النص المفهرس
صفحات 381-400
- الأعراف - الحال تقديره: أُتُعيدوننا في ملَّتكم في حالٍ كراهتنا)). قال الشيخ(١): ((وليست هذه واوَ الحال بل واوُ العطف عَطَفَتْ هذه الحالَ على حالٍ محذوفة كقوله عليه السلام(٢): (رُدُّوا السائل ولو بظِلْفٍ مُحْرَق)) ليس المعنى: رُدُّوه حالَ الصدقة عليه بظِلْف مُحْرَق، بل معناه: رُدُّوه مصحوباً بالصدقة ولو مصحوباً بظلف محرق. قلت: وقد تقدَّمَتْ هذه المسألةُ وأنه يَصِحُّ أن تُسَمَّى واوَ الحال وواوَ العطف وتحريرُ ذلك، ولولا تكريرُه لما كرَّرْته. وقال أبو البقاء(٣): ((ولوهنا بمعنى ((إنْ)) لأنها للمستقبل، ويجوزُ أن تكونَ على أصلها، ويكون المعنى: لو كنَّا كارهين في هذه الحال. قوله ((لأنها للمستقبل)) ممنوع. آ. (٨٩) قوله تعالى: ﴿إِن عُدْنا﴾: شرطً جوابه محذوف عند الجمهور أي: فقد افترَيْنا، حُذِفَ لدلالةِ ما تقدَّم عليه، وعند أبي زيد والمبرد (٤) والكوفيين هو قولُه: ((فقد افترَيْنا))، وهو مردودٌ بأنه لو كان جواباً بنفسه لَوَجَبَتْ فيه الفاء. وقال أبو البقاء(٥): ((قد افترَيْنا بمعنى المستقبل لأنه لم يقع وإنما سَدَّ مَسَدَّ جواب ((إِنْ عُدْنا)) وساغَ دخولُ ((قد)) هنا لأنهم نَزَّلوا الافتراءَ عند العَوْدِ منزلةَ الواقع فَقَرنوه بقد، وكأنَّ المعنى: قد افترَيْنا الآن إن هَمَمْنا بالعَوْد)». وفي هذه الجملةِ وجهان، أحدهما: أنها استئنافُ إخبارٍ فيه معنى التعجب، قاله الزمخشري (٦) كأنه قيل: ما أَكْذَبَنا على الله إن عُدْنا في الكفر. والثاني : أنها جوابُ قسمٍ محذوف حُذِفَت اللامُ منه، والتقديرُ: واللَّهِ لقد (١) البحر ٣٤٣/٤. (٢) رواه مالك في الموطأ: باب ما جاء في المساكين ٩٢٣/٢. (٣) الإِملاء ٢٧٩/١. (٤) للمبرد تفصيل وضوابط في ذلك انظر: المقتضب ٦٦/٢. (٥) الإملاء ٢٨٠/١. (٦) الكشاف ٩٧/٢. ٣٨١ - الأعراف - افترينا، ذكره الزمخشري(١) أيضاً. وجعله ابن عطية(٢) احتمالاً وأنشد (٣). ولَقِيْتُ أضيافي بوجهِ عبوس ٢٢٤٧- بَقْتُ ما لي وانحرَفْتُ عن العُلَی قال: ((كما تقول: افتريْتُ على الله إن كلَّمت فلاناً)) ولم يُنْشِدْ ابن عطية البيتَ الذي بعد هذا وهو محلُّ الفائدة لأنه مشتملٌ على الشرط وهو: إنْ لم أَشُنَّ على ابنِ هندٍ غارةٌ لم تَخْلُ يوماً من نهابِ نفوسٍ قوله: ((بعد إذْ نجَّانا)) منصوبٌ بـ ((نعود)» أي: ما يكون ولا يستقيمُ لنا عَوْدٌ بعد أن حصل لنا التنجيةُ منها. قوله: ((إلا أَنْ يشاءَ)) في هذا الاستثناء وجهان، أحدهما: أنه متصل. والثاني: أنه منقطعٌ .. ثم القائلون بالاتصال مختلفون فمنهم مَنْ قال: هو مستثنى من الأوقات العامة والتقدير: وما يكونُ لنا أن نعود فيها في وقتٍ من الأوقات إلا في وقت مشيئة الله ذلك، وهذا متصورٌ في حَقِّ مَنْ عدا شعيباً، فإن الأنبياءَ لا يشاء الله ذلك لهم لأنه عَصَمهم. ومنهم مَنْ قال: هو مستثنى من الأحوال العامة. والتقدير: ما يكونُ لنا أن نعود فيها في كل حال إلا في حال مشيئة الله تعالى. وقال ابن عطية (٤): ((ويُحتمل أن يريدَ استثناءَ ما يمكن أن: يَتَعَّد الله به المؤمنين ممَّا تفعلُه الكفرةُ من القُرُبات فلمَّا قال لهم: إنَّا لا نعودُ في مِلَتكم، ثم خشي أن يُتَعَّد الله بشيءٍ من أفعال الكفرة فيعارض ملحدٌ. بذلك ويقول: هذه عودةٌ إلى مِلَّتِنا استثنى مشيئة الله فيما يمكن أن يُتَعَبَّدَ(٥) به)). (١) الكشاف ٩٧/٢. (٢) التفسير ١١٢/٧. (٣) تقدم برقم ٨٠٣. (٤) التفسير ١١٢/٧. (٥) في الأصل: يتعبده. والتصحيح من ابن عطية والبحر. ٣٨٢ - الأعراف - قال الشيخ (١): ((وهذا الاحتمالُ لا يَصِحُّ لأن قوله: ((بعد إذ نجَّانا اللَّهُ منها)) إنما يعني النجاة من الكفر والمعاصي لا من أعمال البِرِّ). قلت: قد حكى ابن الأنباري هذا القولَ عن المعتزلة الذين لا يؤمنون بالإِرادة ثم قال: ((وهذا القول مُتَنَّاوَلُهُ بعيد، لأنَّ فيه تبعيضَ الملة)) وقيل: هذا استثناء على سبيل التسليم والتأدُّب. قال ابن عطية (٢): ((ويقلق هذا التأويلُ من جهةِ استقبالٍ الاستثناء، ولو كان الكلام ((إلا إنْ شاء)» قوي هذا التأويل)). وهذا الذي قاله سهوٌ لأنَّ الماضيّ يتخلَّص للاستقبال بعد ((إنْ)) الشرطية، كما يتخلّص المضارع له(٣) بأنْ المصدرية. وقيل: الضمير في قوله ((فيها)) ليس عائداً على المِلَّة بل عائدٌ على الفِرْية، والتقدير: وما يكون أن نعودَ في الفِرْية إلا أن يشاءَ ربنا. وهو حَسَنٌ لولا بُعْدُه. وكرَّر هنا قوله ((بيننا وبين قومنا)) بخلاف / قوله ((حتى يحكمَ اللّهُ [٣٩٢/أ] بيننا)»(٤) زيادةً في تأكيد تمييزه ومَنْ تبعه مِنْ قومه. وقد تقدَّم أن الفتح الحُكْم بلغة حِمْير، وقيل(٥) بلغة مُراد وأنشد(٦): بأَنِّي عن فَتَاحَتِكُمْ غنيُّ ٢٢٤٨ - ألا أبلغْ بني عُصْمٍ رَسُولاً قوله: ((عِلْماً)) نصبٌ على التمييز وهو منقولٌ من الفاعلية، تقديره: وَسِعَ علمُ ربِّنا كلَّ شيء كقوله تعالى: ((واشتعل الرأسُ شيبا))(٧). (١) البحر ٣٤٤/٤. (٢) التفسير ١١٣/٧. (٣) أي للاستقبال. (٤) في الآية ٨٧ من الأعراف. (٥) انظر: مجاز القرآن ٢٢/١. (٦) البيت للأسعر الجعفي وهو في مجاز القرآن ٢٢٠/١؛ واللسان فتح؛ والبحر ٣٤٤/٤. (٧) الآية ٤ من مريم. ٣٨٣ : الأعراف- آ. (٩٠) قوله تعالى: ﴿إنكم إذاً لخاسِرون﴾: إذن حرفُ جواب وجزاء، وقد تقدَّم الكلامُ عليها مُشْبعاً وخلافُ الناس فيها. وهي هنا معترضةٌ بين الاسم والخبر. وقد توهمَّ بعضُهم فجعل ((إذاً)) هذه ((إذا)) الظرفية في الاستقبال نحو قولك: (أُلْزِمُك إذا جئتني)) أي وقتَ مجيئك. قال: ((ثم حُذِفَتِ الجملةُ المضافةُ هي إليها، والأصل: إنكم إذا اتبعتموه لخاسرون، فإذا ظرفٌ: والعاملُ فيه ((لخاسرون))، ثم حُذِفَتِ الجملةُ المضافُ إليها وهي اتبعتموه، وعُوِّضَ منها التنوين، فلما جيء بالتنوين وهو ساكنٌ التقى بمجيئه ساكنان هو والألفُ قبلَه، فَحُذِفَت الألفُ لالتقاء الساكنين فبقي اللفظ ((إذا)) كما ترى. وزعم هذا القائل أن ذلك جائزٌ بالحَمْل على ((إذا)) التي للمضيّ في قولهم: (حينئذ)) و ((يومئذ)) فكما أن التنوينَ هناك عوضٌ عن جملة عند الجمهور کذلك هنا. ورَدَّ الشيخ(١) هذا بأنه لم يَثْبُتْ هذا الحكمُ لـ ((إذا)) الاستقبالية في غير. هذا الموضع فيحمل هذا عليه)». قلت: وهذا ليس بلازمٍ إذ لذلك القائلِ أنْ يقولَ: قَد وَجَدْتُ موضعاً غير هذا وهو قولُه تعالى: ((إِنَّا إذاً لظالمون))(٢). وقد رأيت كلام الشيخ شهاب الدين القرافي (٣) في قوله صلى الله عليه وسلم (٤) لَّمَّا سألوه عن بيع الرُّطَب بالتمر فقال: أينقص الرُّطَبُ إذا جَفَّ؟ فقالوا: نعم. فقال: فلا إذن: أن ((إذن)) هذه هي ((إذا)) الظرفية، قال: كالتي في قوله تعالى: ((إذا زلزلت الأرض))(٥) فحُذِفَتِ الجملةُ، وذكره إلى آخره. وكنت لمَّا رأيته تعجّبْتُ غاية العجب كيف يَصْدُر هذا منه حتى رأيته في كتاب (١) البحر ٣٤٥/٤. (٢) الآية ٧٩ من يوسف. (٣) أحمد بن إدريس أبو العباس من علماء المالكية، مصري النشأة والوفاة له: الإِحكام، الذخيرة، توفي سنة ٦٨٤هـ؛ انظر: الأعلام ٩٤/١. (٤) رواه أبو داود: البيوع (٣ /٦٥٧)؛ ابن ماجة: التجارات ٥٣ (٧٦١/٢) (٥) الآية ١ من الزلزلة. ٣٨٤ - الأعراف - الشيخ في هذا الموضع عن بعضهم ولم يُسَمِّه، فذهب تعجُّبي منه، فإن لم يكنْ ذلك القائلُ القرافيَّ فقد صار له في المسألة سَلَفٌ، وإلاّ فقد اتَّحَدَ الأصل، والظاهرُ أنه غيره. وقوله: ((إنكم)) هو جواب والقسم الموطَّأ له باللام. قال الزمخشري(١): (فإن قلت: ما جواب القسم الذي وَطَّتْه اللامُ في قوله ((لئن اتبعتم شعيبا) وجوابُ الشرط؟ قلت: قوله: ((إنكم إذاً لخاسرون)) سادُّ مسدَّ الجوابين)) قال الشيخ (٢): ((والذي قاله النحويون إنَّ جواب الشرط محذوفُ لدلالةِ جواب القسم عليه، ولذلك وَجَبَ مُضِيُّ فعلِ الشرط. فإن عَنَّى بأنه سادُّ مَسَدَّهما أنه اجْتَزِىء بذكره عن ذِكْرِ جواب الشرط فهو قريبٌ. وإن عَنَى من حيث الصناعة النحوية فليس كما زعم؛ لأن الجملة يمتنع أن لا يكون لها محل من الإعراب وأن يكون لها محلّ من الإِعراب)». قلت: قد تقدَّمَتْ هذه المسألة مراراً واعتراضُ الشيخ عليه، وتقدَّم الجوابُ عنه فلا أُعيده اكتفاءً بما تقدم. ويعني الشيخُ بقوله «لأنَّ الجملة يمتنع أن يكونَ لها محلٌّ من الإِعراب إلى آخره أنها من حيث كونُها جواباً للشرط يَسْتدعي أن يكونَ لها محلّ من الإِعراب وهو الجزم، ومن حيث كونُها جواباً للقسم يستدعي أن لا يكونَ لها محلٌّ؛ إذ الجملةُ التي هي جوابُ القسم لا محلَّ [لها] لأنها من الجمل المستأنفة المبتدَأ بها، وقد تقرَّر أن الجملةَ الابتدائية لا محلَّ [لها]. آ. (٩٢) قوله تعالى: ﴿الذين كَذَّبوا