النص المفهرس
صفحات 401-420
- الأعراف - و ((أكثرهم)) و((مِنْ بعدهم)): إن جعلنا هذه الضمائرَ كلّها للأممِ السالفة فلا اعتراض، وإن جَعَلْنا الضميرَ في ((لأكثرهم)) و((أكثرهم)) لعمومِ الناس والضميرَ في ((من بعدهم) للأمم السالفة كانت هذه الجملةُ - أعني ((وما وجدنا)) - اعتراضاً. كذا قاله الزمخشري(١)، وفيه نظر: لأنه إذا كان الأولُ عاماً ثم ذُكِر شيءٍ يندرج فيه ما بعده وما قبله كيف يُجْعل ذلك العامُّ معترضاً بين الخاصّين. وأيضاً فالنحويون إنما يُعَرِّفون الاعتراض فيما اعتُرض به بين متلازِمَيْن، إلا أنَّ أهلَ البيان عندهم الاعتراضُ أعمُّ من ذلك، حتى إذا أُتي بشيء بين شيئين مذكورَيْن في قصة واحدة سَمِّوْه اعتراضاً. قوله: ((كيف كان عاقبةُ)) ((كيف)) خبرٌ لكان مقدَّمٌ عليها واجبُ التقديمِ، لأنَّ له صدرَ الكلامِ ، و ((عاقبة) اسمها، وهذه الجملةُ الاستفهاميةُ في محلِّ نصبٍ على إسقاطِ حرف الجر إذ التقديرُ: فانظر إلى كذا. أ. (١٠٥) قوله تعالى: ﴿حقيقٌ على أَنْ لا أقول﴾: قرأ العامة ((علی أَنْ)) بـ ((على)) التي هي حرف جر داخلة على أَنْ وما في حيزها. ونافع قرأ ((عليَّ)» بـ((على)) التي هي حرف جر داخلة على ياء المتكلم. فأمَّا قراءةُ العامة ففيها ستة أوجه، ذكر الزمخشري (٣) منها أربعة، قال رحمه الله: ((وفي المشهورةِ إشكالٌ، ولا يخلو من وجوه، أحدها: أن تكون مِمَّا قُلب من الكلام كقوله (٤). (١) الكشاف ١٠٠/٢. (٢) السبعة ٢٨٧؛ الحجة ٢٨٩؛ البحر ٣٥٥/٤؛ الشواذ ٤٥. (٣) الكشاف ١٠٠/٢. (٤) البيت لخداش بن زهير وصدره: وتَلْحَق خيلٌ لا هوادةً بينها وهو في مجاز القرآن ١١٠/٢؛ ومعاني القرآن للأخفش ١٣٥؛ وشواهد الكشاف ٤٠٣/٤. والضيطار: الضخم. ٤٠١ ٢٢٥٥- - الأعراف - وتَشْقى الرماحُ بالضَّياطرةِ الحُمْرِ معناه: وتشقى الضياطرةُ بالرماح. قال الشيخ(١): ((وأصحابنا يَخْصُّون القلبَ بالضرورةِ، فينبغي أَنْ يُنَزَّهَ القرآنُ عنه)». قلت: وللناس فيه ثلاثةُ مذاهبَ: الجوازُ مطلقاً، المنعُ مطلقاً، التفصيلُ: بين أن يفيد معنَّى بديعاً فيجوزَ، أولا فيمتنعَ، وقد تقدَّم إيضاحهُ، وسيأتي منه أمثلةٌ أُخَرُ في القرآن العزيز. وعلى هذا الوجهِ تصيرُ هذه القراءةُ كقراءةِ نافعٍ في المعنى إذ الأصل: قولُ الحقَّ حقيقٌ عليَّ، فقلبَ اللفظَ فصار: أنا حقيقٌ على قَوْل الحق)). قال(٢): ((والثاني: أنَّ ما لَزِمك فقد لزمته، فلمَّا كان قولُ الحق حقيقاً عليه كان هو حقيقاً على قولِ الحق أي لازماً له، والثالث: أن يُضَمَّن حقيق معنى حريص كما ضمن ((هَيَّجني)) معنى ذَكَّرني(٣) في بيت الكتاب، الرابع(٤): أن تكون ((على)) بمعنى الباء)). قلت: وبهذا الوجه قال أبو الحسن(٥) والفراء(٦) والفارسي(٧). قالوا: إنَّ ((على)) بمعنى الباء كما أن الباء بمعنى على في قوله: ((ولا تقعدوا بكل صراط))(٨) أي: على كل. وقال الفراء: ((العربُ تقول: رَمَّيْتُ على القوس وبالقوس، وجِئْتُ على حالٍ حسنة وبحال حسنة. إلا أن الأخفشَ قال: ((وليس ذلك بالمطَرِدِ لو قلت: ذهبت (١) البحر ٣٥٥/٤. (٢) أي الزمخشري . (٣) سيرد البيت بعد قليل. (٤) الرابع عند الزمخشري هو الخامس عند السمين. (٥) وهو الأخفش في معاني القرآن ٣٠٧/٢. (٦) معاني القرآن ٣٨٦/١. (٧) الحجة (خ) ٣٢/٣. (٨) الآية ٨٦ من الأعراف. ٤٠٢ - الأعراف - على زيد تريد: بزيدٍ لم يجز))., قلت: ولأنَّ مذهب البصريين عدمُ التجوُز في الحروف، وعَنَّى بالبيت قولَ الشاعر(١): ٢٢٥٦ - إذا تَغَنَّى الحَمامُ الوُرْقُ هَيَّجني ولو تَسَلَّيْتُ عنها أمَّ عمار وبالكتاب كتابَ سيبويه فإنه عَلَمُ بالغلبة عند أهل هذه الصناعة. الخامس (٢) : - وهو الْأُوْجَهُ والْأَدْخَلُ في نُكت القرآن - أن يُغْرِق موسى عليه السلام في وصفِ نفسه بالصدق في ذلك المقام لا سيما(٣) وقد رُوِيَ أنَّ فرعون - لعنه الله - لمَّا قال موسى: إني رسولٌ من رب العالمين قال له: كَذَبْت، فيقول: أنا حقيقٌ على قولِ الحق أي: واجبٌ عليَّ قولُ الحق أن أكون أنا قائلَه، والقائم به ولا يرضى إلا بمثلي ناطقاً به)). قال الشيخ (٤): ((ولا يَصِحُّ هذا الوجهُ إلا إنْ عَنَى أنه يكون ((أن لا أقول)) صفةً له كما تقول: أنا على قول الحق أي: طريقتي وعادتي قول الحق. السادس: أن تكون ((على)) متعلقةٌ بـ ((رسول)). قال ابن مقسم(٥): / «حقيققٌ من نعت ((رسول)) أي [٣٩٥/ب] رسول حقيق من رب العالمين أُرْسِلْتُ على أَنْ لا أقول على الله إلا الحق، وهذا معنى صحيح واضح، وقد غَفَل أكثرُ المفسرين من أرباب اللغة عن تعليق ((على)) برسول، ولم يخطر لهم تعليقُه إلا بـ ((حقيق)). قال الشيخ(٦): ((وكلامُه فيه تناقضٌ في الظاهر؛ لأنه قَدَّر أولًا العاملَ في (١) البيت للنابغة وهو في ديوانه ١٤٩ (م الجزائر)؛ والكتاب ١٤٤/١؛ والخصائص ٤٢٥/٢. (٢) وهو الرابع عند الزمخشري ١٠١/٢. (٣) الفصيح في لا سيما اقترانها بالواو وحَذْف الواو بعدها. (٤) البحر ٣٥٦/٤. (٥) محمد بن الحسن أبو بكر البغدادي الإِمام المقرىء النحوي، سمع ثعلباً وروى عنه ابنه أحمد، كان على طريقة الكوفيين توفي سنة ٣٥٤. انظر: طبقات القراء ١٢٥/٢. (٦) البحر ٣٥٦/٤. ٤٠٣ نـ الأعراف : ((على)) ((أرسلت)) وقال أخيراً: ((لأنهم(١) غَفَلوا عن تعليق ((على)) بـ ((رسول)). فأمَّا هذا الأخيرُ فلا يجوز عند البصريين لأنَّ ((رسولاً)) قد وُصِف قبل أن يأخَذَ معمولَه، وذلك لا يجوز، وأمَّا تعليقُه بأرسلت مقدَّراً لدلالةِ لفظ ((رسول)» عليه فهو تقديرٌ سائغ. ويُتَأَوَّل كلامه أنه أراد بقوله تُعَلَّقُ ((على)) بـ ((رسول)) أنه لمَّا كان دالاً عليه صَحَّ نسبةُ التعلُّق له))قلت: قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة بعد ما ذكر هذا الوجه عن ابن مقسم: ((والأوجهُ الأربعة(٢) التي للزمخشري. ولكن هذه وجوه متعسِّفة، وليس المعنى إلا على ما ذكرته أولاً، يعني وجه ابن مقسم، وهذا فيه الإِشكالُ الذي ذكره الشيخ من إعمالِ اسم الفاعل أو الجاري مَجْراه وهو موصوف. وقراءةُ نافعٍ واضحةٌ وفيها ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكونَ الكلامُ قد تمَّ عند قوله ((حقيق))، و ((عليَّ)) خبر مقدم، و((أنْ لا أقول)) مبتدأ مؤخّر كأنه قيل: عليَّ عدمُ قول غير الحق أي: فلا أقول إلا الحق. الثاني: أن يكون ((حقيق)) خبراً مقدَّماً، و((أن لا أقول)) مبتدأً على ما تقدَّم بيانه. الثالث: ((أَنْ لا أقول)) فاعِلٌ بـ ((حقيق)) كأنه قيل: يحقُّ ويجب أن لا أقول، وهذا أَعْزَبُ الوجوهِ لوضوحه لفظاً ومعنى، وعلى الوجهين الأخيرين تتعلَّق ((عليَّ)) بـ ((حقيق)) لأنك تقول: ((حَقَّ عليه كذا)). قال تعالى: ((أولئك الذين حَقَّ عليهم القولُ)). وعلى الوجهِ الأولِ يتعلَّقُ بمحذوفٍ على ما عُرِفَ غيرَ مرة. وأمَّا رفع ((حقيق)) فقد تقدَّم أنه يجوزُ أن يكون خبراً مقدماً، ويجوزُ أن يكونَ صفةً لـ((رسول)»، وعلى هذا فيضعف أن يكون ((مِنْ رب)) صفةً لئلا يلزمَ تقديمُ الصفةِ غيرِ الصريحة على الصريحة، فينبغي أن يكونَ متعلَّقاً بنفس ((رسول))، وتكون (مِنْ)) لابتداء الغاية مجازاً. ويجوز أن يكونَ خبراً ثانياً. (١) البحر: أنهم. (٢) الظاهر أن ((الأربعة)) خبر للأوجه. ۔۔ ٤٠٤ - الأعراف - ويجوز أن يكونَ مبتدأُ وما بعده الخبرُ على قراءةٍ مَنْ شَدَّد الياء، وسَوَّغ الابتداءَ بالنكرة حينئذ تَعَلُّقُ الجارِّ بها. فقد تحصَّل في رفعه أربعة أوجه، وهل هو بمعنى فاعل أو بمعنى مفعول؟ الظاهرُ أنه يحتمل الأمرين مطلقاً، أعني على قراءة نافع وعلى قراءة غيره. وقال الواحدي ناقلاً عن غيره: ((إنه مع قراءة نافعٍ مُحتمل للأمرين، ومع قراءة العامة بمعنى مفعول فإنه قال: ((وحقيق على هذا القراءة - يعني قراءة نافع - يجوز أن يكونَ بمعنى فاعِل، قال شمر: تقولُ العرب: ((حَقَّ عليّ أن أفعل كذا)). وقال الليث: حقَّ الشيء معناه وَجَبَ، ويحق عليك أن تفعلَه، وحقيقٌ عليَّ أن أفعله، فهذا بمعنى فاعل) ثم قال: ((وقال الليث: وحقيقٌ بمعنى مفعول، وعلى هذا تقول: فلان محقوقٌ عليه أن يفعل. قال الأعشى(١): وأن تعلمي أنَّ المُعَانَ مَوَفَّقُ ٢٢٥٧ - لمَحْقوقَةٌ أن تستجيبي لِصَوْتِه وقال جرير (٢): قَصِّرْ فإنك بالتقصيرِ محقوقُ ٢٢٥٨_ ثم قال: ((وحقيق على هذه القراءة - يعني قراءة العامة - بمعنى محقوق» انتهى . وقرأ أُبَيَّ (بأَنْ لا أقول)) وهذه تُقَوِّي أَنَّ (على)) بمعنى الباء. وقرأ عبد الله والأعمش ((أنْ لا أقول)) دون حرف جر، فاحتمل أن يكونَ ذلك الجارُّ ((على)) كما هو قراءة العامة، وأن يكون الجارُّ الباءَ كما هو قراءة أبيّ. (١) ديوانه ٢٢٣؛ ومعاني القرآن للأخفش ٤٢٥؛ ومجاز القرآن ٢٤٤/١. (٢) صدره : قُلْ لِلْأُخَيْطِلِ إِذْ جَدِّ الجراءُ بنا وهو في ديوانه ١٩٢/١. ٤٠٥ - الأعراف -. و ((الحقَّ)) يجوز أن يكون مفعولاً به لأنه يتضمَّن معنى حَمَّله، وأن يكونَ منصوباً على المصدرِ أي: القول الحقَّ، والاستثناءُ مفرغ. آ. (١٠٧) قوله تعالى: ﴿فإذا هي ثعبانٌ﴾: ((إذا)) فجائية. وقد تقدَّم. [٣٩٦/أ] أن فيها ثلاثةَ مذاهب: ظرفُ مكان / أو زمان أو حرف. قال ابن عطية(١): (وإذا ظرف مكان في هذا الموضع عند المبرد(٢) من حيث كانت خبراً عن جثة، والصحيح الذي عليه الناس أنها ظرفٌ زمان في كل موضع)». قلت: المشهورُ عند الناس قولُ المبرد وهو مذهبُ سيبويه(٣). وأمَّا كونُها زماناً فهو مذهب الرياشي، وعُزِيَ لسيبويه أيضاً. وقوله ((من حيث كانت خبراً عن جثة)) ليست هي هنا خبراً عن جثة، بل الخبرُ عن ((هي)) لفظُ ((ثعبان)) لا لفظ ((إذا)). والثُّعْبان هو ذَكَرَ الحَيَّاتِ العظيم. واشتقاقهُ مِنْ ثَعَبْتُ المكان أي: فجّرَّتُه بالماء، شُبِّه في انسيابه بانسياب الماء، يقال: ثَعَبْتُ الماءِ فَجْتُه فانتعب. ومنه مَثْعَبُ المطر. وفي الحديث: ((جاء يومَ القيامة وجرحُه يَثْعَبُ دماً)(٤). وهنا سؤال وجوابُه، وَصَفَها تارة بكونها ثعباناً وهو العظيم الهائل الخَلْق، وفي موضع آخر بقوله ((كأنها جانٌ))(٥) والجانُّ من الحيَّات الخفيفُ: الضئيلُ الخَلْقِ» فكيف يُجْمَعُ بين هاتين الصفتين؟ وقد أجاب الزمخشري في غيرِ هذا المكان بجوابين، أحدهما: أنه جَمْعٌ لها بين الشيئين: أي کِبَرِ الجثة كالثعبان وبين خفةِ الحركة وسرعةِ المشي كالجانّ. والثاني: أنها في (١) التفسير ١٢٧/٧. (٢) المقتضب ٥٦/٣، ٢٧٤. (٣) ليس ثمة نص صريح في الكتاب يفيد ذلك، ولكن قد يفهم هذا من قوله: ((تكون إذا : للشيء توافقه في حال أنت فيها، وذلك قولك: ((مررت فإذا زيد قائم)). الكتاب ٣١١/٢. (٤) رواه مسلم في باب الإمارة برقم ١٠٥ (١٤٩٦/٣)، ابن حنبل ٢٤٢/٢. (٥) ((فلما رآها تهتز كأنها جان)) الآية ١٠ من النمل. ٤٠٦ - الأعراف - ابتداء أمرها تكون كالجانَّ ثم تتعاظم ويتزايد خَلْقُها إلى أن تصيرَ ثعباناً. آ. (١٠٨) قوله تعالى: ﴿للناظِرِين﴾: متعلَّقٌ بمحذوف لأنه صفةٌ البيضاء. وقال الزمخشري(١): ((فإن قلت: بم تُعَلَّق للناظرين؟ قلت: يتعلَّقُ بـ (بيضاء)) والمعنى: فإذا هي بيضاء للنظّارة، ولا تكون بيضاءً للنَّظارة إلا إذا كان بياضُها بياضاً عجيباً خارجاً عن العادةِ، يجتمعُ الناسُ للنظر إليه كما تجتمع النظّارة للعجائب)). وهذا الذي ذكره أبو القاسم تفسيرُ معنى لا تفسيرُ إعراب، وكيف يريدُ تفسيرَ الإِعراب؟ وإنما أراد التعلُّقَ المعنويَّ لا الصناعي، كقولهم: هذا الكلامُ يتعلَّق بهذا الكلام. أي إنه من تتمَّةِ المعنى له. وقال في هذه السورة : أ. (١٠٩) ﴿قال الملأ﴾: فأسند القولَ إليهم. وفي الشعراء(٢): ((قال للملأ)) فأسند القولَ إلى فرعون. وأجاب الزمخشري(٣) عن ذلك بثلاثة أوجه، أحدُها: أن يكونَ هذا الكلامُ صادراً منه ومنهم، فحكى هنا عنهم وفي الشعراء عنه. والثاني: أنه قاله ابتداءً وتلقّه عنه خاصَّته فقالوه لأعقابهم. والثالث: أنهم قالوه عنه للناس على طريق التبليغ كما يفعل الملوك، يُرَى الواحدُ منهم الرأيَ فيبلِّغه الخاصة ثم يبلغوه(٤) لعامتهم. وهذا الثالث قريبٌ من الثاني في المعنى . وقرأ الأخوان هنا(٥) وفي يونس(٦): ((بكل سَحَّارٍ)) والباقون: ((بكل (١) الكشاف ١٠٢/٢. (٢) ((قال للملأ حوله: إن هذا لساحر عليم)) الآية ٣٤ من الشعراء. (٣) الكشاف ١٠٢/٢. (٤) كذا في الأصل والصواب: ((ثم يبلغونه)) أي يبلغ الخاصة لعامتهم. (٥) الخلاف بين القراء في الآية ١١٢ وليس في هذه الآية ١٠٩ فكان على المصنف أن يؤخّر ذِكْرَ اختلافهم إلى موضعه. وانظر: السبعة ٢٨٩؛ الحجة ٢٩١؛ البحر ٣٦٠/٤. (٦) الآية ٧٩ من يونس: ((وقال فرعون ائتوني بكل ساحر عليم)). ٤٠٧ - الأعراف - ساحر)». ولا خلافَ أن الذي في الشعراء (١) «بكل سَخَّارٍ)». وساحر وسَخَّار مثل عالم وعَلَّم، وقد عُرِف أن فعَّالاً مثال مبالغة. ويُرَجِّح ((سَحَّار)) أنه مجاورٌ العليم، وكلاهما مثال مبالغة. ويرجح ((ساحر)) أنه تقدَّم مثلُه في قوله ((إنَّ هذا لساحر»(٢) وهذا مناسب له. آ. (١١٠) وفي الشعراء(٣): ((بسحره) وهنا بدون ((ذلك)). قالوا: لأنَّ أولَ هذه الآيةِ مبنيٌّ على الاختصار. قوله: ((فماذا تأمرون)) قد تقدَّم الكلامُ على ((ماذا)) مُسْبَقاً في أول هذا: التصنيف (٤). والجمهور على ((تأمرون)) بفتح النون. وروى كردم(٥) عن نافع كسرَها. وعلى كلتا القراءتين يجوز أن يكونَ ((ماذا)» كلُّه اسماً واحداً في محل نصب على أنه مفعول ثان لـ ((تأمرون)» بعد حَذْفِ الياء، ويكون المفعول الأول لـ ((تأمرون)) محذوفاً وهو ياءُ المتكلم، والتقديرُ: بأيِّ شيء تأمرونني؟ وعلى قراءة نافع لا تقول: إن المفعولَ الأولَ محذوفً بل هو في قوة المنطوق به؛ لأن الكسرةَ دالةٌ عليهِ، فهذا الحذفُ غيرُ الحذفِ في قراءة الجماعة. ويجوز. أن تكونَ ((ما)) استفهاماً في محلّ رفعٍ بالابتداء و ((ذا)» موصول، وصلتُه: ((تأمرون))، والعائدُ محذوفٌ، والمفعولُ الأولُ أيضاً محذوف على قراءة الجماعة، وتقدير العائد منصوبُ المحل غيرُ مُعَدَّى إليه بالباء فتقديره: فما الذي تأمرونيه؟ (١) الآية ٣٧ من الشعراء: ((يأتوك بكل سحار عليم)) .. (٢) أي فما جاء في الآية ١٠٩ يناسب ما جاء في الآية ١١٢. (٣) الآية ٣٥ من الشعراء: ((يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون). (٤) انظر إعرابه للآية ٢١٥ من البقرة. (٥) البحر ٣٥٩/٤. وكردم ابن خالد أبو خالد، قدم المدينة وعرض على نافع، روى عنه الأنطاكي، ولم تذكر وفاته. انظر: طبقات القراء ٣٢/٢. ٤٠٨ - الأعراف - وقدَّره ابن عطية(١): ((تأمروني به))، وردًّ عليه / الشيخ(٢) بأنه يلزم من [٣٩٦/ب] ذلك حَذْفُ العائد المجرور بحرفٍ لم يُجَرِّ الموصولُ بمثله، ثم اعتَذَر منه، بأنه أراد التقدير الأصلي، ثم اتُّسِعَ فيه بأنْ حُذِف الحرف فاتصل الضميرُ بالفعل. وهذه الجملةُ هل هي من كلام الملأ، ويكونون قد خاطبوا فرعون بذلك وحده تعظيماً له كما يُخاطَبُ الملوك بصيغة الجمع، أو يكونون قالوه له ولأصحابه، أو يكون من كلام فرعون على إضمار قولٍ أي: فقال لهم فرعونُ فماذا تأمرون، ويؤيِّد كونَها من كلام فرعون قولُه تعالى: ((قالوا: أرْجِهْ)). وهل ((تأمرون)) من الأمر المعهود أو من الأمر الذي بمعنى المشاورة؟ والثاني منقولٌ عن ابن عباس. وقال الزمخشري(٣): ((هو مِنْ أَمَرْتُه فأمرني بكذا أي: شاورته فأشار عليَّ برأي». أ. (١١١) قوله تعالى: ﴿أَرْجِه﴾: في هذه الكلمة هنا والشعراء(٤) ست قراءات (٥) في المشهور المتواتر، ولا التفات إلى مَنْ أنكر بعضها ولا لَمَنْ أنكر على راويها. وضبطُ ذلك أن يقال: ثلاث مع الهمز وثلاث مع عدمه، فأمَّا الثلاث التي مع الهمز فأوّلُها قراءة ابن كثير، وهشام عن ابن عامر: أَرْجِئْهو بهمزةٍ ساكنة وهاء متصلة بواو. الثانية قراءة أبي عمرو: أَرْجِئْهُ كما تقدَّم إلا أنها لم يَصِلْها بواو. الثالثة: قراءة ابن ذكوان عن ابن عامر: أَرْجِئْهِ بهمزة ساكنة وهاء مكسورة مِنْ غير صلة. وأمَّا الثلاثُ التي مع غير الهمز فأوَّلها قراءة عاصم وحمزة: أَرْجِهْ بكسر الجيم وسكون الهاء وصلاً ووقفاً. الثانية (١) التفسير ١٢٨/٧. (٢) البحر ٣٥٩/٤. (٣) الكشاف ١٠٢/٢. (٤) الآية ٣٦ ((قالوا أرجه وأخاه وأبعث في المدائن حاشرين)). (٥) السبعة ٢٨٧؛ الحجة ٢٨٩؛ البحر ٣٦٠/٤. ٤٠٩ - الأعراف - قراءة الكسائي: أَرْجِهي بهاء متصلة بياء. الثالثة: قراءة قالون بهاء مكسورة دون یاء . فأمَّا ضمُّ الهاء وكسرُها فقد عُرِف مما تقدَّم. وأمَّ الهمزُ وعدمُه فلغتان مشهورتان یقال: ارْجاته وارجيته أي اخّرته، وقد قُرِىء قوله تعالى: «ترجي من تشاء))(١) بالهمز وعدمِه. وهذا كقولهم: توضّأْتُ وتوضَّيْتُ. وهل هما مادتان أصليتان أم المبدلُ فرع الهمز؟ احتمالان. وقد طَعَنَ قومٌ على قراءة ابن ذكوان(٢) فقال الفارسيُّ(٣): ((ضُّ الهاءِ مع الهمز لا يجوزُ غيرُه، وروايةُ ابن ذكوان عن ابن عامْر غلطٌ)). وقال ابن مجاهد(٤): «وهذا لا يجوز(٥)، لأن الهاءَ لا تُكسَرُ إلا بعد كسبرةٍ أو ياءٍ ساكنة)). وقال الحوفي: ((ومن القرَّاء مَنْ يكسر مع الهمز وليس بجيد)). وقال أبو البقاء (٦): ((ويُقْرأ بكسر الهاء مع الهمزِ وهو ضعيفٌ، لأنَّ الهمزةَ حرفٌ صحيحٌ ساكنٌ فليس قبلَ الهاءِ ما يقتضي الكسر)». قلت: وقد اعتذر الناسُ عن هذه القراءة على سبيل التنازل(٧) بوجهين: أحدُهما: أن الهمزةَ ساكنةٌ والساكنُ حاجزٌ غيرُ حصينٍ، وله شواهدُ مذكورةٌ في موضعها، فكأنَّ الهاءُ وَلِيَتِ الجيمَ المكسورةَ فلذلك كُسِرت. الثاني: أن الهمزةَ كثيراً ما يَظْرأ عليها التغييرُ، وهي