌ دكاء للناشزة. وفي التفسير: أنه لم يذهبْ كلُّه، بل ذهب أعلاه فهذا يناسبه. وأمَّا قراءة الجماعة فـ ((دَلِّ) مصدرٌ واقعٌ موقعَ المفعول به، أي مدكوكاً أو منذَكّاً، على حذف مضاف، أي: ذا دَكٍ. وفي انتصابه على القراءتين وجهان، المشهور: أنه مفعولٌ ثان لـ ((جعل)) بمعنى صيَّر. والثاني: - وهو رأي الأخفش(٢) - أنه مصدرٌ على المعنى، إذ التقدير: دَكَّه دَكّاً. وأمَّا على القراءة الأولى فهو مفعولٌ فقط، أي: صَيِّره مثلَ ناقةٍ ذكاء أو أرضٍ دكاء. والدك والدقُّ بمعنى وهو تفتيت الشيء وسَحْقُه. وقيل: تسويتُه: بالأرض. وقرأ ابن وثاب: ((دُكَّ)) بضم الدال والقصر، وهو جمع دَكّاء بالمد كحُمر في حمراء وغُرّ في غَرَّاءِ(٣)، أي جعله قِطَعاً. قوله: ((صَعِقا)) حالٌ مقارنةً، والخُرورُ السُّقوط، كذا أطلقه الشيخ (٤)، وقَّده: الراغب(٥) بسقوطٍ يُسمع له خريرٌ، والخريرُ يقال لصوتِ الماءِ والريح وغيرٍ. ذلك ممَّا يَسْقُط من علوّ. والإِفاقة(٦): رجوعُ الفهمِ والعقل إلى الإِنسان بعد جنونٍ أو سُكرِ، ومنه إفاقة المريض وهي رجوعُ قوته، وإفاقةُ الحَلْب: وهي (١) الأخوان حمزة والكسائي. وانظر: السبعة ٢٩٣؛ والحجة ٢٩٤ - ٢٩٥؛ والبحر ٣٨٤/٤؛ والشواذ ٤٥. (٢) معاني القرآن ٣٠٩/٢. (٣) الغَرَّاء: المرأة كُرُمت فعالها. (٤) البحر ٣٨٤/٤. (٥) المفردات ١٤٤. (٦) انظر: المفردات ٣٨٨. -- ٤٥٠ . - الأعراف - رجوع الدَّرِّ إلى الضَّرْعِ يُقال: اسْتَفِقْ ناقَتَك، أي: اتركها حتى يعود لبنُها، والفُواق ما بين حَلْبَتَي الحالب. وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. آ. (١٤٤) قوله تعالى: ﴿برسالاتي﴾: أي: بسبب. وقرأ(١) الحرمیَّن: برسالتي بالإِفراد، والمراد به المصدر أي: بإرسالي إياك، ويجوز أن يكون على حَذْفِ مضاف، أي: بتبليغِ رسالتي. والرسالة: نفسُ الشيء المرسل به إلى الغير. وقرأ الباقون بالجمع اعتباراً بالأنواع، وقد تقدَّم ذلك في المائدة(٢) والأنعام(٣). وقرأ العامة ((وبكلامي)) وهو محتملٌ أن يُراد به المصدرُ، أي: بتكليمي إياك، فيكون كقوله ((وكلُّم الله موسى تكليماً))(٤) وقوله(٥): فإنَّ كلامَها شفاءٌ لِما بيا ٢٢٨٨_ أي: بتكليمي إياها، ويحتمل أن يكونَ المرادُ به التوراة وما أوحاه إليه من قولهم للقرآن ((كلام الله)) تسميةً للشيء بالمصدر. وقَدَّم الرسالة على الكلام لأنها أسبقُ أو ليترقّى إلى الأشرفِ. وكرر حرف الجرِّ تنبيهاً على مغايرة الاصطفاء. وقرأ الأعمش(٦): ((برسالاتي وبكْلِمِي)) جمع كلمة، ورَوَى عنه المهدوي أيضاً ((وتكليمي)) على زنة التفعيل، وهي تؤيد أن الكلامَ مصدرٌ. وقرأ أبو رجاء (برسالتي)) بالإِفراد و ((بكَلِمي)) بالجمع، أي: وبسماع كلمي. (١) السبعة ٢٩٣؛ الحجة ٢٩٥؛ البحر ٣٨٦/٤. (٢) انظر: إعرابه للآية ٦٧ من المائدة. (٣) انظر: إعرابه للآية ١٢٤ من الأنعام. (٤) الآية ١٦٤ من النساء. (٥) البيت في ديوانه ذي الرمة (ملحق كمبريج) ٦٧٦ برواية: ألا هل إلى مي سبيلُ وساعةٌ تكلُّمني فيها شفاءٌ لما بيا وهو في هذه الرواية في الجمع ٩٥/٢؛ والدرر ١٢٨/٢. (٦) البحر ٣٨٧/٤. ٤٥١ ــ الأعراف - آ. (١٤٥) قوله تعالى: ﴿وَكَتْنا له في الألواح من كل شيء موعظةً﴾: ((أل)) في الألواح يجوز أن تكون لتعريف الماهيَّة وأن تكونَ للعهد، لأنه يُروى في القصة أنه هو الذي قطعها وشقَّقها. وقال ابن عطية (١): ((أل)). عوض من الضمير، تقديره: ((في ألواحه)) وهذا كقوله: ((فإن الجنَّةَ هي المَأْوى))، أي: مَأْواه))(٢). أمّا كون ((أل)) عوضاً(٣) من الضمير فلا يَعْرفه البصريون. وأمَّا قولُه ((فإن الجنةَ هي المأوى)) فإنَّا نحتاج فيه إلى رابطٍ يُرْبِط بين الاسم والخبر، فالكوفيون يجعلون أل عوضاً من الضمير، والبصريون يُقَدِّرونه، أي: هي المأوى له، وأما في هذه الآية فلا ضرورةً تدعو إلى ذلك. وفي مفعول ((كَتَّبنا)) ثلاثةُ أوجه، أحدُها: أنه ((موعظة))، أي: كتبنا له [٤٠٣/ب] موعظة / وتفصيلاً. و((من كل شيء)) على هذا فيه وجهان، أحدُهما: أنه متعلُّقٌ بـ ((كتبنا))، والثاني: أنه متعلق بمحذوف لأنه في الأصلِ صفةٌ. لـ ((موعظة))، فلما قُدِّم عليها نُصب حالاً، و((لكلِّ شيء)) صفةٌ لـ ((تفصيلاً). والثاني: أنه ((من كل شيء)). قال الزمخشري(٤): ((من كل شيء)) في محل النصب مفعول ((كتبنا))، و((موعظة وتفصيلاً)) بدل منه، والمعنى: كَتَبْنا له كلَّ شيء (٥) كان بنو إسرائيل يحتاجون إليه في دينهم من المواعظ وتفصيلٍ الأحكام)). الثالث: أن المفعولَ محلُّ المجرور. قال الشيخ(٦) - بعدما حكى الوجه الأول عن الحوفي والثاني عن الزمخشري -: ((ويُحْتَمَلُ عندي وجهٌ ثالثٌ: وهو أن يكونَ مفعولُ ((كَتَبْنا)) موضع المجرور كما تقول: ((أكلت من الرغيف» (١) تفسير ابن عطية ٧ /١٥٩. (٢) الآية ٤١ من النازعات. (٣) الأصل: «عوض» وهو سهو. (٤) الكشاف ١١٦/٢ . (٥) ظاهر هذا أن صاحب ((الكشاف)) لا يلتزم بشروط البصريين في زيادة ((مِنْ)). (٦) البحر ٣٨٧/٤ - ٣٨٨. ٤٥٢ - الأعراف - و ((مِنْ)) للتبعيض، أي: كتبنا له أشياء من كل شيء، وانتصب ((مَوْعِظة وتفصيلاً)» على المفعول من أجله، أي: كتبنا له تلك الأشياءَ للانِّعاظ وللتفصيل» قلت: والظاهر أن هذا الوجه هو الذي أراده الزمخشري فليس وجهاً ثالثاً. قوله: ((بقوة)) حالٌ: إمَّا