النص المفهرس

صفحات 301-320

- الأعراف -
في رَحْمته والظالمين أعدَّ لهم عذاباً أليماً)(١).
وقوله: ((إنهم اتَّخذوا)) جارٍ مَجْرى التعليل وإن كان استئنافاً لفظاً، ويدلُ
على ذلك قراءةُ عيسى بن عمر (٢) والعباس بن الفضل وسهل بن شعيب ((أنهم))
بفتح الهمزة وهي نصّ في العِلِّيّة أي: حَقَّتْ عليهم الضلالة لاتَّخاذهم
الشياطين أولياءَ، ولم يُسْند الإِضلال إلى ذاته المقدسة وإن كان هو الفاعلَ لها تحسيناً
للفظ وتعليماً لعباده الأدبَ، وعليه: ((وعلى الله قَصْدُ السبيل ومنها جائر))(٣).
آ. (٣٢) وقوله تعالى: ﴿قل مَنْ حَرَّمْ﴾: استفهامٌ معناه التوبيخُ
والإِنكار، وإذا كان للإنكارِ فلا جوابَ له إذ لا يُراد به استعلامٌ، ولذلك نُسِب
مكي(٤) إلى الوهم(٥) في زعمه أن قوله: قل هي للذين آمنوا إلى آخره جوابه.
وقوله ((من الرزق)) حالٌ من ((الطيبات)). قوله ((خالصة)) قرأها(٦) نافع
رفعاً، والباقون نصباً. فالرفع من وجهين أحدهما: أن تكون مرفوعةً على خبر
المبتدأ وهو ((هي))، و(للذين آمنوا)) متعلَّقٌ بـ ((خالصة))، وكذلك يوم القيامة، وقال
مكي (٧): ((ويكون قوله للذين تبييناً)). قلت: فعلى هذا تتعلق بمحذوف
كقولهم: سَقْياً لك وجَدْعاً له. و«في الحياة الدنيا)» متعلَّقٌ بآمنوا، والمعنى:
قل الطيبات / خالصة للمؤمنين في الدنيا يوم القيامة أي: تَخْلُص يومَ القيامة [٣٧٨/ب]
لِمَنْ آمن في الدنيا، وإن كانت مشتركاً فيها بينهم وبين الكفار في الدنيا،
(١) الآية ٣١ من الإنسان.
(٢) البحر ٢٨٨/٤.
(٣) الآية ٩ من النحل.
(٤) المشكل ٣١٣/١ حيث قال: ((فقد فرَّق بين بعض الاسم وبعض بقوله والطيبات من
الرزق قل هي للذين آمنوا)).
(٥) قال أبو حيان: ((وتوهّم مكي هنا أن له جواباً ... )). انظر: البحر ٢٩١/٤.
(٦) الحجة ٢٨١؛ السبعة ٢٨٠.
(٧) المشكل ٣١٢/١.
٣٠١

- الأعراف -
وهو معنى حسن. وقيل: المراد بخلوصها لهم يوم القيامة أنهم لا يُعاقبون
عليها، وإلى تفسير لهذا نجا سعيد بن جبير.
الثاني: أن يكون خبراً بعد خبر، والخبر الأول قوله ((للذين آمنوا)»،
و «في الحياة الدنيا)) على هذا متعلِّقٌ بما تعلق به الجارُّ من الاستقرار المقدر،
ويوم القيامة معمولٌ لخالصة كما مَرَّ في الوجه قبله، والتقدير: قل الطيبات
مستقرة أو كائنة للذين آمنوا في الحياة الدنيا، وهي خالصة لهم يوم القيامة، وإن
كانوا في الدنيا يُشاركهم الكفار فيها. ولَّمَّا ذكر الشيخ(١) هذا الوجه لم يُعَلَّقْ
(في الحياة) إلا بالاستقرار، ولو عَلَّق بآمنوا كما تقدَّم في الوجهِ قبله لكان حسناً
وكون ((خالصة)) خبراً ثانياً هو مذهبُ الزجاج(٢)، واستحسنه الفارسي ثم قال:
((ويجوز عندي))، فذكر الوجه الأول كما قررته ولكن بأخصر(٣) عبارة.
والنصبُ من وجهٍ واحد وهو الحال، و((للذين آمنوا)) خبر ((هي)) فيتعلق
بالاستقرار المقدر، وسيأتي أنه يتعلَّق باستقرار خاص في بعض التقادير عند
بعضهم .
و ((في الحياة الدنيا)) على ما تقدَّم مِنْ تعلُّقِه بآمنوا أو بالاستقرار المتعلَّق
به ((للذين)). و((يوم القيامة)) متعلُّقٌ أيضاً بخالصة، والتقدير: قل الطيباتُ كائنةٌ
أو مستقرة للمؤمنين في الحياة حالَ كونهم مقدّراً خلوصُها لهم يوم القيامة.
وسَمَّى الفراء (٤) نصبَها على القطع فقال: ((خالصةً نصبٌ على القطع))، وجعلَ
خبر ((هي)) في اللام التي في قوله ((للذين)). قلت: يعني بالقطع الحال.
(١) البحر ٢٩١/٤.
(٢) معاني القرآن ٣٦٨/٢.
(٣) لا يقال: ((خصر)) حتى يؤخذ منه أفعل تفضيل وإنما يقال: اختصر. انظر: القاموس:
خصر .
(٤) معاني القرآن ٣٧٧/١.
٣٠٢