هنا في مَعْرِض أن تُبْدِلَ ياءً ساكنة السكونِها بعد كسرةٍ فَكأنها وَلِيَتْ ياءً ساكنة فلذلك كُسِرَتْ. (١) الآية ٥١ من الأحزاب. قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وأبو بكر: تُرْجىءُ بالهمز. وقرأ الباقون بغير همز. الحجة ٥٧٨. (٢) وهي أَرْجِئْهِ . (٣) الحجة (خ) ٣٤/٣. (٤) السبعة ٢٨٨ . (٥) عبارته: ((هذا وهم لأن ... )). (٦) الإملاء ٢٨١/١. (٧) كذا في الأصل وش، وفي ي: التنازع، ولعل الأنسب: التأول. ٤١٠ - الأعراف - وقد اعترض أبو شامةً على هذين الجوابين بثلاثة أوجه. الأول: أن الهمزَ معتدٌّ به حاجزاً بإجماع في ((أَنْبِئْهُم))(١) و ((نَبِّتْهُمْ))(٢)، والحكمُ واحدٌ في ضمير الجمع والمفرد فيما يرجع إلى الكسر والضم(٣). الثاني: أنه كان يلزمُهُ صلةُ الهاء إذ هي في حكمٍ كأنها قد وَلِيت الجيم. الثالث: أن الهمزَ لو قُلِبَ ياءً لكان الوجهُ المختارُ ضمَّ الهاء مع صريح الياء نظراً إلى أنَّ أصلَها همزة، فما الظنُّ بَمَنْ يكسر الهاءَ مع صريح الهمزة. وسيأتي تحقيق ذلك في باب وقفٍ حمزةَ وهشام، فضمُّ الهاء مع الهمزة هو الوجه. واستضعف أبو البقاء (٤) قراءةً ابن كثير وهشام(٥) فإنه قال: ((وأَرْجِئْه)) يُقرأ بالهمز وضم الهاء من غير إشباع وهو الجيد، وبالإِشباع وهو ضعيف؛ لأن الهاء خفيَّة، فكأن الواوَ التي بعدها تتلو الهمزةَ، وهو قريبٌ من الجمع بين الساكنين، ومن ههنا ضَعُف قولُهم: ((عليهي مال)) بالإِشباع)). قلت: وهذا التضعيفُ ليس بشيء لأنها لغةً ثابتةٌ عن العرب أعني إشباعَ حركةِ الهاء بعد ساكن مطلقاً، وقد تقدَّم أن هذا أصلٌ لابن كثير ليس مختصاً بهذه اللفظة، بل قاعدتُه: كلُّ هاءٍ كنايةٍ بعد ساكن أن يُشْبع حركتَها حتى يتولَّد منها حرفُ مَدِّ نحو: ((مِنْهو وعَنْهو وأرجِثْهو)) إلا قبلَ ساكن فإن المدَّ يُحْذَفُ لالتقاءِ الساكنين إلا في موضع واحد رواه عنه البزي وهو ((عَنْهو تَّلهى))(٦) بتشديد التاء، وكذلك (١) الآية ٣٣ من البقرة: ((قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم)). (٢) الآية ٢٨ من القمر: ((ونبِّْهُمْ عن ضيف إبراهيم)). (٣) أي إن إجماع القراء على الضم هنا يقوي حكم وجوبه. (٤) الإملاء ٢٨١/١. (٥) وهي : أرجئهو. (٦) ((فأنت عنه تلهى)) الآية ١٠ من عبس. وانظر: السبعة ٦٧٢. ٤١١ - الأعراف - استضعف الزجاج(١) قراءة حمزة(٢) وعاصم. قال بعدما أنشد قول [٣٩٧/أ] الشاعر(٣) /: ٢٢٥٩ - لمَّا رأى أن لا دَعَهْ ولا شِبَعْ مَالَ إلى أَرْطاةِ حِقْفٍ فَالْطَجَعْ ((هذا شعرٌ لا يُعرف قائلُه ولا هو بشيءٍ، ولو قاله شاعرٌ مذكور لقيل له: أخطأت، لأن الشاعر يجوز أن يخطىء، وهذا مذهبٌ لا يُعَرَّج عليه)». قلت: قد تقدَّم أن تسكينَ هاء الكناية(٤) لغة ثابتة، وتقدَّم شواهدها فلا حاجةً إلى إعادة ذلك(٥). وقوله «وأخاه)) الأحسنُ أن يكون نسقاً على الهاء في ((أَرْجِهْ))، ويَضْعُفُ نصبُه على المعيّة لإِمكان النسق من غير ضعف لفظي ولا معنوي. قوله: ((في المدائن)» متعلقُ بأَرْسِلْ، و ((حاشرين)» مفعول به، ومفعولُ ((حاشرين)) محذوفٌ أي: حاشرين السحرة بدليل ما بعده. والمدائن جمع مدينة وفيها ثلاثة أقوال: أحدها - وهو الصحيح - أن وزنها فَعيلة فميمها أصلية وياؤها زائدة، مشتقة مِنْ مدَن يمدُن مُدوناً أي: أقام. واستُدِلَّ لهذا القول بإطباق القراء على همز مدائن كصحيفة وصحائف وسفينة وسفائن، ولو كانت مَفْعِلة لم تُهْمَزْ نحو: معيشة ومعايش، ولأنهم جمعوها أيضاً على مُدُن كقولهم: سفينة وسُفُن وصحيفة وصُحُف. قال الشيخ(٦): ((ويَقْطع بأنها فَعيلة جَمْعُهم لها على فُعُل قالوا: مُدُن، كما قالوا: صحف في صحيفة)). (١) معاني القرآن ٤٠٤/٢. (٢) أرْجِهْ. (٣) تقدم برقم ١٣٣٩ (٤) قوله: ((هاء الكناية)) غير واضح في الأصل. (٥) قال الفراء في معاني القرآن ٣٨٨/١: ((يقولون: هذه طلحة قد أقبلت))، وقال: ((وهي لغةٌ للعرب يقفون على الهاء المكني عنها في الوصل إذا تحرَّك ما قبلها)). (٦) البحر ٣٤٢/٤. ٤١٢ - الأعراف - قلت: قد قال الزجاجي: ((المدن في الحقيقة جمع المَدِين، لأن المدينة لا تُجمع على مُدُن، ولكن تجمع على المدائن ومثل هذا: سُفْن كأنهم جمعوا سفينة على سفين ثم جمعوه على سُفُن)). ولا أدري ما حَمَله على جَعْل مُدُن جمع مدين، ومدين جمع مدينة مع اطَّراد فُعُل