شُعَيْباً): فيه خمسة أوجه، أحدُها: أن هذا الموصولَ في محل رفع بالابتداءِ وخبرُه الجملةُ التشبيهية بعده. قال الزمخشري (٣): ((وفي هذا الابتداء معنى الاختصاص كأنه قيل: (١) الكشاف ٩٧/٢. (٢) البحر ٣٤٥/٤. (٣) الكشاف ٢ /٩٧. ٣٨٥ - . - الأعراف - الذين كَذَّبوا شُعَيْباً هم المخصوصون بأن أُهْلِكوا واسْتُوصلوا، كأنْ لم يُقيموا في دارهم، لأنَّ الذين اتبعوا شعيباً قد أنجاهم الله تعالى)). قلت: قوله ((يفيد الاختصاص)) هو معنى قول الأصوليين: ((يفيد الحصر)) على خلاف بينهم في ذلك، إذا قلت: ((زيد العالم))، والخلافُ في قولك ((العالم زيد)) أشهرُ منه فيما تقدَّم فيه المبتدأ . . [٣٩٢/ب] الثاني: أن الخبرَ هو نفسُ الموصول الثاني وخبره، / فإن الموصول الثاني مبتدأ، والجملةُ من قوله ((كانوا هم الخاسرين)) في محل رفع خبراً له، وهو وخبرهُ خبر الأول، و((كأنْ لم يَغْنَوا)): إمَّ اعتراضٌ وإمَّا حالٌ من فاعل (كذَّبوا)). الثالث: أن يكونَ الموصولُ الثاني خبراً بعد خبرٍ عن الموصولِ الأول، والخبرُ الأولُ الجملةُ التشبيهية كما تقدَّم. الرابع: أن يكونُ الموصولُ بدلاً مِنْ قولهِ قبلُ ((الذين كفروا من قومه))(١) كأنه قال: ((وقال الملأ الذين كفروا منهم الذين كذَّبوا شُعَيْباً)) وقوله: (لِئَن اتبعتُمْ شعيباً) معمولٌ للقول فليس بأجنبي. الخامس: أنه صفةٌ له أي: للذين كفروا مِنْ قومه .. هذه عبارةٌ أبي البقاء (٢)، وتابعه الشيخ(٣) عليها. والأحسنُ أن يُقال: بدلٌ من الملأ أو نعتٌ له، لأنه هو المحدَّثُ عنه والموصولُ صفةٌ له، والجملةُ التشبيهيةُ على. هذين الوجهين حالٌ من فاعل ((كذَّبوا)). وأما الموصولُ الثاني فقد تقدَّم أنه يجوزُ أن يكونَ خبراً باعتبارين: أعني. كونَّه أولَ أو ثانياً، ويجوز أن يكونَ بدلاً من فاعل ((يَغْنَوا)) أو منصوباً بإضمار ((أعني)) أو مبتدأ وما بعده الخبر. وهذا هو الظاهر لتكونَ كلُّ جملة مستقلةً. (١) من الآية ٩٠. (٢) الإِملاء ٢٨٠/١. (٣) البحر ٣٤٦/٤ ولم يتابعه وإنما قال: ((وهذه أوجه متكلفة، والظاهر أنها جملة مستقلة. لا تعلق لها بما قبلها من جهة الإِعراب)». ٣٨٦ - الأعراف - بنفسها. وعلى هذا الوجهِ ذكر الزمخشري(١) أيضاً أن الابتداءً يفيد الاختصاص قال: ((أي هم المخصوصون بالخسران العظيم دونَ أتباعه، وقد تقدَّم موضحاً. وقوله: ((كأنْ لم يَغْنَو)) يَغْنَوْن: بمعنى يُقيمون يقال: غَنِي بالمكان يَغْنى فيه أي: أقام دهراً طويلاً، وقَّده بعضُهم بالإِقامة في عيشٍ رغد فهو أخصُّ من مُطْلق الإِقامة. قال الأسود بن يعفر(٢): ٢٢٤٩ - ولقد غَنَوا فيها بأنعمِ عيشةٍ في ظلُّ مَلْكٍ ثابتِ الأوتادِ وقيل: معنى الآيةِ هنا من الغِنى الذي هوضد الفقر، قاله الزجاج(٣) فقال: ((وغَنِي في مكان كذا: إذا طالَ مَقامُه فيه مُسْتَغْنياً به عن غيره)). آ. (٩٣) قوله تعالى: ﴿فكيف آسَى﴾: ((كيف)» هنا مثل ((كيف)» في (كيف تكفرون))(٤)، وتقدَّم الكلامُ على ((أَسي))(٥) وبابه. وقرأ(٦) ابن وثاب وابن مصرف والأعمش ((إيسَى)) بكسر الهمزة التي هي حرف مضارعةٍ وقد تقدَّم(٧) أنها لغةُ بني أَخْيَل(٨) وحكاية ليلى الأخيلية في الفاتحة. ولزم من ذلك قُلْبُ الفاءِ بعدهاياءً؛ لأن الأصل: أأسى بهمزتين. آ. (٩٤) قوله تعالى: ﴿إِلا أَخَذْنا﴾: هذا استثناءً مفرٌَّ، وَأَخَذْنا في محلّ نصب على الحال. والتقدير: وما أَرْسَلْنا إلا آخذين أهلها، والفعل (١) الكشاف ٩٧/٢. (٢) لم أقف عليه . (٣) معاني القرآن ٦/٢-٣٩. (٤) الآية ٢٨ من البقرة. (٥) انظر إعرابه للآية ٢٦ من المائدة. (٦) البحر ٣٤٧/٤. (٧) انظر: الورقة ٧ ب. (٨) وهم من بني عُقَيْل: القاموس: خال. ٣٨٧ - الأعراف - الماضي لا يقع بعد ((إلا)) إلا بأحد شرطين: إمَّا تقدُّمِ فعلٍ كهذه الآية، وإمَّا أن يصحب ((قد)) نحو: ما زيد إلا قد قام، فلو فُقِد الشرطان امتنع فلا يجوز:". ما زيد إلا قام. آ. (٩٥) قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مكانَ السيئةِ الحسنةَ﴾: في ((مكان)) وجهان، أظهرهما: أنه مفعولٌ به لاظرفٌ، والمعنى: بدَّلنا مكان الحال السيئة الحالَ الحسنة، فالحسنةُ هي المأخوذةُ الحاصلة، ومكان السيئة هو المتروك الذاهب، وهو الذي تَصْحبه الباءُ في مثل هذا التركيب لوقيل في نظيره :. بدَّلْتُ زيداً بعمرو، فزيد هو المأخوذ وعمرو