- الأعراف -
وجوَّز أبو علي أن يتعلق ((في الحياة الدنيا)) بمحذوف على أنه حال،
والعامل فيها ما يعمل في ((للذين آمنوا)). وجَوَّزَ الفارسي(١) وتبعه مكي(٢) أن
يتعلق ((في الحياة) بحرَّم، والتقدير: مَنْ حرَّم زينةَ الله في الحياة الدنيا؟ وجوِّز
أيضاً أن يتعلق بالطيبات، وجوّز الفارسيُّ (٣) وحدَه أن يتعلق بالرزق. ومنع
مكي (٤) ذلك قال: ((لأنك قد فَرَّقْتَ بينهما بقوله: ((قل هي للذين آمنوا)) يعني
أن الرزقَ مصدر فالمتعلَّق به مِنْ تمامه كما هو من تمام الموصول، وقد فصلْتَ
بينه وبين معموله بجملة أجنبية، وسيأتي عن هذا جواب عن اعتراض اعترَض
به على الأخفش .
وجوَّز الأخفش(٥) أن يتعلق ((في الحياة)) بأخرج أي: أخرجها في الحياة
الدنيا. وهذا قد ردَّه عليه الناسُ، فإنه يلزم منه الفصلُ بين أبعاض الصلة
بأجنبي وهو قولُه ((والطيبات من الرزق)» وقولُه ((قل هي للذين آمنوا))، وذلك
أنه لا يُعْطَفُ على الموصول إلا بعد تمام صلته، وهنا قد عطفت على موصوف
الموصول قبل تمام صلته، لأنَّ ((التي أَخْرَجَ)) صفة لزينة، و((الطيبات)) عطف
على ((زينة)). وقوله ((قل هي للذين)) جملة أخرى قد فَصَلَت على هذا التقدير
بشیئین .
قال الفارسي(٦) - كالمجيب عن الأخفش -: ((ويجوز ذلك وإن فُصِل
بين الصلة والموصول بقوله: ((هي للذين آمنوا)) لأنَّ ذلك كلامٌ يَشدُّ (٧) الصلة
(١) الحجة (خ) ٦/٣.
(٢) المشكل ٣١٣/١.
(٣) الحجة (خ) ٦/٣.
(٤) المشكل ٣١٣/١.
(٥) ليس في كتابه ((المعاني)) إشارة إلى ذلك.
(٦) الحجة (خ) ٦/٣.
(٧) الحجة: يُسَدِّد القصة.
٣٠٣