من الفاعل، أي: ملتبساً بقوة، وإمَّا من المفعول، أي: ملتبسةً بقوة، أي: بقوة دلائلها وبراهينها، والأولُ أوضحُ. والجملةُ مِنْ قوله ((فَخُذْها)) يُحتمل أن تكونَ بدلاً من قوله ((فخُذْ ما آتيتك)) وعاد الضميرُ على معنى ((ما)) لا على لفظِها. ويحتمل أن تكونَ منصوبةً بقول مضمر، ذلك القولُ منسوقٌ على جملة ((كتبنا)) والتقدير: وكتبنا فقلنا: خُذْ ما. والضميرُ على هذا عائدٌ على الألواح، أو على التوراة، أو على الرسالات، أو على كل شيء لأنه في معنى الأشياء. قوله: ((يأخذوا)) الظاهرُ أنه مجزومٌ جواباً للأمر في قوله ((وَأُمُرْ)). ولا بدَّ مِنْ تأويله لأنه لا يلزمُ مِنْ أمره إياهم بذلك أن يأخذوا، بدليلِ عصيانِ بعضِهم له في ذلك، فإنَّ شَرْط ذلك انحلال الجملتين إلى شَرْطٍ وجزاء. وقيل: انجزم على إضمار اللام تقديره: ليأخذوا، كقوله(١): ٢٢٨٩- محمدٌ تَفْدِ نفسك کلُّ نفسٍ إذا ما خِفْتَ مِنْ أمرٍ تَبالا وهو مذهبُ الكسائي، وابنُ(٢) مالك يرى جَوازه إذا كان في جواب ((قل))، وهنا لم يُذكر ((قل)) ولكن ذُكِر شيءٌ بمعناه؛ لأن معنى ((وَأُمُرْ)) و((قل)) واحد . (١) البيت لأبي طالب أو حسان أو الأعشى، وهو في الكتاب ٤٠٨/١؛ وكتاب اللامات ٩٤؛ وأسرار العربية ٣٢١؛ ورصف المباني ٢٥٦؛ والمقرب ٢٧٢/١؛ وابن يعيش ٣٥/٧. والتبال: سوء العاقبة. (٢) انظر: شرح الكافية الشافية ١٥٦٩/٣. ٤٥٣ - الأعراف - قوله: ((بأحسِنِها)) يجوز أن يكونَ حالاً كما تقدم في ((بقوة)) وعلى هذا فمفعولُ ((يأخذوا)) محذوفٌ تقديرُه: يأخذوا أنفسهم. ويجوز أن تكونَ الباءُ زائدةً، و «أحسنُها)) مفعولٌ به والتقدير: یأخذوا أحسنها کقوله(١): سودُ المحاجر لا يَقْرأن بالسُّوْرِ ٢٢٩٠- وقد تقدَّم ذلك محقَّقاً في قوله تعالى: ((ولا تُلْقوا بأيديكم إلى التهلكة))(٢). و((أحسن)) يجوز أن تكون للتفضيل على بابها، وأن لا تكونَ بل بمعنى حَسَنة كقوله(٣). ٢٢٩١ - إنَّ الذي سَمَك السماء بنى لنا بيتاً دعائِمُهُ أعزُّ وأطولُ أي: عزيزةٌ طويلة . قوله: ((سأُريكم دارَ الفاسقين)) جَوَّروا في الرؤية هنا أن تكون بِصَريةً وهو الظاهر فتتعدَّى لاثنين (٤)، أحدهما: ضمير المخاطبين، والثاني ((دار)). والثاني: أنها قلبيةٌ وهو منقولٌ عن ابن زيد وغيره، والمعنى: سأُعْلِمُكُمْ سيرَ الأولين وما حلَّ بهم من النَّكال. وقيل: دار الفاسقين: ما دارَ إليه أمُرُهم، وذلك لا يُعْلم إلا بالإِخبار والإعلام. قال ابن عطية(٥) : - معترضاً على هذا الوجه - ((ولو كان من رؤية القلب لتعدَّى بالهمزة إلى ثلاثةٍ مفعولين. ولو قال قائل: المفعولُ الثالثُ يتضمنه المعنى فهو