المتروك، وقد تقدَّم تحقيقُ هذا في البقرة في موضغَيْن أوَّلهما: ((فبدَّل الذين ظلموا))(١) والثاني: ((ومَنْ يُبَدِّل نعمةَ الله))(٢) فمكان والحسنة مفعولان، إلا أنَّ أحدهما وَصَلَ إليه الفعلُ بنفسه وهو الحسنة، والآخر بحذف حرف(٣) الجر وهو ((مكان)). والثاني: أنه منصوبٌ على الظرف، والتقدير: ثمَّ بَدَّلْنا في مكان السيئة الحسنة، إلا أن هذا ينبغي أن يُرَدَّ لأن ((بَدَّلَ)) لا بُدَّ له من مفعولين أحدهما على إسقاط الباء .. قوله: ((حتى عَفَوا)) ((حتى)) هناغاية، وتقدير مَنْ قَدَّرها بـ إلى فإنما يريد تفسير المعنى لا الإِعراب، لأن ((حتى)) الجارة لا تباشرُ إلا المضارع المنصوبَ بإضمار ((أن)) لأنها في التقدير داخلةٌ على المصدرِ المنسبكِ منها ومن الفعل، وأمَّا الماضي فلا يطَّرِد حَذْفُ ((أنْ)) معه، فلا يُقَدَّر معه أنها حرفُ جر داخلةٌ على ((أن)) المصدرية أي: حتى أَنْ عَفَوا، وهذا الذي يَنْبغي أن يُحْمَلَ عليهِ [٣٩٣/أ] قولُ / أبي البقاء (٤): ((حتى عَفَوا: إلى أنْ عفوا)). (١) من الآية ٥٩ . (٢) من الآية ٢١١ . (٣) الأصل: بحرف وهو سهو. (٤) الإملاء ٢٨٠/١. ٣٨٨ - الأعراف - ومعنى ((عَفَوا)) هنا كَثُروا، مِنْ عفا السِّعْر: إذا كَثُر، ومنه ((وأعْفُوا اللَّحى))(١) يقال: عَفَاه(٢) وأَعْفاه ثلاثياً ورباعياً. قال زهير(٣): عليه مِنْ عَقِيقته عِفاءُ ٢٢٥٠ - أذلك أم أَقَبُّ البطنِ جَأْبُ وفي الحديث: ((إذا عَفا الوَبَر وبَرأ الدبر فقد حلَّت العمرة لمن اعتمر)» (٤) وأنشد الزمخشري(٥) على ذلك قول الحطيئة(٦): ٢٢٥١ _ بمستأسِدِ القُرْيان عافٍ نباتُه وقول لبيد(٧): بأَسْوُقِ عافياتِ الشحم ◌ُومٍ ٢٢٥٢ - ولكنَّا نُعِضُّ السيفَ منها وهذه المادة قد تقدَّم تحقيقُها في البقرة (٨). قوله: ((فَأَخَذْناهم)) قال أبو البقاء(٩): ((هو عطفٌ على (عَفَوا)). يريد: (١) البخاري: اللباس ٦٥، (الفتح) ٣٥١/١٠، ابن جنبل ١٦/٢. (٢) قوله ((عفاه)) غير واضح في الأصل. (٣) ديوانه ٦٥. الأقب: الضامر، الجأب: الغليظ، عقيقته: وبره. العفاء: صغار الوبر، والريش وهو هنا شعر الحمار الذي ولد وهو عليه. يقول: أذلك الظليم أم هذا الحمار تشبهه ناقتي. (٤) رواه أبو داود في المناسك ٨٠ (٥٠٣/٢). (٥) الكشاف ٩٨/٢. (٦) عجزه : فَتُوَّارُهِ مِيلٌ إلى الشمس زاهِرُه وهو في ديوانه ١٨٠؛ استأسد النبت: إذا طال، والقريان: ج قِرِيّ وهي مجاري الماء إلى الرياض. ونواره: ما زهر منه . (٧) ديوانه ١٠٤ والعافيات: كثيرات اللحم. أَعَضَّه السيف: إذا ضربه به. كوم: عظام الأسنمة . (٨) انظر: إعرابه للآية ٥٢. (٩) الإِملاء ٢٨٠/١. ٣٨٩ - الأعراف - وما عطف عليه أيضاً، أعني أن الآخذ ليس متسَبِّباً عن العَفاء فقط، بل عليه وعلى قولهم تلك المقالةَ الجاهلية؛ لأنَّ المعنى ليس أنه لمجردٍ كثرتِهم ونموّ أموالهم أَخَذهم بغتةً بل بمجموعِ الأمرين، بل الظاهرُ أنه بقولهم ذلك فقط. وقوله: ((وهم لا يَشْعرون)) حال أيضاً، وهي في قوة المؤكدة لأن ((بغتة)) تفيدُ إفادتَها، سواءً أَعْرَبْنا ((بغتة)) حالاً أم مصدراً. . آ. (٩٦) وقد تقدَّم أن ابن عامر يقرأ(١) ((لفتحنا)) بالتشديد، ووافقه هنا عيسى بن عمر الثقفي وأبو عبدالرحمن السلمي. آ. (٩٧) قوله تعالى: ﴿أَفَّأْمِنَ﴾: قال الزمخشري(٢): ((فإنْ قلت: ما المعطوف عليه، ولِمَ عطفت الأولى بالفاء والثانية بالواو؟ قلت: المعطوفُ عليه قوله: ((فَأَخَذْناهم بغتةً))، وقوله ((ولو أنَّ أهل القرى إلى ((يكسبون)) وقع اعتراضاً بين المعطوف والمعطوف عليه، وإنما عَطَفَتْ بالفاء لأن المَعْنِى: فَعَلوا وصنعوا فأخذناهم بغتة، أَبَعْدَ ذلك أَمِنَ أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً، وأَمِنَ أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضُحى)). قال الشيخ(٣): ((وهذا الذي ذكره رجوعٌ عن مذهبه في مثل ذلك إلى مذهب الجماعة، وذلك أن مذهبه في الهمزة المصدرة على حرف العطف تقديرُ معطوف عليه بين الهمزة وحرفٍ العطف، ومذهبُ الجماعة أن حرفَ العطف في نية التقدم، وإنما تأخَّر وتقدَّمَتْ عليه همزة الاستفهام لقوة تصدُّرها في أول الكلام))، وقد تقدَّم تحقيق هذا غير مرة، والزمخشري هنا لم يقدِّر بينهما معطوفاً عليه بل جعل ما بعد الفاء معطوفاً على ما قبلها من الجمل وهو قوله ((فأخذناهم