- الأعراف -
وليس بأجنبي منها جَدَّاً كما جاء ذلك في قوله: ((والذين كسبوا السيئات جزاء
سيئةٍ بمثلها وتَرْهَقُهم ذِلَّة))(١)، فقوله: ((وتَرْهَقُهم ◌ِلَّة)) معطوفٌ على ((كَسَبُوا))
داخلٌ في الصلة)). قلت: هذا وإن أفاد في ما ذكر فلا يفيد في الاعتراضٍ
الأولِ ، وهو العطفُ على موصوفِ الموصول قبل تمام صلته إذ هو أجنبيٌّ
منه، وأيضاً فلا نُسلِّم أن هذه الآية نظیرُ آیة یونس فإن الظاهر في آیة یونس أنه ليس
فيها فصلٌ بين أبعاضِ الصلة. قوله: ((لأن جزاء سيئة بمثلها)) معترض،
و (ترهقهم)» عطف على ((كَسَبوا)) قلنا ممنوع، بل «جزاءُ سيئةٍ بمثلها)» هو خبر
الموصول فُيُعْترض بعدم الرابط بين المبتدأ والخبر، فيُجاب بأنه محذوفٍ،
وهو مِنْ أحسنِ الحذوفِ لأنه مجرور بـ مِنْ التبعيضية، وقد نصَّ النحاة على
أن ما كان كذلك كَثُرْ حَذْفُه وحَسُنَ، والتقدير: والذين كسَبُوا السيئاتِ جزاء .
سيئة منهم بمثلها، فَجزاءُ سيئةٍ مبتدأ و((منهم)) صفتُها، و((بمثلها)) خبره،
والجملةُ خبرُ الموصولِ وهو نظيرُ قولهم: ((السَّمْن مَنَوان بدرهم» أي: منوان
[٣٧٩/أ] منه، وسيأتي لهذه / الآية مزيد بيان.
ومنع مكي (٢) أن يتعلق ((في الحياة الدنيا)) بزينة قال: ((لأنها قد نُعِتت
والمصدر واسم الفاعل (٣) متى نُعِتا لا يعملان لبُعْدهما عن شبه الفعل)) قال:
((ولأنه يُفَرَّق بين الصلة والموصول؛ لأنَّ نعت الموصول ليس من صلته)).
قلت: لأن ((زينة)) مصدر فهي في قوة حرفٍ موصولٍ وصلته، وقد تقرَّر أنه
لا يُتْبع الموصولُ إلا بعد تمام صلته. فقد تحصَّل في تعلُّق ((للذين آمنوا)) ثلاثةُ
أوجه : إمَّا أَنْ يتعلَّق بخالصة، أو بمحذوفٍ على أنها خبرٌ، أو بمحذوفٍ على أنها
للبيان. وفي تعلَّق ((في الحياة الدنيا)) سبعةُ أوجهٍ أحدها: أن يتعلَّقِ بآمنوا.
(١) الآية ٢٧ من يونس.
(٢) المشكل ٣١٣/١.
(٣) عبارة المشكل: والظروف والمصادر.
٣٠٤

- الأعراف -
الثاني: أن يتعلق بمحذوفٍ على أنها حال. الثالث: أن يتعلَّق بما تعلَّق به
للذين آمنوا. الرابع: أن يتعلق بحرَّم. الخامس: أن يتعلق بأخرج. السادس:
أن يتعلق بقوله: ((الطيبات)). السابع أن يتعلَّق بالرزق. ويوم القيامة له متعلق
واحد وهو خالصة، والمعنى: أنها وإن اشتركت فيها الطائفتان دنيا فهي خالصةٌ
للمؤمنين فقط أخرى.
فإن قيل: إذا كان الأمر على ما زعَمْتَ مِنْ معنى الشِّركة بينهم في الدنيا
فكيف جاء قوله: ((قل هي للذين آمنوا)) وهذا مُؤْذِنٌ ظاهراً بعدم الشَّرْكة؟
قلت: قد أجابوا عن ذلك من أوجه: أحدها: أن في الكلام حذفاً تقديره: قل
هي للذين آمنوا ولغيرهم في الحياة الدنيا خالصة لهم يوم القيامة، قاله
أبو القاسم الكرماني، وكأنه دلَّ على المحذوف قولُه بعد ذلك ((خالصةً يوم
القيامة)) إذ لو كانت خالصةً لهم في الدارَيْن لم يَخْصَّ بها إحداهما. والثاني:
أن ((للذين آمنوا)) ليس متعلقاً بكونٍ مطلقٍ بل بكون مقيدٍ، يدلُّ عليه المعنى،
والتقدير: قل هي غيرُ خالصةٍ للذين آمنوا، لأن المشركين شركاؤهم فيها
خالصة لهم يوم القيامة، قاله الزمخشري(١)، ودلَّ على هذا الكون المقيّد
مقابلُه وهو قوله: ((خالصةً يوم القيامة)). الثالث: ما ذكره الزمخشري(٢)،
وسبقه إليه التبريزي قال: ((فإن قلت: هَلَّ قِيل [هي](٣) للذين آمنوا ولغيرهم؟
قلت: التنبيهُ على أنها خُلِقَتْ للذين آمنوا على طريق الأصالة، وأنَّ الكفرةَ تبعٌ
لهم كقوله تعالى: ((ومَنْ كفر فامتِّعه قليلً))(٤). وقال التبريزي: ((ولم يَذْكر
الشركة بينهم وبين الذين أشركوا في الدنيا تنبيهاً أنه إنما خَلَقها للذين آمنوا
بطريق الأصالة، والكفار تَبَّعُ لهم، ولذلك خاطب المؤمنين بقوله: ((هو الذي
(١) الكشاف ٧٦/٢.
(٢) الكشاف ٧٦/٢.
(٣) زيادة من الكشاف.
(٤) الآية ١٢٦ من البقرة.
٣٠٥