في فعيلة لا بمعنى مَفْعولة، اللهم إلا أن يكونَ قد لَحَظَ في مدينة أنها فعيلة بمعنى مفعولة لأنَّ معنى مدينة أن يُمْدَن فيها أي: يُقام، ويؤيد هذا ما سيأتي من أن مدينة وزنُها في الأصل مَدْيُّوْنة عند بعضهم. القول الثاني: أن وزنها مَفْعِلة مِنْ دانه يَدينه أي: ساسه يَسُوسه فمعنى مدينة أي: مملوكة ومَسُوسة أي: مسوسٌ أهلُها، مِنْ دانهم مَلِكُهم إذا ساسهم، وكان ينبغي أن يُجمع على مداين بصريح الياء كمعايش في مشهور لغة العرب . الثالث: أن وزنها مَفْعولة وهو مذهب أبي العباس. قال: ((هي مِنْ دانه يَدينه إذا ملكه وقَهَره، وإذا كان أصلُها مَدْيونة فأُعِلَّت كما يُعَلُّ مَبِيع اسمَ مفعول من البيع، ثم يجري الخلافُ في المحذوف: هل هو الياءُ الأصلية أو الواو الزائدة؟ الأول قول الأخفش، والثاني قولُ المازني(١) وهو مذهب جماهير النحاة. والمدينة معروفةٌ وهي البقعة المُسَوَّرة المستولى عليها مَلِكٌ. آ. (١١٣) قوله تعالى: ﴿قالوا إنَّ لنا﴾: في هذه الجملة وجهان، أظهرهما: أنها لا محلّ لها من الإعراب لأنها استئنافُ جوابٍ لسؤال مقدر، ولذلك لم تُعْطَفْ بالفاء على ما قبلها. قال الزمخشري(٢): ((فإن قلت: هلاقيل: وجاء السحرة فرعون فقالوا. قلت: هو على تقدير سائل سأل: ما قالوا إذ جاؤوه؟ فأجيب بقوله: قالوا أإن لنا لأجراً))، وهذا قد سبقه إليه (١) المنصف ٢٨٧/١. (٢) الكشاف ١٠٢/٢. ٤١٣ - الأعراف - الواحدي، إلا أنه قال: ((ولم يقل فقالوا، لأن المعنى لما جاؤوا قالوا، فلم يَصِحَّ دخولُ الفاءِ على هذا الوجه)). والوجه الثاني: أنها في محلّ نصبٍ على الحال من فاعل ((جاؤوا)) قاله الحوفي. وقرأ(١) الحَرَمِيَّن وحفص عن عاصم ((إِنَّ)) بهمزة واحدة، والباقون بهمزتين على الاستفهام. وهم على أصولهم في التحقيق والتسهيل وإدخال ألفٍ بينهما وعدمِهِ. فَقراءةُ الحَرَمِيَّيْن على الإِخبار، وجوَّز الفارسي(٢) أن تكونَ على نية الاستفهام يدل عليه قراءة الباقين، وجَعَلوا ذلك مثلَ قولِه تعالى: (وتلك نعمةٌ تَمُنُّها عليَّ))(٣) وقولِ الشاعر(٤): ٢٢٦٠ - أفرحُ أَنْ أُرْزَأَ الكرام وأنْ ٢٢٦١- وقول الآخر(٥): وذوالشیبیلعبُ وقد تقدم تحقيق هذا وأنه مذهب أبي الحسن(٦). ونكَّر ((أجراً)) للتعظيم. قال الزمخشري (٧): ((كقولهم: إنَّ له لإِبلّ وإن له لغنماً)). قوله: ((إنْ كنَّ)) شرطٌ جوابُه محذوفٌ للدلالة عليه عند الجمهور، : [٣٩٧/ب] أو ما تقدَّم عند / مَنْ يُجيز تقديمَ جواب الشرط عليه. و((نحن)) يجوز فيه أن : (١) السبعة ٢٨٩؛ الحجة ٢٩٢؛ البحر ٣٦١/٤. والحرميان هما: ابن كثير ونافع. (٢) الحجة (خ) ٣٨/٣. (٣) الآية ٢٢ من الشعراء. (٤) تقدم برقم ٣٤٠. (٥) تقدم برقم ٣٣٩. (٦) انظر: معاني القرآن للأخفش ٤٢٦. وانظر: إعراب السمين للآية ٣٠ من البقرة. (٧) الكشاف ١٠٢/٢ .. . ٤١٤ - الأعراف - يكونَ تأكيداً للضمير المرفوع، وأن يكون فَضْلاً فلا محلّ له عند البصريين، ومحلُّه الرفعُ عند الكسائي، والنصب عند الفراء. آ. (١١٤) قوله تعالى: ﴿وإنكم ◌ِنَ المقرَّبين﴾: هذه الجملةُ نَسَقٌ على الجملة المحذوفةِ التي نابَتْ ((نعم)) عنها في الجواب، إذ التقدير: قال: نعم إن لكم لأجراً وإنَّكم لمن المقربين. آ. (١١٥) قوله تعالى: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِي): ((إمَّا) هنا للتخيير، ويُطْلق عليها حرفُ عطف مجازاً. وفي محل ((أَنْ تلقي وإما أَنْ نكون)) ثلاثة أوجه، أحدها: النصبُ بفعلٍ مقدر أي: افعل إمَّا إلقاءك وإمَّا إلقاءنا، كذا قدَّره الشيخ(١). وفيه نظر لأنه لا يَفْعَلُ إلقاءهم فينبغي أن يُقَدِّر فعلًا لائقاً بذلك وهو اختر أي: اختر إمَّا إلقاءك وإمَّا إلقاءنا. وقدَّره مكي (٢) وأبو البقاء (٣)، فقالا: ((إمَّا أن تفعل الإلقاء)) قال مكي: ((كقوله(٤): ٢٢٦٢- قالوا الركوبَ فقلنا تلك عادتنا إلا أنه جَعَلَ النصبَ مذهبَ الكوفيين. الثاني: الرفع على خبرِ ابتداءٍ مضمر تقديرُه: أَمْرُك إمَّا إلقاؤك وإمَّا إلقاؤنا. الثالث: أن يكون مبتدأً خبرُه محذوفٌ تقديرُه: إمَّا إلقاؤك مبدوءٌ به، وإمَّا إلقاؤنا مبدوءٌ به، وإنما أتى هنا بـ ((أَنْ)) المصدرية قبل الفعل بخلاف قوله تعالى: ((وآخرون مُرْجَوْن لأمرِ الله إِمَّا يُعَذِّبُهم وإِمَّا يتوبُ))(٥) لأنَّ ((أَنْ)) وما بعدها هنا: إمَّا مفعولٌ وإمَّا مبتدأُ، والمفعولُ به والمبتدأ لا يكونان فعلاً صريحاً، بل لا بد أن ينضمَّ إليه حرفٌ (١) البحر ٣٦١/٤ وتقدير أبي حيان: اخترُ وافعل فيكون وهمه في الثاني. (٢) المشكل ٣٢٥/١. (٣) الإملاء ٢٨٢/١. (٤) تقدم برقم ١٥٢٣. (٥) الآية ١٠٦ من التوبة . ٤١٥ · - الأعراف - مصدري يجعله في تأويل اسم، وأمَّا آيةُ التوبة فالفعلُ بعد ((إِمَّا)): إمَّا خبرٌ ثان لـ آخرون، وإمَّا صفةٌ له، والخبرُ والصفةُ يقعان جملةً فعليةٌ مِنْ غیر حرف مصدري . وحُذِف مفعولُ الإِلقاء للعلم بهِ والتقدير: إمَّا أَنْ تُلْقِيَ حبالَكَ وعِصِيَّك، - لأنهم كانوا يعتقدون أن يفعل كفِعْلهم _ أو نلقي حبالَنا وعِصِيَّنَا. آ. (١١٦) قوله تعالى: ﴿واسترهبوهم﴾: يجوزُ أَنْ يكونَ استفعل فيه بمعنى أفعل، أي: أرهبوهم، وهو قريبٌ مِنْ قولهم: قرِّ واستقرَّ وعَظّمِ واستعظم وهذا رأي المبرد. ويجوز أن تكون السينُ على بابها أي: استدعوا رهبةً الناس منهم، وهو رأي الزجاج(١). آ. (١١٧) قوله تعالى: ﴿أَنْ أَلْقٍ﴾: يجوزُ أن تكونَ المفسِّرة لمعنى الإِيحاء، ويجوزُ أن تكونَ مصدريةً، فتكون هي وما بعدها مفعولَ الإِيحاء .. قوله: ((تَلْقَفُ)) قرأ العامة(٢) (تَلَقَّفُ)) بتشديدٍ، مِنْ تلقَّفَ يتلقَّفُ، والأصل: ((تَتَلَقَّفُ)) بتاءين فحذفت إحداهما: إمَّا الأولى وإما الثانية، وقد تقدَّم ذلك في نحو ((تَذَكَّرُون))(٣). والبزِّي على أصلِه في إدغامها فيما بعدها، فيقرأ. (فإذا هي تَّلقَّفُ)) بتشديد التاء أيضاً، وقد تقدَّم تحقيقُه عند قوله: ((ولا تَيَّمَّموا الخبيث)»(٤). وقرأ حفص ((تَلْقَف)) بتخفيف القاف مِنْ لَقِفَ ك عَلِم يعلم ورَكِب يركب، يقال: لَقِفْتُ الشيء أَلْقَفُه لَقْفاً وَقَفاناً، وتَلَقَّقْتُه أَتَلَقَّفُه تَلَقُّفاً إذا (١) معاني القرآن له ٤٠٥/٢. (٢) السبعة ٢٩٠؛ الحجة ٢٩٢؛ البحر ٣٦٣/٤. (٣) الآية ٨٠ من الأنعام: ((أفلا تتذكرون)). (٤) الآية ٢٦٧ من البقرة. ٤١٦٠ - الأعراف - أخذتَه بسرعة فأكلته أو ابتلعته، وفي التفسير: أنها ابتلعَتْ جميعَ ما صنَعُوه، وأنشدوا على لَقِف يلقَف كـ عَلِمٍ يَعْلَم قول الشاعر(١): تَلْقَفُ ما يَصْنَعُه السَّاحر ٢٢٦٣ - أنت عصا موسى التي لم تَزَلْ ويقال: رجلٌ ثَقْفٌ لَقْفٌ(٢) وثقيف لقيف بَيِّنُ الثقافة واللَّقافة(٣). ويقال: لَقِفَ ولَقِم بمعنى واحد قاله أبو عبيد(٤). ويقال: لَقِف ولَقِم ولَهِم بمعنى واحد . والفاء في ((فإذا هي)» يجوزُ أَنْ تكونَ العاطفةَ، ولا بد من حذف جملةٍ قبلها ليترتَّب ما بعد الفاء عليها، والتقدير: فألقاها فإذا هي، ومَنْ جَوَّز أن تكون الفاءُ زائدةً في نحو ((خرجت فإذا الأسدُ حاضر» جَوَّز زيادتَها هنا، وعلى هذا فتكونُ هذه الجملةُ قد أُوْحِيَتْ إلى موسى كالتي قبلها، وأمّا على الأول - أعني كون الفاءِ عاطفةٌ - فالجملةُ غير موحى بها إليه. و «ما يأفِكون)) يجوزُ في ((ما)» أن تكونَ بمعنى الذي، والعائد محذوفٌ أي: الذي يَأْفِكونه، ويجوز أَنْ تكونَ ((ما)» مصدريةٌ، والمصدرُ حينئذٍ واقعٌ موقعَ المفعولِ به، وهذا لا حاجةً إليه. آ. (١١٨) وكذلك قوله تعالى: ﴿ما كانوا يعملون﴾: يجوزُ أَنْ تكونَ بمعنى الذي، وأن تكونَ مصدريةً أي: وبَطَل الذي / كانوا يعملونه [٣٩٨/أ] أو عَمَلُهم، وهذا المصدرُ يجوز أَنْ يكونَ على بابه وأن يكونَ واقِعاً موقعَ المفعولِ به بخلاف «ما يَأْفِكون)» فإنه يَتْعَيِّن أن يكونَ واقِعاً موقعَ المفعول به (١) لم أهتد إلى قائله، وهو في معاني القرآن للزجاج ٤٠٥/٢؛ وتفسير القرطبي ٢٦٠/٧؛ وتفسير الماوردي ٤٤/٢. (٢) ويقال أيضاً: ثقِفٌ لَقِفٌ. (٣) لم أر ((لقافة)) فيما عُدْت إليه، وإنما المصدر لَقْفٌ وَلَقَفانٌ. (٤) لعل الصواب أبو عبيدة، حيث إن هذا نصه في المجاز ٢٢٥/١. ٤١٧ ـــ الأعراف - ليصِحَّ المعنى إذ اللَّقْفُ يستدعي عَيْناً يَصِحُّ تسلُّطُه عليها. وقال الفراء(١) في هذه الآيات: ((كيف صَحَّ أن يأمرَهم موسى بقوله: ((أَلْقُوا ما أنتم مُلْقُون))(٢) مع أن إلقاءَهم سحر وكفر؟ وأجاب بأن المعنى: أَلْقوا إن كنتم مُحِقِّين، وأَلْقوا على ما يَصِحُّ ويجوز)). انتهى. والظاهر إنما أَمَرَهم بذلك تعجيزاً لهم وقطعاً لشَغْبهم واستطالتهم، ولئلا يقولوا: لو تُرِكنا نفعل لفَعَلْنا، ولأنَّ الأمرَ لا يستلزم الإرادة. آ. (١١٩) قوله تعالى: ﴿فَغُلِيوا هنالك﴾: ((هنالك)) يجوز أن يكون مكاناً، أي: غُلبوا في المكان الذي وَقَع فيه سحرهم، وهذا هو الظاهر. قيل: ويجوز أن يكونَ زماناً، وهذا ليس أصله، وقد أثبت له بعضهم هذا المعنى بقوله تعالى: ((هنالك ابتُليَ المؤمنون))(٣)، وبقول الآخر (٤): فهناك يَعْترفون أين المَفْزَعُ ٢٢٦٤- ولا حُجَّةَ فيهما؛ لأن المكان فيهما واضح . قوله: ((صاغِرِين)) حالٌ من فاعل ((انْقَلبوا))، والضمير في ((انقلبوا)) يجوز أن يعودَ على قومٍ فرعون، وعلى السَّحَرة إذا جعلنا الانقلابَ قبل إيمان السحرة، أو جعلنا انقلبوا بمعنى صاروا، كما فسَّره الزمخشري(٥)، أي: ((صاروا أَذِلَاء مَبْهوتينُ متحيِّرين))(٦) ويجوز أَنْ يعودَ عليهم دون السَّحَرة إذا كان ذلك بعد إيمانهم، ولم يُجعل ((انقلبوا)) بمعنى صاروا، لأنَّ الله لا يَصِفُهم بالصَّغار بعد إيمانهم. (١) ليس في ((معاني القرآن)) هذا النص. (٢) الآية ٨٠ من يونس. (٣) الآية ١١ من الأحزاب. (٤) لعل الأنسب أن يقول ((ويقول الشاعر)). وقد تقدم برقم ١٢٥٢. (٥) الكشاف ١٠٣/٢. (٦) قوله ((متحيرين» لم ترد في مطبوعة الكشاف. ٤١٨ - الأعراف - أ. (١٢٠) قوله تعالى: ﴿ساجدين﴾: حالٌ أيضاً من ((السحرة)). وکذلك : آ. (١٢١) قوله تعالى: ﴿قالوا﴾: أي: أَلْقُوا ساجدين قائلين ذلك. ويجوز أن يكون حالاً من الضمير المستتر في ((ساجدين)). وعلى كلا القولين هم متلبّسُون بالسجود لله تعالى. ويجوز أن يكونَ مستأنفاً لا محلَّ له. وجعله أبو البقاء(١) حالاً من فاعل ((انقلبوا)) فإنه قال: ((يجوز أن يكون حالاً، أي: فانقلبوا صاغرين قد قالوا)). وهذا ليس بجيد للفصل بقوله: ((وأُلْقي السحرةُ)). آ. (١٢٢) قوله تعالى: ﴿رَبِّ موسى﴾: يجوز أن يكون نعتاً لرب العالمين، وأن يكونَ بدلاً، وأن يكونَ عطفَ بيان. وفائدةُ ذلك نَفْيُ تَوَهُّمِ مَنْ يَتَوَهَّمُ أنَّ ربّ العالمين قد يُطلق على غير الله تعالى، لقول فرعون ((أنا ربكم الأعلى))(٢). وقدَّموا موسى في الذِّكْر على هرون وإن كان هرون أسنَّ منه لكبره في الرتبة، أو لأنه وقع فاصلةً هنا، ولذلك قال في سورة طه ((بربِّ هرون وموسى)»(٣) لوقوع موسى فاصلةً، أو تكون كلُّ طائفةٍ منهم قالت إحدى المقالتين فَتَسَبَ فِعْلَ بعضٍ إلى المجموع في سورةٍ وَفِعْلَ بعضٍ آخرَ إلى المجموع في أخری. آ. (١٢٣) قوله تعالى: ﴿آمنتم﴾: اختلفَ القراء(٤) في هذا الحرف هنا وفي طه(٥) وفي الشعراء(٦). فبعضهم جَرَىْ على قولٍ واحد، وبعضهم (١) الإملاء ٢٨٢/١. (٢) الآية ٢٤ من النازعات. (٣) الآية ٧٠ من طه: ((قالوا آمنا برب هرون وموسى)). (٤) السبعة ٢٩٠؛ الحجة ٢٩٢؛ البحر ٣٦٥/٤. (٥) الآية ٧١ من طه . (٦) الآية ٤٩ من الشعراء. ٤١٩ - الأعراف - قَرَأْ في موضع بشيءٍ لم يَقْرأ به في غيره. فأقول: إن القرّاء في ذلك على أربع مراتب : الأولى: قراءةُ الأخوين(١) وأبي بكر عن عاصم وهي: بتحقيق الهمزتين: في السور الثلاثِ من غيرِ إدخالٍ ألفٍ بينهما وهو استفهامُ إنكار، وأمَّا الألفُ: الثالثةُ فالكلُّ يَقْرِؤونها كذلك؛ لأنها هي فاء الكلمة أُبْدِلَتْ لسكونها بعد همزة مفتوحة، وذلك أن أصل هذه الكلمة أَأَأْمَنْتم بثلاث همزات، الأولى للاستفهام والثانية همزة أفعل والثالثة فاء الكلمة، فالثالثة يجب قَلْبُها ألفاً لِما عرفته أول هذا الموضوع، وأمَّا الأولى فمُحَقَّقة ليس إلا، وأمَّا الثانية فهي التي فيها الخلاف بالنسبة إلى التحقيق والتسهيل .. الثانية: قراءة حفص وهي ((آمنتم)) بهمزة واحدة بعدها الألف المشارُ. إليها في جميع القرآن. وهذه القراءةُ تحتمل الخبرَ المَحْضَ المتضمنَ للتوبيخ، وتحتمل الاستفهامَ المشار إليه، ولكنه حُذِف لفهم المعنى ولقراءة الباقين. الثالثة: قراءةُ نافع وأبي عمرو وابن عامر والبزي عن ابن كثير، وهي تحقيقُ الأولى، وتسهيلُ الثانية بين بين، والألف المذكورة. وهو استفهامُ إنكارٍ كما تقدَّم. الرابعة: قراءةُ قنبل عن ابن كثير وهي التفرقةُ بين السور الثلاث: وذلك .[٣٩٨/ب] أنه قرأ في هذه / السورة حالَ الابتداء بآمنتم بهمزتين، أولاهما مخفَّفة، والثانية مُسَهَّلة بين بين وألف بعدها كقراءة رفيقه البزي، وحالَ الوصل يقرأ : : ((قال فرعون وامنتم)) بإبدال الأولى واواً وتسهيل الثانية بين بين وألف بعدها: وذلك أن الهمزة إذا كانت مفتوحةً بعد ضمة جاز إبدالُها واواً سواء كانت (١) وهما حمزة والكسائي. ٤٢٠