بغتة)). (١) السبعة ٢٨٦؛ الحجة ٢٨٨؛ البحر ٣٤٨/٤. (٢) الكشاف ٩٨/٢. (٣) البحر ٣٤٩/٤ والسمين تصرف في عبارة الشيخ. ٣٩٠ - الأعراف - قوله: ((بَيَاتاً)) تقدَّم أولَ السورة(١) أنه يجوز أن يكون حالاً، وأن يكون ظرفاً. قوله: ((وهم نائمون)) جملةٌ حالية، والظاهرُ أنها حال من الضمير المستتر في ((بَيَاتاً)) لأنه يتحمَّلُ ضميراً لوقوعه حالاً فتكون الحالان متداخلتين. آ. (٩٨) قوله تعالى: ﴿ضُحَىْ﴾: منصوبٌ على الظرف الزماني، ويكون متصرفاً وغير متصرف، فالمتصرِّفُ ما لم يُرَدْ به وقتُه من يومٍ بعينه نحو: ((ضُحاك ضحىٍّ مبارك)). فإن قلت: ((أتيتك يوم الجمعة ضحىَ)) فهذا لا يَتَصرف بل يلزم النصبَ على الظرفية، وهذه العبارةُ أحسنُ من عبارة الشيخ حيث قال(٢): ((ظرفٌ متصرف إذا كان نكرةً، وغيرَ متصرف إذا كان من يوم بعينه لأنَّه تَوَهَّم متى كان معرفةٌ بأي نوع كان من أنواع التعريف فإنه لا يتصرَّفُ، وليس الأمر كذلك، قال تعالى: ((والضُّحى))(٣) فاستعمله مجروراً بالقسم مع أنه معرفة بأل، وقال تعالى: ((والشمس وضحاها)»(٤) جرَّه بحرف القسم أيضاً مع أنه معرَّفٌ بالإضافة، وهو امتداد الشمس وامتداد النهار. ويقال: ضُحى وضَحاء، إذا ضَمَمْتَ قَصَرْتَ وإذا فتحت مَدَدْتَ. وقال بعضهم: الضَّحى بالضم والقصرِ الأولِ ارتفاع الشمس، والضّحاء بالفتح والمدّ لقوة ارتفاعها قبل الزوال. والضُّحى مؤنث، وشذُّوا في تصغيره على ضُحَيُّ بدون تاء كعُرَيْب وأخواتها، والضَّحاء أيضاً طعامُ الضحى كالغَداء طعام وقت الغُدْوَة يقال منهما: يُضَحِّي ضَحاءً وتَغَدَّى غَداءً. وضچِي يَضْحَى إذا برز للشمسِ وقت الضحى، ثم عُبِّر به عن إصابة الشمس مطلقاً ومنه قولُه (١) انظر: إعرابه للآية ٤. (٢) البحر ٣٤٢/٤. (٣) الآية ١ من الضحى. (٤) الآية ١ من الشمس. ٣٩١ - الأعراف - ((ولا تَضْحِى))(١) أي لا تبرز للشمس. ويقال: ليلة أُضْحِيانَةً بضم الهمزةُ(٢). [٣٩٣/ب] وضَّحْياء بالمد أي: مضيئة إضاءة الضحى، والأُضْحِيَة / وجمعها أَضاحٍ ، والضَّحيَّة وجمعها ضحايا، والأُضْحاة وجمعها أضْحَىّ هي المذبوحُ يوم النحر، سُمِّيَتْ بذلك لذَبْحها ذلك الوقتَ لقوله عليه السلام: ((مَنْ ذبح قبل صلاتنا هذه فَلْيُعِدْ))(٣) وضواحي البلد (٤) نواحيه البارزة. وقوله: ((وهم يلعبون)) حالٌ، وهذا يقوِّي أن ((بياتاً)) ظرف لا خال، لتتطابق الجملتان، فيصير(٥) في كل منهما وقتٌ وحال، وأتى بالحال الأولى: متضمنةً لاسم فاعل لأنه يدلُّ على ثبات واستقرار وهو مناسب للنوم، وبالثانية متضمنةً لفعل؛ لأنه يدل على التجدد والحدوث وهو مناسب لِلَّعب والهزل. وقرأ(٦) نافع وابن عامر وابن كثير ((أو)) بسكون الواو والباقون بفتحها. ففي القراءة الأولى تكون ((أو)) بجملتها حرف عطف ومعناها حينئذ التقسيم .. وزعم بعضهم أنها للإِباحة والتخيير. وليس بظاهر، وفي الثانية هي واو العطف دخلَتْ عليها همزةُ الاستفهام مقدمةً عليها لفظاً، وإن كانت بعدها تقديراً عند الجمهور. وقد عُرِف مذهب الزمخشري في ذلك(٧)، ومعنى الاستفهام هنا التوبيخ والتقريع. وقال بعضهم: ((إنه بمعنى النفي)) كأبي شامة وغيره. آ. (٩٩) وكررت الجملة في قوله تعالى: ﴿أَوَ أَمِنَ أهل﴾: ((أفأمِنُوا)) (١) من الآية ١١٩ من سورة طه ((وإنك لا تظمأ فيها ولا تضحى)). (٢) ضبطها في القاموس (ضحو) بكسر الهمزة. (٣) البخاري: العيدين ٥ (الفتح ٤٤٧/٢) ابن ماجة: الأضاحي ١٢ (١٠٥٣/٢). (٤) قوله (البلد)» غير واضح في الأصل. (٥) قوله ((فيصير)) غير واضح في الأصل. (٦) السبعة ٢٨٦؛ الحجة ٢٨٨؛ البحر ٣٤٩/٤. (٧) الزمخشري يقدِّر فعلا بعد الهمزة ، وهذه الفاء عطفت الفعل المذكور على الفعل المقدَّر. ٣٩٢ - الأعراف - توكيداً لذلك، وأتى في الجملة الثانية (١) بالاسم ظاهراً، وحَقُّه أن يضمر مبالغةً في التوكيد. ومعنى ((مكر الله)) أي إضافة المخلوق إلى الخالق كقولهم: ناقة الله وبيت الله، والمراد به فعلٌ يُعاقَبُ به الكفرة، وأُضيف إلى الله لَمَّا كان عقوبةَ الذنب، فإن العرب تسمّي العقوبة على أي جهة كانت باسم الذنب الذي وقعت عليه العقوبة، وهذا نصٌّ في قوله ((ومكروا ومكر الله)) (٢) قاله ابن عطية(٣). قلت: وهو تأويل حسن، وقد تقدم لك في قوله ((ومكروا ومكرّ اللّهُ))(٤) أنه من باب المقابلة أيضاً. والفاءُ في قوله ((فلا يأمَنُ)) للتنبيه