مُقَدَّر، أي: مَذْمومة(٦) أو خربة. أو مُسَعَّرة - على قول من قال إنها جهنم - قيل له: لا يجوزُ حَذْفُ هذا المفعولِ (١) تقدم برقم ٧٤٧ . (٢) الآية ١٩٥ من البقرة. (٣) البيت للفرزدق وهو في ديوانه ٤١٧؛ وابن يعيش ٩٧/٦؛ والخزانة ٣ /٤٨٦. (٤) الأصل في البصرية أن تتعدى لواحد، ولكنها هنا لحقتها همزة التعدية. (٥) التفسير ١٦١/٧. (٦) ابن عطية: مدمرة. ٤٥٤ - الأعراف - ولا الاقتصارُ دونَه لأنها داخلةٌ على الابتداءِ والخبرِ، ولو جُوِّز لكان على قبحٍ في اللسان لا يليق بكتاب الله تعالی)». قال الشيخ(١): ((وحَذْفُ المفعول الثالث في باب أعلم لدلالة المعنى عليه جائزٌ فيجوز في جواب: هل أعلمتَ زيداً عمراً منطلقاً؟ أعلمتُ زيداً عمراً، وتحذف (منطلقاً) لدلالة الكلام السابق عليه)). قلت: هذا مُسَلّم لكن أين الدليل عليه في الكلام كما في المثال الذي أبرزه الشيخ؟ ثم قال: ((وأمَّا تعليلُهُ بأنّها داخلةٌ على المبتدأ والخبر لا يدل(٢) على المنع، لأن خبر المبتدأ يجوزُ حَذْفُه اختصاراً، والثاني والثالث / في باب ((أَعْلَمَ)) يجوز حَذْفُ كلٍ [٤٠٤/أ] منهما اختصاراً)). قلت: حَذْفُ الاختصار لدليل، ولا دليلَ هنا. ثم قال: ((وفي قوله لأنها - أي ((سأريكم)) - داخلة على المبتدأ والخبر فيه تجوُّزٌ)) ويعني أنها قبل النقل بالهمزة داخلة على المبتدأ والخبر. وقرأ(٣) الحسن البصري: ((سأُوْريكم)) بواو خالصة بعد الهمزة وفيها تخريجان، أحدهما - قاله الزمخشري(٤) -: ((وهي لغةً فاشية بالحجاز يُقال: أَوْرَني كذا وأَوْرَيْتُه، فوجهه أن يكون مِنْ أَوْرَيْتُ الزندَ فإن المعنى: بَيِّنْه لي وَأَيْهِ لأستبينَه. والثاني : - ذكره ابن جني(٥) - وهو أنه على الإشباع فيتولَّد منها الواو قال: ((وناسب هذا كونَه موضعَ تهديدٍ ووعيد فاحتمل الإتيان بالواو)) قلت: وهذا كقول الآخر(٦): (١) البحر ٣٨٩/٤. (٢) كذا في البحر والأصل، على حذف الفاء وهي واجبة بعد أمَّا. (٣) الشواذ ٤٥ - ٤٦؛ البحر ٣٨٩/٤. (٤) الكشاف ١١٧/٢. (٥) المحتسب ٢٥٨/١. (٦) لم أهتد إلى قائلهما، وهما في الخصائص ٤٢/١؛ وسر الصناعة ٣٠/١؛ واللسان: صور، والإنصاف ٢٣؛ ورصف المباني ١٣. والصور: ج أصور وهو المائل العنق. ٤٥٥ - الأعراف -. يُومَ اللقاء إلى أحبابنا صورُ ٢٢٩٢ - اللهُ يعلمُ أنَّا في تَلَفُّتِنا من حيث ما سلكوا أَدْنُو فأنظورُ وأنني حيثما يشي الهوى بصري لكن الإِشباعَ بابُه الضرورة عند بعضِهم. وقرأ ابن عباس وقسامة ابن زيد (١): ((سأُوْرِثُكم)). قال الزمخشري(٢): ((وهي قراءة حسنة يصححها قوله تعالى ((وَأَوْرَثْنا القوم))(٣). آ. (١٤٦) قوله تعالى: ﴿بغير الحق﴾: فيه وجهان أحدهما: أنه. متعلق بمحذوفٍ على أنه حال، أي: يتكَّرون ملتبسين بغير الحق. والثاني: أن يتعلَّقَ بالفعل قبله أي: يتكبرون بما ليس بحق، والتكبُر بالحق لا يكون إلا الله تعالى خاصة . 1 قوله: ((وإن يَرَوا)) الظاهرُ أنها بَصَريَّة، ويجوز أن تكون قلبية، والثاني محذوفٌ لفَهْم المعنى كقول عنترة (٤): ٢٢٩٣ - ولقد نَزَلْتِ فلا تظنِّي غيرَه مني بمنزلة المُحَبِّ المُكْرَمِ أي: فلا تظني غيره واقعاً مني، وكذا الآية الكريمة، أي: وإن يَرَوا كل آية جائية أو حادثة. وقرأ(٥) مالك بن دينار ((يُرَوا)) مبنياً للمفعول مِنْ أرى المنقول بهمزة التعدية . (١) كذا في الأصل، وفي البحر ٣٨٩/٤؛ والشواذ ٤٦: قسامة بن زهير وهو المازني البصري الثقة، من الثالثة مات بعد الثمانين. انظر: تقريب التهذيب ١٢٦/٢. (٢) الكشاف ١١٧/٢. (٣) الآية ١٣٧ من الأعراف ((وأَوْرَثْنا القوم الذين كانوا يُستضعفون مشارق الأرض ومغاربها)). (٤) تقدم برقم ٧٩٩. (٥) البحر ٣٩٠/٤. ٤٥٦ - الأعراف - قوله ((الرشد)) قرأ(١) الأخَوان هنا وأبو عمرو في قوله «مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدا))(٢) خاصةً دون الأوَّلَيْن فيها بفتحتين، والباقون بضمة وسكون. واختلف الناس فيها: هل هما بمعنى واحد؟ فقال الجمهور: نعم لغتان في المصدر كالبُخْلِ والبَخَل والسُّقْم والسَّقَم والحُزْن والحَزّن. وقال أبو عمرو بن العلاء: (الرُّشْد بضمة وسكون الصُّلاح في النظر، وبفتحتين الدِّين)) قالوا ولذلك أُجْمِع على قوله ((فإن آنَسْتم منهم رُشْدًا)(٣) بالضم والسكون، وعلى قوله ((فأولئك تَحَرَّوْا رَشَدأ))(٤) بفتحتين. ورُوي(٥) عن ابن عامر ((الرُّشُد)) بضمَّتين وكأنه من باب الإِتباع كاليُسُر والعُسُر. وقرأ السلمي ((الرَّشاد)) بألف فيكون الرُّشْد والرَّشْد والرَّشاد كالسُّقْم والسَّقَم والسَّقَام. وقرأ ابن أبي عبلة ((لا يتخذوها)) و(يتخذوها)) بتأنيث الضمير لأن السبيل يجوز تأنيثُها. قال تعالى: ((قلْ هذه سبيلي))(٦). قوله: «ذلك» فيه وجهان، أظهرهما: أنه مبتدأ خبره الجاُّ بعده، أي: ذلك الصرف بسبب تكذيبهم. والثاني: أنه في محلِّ نصب. ثم اختُلِف في ذلك: فقال الزمخشري (٧): ((صَرَفَهم الله ذلك الصَّرْفَ بعينه(٨) فجعله مصدراً. وقال ابن عطية(٩): (١) السبعة ٢٩٣؛ البحر ٣٩٠/٤؛ الحجة ٢٩٥. (٢) الآية ٦٦ من الكهف. (٣) الآية ٦ من النساء. (٤) الآية ١٤ من الجن. (٥) وهي رواية يحيى بن الحارث عنه. انظر: السبعة ٢٩٣. (٦) الآية ١٠٨ من يوسف. (٧) الكشاف ١١٧/٢. (٨) في مطبوعة الكشاف: بسببه. (٩) التفسير ١٦٢/٧. ٤٥٧ ث الأعراف - : ((فعلنا ذلك)) فجعله مفعولاً به، وعلى الوجهين فالباء في ((بأنهم)» متعلقةٌ بذلك. المحذوفٍ . قوله: ((وكانوا)) في هذه الجملةِ احتمالان، أحدهما: أنها نسقٌ على خبر ((أنَّ))، أي: ذلك بأنهم كذبوا، وبأنهم كانوا غافلين عن آياتنا. والثاني: أنها: مستأنفةٌ أخبر الله تعالى عنهم بأنَّ مِنْ شأنهم الغفلةً عن الآيات وتدبُرِها. آ. (١٤٧) قوله تعالى: ﴿والذين كَذَّبوا﴾: في خبره وجهان أحدهما: أنه الجملة من قوله ((حَبِطَتْ أعمالُهم))، و((هل يُجْزَوْنِ)) خبر ثان أو مستأنف. والثاني: أن الخبرَ «هل يُجْزون)) والجملةُ من قوله ((حَبِطَتْ)) في محلٌّ نصب على الجال، و ((قد)) مضمرة معه عند مَنْ يَشْترط ذلك، وصاحبُ الحال فاعلُ («کذَّبوا» . قوله: ((ولقاءِ الآخرة)) فيه وجهان، أحدهما: أنه من باب إضافة المصدر لمفعوله، والفاعل محذوف والتقدير: ولقائهم الآخرة. والثاني: أنه من باب إضافة المصدر للظرف، بمعنى «ولقاء ما وعد الله في الآخرة»، ذكرهما الزمخشري(١). قال الشيخ(٢): ((ولا يجيز جُلَّةُ النحويين الإِضافةً إلى الظرف لأن الظرفَ على تقديرِ ((في)»، والإِضافةُ عندهم على تقدير اللام أو ((مِنْ))، فإن [٤٠٤/ب] اتَّسِع في العامل جازَ أن يُنْصَب الظرفُ / نَصْبَ المفعول، ويجوز إذ ذاك أن يُضافَ مصدرُه إلى ذلك الظرف المتَّسَع في عاملِه، وأجازَ بعض النحويين أن تكون الإِضافةُ على تقدير ((في)) كما يُفْهِمُ ظاهرُ كلامِ الزمخشري)). قوله: ((هل يُجْزَوْن)) هذا الاستفهامُ معناه النفي، ولذلك دخلت ((إلا))، ولو كان معناه التقريرَ لكان موجِباً فَيَبْعُد دخول (إلا)) أو يمتنع. وقال الواحدي هنا: (١) الكشاف ١١٧/٢ . (٢) البحر ٣٩١/٤. ٤٥٨ - الأعراف - ((لا بد من تقديرٍ محذوفٍ، أي: إلا بما كانوا، أو على ما كانوا، أو جزاء ما كانوا)). قلت: لأن نفسَ ما كانوا يَعْملونه لا يُجْزَوْنَه إنما يُجْزون بمقابله وهوواضح . آ. (١٤٨) قوله تعالى: ﴿مِنْ بعده مِنْ حُلِّهم): أي: من بعد مضيِّه وذهابه إلى الميقات. والجارَّان متعلقان بـ ((اتخذ))، وجاز أن يتعلَّقَ بعاملٍ حرفا جر متحدا اللفظِ لاختلافِ معنييهما؛ لأنَّ الأولى لابتداء الغاية، والثانية للتبعيض. ويجوز أن يكون ((من حُلِيُّهم)) متعلقاً بمحذوف على أنه حالٌ من ((عملاً)) لأنه لو تأخر عنه لكان صفةً فكان يقال: عجلاً مِنْ حليهم. وقرأ(١) الأخوان: ((حِلِيُّهم)) بكسر الحاء، ووجهُها الإِتباع الكسرة اللام، وهي قراءة أصحاب عبدالله وطلحة ويحيى بن وثاب والأعمش، والباقون بضمَّ اللام، وهي قراءة الحسن وأبي جعفر وشَيْبة بن نصاح، وهو في القراءتين جمع حَلْي كطيّ، فُجمع على فُعول كفَلْس وفُلوس، فأصلُه حُلُوي كُدِيّ في تُدُوْي فاجتمعت الياءُ والواو وَسَبَقَتْ إحداهما بالسكون، فقُلبت الواو ياء، وأُدْغمت، وكُسِرت عين الكلمة، وإن كانت في الأصل مضمومةً لتصِحّ الياء، ثم لك فيه بعد ذلك وجهان: تَرْكُ الفاءِ على ضمِّها أو إتباعُها للعين في الكسرة، وهذا مُطَرَد في كل جَمْعٍ على فُعُول من المعتلِّ اللام، سواء كان الاعتلال بالياء كحُلِيّ وثُدِيّ أم بالواو نحو عُصِيّ ودُلِيّ جمعَ عصا وذَلْو. وقرأ يعقوب ((حَلْيَهم) بفتح الحاء وسكون اللام، وهي محتملةٌ لأن يكون الحَلْي مفرداً أريد به الجمعُ أو اسمُ جنسٍ مفردة حَلْيَةٍ على حَدِّ قمح وقمحة. و ((عِجْلاً)) مفعولُ ((اتّخذ)) و ((مِنْ حُلِيِّهم)) تقدَّمَ حكمه. ويجوز أن يكونَ (اتّخذ)) متعديةٌ لاثنين بمعنى صَيَّر، فيكون ((مِنْ حلِيِّهم)) هو المفعولَ الثاني. (١) السبعة ٢٩٤؛ الحجة ٣٩٦؛ البحر ٢٩٢/٤. = ٤٥٩ - الأعراف - وقال أبو البقاء (١): ((هو محذوف، أي: إلهاً)) ولا حاجة إليه. و ((جَسَداً)) فيه ثلاثةُ أوجه، أحدها: أنه نعت. الثاني: أنه عطفُ بيان. الثالث: أنه بدلٌ قاله الزمخشري(٢)، وهو أحسنُ، لأن الجسدَ ليس مشتقاً فلا ينعت به إلا بتأويل، وعطفُ البيان في النكرات قليلٌ أو ممتنع عند الجمهور. وإنما قال ((جسداً)لئلا يُتَوَهَّمَ أنه كان مخطوطاً أو مَرْقوماً. والجسد: الجثة . وقيل: ذات لحم ودم، والوجهان منقولان في التفسير. قوله: (له خُوار)) في محل النصب نعتاً لـ ((عِجْلًا)»، وهذا يقوِّي كِونَ ((جسداً)) نعتً لأنه إذا اجتمع نعت وبدل قُدَّمَ النعتُ على البدل. والجمهور: على ((خُوار)) بخاء معجمة وواو صريحة وهو صوتُ البقر خاصةً، وقد يُستعار البعير. والخَوَرِ الضَّعْفُ، ومنه: أرضٌ خَوَّارة ورُمْحٌ خَوَّار، والخَوْران مجرى الرَّوْث وصوت البهائم أيضاً(٣). وقرأ(٤) علي رضي الله عنه وأبو السَّمَّال ((جُوَار)) بالجيم والهمز وهو الصوت الشدید. قوله: ((ألم يَرَوا)) إنْ قلنا: إنَّ ((اتخذ)) متعدية لاثنين، وإن الثاني محذوف تقديره: واتخذ قوم موسى من بعده عجلاً جسداً إلهاً فلا حاجة حينئذ إلى ادِّعاء حذف جملة يتوجِّه عليها هذا الإِنكارُ، وإن قلنا إنها متعدية لواحد بمعنى صنع وعمل، أو متعدية لاثنين، والثاني هو ((من حلّيِّهم)) فلا بدَّ مِنْ حَذْفٍ جملة قبل ذلك ليتوجَّه عليها الإِنكار، والتقدير: فعبدوه. و ((يَرَوا)) يجوز أن تكون العِلْمية وهو الظاهر، وأن تكون البصريةً، وهو بعيد. (١) الإملاء ٢٨٥/١. (٢) الكشاف ١١٨/٢. (٣) انظر: مفردات الراغب ١٦١ . (٤) البحر ٣٩٢/٤؛ الشواذ ٤٦. ٤٦٠