النص المفهرس
صفحات 361-380
- الأعراف - آ. (٧٠) قوله تعالى: ﴿لنعبدَ﴾: متعلَّقٌ بالمجيء الذي أنكروه عليه. وقوله ((إن کنت)) جوابُه محذوف أو متقدم وهو ((فَأْت به)). آ. (٧١) وقوله تعالى: ﴿مِنْ ربكم﴾: إمَّا متعلق بوَقَع، ومِنْ للابتداء مجازاً، وإمَّا أن يتعلَّق بمحذوف لأنها حال إذ كانت في الأصل صفة لرجس. وقوله ((سَمَّيْتُموها)) صفةٌ لأسماء، وكذلك الجملة من قوله ((ما نَزَّل الله)) و((مِنْ سلطان)) مفعول (نَزَّل)) ومِنْ مزيدة. و((من المنتظرين)) خبر ((إني)). و ((معكم)) فيه ما تقدَّم في قوله ((إني لكما لمن الناصحين))(١). ويجوز - وهو ضعيف - أن يكون ((معكم)) هو الخبر و((من المنتظرين)) حال، والتقدير: إني مصاحبُكم حالَ كوني من المنتظرين النصرَ والفرجَ من الله تعالى، وليس بذاك لأن المقصود في الكلام هو الانتظارُ لمقابلة قوله ((فانتظروا)) فلا تُجْعل فَضْلة. آ. (٧٣) قوله تعالى: ﴿وإلى ثمود﴾: ثمود اسم رجل وهو ثمود ابن جائر بن إرَم بن سام وهو أخو جدیس، فثمود وجديس أخوان ثم سُمِّيت به هذه القبيلة، والأكثر مَنْعُه اعتباراً بما ذكرته، ومنهم مَنْ جَعَله اسماً للحيِّ فصرفه وهي قراءةُ الأعمش(٢) ويحيى بن وثاب في جميع القرآن، وسيأتي لك خلاف بين القراء السبعة في سورة هود وغيرها. وقيل: سُمُّوا ثمود لقلة مائهم، والنَّمْدُ الماء القليل. قال النابغة(٣): ٢٢٢٩ - واحْكُمْ كحكم فتاة الحي إذنظَرَتْ إلى حَمامٍ شِراعٍ واردِ الثَّمَدِ وصالح اسم عربي وهو صالح بن آسف. وقيل: ابن عبيد بن آسف ابن کاشح بن أروم بن ثمود بن جائر. (١) الآية ٢١ من الأعراف. (٢) البحر ٣٢٧/٤؛ الشواذ ٤٤. (٣) ديوانه ٨٤؛ والبحر ٣٢٧/٤. شراع: ج شارع وهو القاصد شريعة الماء. والثمد بالسكون والتحريك كما في القاموس: ثمد. ٣٦١ - الأعراف - قوله: ((قد جاءَتْكم بيِّنة)» قد كثُر إيلاءُ هذه اللفظةِ العواملَ، فهي جاريةٌ مَجْرى الأبطح والأبرق في عدم ذِكْرِ موصوفها. وقوله: ((من ربكم)) يحتمل أن تتعلَّق بجاءتكم و((مِنْ)) لابتداء الغاية مجازاً، وأن تتعلق بمحذوف لأنها صفةٌ. بَيِّنة. ولا بد مِنْ حَذْفِ مضاف أي: من بينات ربكم ليتصادَقَ الموصوفُ وصفتُه. وقوله: ((آية)) نصب على الحال لأنها بمعنى العلامة. والعاملُ فيها: إمَّا معنى التنبيه، وإمَّا معنى الإِشارة كأنه قال: أنَبِّهكم عليها أو أُشير إليها في هذه الحال. ويجوز أن يكون العاملُ مضمراً تقديره: انظروا إليها في هذه الحال، والجملةُ لا محلَّ لها لأنها كالجواب لسؤالٍ مقدر كأنهم قالوا: أين آيتك؟ فقال: هذه ناقةُ الله، وأضافها إلى الله تشريفاً كبيت الله وروح الله، وذلك لأنها لم تتوالد بين جَمَلٍ وناقة بل خَرَجَتْ من صَلْد(١) كما هو المشهور. وقوله ((لكم)) أي: أعني لكم، وخُصُّوا بذلك لأنهم هم السائلوها أو المنتفعون بها من بين سائر الناس لو أطاعوا. ويحتمل أن تكون ((هذه ناقة الله)) مفسرةً لقوله ((بيِّنَة) لأنَّ البينة تستدعي شيئاً يتبيّن به المُدَّعَى، فتكون الجملةُ في محل رفع على البدل، وجاز إبدال جملةٍ من مفرد لأنها في قوته. قوله: ((في أرضِ الله)) الظاهرُ تعلُّقه بـ ((تأكل)) وقيل: يجوز تعلُّقه بقوله ((فَذَرُوها))، وعلى هذا فتكونُ المسألة من التنازع وإعمال الثاني، ولو أعمل [٣٨٨/ب] الأول لأضمر في الثاني فقال: تأكل فيها في أرض الله. / وانجزم ((تأكل)) جواباً للأمر. وقد تقدم الخلافُ في جازمه: هل هو نفسُ الجملة الطلبية أو أداة مقدرة؟ وقرأ أبو جعفر(٢) ((تأكلُ)) برفع الفعل على أنه حالٌ))، وهو نظير ((فهبْ لي من لدنك وَلِيَّأَّ يرثني))(٣) رفعاً وجزماً. (١) ش: صخرة. (٢) البحر ٣٢٨/٤؛ الشواذ ٤٤. (٣) الآية ٦ من مريم. قرأ أبو عمرو والكسائي يرثني ويرث جزماً فيهما، وقرأ الباقون بالرفع. السبعة ٤٠٧. ٣٦٢ - الأعراف - وقوله ((بسوء)): الظاهرُ أن الباءَّ للتعدية أي: لا تُوقِعوا عليها سوءاً . ولا تُلْصِقوه بها. ويجوز أن تكونَ للمصاحبة: لا تَمَسُّوها حالَ مصاحبتكم للسوء. وقوله ((فيأخذكم)) نصب على جواب النهي أي: لا تجمعوا بين المسِّ بالسوء وبين أَخْذِ العذابِ إياكم، وهم وإن لم يكن أَخْذُ العذاب لهم مِنْ صنعهم إلا أنهم تعاطّوا أسبابه. آ. (٧٤) قوله تعالى: ﴿وَبَوَّأكم في الأرض﴾ بوَّأْه: أنزله منزلاً. والمَبَاءةُ المنزل، وتقدَّمَتْ هذه المادة في آل عمران(١) وهو يتعدَّى لاثنين، فالثاني محذوف أي: بَوَّأكم منازل. و((في الأرض)) متعلقٌ بالفعل وذُكِرَتْ ليبني عليها ما يأتي بعدها من قوله ((تَتَّخذون)). قوله: ((تَتَّخذون)) يجوز أن تكونَ المتعديةَ الواحد، فيكونَ ((من سهولها)) متعلقاً بالاتخاذ أو بمحذوف على أنه حال من ((قصوراً)) إذ هو في الأصل صفةٌ لها لو تأخر، بمعنى أنَّ مادة القصور مِنْ سهل الأرض كالجبس واللَّبَن والآجرّ كقوله: ((واتخذ قوم موسى من بعده مِنْ حُلِّهِمْ))(٢) أي: مادته من الحُلِيِّ. وقيل: ((مِنْ)) بمعنى في. وفي التفسير: أنهم كانوا يسكنون في القصور صيفاً وفي الجبال شتاءً. وأن(٣) تكونَ المتعدية لاثنين ثانيهما ((من سهولها)». قوله: ((وتُنْحِتون الجبالَ بيوتاً)»: يجوز أن تكون ((الجبال)) على إسقاط الخافض أي: من الجبال، كقوله: ((واختار موسى قومه))(٤) فيكون ((بيوتاً)) مفعولَه. ويجوز أن يُضَمِّن ((تَنْحِتون)) معنى ما يتعدّى لاثنين أي: وتتخذون الجبال بيوتاً بالنحت أو تُصَيِّرونها بيوتاً بالنحت. ويجوز أن يكون ((الجبال)) (١) الآية ١١٢ من آل عمران. (٢) الآية ١٤٨ من الأعراف. (٣) معطوف على قوله ((أن تكون المتعدية لواحد)). (٤) الآية ١٥٥ من الأعراف. ٣٦٣ - الأعراف - هو المفعول به و ((بيوتاً)) حالٌ مقدرة كقولك: خِطْ هذا الثوب جُبَّةً، أي: مقدراً له كذلك. و((بيوتاً» وإن لم تكن مشتقةً فإنها في معناه أي: مسكونة . وقرأ الحسن(١): ((تَنْحَتون)) بفتح الفاء. وزاد الزمخشري(٢) أنه قرأ: ((تنحاتون)) بإشباع الفتحة ألفاً، وأنشد (٣): ٢٢٣٠- يَنْباعِ من ذِفْریُ غضوبٍ جَسْرَةٍ وقرأ يحيى بن مصرف وأبو مالك(٤) بالياء من أسفل على الالتفات. إلا أن أبا مالك فَتَح الحاء كقراءة الحسن. والسهلُ من الأرض مالان وسَهُلَ الانتفاع به ضد الحَزَن. والسهولة: التيسير. والقُصور: جمع قَصْر وهو البيت المُنيف، سُمِّي بذلك لقُصور الناس عن الارتقاء إليه، أو لأن عامَّة النّاس يُقَصِّرون عن بناء مثلُه بخلاف خواصِّهم، أو لأنه يُقتصر به على بُقْعَةٍ من الأرض بخلاف بيوت الشعر والعُمُد، فإنها لا يُقتصر بها على بُقْعَةٍ مخصوصة : لارتحال أهلها، أو لأنّه يَقْصُر مَنْ فيه أي يَحْبِسه، ومنه: ((وحورٌ مقصوراتٌ في الخِيامِ))(٥). والنَّحْتُ: النَّجْر في شيء صُلْب كالحجر والخشب قال(٦): ٢٢٣١ - أمَّا النهارُ ففي قَيْدٍ وسلسلةٍ. والليلُ في بَطْنِ منحوت من الساج وقرأ الأعمش (٧): ((ولا تِعْثُوا)) بكسر حرف المضارعة. وقد تقدم أن ذلك لغةٌ. و((مفسدين)) حال مؤكدة إذ معناها مفهوم من عاملها. و((في الأرض)) متعلقٌ بالفعلِ قبله أو بمفسدين. (١) البحر ٣٢٩/٤؛ الشواذ ٤٤. (٢) الكشاف ٢ / ٩٠. (٣) تقدم برقم ١٤٢٢. (٤) غزوان الغفاري الكوفي اشتهر بكنيته، ثقة من الثالثة. تقريب التهذيب ١٠٥/٢. (٥) الآية ٧٢ من الرحمن. (٦) تقدم برقم ٥٠. (٧) البحر ٣٢٩/٤. ٣٦٤ : - الأعراف - آ. (٧٥) قوله تعالى: ﴿قال الملا﴾: قرأ ابن عامر (١) وحده: ((وقال)) بواو عطف نسقاً لهذه الجملة على ما قبلها، وموافقةٌ لمصاحف الشام، فإنها مرسومة فيها. والباقون بحَذْفِها: إمَّا اكتفاءً بالربط المعنويُّ، وإمَّا لأنه جواب لسؤالٍ مقدر كما تقدَّم نظيره، وموافقةً لمصاحفهم، وهذا كما تقدم في قوله: (ما كنا لنهتدي))(٢) إلا أنه هو الذي حَذّف الواو هناك. قوله: ((للذين اسْتُضْعِفُوا)) اللام للتبليغ. ويَضْعُف أن تكون للعلة. والسين في ((استكبروا)) و((استضعفوا)) يجوز أن تكونَ على بابِها من الطلب أي: طلبوا - أولئك - الكِبْرَ من أنفسهم ومن المؤمنين الضعف. ويجوز أن يكون استفعل بمعنى فَعَل كعجب واستعجب. قوله: (لِمَنْ آمَنَ منهم)) بدلٌ من ((الذين اسْتُضْعِفُوا)) بإعادة العامل، وفيه وجهان أحدهما: أنه بدلُ كل مِنْ كل إن عاد الضمير في ((منهم)) على قومه، ويكون المستضعفون مؤمنين فقط. كأنه قيل: قال المستكبرون للمؤمنين من قوم صالح. والثاني: أنه بدلُ بعضٍ من كل إن عادَ الضمير على المستضعفين، ويكون المستضعفون ضربّيْن: مؤمنين وكافرين، كأنه قيل: / قال المستكبرون [١/٣٨٩] للمؤمنين من الضعفاء دون الكافرين من الضعفاء. وقوله: (أَتَعْلَمون)) في محلِّ نصب بالقول. و ((من ربه)) متعلق بمُرْسَل. و ((مِنْ)) للابتداء مجازاً، ويجوز أن تكونَ صفةً فتتعلَّق بمحذوف. قوله: ((بما أُرْسِلَ به)) متعلَّقٌ بـ((مؤمنون)) قُدِّم للاختصاص والاهتمام وللفاصلة. و((ما)) موصولةٌ. ولا يجوز هنا حَذْفُ العائد وإن اتحد الجارّ للموصول وعائدِه؛ لاختلاف العامل في الجارَّيْن. وكذلك قوله: (١) السبعة ٢٨٤؛ الحجة ٢٨٧. (٢) الآية ٤٣ من الأعراف. ٣٦٥ آ. (٧٦) ((بالذي آمنتم به كافرون»: - الأعراف - آ. (٧٧) والعَقْر أصله كشف العراقيب في الإِبل وهو: أن تُضْرب قوائمُ البعير أو الناقة فتقع، وكانت هذه سنتَهم في الذَّبْح. قال امرؤ القيس(١): ٢٢٣٢- ويومَ عَقَرْتُ لِلعَذارى مطَِّي فيا عَجَباً مِنْ رَحْلِها المُتَحْمَّلِ ثم أُطْلِقٍ على كل نحرٍ، وإن لم يكنْ فيه كَشْفُ عراقيب تسميةً للشيء بما يلازمه غالباً إطلاقاً للسبب على مسبَّه. هذا قول الأزهري(٢). وقال ابن قتيبة (٣): ((العَقْر: القتل كيف كان، عَقَرْتُها فهي معقورة)». وقيل: العَقْرُ: الجرح. وعليه قول امرئ القيس (٤): ٢٢٣٣ - تقول وقد مال الغَبيط بنا معاً عَقَرْتَ بعيري يا امرأً القيسِ فانزِلِ تريد: جَرَحْتَه بثقلك وتمايُلِكَ. والعُقْر والعَقْر بالفتح، والضم الأصل، ومنه عَقَرْتُه أي: أصبت عَقْرِه يعني أصلَه كقولهم: كَبَدْتُه ورَأَسْتُه أي: أصبت كَبِده ورأسه، وعَقَرْتَ النخل: قطعته من أصله. والكلب العَقُور منه. والمرأة عاقر، وقد عُقِرَت، والعُقْر بالضم آخر الولد وآخر بيضة، يقال: عُقِرِ البَيْضُ. والعَقار : - بالفتح - المِلْك من الأبنية ومنه ((ما غُزي قوم في عُقْر دارهم إلا ذلُّوا)) وبعضهم يَخْصُّه بالنخل. والعُقار - بالضمِّ - الخمر لأنها كالعاقِرة للعقل ورَفَعَ عَقِيْرَته أي: صوتَه، وأصلُه أن رجلاً عَقَر رِجْلَه فَرفَع صوته فاستُعير: لكل صائح. والعُقْر بالضم أيضاً: المَهْر. وقوله: ((وعَتَوْا)) العُتُوّ(٥) والعُتِيُّ: النُّبُّ أي: الارتفاع عن الطاعة يقال منه: عَتَا يَعْتُو عُنُوَّاً وعُتِيَّاً، بقلب الواوين ياءين، والأحسنُ فيه إذا كان مصدراً (١) ديوانه ١١؛ البحر ٣١٥/٤. (٢) تهذيب اللغة ٢١٥/١. (٣) تفسير غريب القرآن: ٤٣٣. (٤) تقدم برقم ١٢٦٨ . (٥) انظر: مفردات الراغب ٣٢١. ٣٦٦ - الأعراف - تصحيحُ الواوين كقوله: ((وعَتَوْا عُنُوَّاً كبيراً)(١). وإذا كان جمعاً الإِعلالُ نحو: قوم عُتِيٌّ لأن الجمعَ أثقلُ، قياسُه الإِعلالُ تخفيفاً. وقوله: ((أشدُّ على الرحمن عِيَّ))(٢). وقوله: ((وقد بلغتُ من الكِبر ◌ِيً)(٣) أي: حالةً تتعذّر مداواتي فيها وهو كقوله(٤): ٢٢٣٤- ومن العَناءِ رياضةُ الهَرِمِ وقيل: العاتي: الجاسي أي اليابس. ويقال: عَثَا يَعْثُو عُثُوَّاً بالثاء المثلثة من مادة أخرى لأنه يقال: عَنِي يَعْثَى عِثِيّاً وعثا يَعْثُو عُثُوَّاً، فهو في إحدى(٥) لغتيه يشاركه ((عتا)» بالمثناة وزناً ومعنى، ويقاربه في حروفه. والعَيْثُ أيضاً - بتقديم الياء من أسفل على الثاء المثلثة - هو الفساد، فيحتمل أن يكون أصلاً وأن يكون مقلوباً فيه. وبعضهم(٦) يجعل العَيْث الفساد المُدْرَكُ حسَّاً والعِيّ في المُدْرَك حكماً وقد تقدم لك طرف من هذا. وقوله: ((يا صالحُ ائتنا)) يجوز لك على رواية مَنْ يُسَهِّل الهمزة وهو ورش والسوسي(٧) أن تُبْدِلَ الهمزة واواً، فتلفظ بصورة يا صالحُ وْتِنا في الوصل خاصة، تُبْدِل الهمزة بحركة ما قبلها وإن كانت منفصلة من كلمة أخرى. وقرأ عاصم وعيسى بن عمر: أُوْتنا بهمزٍ وإشباعٍ ضم، ولعله عاصم الحجدري لا ابن النجود، وهذه القراءة لا تبعد عن الغلط لأن همزة الوصل في هذا النحو مكسورةٌ فمن أين جاءت ضمةُ الهمزة إلا على التوهُّم؟ (١) الآية ٢١ من الفرقان. (٢) الآية ٦٩ من مريم. (٣) الآية ٨ من مريم. (٤) لم أهتد إلى تمامه وقائله، وهو في المفردات ٣٢١. (٥) الأصل: ((أحد» وهو سھو. (٦) انظر: المفردات ٣٢٢. (٧) انظر: البحر ٣٣١/٤. ٣٦٧ - الأعراف - وقوله: «بما تُعِدُنا)» العائدُ محذوفٌ أي: تَعِدُناه، ولا يجوز أن تقدر (تَعِدُنا)) متعدياً إليه بالباء، وإن كان الأصلُ تعديتَه إليه بها(١)؛ لئلا يلزمَ حذفُ العائدِ المجرور بحرفٍ من غير اتحادٍ متعلَّقهما، لأنَّ((بما)) متعلُّقٌ بالإِتيان، و ((به)) متعلّقٌ بالوعد. ۔۔ آ. (٧٨) والرَّجْفَةُ(٢): الزلزلةُ الشديدة يقال: رَجَفَتِ الأرضُ تَرْجُف رَجْفاً وَرَجِيْفاً ورجَفاناً. وقيل: الرَّجْفَةُ: الطامَّةُ التي يتزعزعُ لها الإِنسانُ: أ ويضطرب، ومنه قيل للبحر: رَجَّاف لاضطرابه. وقيل: أصلُه مِنْ رجَفَ به البعيرُ إذا حرَّكه في سَيْرهِ، قال ابن أبي ربيعة(٣): ٢٢٣٥- ولَمَّا رَأَيْتُ الحجَّ قد حان وقتُه وَظَلَّتْ جِمال القومِ بالحيِّ تَرْجُفُ والإِرجاف: إيقاعُ الرَّجْفَةِ، وجمعُه الأراجيف ومنه ((الأراجيف ملاقيحُ الفِتَنِ)). وقوله: ((تَرْجُف الراجِفَةُ))(٤) كقوله: ((إذا زُلْزِلَتِ الأرضُ زلزالَها))(٥) ومنه(٦): ٢٢٣٦ - تُحْيي العظامَ الراجفاتِ من البِلى وليس لسداءِ الرُّكبتِين طبيبُ والجُثُومِ(٧): الُّصوقُ بالأرض مِنْ جُثُوم الطائر والأرنب، فإنه يَلْصِقُ [٣٨٩/ب] بطنَه / بالأرض، ومنه رجلٌ جُثَمَة وجَثَّامة، كناية عن النؤوم الكَسْلان، وجُثْمان (١) أي إلى العائد بالباء. (٢) انظر: المفردات ١٨٩. (٣) ليس في ديوانه، وهو في القرطبي ٢٤٢/٧؛ والبحر ٣١٥/٤. (٤) الآية ٦ من النازعات. (٥) الآية ١ من الزلزلة . (٦) لم أهتد إلى قائله، وهو في اللسان رجف. (٧) انظر: المفردات ٨٨. ٣٦٨ - الأعراف - الإِنسان شخصُه قاعداً. وقال أبو عبيد: ((الجُثُوم للناس والطيرِ كالْبُروك للإِبل. وأنشد لجرير(١): ٢٢٣٧ - عَرَفْتُ المُنْتََّى وَعَرَفْتُ منها مَطايا القِدْر كالحِدَأ الجُثُومِ قال الكرماني: ((حيث ذُكِرت الرَّجْفةُ وُخِّدت الدار، وحيث ذُكرت الصيحةُ جُمِعَتْ، لأنَّ الصيحةَ كانت من السماء فبلوغُها أكبرُ وأبلغُ من الزلزلة، فَذَكَرَ كلَّ واحدٍ بالأليق به. وقيل في دارهم: أي بلدهم. وقيل: المرادُ بها الجنسُ. والفاء في ((فَأَخَذَتْهم)) للتعقيب. ويمكن أن تكونَ عاطفةً على الجملة من قوله ((فَأْتِنا)) وذلك على تقديرٍ قربٍ زمان الهلاك من زمان طلب الإِتيان. ويجوز أن يُقَدَّر ما يَصِحُ العطفُ عليه بالفاء، والتقدير: فوعدهم العذابَ بعد ثلاث فانقضت فَأَخَذَتْهم. ولا يُلتفت إلى ما ذكره بعضُ الملاحدةِ في قوله ((فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ)) وفي موضعٍ آخرَ: ((الصيحة))(٢)، وفي موضع آخر ((بالطاغية))(٣) واعتقد ما لا يجوز، إذ لا منافاةً بين ذلك، فإن الرَّجْفَةَ مترتبةٌ على الصيحة، لأنه لمّا صِيح بهم رَجَفَتْ قلوبُهم فماتوا، فجاز أن يُسْنَدَ الإِهلاك إلى كلٍ منهما. وأمّا ((بالطاغية)) فالباء للسببية. والطاغية: الطُّغيان مصدر كالعاقبة، ويقال للمَلِكِ الجبار طاغية، فمعنى (أُهْلِكوا بالطاغية)) أي بطغيانهم كقوله: ((كذَّبت ثمود بطغواها))(٤) أي: بسبب طُغْيانهم. (١) ديوانه ٢١٧؛ مجاز القرآن ٢١٨/١؛ المنتأى: محفر النؤي. ومطايا القدر: الأثافي. الجثوم: السواقط. الحدأ: الجِدْأة. (٢) الآية ٦٧ من هود («وأخذ الذين ظلموا الصيحة)). (٣) الآية ٥ من الحافة ((فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية)). (٤) الآية ١١ من الشمس. ٣٦٩ - الأعراف - وقوله ((فأصبحوا)) يجوز أن تكونَ الناقصةَ، فجائمين خبرُها، و((في ديارهم)) متعلّقٌ به، ولا يجوزُ أن يكونَ الجارُّ خبراً و((جائمين)) حال لعدم. الفائدة بقولك ((فأصبحوا في دارهم)) وإن جاز الوجهان في قولك: ((أصبح زيد في الدار جالساً))، ويجوز أن تكونَ التامَّةَ أي: دخلوا في الصباح، و((جاثمين)) حال، والأولُ أظهرُ. : آ. (٧٩) وقوله تعالى: ﴿ولكنْ لا تُحِبُّون﴾: قيل: ((كان)) محذوفة هذا لأنه حكايةُ حالٍ ماضية أي: ولكن كنتم لا تحبون. آ. (٨٠) قوله تعالى: ﴿ولوطاً﴾: فيه وجهان أحدهما: أنه منصوب بأَرْسَلْنا(١) الأول، و((إذا)) ظرفٌ للإِرسال. والثاني: أنه منصوبٌ بإضمار «اذكر)». وفي العامل في الظرفِ حينئذٍ وجهان، أحدهما : - وهو قول الزمخشري(٢) - أنه بدلٌ من ((لوطاً)) قال: ((بمعنى: واذكر وقتَ إذقال لقومه) وهذا على تسليمِ تصرُّفِ ((إذ)). والثاني: أن العاملَ فيها مقدَّرٌ تقديرُه: واذكر رسالةً لوطٍ إذ قال. فإذ منصوب برسالة. قاله أبو البقاء(٣)، والبدلُ حينئذٍ بدلُ اشتمال . قوله: ((ما سَبَقَّكم بها مِنْ أحدٍ)» في هذه الجملةِ وجهان، أحدهما: أنها مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإِعراب. وعلى الاستئنافِ يُحتمل أن تكونَ جواباً السؤال وأَنْ لا تكونَ. قال الزمخشري (٤): ((فإن قلت: ما موضعُ هذه الجملة؟ قلت: لا مَحَلَّ لها لأنها مستأنفة، أنكر عليهم أولاً بقوله: ((أتأتون الفاحشة)) ثم (١) في الآية ٥٩. (٢) الكشاف ٩٢/٢. (٣) الإملاء ٢٧٩/١. (٤) الكشاف ٩٢/٢. ٣٧٠ ٤٠ - الأعراف - وبَّخهم عليها فقال: أنتم أولُ مَنْ عَمِلَها. أو تكونُ جواباً لسؤال مقدَّر، كأنهم قالوا: لِمَ لا تأتيها؟ فقال: ما سبقكم بها أحدٌ فلا تفعلوا ما لم تُسْبَقوا به)). والباء في ((بها)» فيها وجهان، أظهرُهما: أنها حاليةٌ أي: ما سَبَقكمْ أحدٌ مصاحِباً لها أي: ملتبساً بها. والثاني: أنها للتعدية. قال الزمخشري (١): ((الباءُ للتعدية مِنْ قولك: ((سَبَقْته بالكُرة)) إذا ضربْتَها قبله. ومنه قوله عليه السلام(٢): ((سبقك بها عُكاشة)). قال الشيخ(٣): ((والتعديةُ هنا قلقةٌ جداً؛ لأنَّ الباءَ المعدِّية في الفعل المتعدي لواحد [هي](٤) بجَعْل المفعولِ الأولِ يَفْعل ذلك الفعلَ بما دَخَلَتْ عليه الباءُ فهي كالهمزة، وبيان ذلك أنك إذا قلت: ((صَكَكْتُ الحجرَ بالحجر)» كان معناه: أَصْكَكْت الحجرَ الحجرَ أي: جَعَلْت الحجر يَصُكُّ الحجر، فكذلك: دَفَعْتُ زيداً بعمرو عن خالد، معناه: أدفعت زيداً عمراً عن خالد أي: جَعَلْتُ زيداً يدفع عمراً عن خالد، فللمفعول الأول تأثيرٌ في الثاني، ولا يصحُّ هذا المعنى هنا إذ لا يَصِحُّ أن يقدَّر: أَسْبَقْتُ زيداً الكرة أي: جَعَلْتُ زيداً يَسْبِقِ الكرة إلا بمجازٍ متكلِّف، وهو أن تجعلَ ضربَك للكرة أولّ جَعْلٍ ضربةً قد سبقها أي تقدَّمها في الزمان فلم يجتمعا)). و((مِنْ)) الأولى لتأكيد الاستغراق والثانية للتبعيض. الوجه الثاني من وجهَيْ الجملة: أنها حال، وفي صاحبها وجهان أحدهما: هو الفاعل أي: أتأتون مبتدئين بها. والثاني: هو المفعول أي: / أتأتونها مُبْتَدَأْ بها غيرَ مسبوقةٍ من غيركم. [١/٣٩٠] (١) الكشاف ٩٢/٢. (٢) رواه البخاري: الرقاق ٥٠ (الفتح) ٤٠٥/١١؛ ابن حنبل ٢٧١/١. (٣) البحر ٣٣٣/٤. (٤) من البحر. ٣٧١ - الأعراف - آ. (٨١) قوله تعالى: ﴿أإنكم﴾: قرأ نافع(١) وحفص عن عاصم: ((إنكم)) على الخبر المستأنف وهو بيانٌ لتلك الفاحشةِ. وقرأ الباقون بالاستفهام المقتضي للتوبيخ . قوله: ((شهوةً) فيه وجهان، أحدُهما: أنه مفعولٌ من أجله أي: لأجلٍ الاشتهاء، لا حاملَ لكم عليه إلا مجردُ الشهوة لا غير. والثاني: أنها مصدرٌ واقعٌ موقعَ الحال أي: مشتهين أوباقٍ على مصدريته، ناصبه ((أَتَأْتُون)) لأنه بمعنى أتشتهون. ويقال: شَهِيَ يَشْهِى شَهْوة، وشَها يَشْهو شهوة قالَ(٢) : : إذا ما النجومُ أعرضَتْ واسْبَكَرَّتِ ٢٢٣٨ - وأَشْعَثَ يَشْهى النومَ قلتله ارتجِلْ وقد تقدَّم ذلك في آل عمران(٣). قوله: ((مِنْ دونِ النساء)) فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه متعلِّقٌ بمحذوفٍ لأنه حالٌ من ((الرجال)) أي: أتأتونهم منفردين عن النساء. والثاني: أنه متعلِّقُ بشهوة قاله الحوفي، وليس بظاهرٍ أن تقول: ((اشتهيت من كذا))، إلا بمعنى غيرٍ لائق هنا. والثالث: أن يكونَ صفةً لشهوة أي: شهوةً كائنة من دونهن. قوله: ((بل أنتم قومٌ)) ((بل)) للإضرابِ، والمشهور أنه إضراب انتقالٍ من قصة. إلى قصة إلى قصة، فقيل: عن مذكور، وهو الإِخبارُ بتجاوزهم عن الحدِّ في هذه الفاحشةِ أو عن توبيخهم وتقريرِهم والإِنكارِ عليهم. وقيل : بل للإضراب عن شيء، محذوف. واختُلِفَ فيه: فقال أبو البقاء (٤): ((تقديره ما عَدَلْتُم بل أنتم)). وقال: الكرماني: ((بل)) رَدّ لجوابٍ زعموا أن يكونَ لهم عُذْراً أي: لا عذرَ لكم بل)). (١) السبعة ٢٥؛ الحجة ٢٨٧؛ البحر ٣٣٤/٤. ورسمها المؤلف على قراءة غير نافع وحفص. (٢) لم أهتد إلى قائله، وهو في اللسان: شها. واسْبَكَرَّ الرجلُ: اضطجع. (٣) الآية ١٤ . (٤) الإملاء ٢٧٩/١. ٣٧٢ - الأعراف - وجاء هنا بصفة القوم اسمَ الفاعل وهو ((مُسْرفون))؛ لأنه أدلّ على الثبوت ولموافقة رؤوسِ الآيِ فإنها أسماء. وجاء في النمل(١) ((تَجْهَلُون)) دلالةً على أنَّ جهلَهم يتجدَّد كلَّ وقتٍ ولموافقةِ رؤوس الآي فإنها أفعال. آ. (٨٢) قوله تعالى: ﴿وما كان جوابَ﴾: العامَّةُ على نصب ((جواب)) خبراً للكون، والاسمُ ((أنْ)) وما في حَيِّزها وهو الأفصحُ، إذ فيه جَعْلُ الأعرفِ اسماً. وقرأ الحسن(٢) ((جوابُ)) بالرفع، وهو اسمُها، والخبر ((إلا أَنْ قالوا)) وقد تقدَّمَ ذلك. وأتى هنا بقوله ((وما))، وفي النمل(٣) والعنكبوت(٤) ((فما)»، والفاء هي الأصلُ في هذا الباب لأنَّ المراد أنهم لم يتأخر جوابُهم عن نصيحته. وأمَّا الواوُ فالتعقيبُ أحدُ محاملها، فتعيّن هنا أنها للتعقيب لأمرٍ خارجي وهي العربية في السورتين المذكورتين لأنها اقتضَتْ ذلك بوضعها. أ. (٨٣) قوله تعالى: ﴿إلا امرأته﴾: استثناء من أهله المُنْجَيْن. وقوله: ((كانت من الغابرين)» جوابُ سؤالٍ مقدر. وهذا كما تقدم في البقرة وفي أول هذه السورة في قصة إبليس. والغابر(٥): المُقيم. هذا هو مشهورُ اللغة، وأنشدوا قول أبي ذؤيب الهذلي (٦): وإخالُ أني لاحقٌ مُسْتَتْبَعُ ٢٢٣٩- فَغَبَرْتُ بعدهمُ بعیشٍ ناصِبٍ (١) الآية ٥٥ . (٢) البحر ٣٣٤/٤. (٣) الآية ٥٦ من النمل ((فما كان جواب قومه ... )). (٤) الآية ٢٤ من العنكبوت: ((فما كان جواب قومه)). (٥) انظر: المفردات ٣٥٧. (٦) ديوان الهذليين ٢/١؛ البحر ٣١٥/٤. غبرت: بقيت؛ ناصب: ذو نَصَب وهو الجهد والتعب؛ مستتبع: مستلحق. ٣٧٣ - الأعراف - ومنه غُبَّرُ اللبنَ لبقَّته في الضَّرْعِ، وغُبَّرُ الحَيْض أيضاً، قال أبو كبير الهذلي، ويُروى لتأبَّط شراً (١): ٢٢٤٠ - ومُبَرَّأْ من كل غُبَّرِ حَيْضَةٍ وَفَسادِ مُرْضِعَةً وداءٍ مُعْضِلٍ. ومعنى ((من الغابرين)) في الآية أي: مِن المقيمين في الهلاك. وقال بعضهم: ((غَبَر بمعنى مَضَى وذهب)) ومعنى الآية يساعده، وأنشد للأعشى(٢): ٢٢٤١ - عَضَّ بما أَبْقَى المَواسِيْ له مِنْ أُمِّه في الزمنَ الغَابر أي: الزمن الماضي. وقال بعضهم: غَبَر أي غاب، ومنه قولهم: ((غبر عنا زمانً) وقال أبو عبيدة (٣): ((غَبَرَ: عُمِّر دهراً طويلا حتى هَرِم، ويدل له: (إلا عجوزاً في الغابرين))(٤). والحاصلُ أن الغُبور مشترك كعسعس (٥). أو حقيقةٌ ومجازٌ وهو المرجح. والغبار: لما يَبْقى من التراب المُثار. ومنه ((وجوهُ يومئذ عليها غَرة))(٦) تخييلًا لتغيرها واسودادها. والغَبْراء الأرض. قال: طرفة (٧) : ٢٢٤٢ - رأيتُ بني غَبْراءَ لا يُنْكرونني ولا أهلَ هذاكَ الطَرَافِ المُمَدَّدِ. آ. (٨٤) قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنا﴾: قال أبو عبيد: ((يقال: مُطِر في الرحمة، وأُمْطِر في العذاب)) وقال أبو القاسم الراغب(٨): ((ويقال: مُطِرٍ في (١) ديوان الهذليين ٩٣/٢. والحيضة: المرة من الحيض. (٢) ديوانه ١٤٥؛ ومجاز القرآن ٢١٩/١؛ والبحر ٣١٥/٤. والمواسي: ج موسى. (٣) المجاز ٢١٨/١. (٤) الآية ١٣٥ من الصافات. (٥) عسعس الليل: أقبل ظلامه وأدبر. (٦) الآية ٤٠ من عبس. (٧) من معلقته وهو في المنصف ٤٨/٣؛ والعيني ٤١٠/١؛ والهمع ٧٦/١؛ والدرر ٥٠/١. (٨) المفردات ٤٧٠. ٣٧٤ - الأعراف - الخير، وأُمْطِر في العذاب، قال تعالى: ((وأَمْطَرْنا عليهم حجارةٌ)))(١) وهذا مردودٌ بقوله تعالى: ((هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا))(٢) فإنهم إنما عَنَوا بذلك الرحمة، وهو مِنْ أَمْطَر رباعياً. ومَطَر وأمْطَر بمعنى واحد يتعديان لواحد يقال: مَطَرّتهم السماء وأَمْطرتهم، وقوله تعالى هنا ((وأَمْطَرْنا)) ضُمِّن معنى ((أرسلنا)) ولذلك عُدِّي بـ ((على))، وعلى هذا فـ ((مَطَراً)) مفعول به لأنه يُراد به الحجارة، ولا يُراد به المصدرُ أصلاً، إذ لو كان كذلك / لقيل: أمطار. ويوم مطير. أي: مَمْطور. [٣٩٠/ب] ويوم ماطِرٍ ومُمْطِر على المجاز كقوله: ((في يوم عاصِف))(٣) ووادٍ مطير فقط فلم يُتَجَوَّزْ فيه. ومطير بمعنى مُمْطِر قال(٤): سقاكِ مِن الغُرِّ الغَوادي مطيرها ٢٢٤٣- حَمامةَ بطنِ الوادِيْنِ تَرَنَّمي فعيل هنا بمعنى فاعل؛ لأنَّ السحاب يُمْطِرُ غيرها. ونكّر ((مطراً)) تعظيماً. آ. (٨٥) قوله تعالى: ﴿وإلى مَدْيَنَ﴾: اختُلِف في مَدْين فقيل: أعجمي فمنعُه للعجمة والعَلَمِيَّة، وهو مَذْين بن خليل الرحمن، فسُمِّيت به القبيلة. وقيل: هو عربيٍّ اسمُ بلد قاله الفراء وأنشد(٥): ٢٢٤٤ - رهبانُ مَدْيَنَ والذين عَهِدْتُهُمْ يبكون مِنْ حَذَرِ العذابِ قُعودا خَرُّوا لِعَزَّةَ رُكَّعاً وسُجودا لو یَسْمعون کما سمعتُ كلامها فمنعُه للعَلَمِيَّة والتأنيث، ولا بد حينئذ من حذف مضاف أي: وإلى أهل مَدْيَن، ولذلك أعاد الضمير في قوله ((أخاهم)) على الأهل، ويجوز أن يُراد (١) الآية ٧٤ من الحجر. (٢) الآية ٢٤ من الأحقاف. (٣) الآية ١٨ من إبراهيم. (٤) تقدم برقم ١٧٢٩. (٥) تقدم برقم ١٨٠٠. ٣٧٥ - الأعراف - بالمكان ساكنوه، فروعي ذلك بالنسبة إلى عود الضمير عليه. وعلى تقدير كونه عربياً قالوا: فهو شاذ، إذ كان من حقِه الإِعلالُ كمتاع ومقام، ولكنهم شَدُّوا فيه كما شَلُّوا في مَرْيَم ومَكْوَزَةٍ (١)، وليس بشاذ عند المبرد(٢) لعدم جريانه على الفعل، وهو حَقٌّ وإن كان الجمهور على خلافه. شُعَيْب: يجوز أن يكون تَصْغيرَ شِعْب أو شعب هكذا قالوا، والأدب ألَّ يُقالَ ذلك، بل هذا موضوعٌ على هذه الزِّنَة وأمَّا أسماءُ الأنبياءِ فلا يَدْخلِ فيها تصغيرٌ البتةَ إلا ما نَطَّق به القرآن على صيغةٍ تشبهه كشعيب عليه السلام وهو عربيٍّ لا أعجمي. قوله: ((ولا تَبْخَسوا)) قد تقدَّم معنى هذه اللفظة في قوله: ((ولا يَبْخَس منه شيئاً)(٣)، وهو يتعدَّى لاثنين وهما: الناسَ وأشياءهم أي: لا تنقصوهم أشیاءهم. آ. (٨٦) قوله تعالى: ﴿بكل صراطٍ﴾: يجوز أن تكونَ الباءُ على حالها من الإلصاقِ أو المصاحبةِ، أو تكونَ بمعنى في. و(«تُوْعِدون)) و((تَصُدُّون)) و((تبغون)) هذه الجملُ أحوالٌ أي: لا تقعدوا مُوْعِدين وصادِّين وباغين. ولم يذكر المُؤْعَد به لتذهب النفسُ كلَّ مذهب. ومفعول ((تصدُّون)) (مَنْ آمن))، قال أبو البقاء(٤): ((مَنْ آمن)) مفعول ((تصدُّون)) لا مفعول ((توعدون)) إذ لو كان مفعولاً للأول لقال «تَصُدُّونهم». يعني أنه لو كان كذلك لكانت المسألة من التنازع، وإذا كانت من التنازع وأَعْمَلْتَ الأول لأضمرْتَ في الثاني فكنت تقول: تَصُدُّونهم، لكنه ليس القرآن كذا، فدلَّ على أن ((توعدون» لیس (١) انظر المسألة في: الممتع ٤٨٨/٢. (٢) المقتضب ١ /١٠٨. (٣) الآية ٢٨٢ من البقرة. (٤) الإملاء ٢٧٩/١. ٣٧٦ - الأعراف - عاملاً فيه، وكلامُه يحتمل أن تكون المسألةُ من التنازع - ويكون ذلك على إعمال الثاني، وهو مختار البصريين وحَذَف من الأول - وألّ تكونَ وهو الظاهر. وظاهرُ كلامِ الزمخشري(١) أنها من التنازع، وأنه من إعمال الأول، فإنه قال: ((فإن قلت إلام يَرْجِعُ الضمير في ((مَنْ آمن به))؟ قلت: إلى كل صراط، تقديره: تُوْعِدون مَنْ آمن به وتَصُدُّون عنه، فوضعَ الظاهر الذي هو ((سبيل الله)) موضعَ المضمر زيادةٌ في تقبيح أمرهم)». قال الشيخ(٢): (وهذا تعسُّف وتكلُّف مع عدم الاحتياج إلى تقديم. وتأخيرٍ ووضْعٍ ظاهرٍ موضعَ مضمر، إذ الأصلُ خلافُ ذلك كلُّه، ولا ضرورةَ تدعو إليه، وأيضاً فإنَّه من إعمال الأول وهو مذهبٌ مرجوح، ولو كان من إعمالِ الأول لأضمر في الثاني وجوباً، ولا يجوز حذفهُ إلا في ضرورةٍ شعرٍ عند بعضِهم كقوله(٣): نَ إذا هُمُ لَمَحُوا شعاعُه ٢٢٤٥ _ بعكاظَ يُعْشي الناظِرِيْـ فأعمل (يُعْشي)) ورفع به ((شعاعُه)) وحَذَفَ الضمير مِنْ ((لمحوا)) تقديره: لمحوه. وأجازه بعضُهم بقلةٍ في غير الشعر. والضمير في ((به)): إمّا لكل صراط كما تقدَّم عن أبي القاسم، وإمَّا على الله للعلم به، وإمَّا على سبيل الله، وجاز ذلك لأنه يذكّر ويؤنَّثُ، وعلى هذا فقد جمع بين الاستعمالين هنا حيث قال ((به)) فذكَّر، وقال: ((وَتَبْغُونها ◌ِوَجاً)) فأَنَّثَ، ومثلُه: ((قل هذه (١) الكشاف ٩٤/٢. (٢) البحر ٣٣٩/٤ باختصار. (٣) البيت لعاتكة بنت عبدالمطلب وهو في المغني ٦١١؛ والعيني ١١/٣؛ والتصريح ٣٢٠/١؛ والجمع ١٠٩/٢؛ والدرر ١٤٢/٢. ٣٧٧ - الأعراف - سبيلي))(١). وقد تقدم نحو قوله: ((تَبْغونها عِوَجاً)) في آل عمران(٢) فأغنى عن إعادته . قوله: ((واذكروا)): إمَّا أن يكون مفعولُه محذوفاً، فيكونَ هذا الظرفُ معمولاً لذلك المفعولِ أي: اذكروا نعمته عليكم في ذلك الوقت، وإمَّا أن تجعلَ نفسَ الظرفِ مفعولاً به. قاله الزمخشري(٣). وقال ابنُ عطية (٤): ((إن [٣٩١/أ] الهاء في ((به)) يجوز أن تعود على / شعيب عند مَنْ رأى أن القعودَ على الطرقِ للردِّ عن شعيب)) وهو بعيدٌ لأنَّ القائل ((ولا تَفْعدوا)) هو شعيب(٥)، وحينئذ كان التركيب ((مَنْ آمن بي)) والادِّعاءُ بأنه من بابِ الالتفات بعيدٌ جداً؛ إذ لا يَجْسُن أن يُقال: ((يا هذا أنا أقول لك: لا تُهِنْ مَنْ أَكْرَمَه)) أي: مَنْ أكرمني. قوله: ((كيف)) وما في حَيِّزها معلِّقَةٌ للنظر عن العمل، فهي وما بعدها في محلِّ نصبٍ على إسقاطِ الخافضِ. والنظرُ هنا التفكّرُ، و ((کیف» خبر كان، واجبُ التقدیم. آ. (٨٧) قوله تعالى: ﴿وطائفةٌ لم يؤمنوا﴾: عطف على ((طائفة)) الأولى، فهي اسم كان و((لم يؤمنوا)) معطوفٌ على ((آمنوا)) الذي هو خبر كان عَطَفَتْ اسماً على اسم وخبراً على خبر، ومثله لوقلت: ((كان عبدُ الله ذاهباً وبكر خارجاً) عَطَفْتَ المرفوعَ على مثله وكذلك المنصوب. وقد حذف وَصْفَ ((طائفة)) الثانية لدلالة وَصْفِ الأولى عليه، إذ التقدير: وطائفةٌ منكم لم يؤمنوا، (١) الآية ١٠٨ من يوسف. (٢) الآية ٩٩. (٣) الكشاف ٢ /٩٤. (٤) التفسير ١٠٩/٧. (٥) قوله ((شعيب)) غير واضح في الأصل. ٣٧٨ - الأعراف - وحَذَفَ أيضاً متعلَّق الإِيمان في الثانية لدلالة الأول عليه، إذ التقديرُ: لم يؤمنوا بالذي أُرْسِلْتَ به، والوصفُ بقوله ((منكم)، الظاهر(١) أو المقدر هو الذي سَوَّغ وقوعَ ((طائفة)) اسماً لـ ((كان)) من حيث إن الاسم في هذا الباب كالمبتدأ، والمبتدأ لا يكون نكرةً إلا بمسوغٍ تقدَّم التنبيه عليه. قوله: ((فاصبِروا)) يجوز أن يكونَ الضميرُ للمؤمنين من قومه، وأن يكونَ للكافرين منهم، وأن يكونَ للفريقين، وهذا هو الظاهرُ، أُمِر المؤمنون بالصبر ليحصُل لهم الظفرُ والغَلَبَةُ، والكافرون مأمورون به ليُنْصُرَ الله عليهم المؤمنين لقوله تعالى: ((قل تَرَّبَّصوا))(٢) أو على سبيلِ التنازل معهم أي: اصبروا فستعلمون مَنْ ينتصر ومن يَغْلب، مع علمه بأن الغلبةَ له. و((حتى)) بمعنى ((إلى)) فقط، وقوله: ((بيننا)» غَلَّب ضميرَ المتكلمِ على المخاطب، إذ المرادُ: بيننا جميعاً مِنْ مؤمنٍ وكافٍ، ولا حاجةً إلى ادِّعاءِ حَذْفِ معطوفٍ تقديره: بيننا وبینکم. آ. (٨٨) قوله تعالى: ﴿والذين آمنوا﴾: عطفٌ على الكاف، و ((يا شعيبُ)) اعتراضٌ بين المتعاطفّيْن. قوله: ((أو لَتَعُودُنَّ)) عَطَفَ على جواب القسم الأول، إذ التقدير: واللَّهِ لنخرجنَّكَ والمؤمنين أو لتعودُنَّ. فالعَوْدُ مسندٌ إلى ضمير النبي ومَنْ آمن معه . و((عاد)» لها في لسانهم استعمالان: أحدهما - وهو الأصلُ ــ أنه الرجوعُ إلى ما كان عليه من الحال الأول. والثاني استعمالُها بمعنى صار، وحينئذ ترفعُ الاسمَ وتنصِبُ الخبر، فلا تكتفي بمرفوعٍ وتفتقر إلى منصوب، وهذا عند (١) الظاهر هو في قوله ((طائفة منكم))، والمقدر في قوله ((وطائفة)) فالتقدير: منكم. (٢) الآية ٣١ من الطور. ٣٧٩ - الأعراف - بعضهم. ومنهم مَنْ منع أن تكون بمعنى صار، فمِنْ مجيئها بمعنى صار عند بعضهم قولُ الشاعر(١): أخا القوم واستغنى عن المسح شاربُه: ٢٢٤٦ - وَرَبَّيْتُه حتى إذا ما تركتُه إذا قام ساوی غارب الفحل غاربه وبالمَحْضِ حتى عاد جَعْد أَعْنَطْنَطا فرفع بـ ((عاد) ضميرَ الأول ونَصَبَ بها ((جَعْداً))، ومَنْ مَنَع ذلك يَجْعل المنصوب حالاً، ولكن استشكلوا على كونها بمعناها الأصلي أنَّ شعيباً صلى الله عليه وسلم لم يكنْ قطُّ على دينهم ولا في مِلَّتِهِمْ. فكيف يَحْسُنَ أن يُقال (أو لتعودُنَّ)) أي: لَتَرْجِعُنَّ إلى حالتكم الأولى، والخطابُ له ولأتباعه؟ وقد أجيب عن ذلك بثلاثة أوجه: أحدها: أن هذا القولَ مِنْ رؤسائهم قصدوا به التلبيسَ على العوام والإِبهام لهم أنه كان على دينهم وفي مِلَّتِهِمْ. الثاني: أن يُراد بعوده رجوعه إلى حالةِ سکوتِه قبل بعثته؛ لأنه قبل أن یبعث إليهم كان يُخْفي إيمانه وهو ساكتُ عنهم، يَرَىْ مِنْ معبودهم غيرَ الله. الثالث: تغليبُ الجماعةِ على الواحدٍ لأنهم لمَّا صحبوه في الإِخراج سحبوا عليه وعليهم حكمٌ العَوْد في الملَّة تغليباً لهم عليه. وأما إذا جَعَلْناها بمعنى صيّر فلا إشكال في [٣٩١/ب] ذلك، إذ المعنى: لَتَصِيرُنَّ في ملْتنا بعد أن لم تكونوا، / ففي مِلَّتنا حالٌ على الأول، خبر على الثاني، وعدَّى ((عاد)) بـ ((في)) الظرفية كأن المِلَّةً لهم بمنزلةٍ الوعاءِ المحيط بهم. قوله: ((أو لو كِنَّا كارهين)) الاستفهامُ للإنكار تقديره: أيوجدُ منكم أحدٌ هذين الشيئين: أعني الإِخراج من القرية والعَوْد في الملَّة على كل حال حتى : في حال كراهيتنا لذلك؟ وقال الزمخشري (٢): ((الهمزةُ للاستفهام، والواو واو (١) تقدم الثاني برقم ١١٠٤. والأول لفرعان بن الأعرف، وهو في العيني ٢٩٨/٢؛ وحاشية الشيخ يس ٢٥٢/١؛ والدرر ١٣٣/١. (٢) الكشاف ٩٦/٢. ٣٨٠