على أن العذاب يَعْقُب أَمْنَ مكرِ الله. آ. (١٠٠) قوله تعالى: ﴿أو لم يَهْدِ﴾: قرأ الجمهور ((يَهْدِ)) بالياء من تحت. وفي فاعله حينئذ ثلاثة أوجه، أظهرها: أنه المصدر المؤول من ((أنْ)) وما في حَيِّزها، والمفعولُ محذوفٌ والتقدير: أو لم يَهْدِ أي: يبيِّن ويوضّح الوارثين مآلَهم وعاقبةَ أمرهم وإصابتنا إياهم بذنوبهم لو شِئْنا ذلك، فقد سَبَكْنا المصدرَ من ((أنْ)) ومن جواب لو. الثاني: أنَّ الفاعلَ هو ضميرُ اللّهِ تعالى أي: أو لم يبيِّن الله، ويؤيده قراءةُ مَنْ قرأ ((نَهْدِ)) بالنون. الثالث: أنه ضميرٌ عائد على ما يُفْهَمُ مِنْ سياق الكلام أي: أو لم يَهْدِ ما جَرَى للأممِ السابقة كقولهم: ((إذا كان غداً فَأْتني)) أي: إذا كان ما بيني وبينك مما دلَّ عليه السياق. وعلى هذين الوجهين فـ ((أنْ)) وما في حيِّزها بتأويل مصدر كما تقدَّم في محلِّ المفعول والتقدير: أو لم يُبَيِّن ويوضح الله أو ما جَرَى(٥) للأمم إصابتنا إياهم بذنوبهم لو شئنا ذلك. (١) في قوله ((فلا يأمن مكر الله)). (٢) الآية ٥٤ من آل عمران. (٣) التفسير ١٢٠/٧. (٤) الآية ٥٤ من آل عمران. (٥) وهو الوجه الثالث. ٣٩٣ - الأعراف - وقرأ(١) مجاهد ((نَهْدِ)) بنون العظمة و((أنْ)) مفعول فقط، و((أنْ)) هي المخففةُ من الثقيلة، و(لو)) فاصلةٌ بينها وبين الفعل، وقد تقدَّم أن الفصل بها قليلٌ. و((نشاء)) وإن كان مضارِعاً لفظاً فهو ماضٍ معنىًّ؛ لأنَّ ((لو)) الامتناعيةَ تخلِّصُ المضارع للمضيّ. وفي كلامِ ابنِ الأنباري خلافُه فإنه قال في ((ونطبعُ)): ((هذا فعلٌ مستأنف ومنقطع مما قبله، لأنَّ قولَه ((أَصَبْن) ماضٍ و ((نَطْبع)) مستقبل ثم قال: ((ويجوز أن يكونَ معطوفاً على ((أَصَبْنا)) إذ كان بمعنى نُصيب، والمعنى: لويشاء يصيبهم ويطبع، فَوَضَّع الماضي موضع المستقبل عند وضوح معنى الاستقبال كقوله تعالى: ((إن شاءَ جعل لك))(٢) أي: يجعل، بدليل قوله ((ويجعل لك)). قلت: فهذا ظاهرٌ قويَّ في أنَّ ((لو)) هذه لا تخلّصُ المضارع للمضيِّ، وتنظيرُه بالآيةِ الأخرى مُقَوِّ له أيضاً، وسيأتي تحقیق ذلك عند قوله ((ونطبع». وقال الفراء (٣): ((وجاز أن تَرُدَّ ((يَفْعِل)) على فَعَلَ في جواب ((لو)) كقوله: ((ولو يُعَجِّل اللّهُ للناسِ الشرَّ استعجالَه بالخير لقُضي إليهم أجلُهم فنذرُ))(٤). قوله: ((فَنَذَرُ)) مردودٌ على ((لقُضِي)). قلت: وهذا هو قول الجمهور، ومفعولُ: ((يشاء)) محذوفٌ لدلالة جواب ((لو)) عليه، والتقدير: لو يشاء تعذيبهم أو الانتقامَ [٣٩٤/أ] منهم. وأتى / جوابُها بغير لام وإن كان مبنيًّاً على أحد الجائزين، وإن كان الأكثرُ خلافَه، كقوله تعالى: ((لو نشاء جَعَلْناه ◌ُجاجاً»(٥). (١) البحر ٣٥٠/٤. ونسبها في الشواذ ٤٥ إلى ابن عباس والسلمي. (٢) الآية ١٠ من الفرقان: ((تبارك الذي إنْ شاء جَعَلَ لك خيراً من ذلك جناتٍ تجري من تحتها الأنهار ويجعلْ لك قصوراً)). (٣) معاني القرآن ٣٨٦/١. (٤) الآية ١١ من يونس. (٥) الآية ٧٠ من الواقعة. ٣٩٤ - الأعراف - قوله: ((ونطبعُ)) في هذه الجملة أوجه، أحدها: أنها نسقٌّ على ((أَصَبْناهم)) وجاز عطفُ المضارع على الماضي لأنه بمعناه وقد تقدم أنَّ (لو)) تُخَلِّصُ المضارع للمضيِّ، ولما حكى الشيخ كلامَ ابن الأنباري المتقدِّم قال(١): ((فجعل ((لو)) شرطيةً بمعنى ((إنْ)) ولم يجعلها التي هي ((لِما)، كان سيقعُ لوقوع غيره، ولذلك جعل ((أَصَبْنا)) بمعنى نُصيب. ومثال وقوع ((لو)) بمعنى ((إنْ)) قوله(٢): خُلُقَ الكرامِ ولو تكون عَدِيما ٢٢٥٣ - لا يُلْفِكَ الرَّاجيك إلا مُظْهِرا وهذا الذي قاله ابن الأنباري رَدَّه الزمخشري (٣) من حيث المعنى، لكن بتقديرِ أنْ يكونَ «ونطبعُ» بمعنى طَبَعْنا، فيكون قد عَطَفَ المضارع على الماضي لكونه بمعنى الماضي، وابنُ الأنباري جَعَل التأويل في ((أَصَبْنا» الذي هو جوابُ ((لو نشاء))، فجعله بمعنى نُصيب، فتأوَّل المعطوفَ عليه وهو الجواب، ورَدَّه إلى المستقبل، والزمخشريُّ تأوَّل المعطوفَ ورَدَّه إلى المُضِيِّ، وأنتج ردُّ الزمخشري أنَّ كلا التقديرين لا يَصِحُ)). قال الزمخشري (٤): ((فإن قلت: هل يجوز أن يكون ((ونطبع)) بمعنى طَبَعْنا، كما كان (لو نشاء)) بمعنى لوشِئْنا، ويعطف على ((أَصَبْناهم))؟ قلت: لا يساعد على المعنى، لأنَّ القوم كانوا مطبوعاً على قلوبهم، مَوْصوفين بصفة مَنْ قبلهم مِن اقتراف الذنوب والإصابة بها، وهذا التفسير يؤدِّي إلى خلوّهم من هذه الصفةِ، وأن الله لوشاء لاتّصفوا بها)). قال الشيخ(٥): ((وهذا الردّ (١) البحر ٣٥١/٤. (٢) تقدم برقم ٢٥٥ . (٣) الكشاف ٩٩/٢. (٤) الكشاف ٩٩/٢. (٥) البحر ٣٥١/٤. ٣٩٥ - الأعراف - ظاهره الصحةُ، وملخصه أن المعطوفَ على الجوابِ جوابٌ سواء تأوَّلنا المعطوفَ عليه أم المعطوفَ، وجوابُ (لو)) لم يقع بعدُ، سواءً كانت حرفاً لِما كان سيقع لوقوع غيره أم بمعنى ((إِنْ)) الشرطية، والإِصابةُ لم تقع، والطّبْعُ على القلوب واقع فلا يصحُّ أن تَعْطِفَ على الجواب. فإِنْ تُؤَوِّل ((ونطبع)) على معنى: ونستمر على الطبع على قلوبهم أمكن التعاطف لأن الاستمرار لم يقع بعدُ وإن كان الطبع قد وقع)). قلت: فهذا الوجه الأول ممتنع لما ذكره الزمخشري . الوجه الثاني: أنْ يكون ((نطبع)) مستأنفاً ومنقطعاً عَمَّا قبلَه فهو في نية خبرٍ مبتدأ محذوف أي: ونحن نطبع. وهذا اختيارُ أبي إسحاق(١) والزمخشري(٢) وجماعة. الوجه الثالث: أن يكونَ معطوفاً على ((يرثون الأرض)) قاله الزمخشري(٣). قال الشيخ(٤): ((وهو خطأً لأنَّ المعطوف على الصلة صلة و ((يرثون)) صلةٌ للذين، فيلزم الفصلُ بين أبعاض الصلة بأجنبي، فإن قوله ((أنْ لو نشاء)»: إمَّا فاعلٌ لَيَهْد أو مفعولُه كما تقدَّم، وعلى كلا التقديرين فلا تَعَلُّقَ له بشيء من الصلة، وهو أجنبيٍّ منها فلا يُفْصل به بين أبعاضها، وهذا الوجهُ مُؤَدٍّ إلى ذلك فهو خطأ)). الرابع: أن يكونَ معطوفاً على ما دَلَّ عليه معنى ((أولم يهد لهم)) كأنه قيل: يغفلون عن الهداية ونطبع على قلوبهم. قاله الزمخشري(٥) أيضاً. قال (١) وهو الزجاج في معاني القرآن ٣٩٩/٢. (٢) الكشاف ٩٩/٢. (٣) الكشاف ٩٩/٢. (٤) البحر ٣٥٢/٤. (٥) الكشاف ٩٩/٢. ٣٩٦ - الأعراف - الشيخ(١): ((وهو ضعيفٌ؛ لأنه إضمار لا يُحتاج إليه، إذ قد صَحَّ عطفُه على الاستئناف من باب العطف على الجمل فهو معطوف على مجموع الجملة المصدَّرة بأداة الاستفهام، وقد قاله الزمخشري وغيره)). قوله: ((فهم لا يسمعون)) أتى بالفاء هنا إيذاناً بتعقيب عدم سماعهم على أثر الطبع على قلوبهم. أ. (١٠١) قوله تعالى: ﴿تلك القرى نقصُّ﴾: قال الزمخشري(٢): ((كقوله هذا بعلي شيخاً)(٣) في كونه مبتدأً وخبراً وحالاً)) يعني أن (تلك)) مبتدأٌ مشارٌ بها إلى ما بعدها، و((القرى)) خبرها، و((نقصُّ)) حال أي قاصّين كقوله: ((فتلك بيوتُهم خاويةً))(٤). قال الزمخشري (٥): ((فإن قلت: ما معنى «تلك القرى)) حتى يكون كلاماً مفيداً؟ قلت: هو مفيد ولكن بالصفة في قولك: ((هو الرجلُ الكريم))(٦). قلت: يعني أن الحالَ هنا لازمةً ليفيدَ التركيب، كما تلزم الصفة في قولك: ((هو الرجل الكريم)) ألا ترى أنك لو اقتصرت على ((هو الرجل)) لم يكن مفيداً، ويجوز أن تكون ((القرى)) صفةً / لتلك، و ((نقصُّ)) [٣٩٤/ب] الخبر، ويجوز أن يكون ((نَقُصُّ)) خبراً بعد خبر. و ((نقصُّ)) يجوز أن يكون على حاله من الاستقبال أي: قد قَصَصْنا عليك من أنبائها ونحن نقصُ عليك أيضاً بعضَ أنبائها، وأُشير بالبعد تنبيهاً على بُعد هَلاكِها وتقادُمِه عن زمن الإِخبار فهو من الغيب. وفي قوله ((القرى)) بأل تعظيمٌ كقوله تعالى: ((ذلك (١) البحر ٣٥٢/٤. (٢) الكشاف ٩٩/٢. (٣) الآية ٧٢ من هود. (٤) الآية ٥٢ من النمل. (٥) الكشاف ٩٩/٢. (٦) لعل في نقل المؤلف عن الزمخشري سقطاً فتمام عبارة الكشاف: ((هو مفيد ولكن بشرط التقييد بالحال، كما يفيد بشرط التقييد بالصفة في قولك: هو الرجل الكريم)). ٣٩٧ - الأعراف- الكتابُ))(١)، وقول الرسول عليه السلام: ((أولئك الملا من قريش))(٢). وقول أمية (٣): شِيبا بماءٍ فعادا بعدُ أبوالا ٢٢٥٤ - تلك المكارمُ لا قَعْبانِ من لبنٍ و ((مِنْ)) للتبعيض كما تقدَّم، لأنه إنما قَصَّ عليه عليه السلام ما فيهِ عِظَةٌ وانزجارٌ دونَ غيرهما. قوله: ((فما كانوا لِيُؤْمنوا بما كَذَّبوا)) الظاهر أن الضمائرَ كلَّها عائدةً على أهل القرى، وقال يمان بن رئاب(٤): ((إن الضميرين الأوَّلَيْن لأهل القرى، والضمير في ((كذَّبوا)) لأسلافهم)). وكذا حَرَّر ابن عطية(٥) أيضاً أي: فما كان الأبناء ليؤمنوا بما كذّب به الآباء وقد تقدَّم الكلامُ على لام الجحود وأنَّ نَفْيَ الفعل معها أبلغ. و(ما)) موصولةٌ اسميةٌ، وعائدُها محذوفٌ لأنه منصوب متصل أي: بما كذَّبوه. ولا يجوز أن يُقَدَّر («به)) وإن كان الموصولُ مجروراً بالباء أيضاً لاختلاف المتعلَّق. وقال هنا ((بما كَذَّبوا)) فلم يذكر متعلق التكذيب، وفي يونس ذكره فقال(٦): ((بما كذَّبوا به))، والفرق أنه لمًّا حذفه في قوله ((ولكن كذَّبوا))(٧) استمرّ (١) الآية ٢ من البقرة. (٢) رواه البخاري: مناقب الأنصار ٢٩ (الفتح) ١٦٥/٧؛ ابن حنبل ٢٩٣/١. (٣) ديوانه ٤٥٩؛ ابن يعيش ٤/٨؛ ابن الشجري ١٧٠/١. والقعب: القدح العظيم. شيبا: خُلِطا. (٤) لم أقف على ترجمته . (٥) التفسير ١٢٣/٧. (٦) الآية ٧٤ من يونس: ((فما كانوا ليؤمنوا بما كَذِّبوا به من قبل)). (٧) الآية ٩٦ من الأعراف. ٣٩٨ - الأعراف - خَذْفُه بعد ذلك، وأمَّا في يونس فقد أبرزه في قوله: ((فكذَّبوه فنجَيْناه)(١) ((كذَّبوا بآياتنا)»(٢) فناسب ذكرَه موافقةً. قال معناه الكرماني. قوله: ((كذلك يَطْبَعُ اللَّهُ)) أي: مثلَ ذلك الطبعِ على قلوب أهل القرى المنتفي عنهم الإِيمانُ يطبعُ الله على قلوب الكفرة الجائين بعدهم. آ. (١٠٢) قوله تعالى: ﴿لأكثرهم﴾: الظاهرُ أنه متعلِّقٌ بالوِجْدان كقولك: ما وَجَدْت(٣) له مالاً أي: ما صادَقْتُ له مالاً ولا لَقِيْتُه. الثاني: أن يكون حالاً من ((عهد)) لأنه في الأصل صفةُ نكرةٍ فلمَّا قُدِّم عليها نُصِب على الحال، والأصل: وما وَجَدْنا عهداً لأكثرهم، وهذا ما لم يذكر أبو البقاء(٤) غيره. وعلى هذين الوجهين فـ ((وجد)) متعدية لواحد وهو ((مِنْ عهد))، و ((مِنْ)) مزيدة فيه لوجودِ الشرطين. الثالث: أنه في محل نصب مفعولاً ثانياً لوجد إذ هي بمعنى عِلْمية، والمفعول(٥) هو «من عهد)). وقد يترجَّح هذا بأن ((وَجَد)» الثانيةَ عِلْمية لا وِجْدانية بمعنى الإصابة، وسيأتي دليل ذلك. فإذا تقرَّر هذا فينبغي أن تكونَ الأولى كذلك مطابقةٌ للكلام ومناسبة له. ومَنْ يرجّح الأولَ يقول: إنَّ الأولى لمعنى، والثانية لمعنى آخر. قوله: ((وإنْ وَجَدْنا)) ((إِنْ)) هذه هي المخففة، وليست هنا عاملةً لمباشرتها الفعلَ فزال اختصاصُها(٦) المقتضي لإعمالها. وقال الزمخشري(٧): ((وإنَّ الشأنَ والحديثَ وَجَدْنا)» فظاهرُ هذه العبارة أنها مُعْمَلة، وأنَّ اسمَها ضميرُ الأمر (١) الآية ٧٤ من يونس: ((فكذّبوه فنجَّيناه ومَنْ معه في الفلك)). (٢) الآية ٧٣ من يونس: ((وأَغْرَقنا الذين كذِّبوا بآياتنا)). (٣) سقطت ((ما)) من الأصل. (٤) الإملاء ٢٨١/١. (٥) أي الأول. (٦) أي إن العاملة للنصب مختصة بالأسماء. (٧) الكشاف ١٠٠/٢. ٣٩٩ - الأعراف - والشأن. وقد صَرَّح أبو البقاء(١) هنا بأنها معملةً وأن اسمَها محذوفٌ، إلا أنه لم يقدِّره ضميرَ الحديث بل غيرَه. فقال: ((واسمُها محذوفٌ أي: إِنَّا وجدنا)). وهذا مذهب النحويين أعني اعتقادَ إعمالِ المخففِ من هذه الحروفِ في ((أَنْ)) المفتوحة على الصحيح وفي ((كأنْ)) التشبيهية، وأما ((إِنْ)) المخففةُ المكسورةُ. فلا. وقد تقدَّم ذلك بأوضح من هذا. ووجد هنا متعديةٌ لاثنين أولهما (أكثرهم))، والثاني ((لَفاسقين)). قال الزمخشري(٢): ((والوجودُ بمعنى العلم من قولك: ((وَجَدْتُ زيداً ذا الحفاظ)» بدليل دخول ((إنْ)) المخففة، واللامُ الفارقة، ولا يَسُوغ ذلك إلا في المبتدأ والخبر والأفعالِ الداخلةِ عليهما)) يعني أنها مختصةٌ بالابتداء أو بالأفعالِ الناسخة له، وهذا مذهب الجمهور، وقد تقدَّم لك خلافُ عن الأخفش: أنه يُجَوِّز على(٣) غيرها وَقَدَّمْتُ دليله على ذلك. واللام فارقةً. وقيل: هي عوضٌ من التشديد، قال مكي(٤): ((وَلَزِمَتِ اللامُ في خبرها عوضاً من التشديد)). [٣٩٥/أ] والمحذوفُ الأول. وتقدَّم / الكلامُ أيضاً أن بعض الكوفيين يجعلون ((إنْ)) نافيةٌ، واللامَ بمعنى (إلا)) في قوله تعالى: ((وإن كانَتْ لكبيرةً))(٥). آ. (١٠٣) قوله تعالى: ﴿فَظَلموا بها﴾: يجوز أن يُضَمِّنَ ((ظلموا)» معنى كفروا فيتعذَّى بالباء كتعديته. ويؤيِّده ((إِنَّ الشِّرْكُ لظلمٌ عظيم)) (٦). ويجوز أن تكون الباءُ سببيةً، والمفعولُ محذوفٌ تقديره: فظلموا أنفسهم، أو ظلموا الناس بمعنى صَدُّوهم عن الإِيمان بسبب الآيات. وقوله ((لأكثرهم)) (١) الإملاء ٢٨١/١. (٢) الكشاف ١٠٠/٢. (٣) قوله ((على)) غير واضح في الأصل. (٤) المشكل ٣٢٤/١. (٥) الآية ١٤٣ من البقرة (٦) الآية ١٣ من لقمان. ٤٠٠