الأعراف
خلق لكم ما في الأرض جميعاً))(١)، وهذا الثالثُ في الحقيقة ليس جواباً ثالثاً
إنما هو مبين لحُسْن حذف المعطوف وعدمِ ذِكْره مع المعطوف عليه.
آ. (٣٣) قوله تعالى: ﴿ما ظَهَر منها وما بَطَن﴾: تقدَّم في آخر
السورة قبلها(٢). وقوله: ((والإِثم)) الظاهرُ أنه الذنب. وقيل: هو الخمر هنا، قاله
الفضل (٣) وأنشد (٤):
وأننشربالإِثم الذي يُوجبالوزْرا
٢١٨٧- نهانا رسولُ الله أَنْ نقرَب الزِّنى
وأنشد الأصمعي(٥):
كأني شربتُ الإِثمَ أوْ مَسِّنِي خَبَلٌ
٢١٨٨ - ورُحْتُ حزيناً ذاهلَ العقل بعدهمْ
قال: وقد تُسَمَّى الخمرُ إثماً، وأنشد(٦):
كذاك الإِثُمُ يَذْهَبِ بالْعُقولِ
٢١٨٩- شَرِبْتُ الإِثْمَ حتى ضَلَّ عقلي
ويُروى عن ابن عباس والحسن البصري أنهما قالا: ((الإِثم: الخمر)).
قال الحسن: ((وتصديق ذلك قولُه: ((قُلْ فيهما إثمّ كبير))(٧) والذي قاله
الحذَّاقُ: إن الإِثم ليس من أسماء الخمر. قال ابن الأنباري: ((الإِثم لا يكون
اسماً للخمر؛ لأن العرب لم تُسَمِّ الخمر إثماً في جاهلية ولا إسلام، وقول ابن
عباس والحسن لا ينافي ذلك، لأن الخمر سبب الإِثم بل هي معظمه فإنها
مؤجِّجةٌ للفتن، وكيف يكون ذلك وكانت الخمرُ حين نزول هذه السورة
(١) الآية ٢٩ من البقرة.
.(٢) انظر: إعرابه للآية ١٥١ من الأنعام.
(٣) لعله الفضل بن الحباب وقد تقدمت ترجمته.
(٤) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٢٩٢/٤.
(٥) لم أهتد إلى قائله وهو في البحر ٢٩٢/٤.
(٦) تقدم برقم ٥٩٠.
(٧) الآية ٢١٩ من البقرة ((ويسألونك عن الخمر والميسر قل ... )).
٣٠٦

- الأعراف -
حلالاً؛ لأن هذه السورةَ مكية، وتحريمُ الخمر إنما كان في المدينة بعد أُحُدٍ،
وقد شربها جماعةٌ من الصحابة يوم أحد فماتوا شهداء وهي في أجوافهم.
وأمَّا ما أنشده الأصمعي من قوله ((شَرِبت الإِثم)) فقد نَصُّوا أنه مصنوعٌ، وأما غيره
فالله أعلم)).
و ((بغير الحق)) حالٌ، وهي مؤكدة لأن البغي لا يكون إلا بغير حق و ((أَنْ
تُشْرِكوا)) منصوبُ المحلِّ نسقاً على مفعول ((حَرَّمَ)) أي: وحَرَّم إشراكَكُم
عليكم، ومفعولُ الإِشراك ((ما لم يُنَزِّلْ به سلطاناً) وقد تقدَّم بيانُه في
الأنعام(١). و((أَنْ تقولوا)) أيضاً نسقُ على ما قبله أي: وحَرَّم قولكم عليه مِنْ
غير علمٍ. وقال الزمخشري(٢): ((ما لم يُنْزِّل به سلطاناً: تهكُّمَ بهم
لأنه / لا يجوزُ أن يُنْزِلَ برهاناً أَنْ يُشْرَكَ بِه غيرُه)).
[٣٧٩/ب]
آ. (٣٤) قوله تعالى: ﴿ولكل أمة﴾: خبر مقدم، ولا حاجة إلى
حذف مضاف كما زعم بعضُهم أن التقديرَ: ولكلِّ أحدٍ من أمةٍ أَجَلٌ أي عُمْرَ،
كأنه توهَّم أن كل أحد له عمرٌ مستقلُّ، وأن هذا مراد الآية الكريمة، ومراد
الآية أعمُّ من ذلك. وقوله: ((فإذا جاء أَجْلُهم)) قال بعضهم(٣): ((كل موضع
في القرآن من شِبْهِ هذا التركيب فإنَّ الفاءَ داخلةٌ على ((إذا)) إلا في يونس(٤)
أما في يونس فيأتي حكمُها، وأمَّا سائر المواضع فقال: ((لأنها عَطَفَتْ جملةً
على أخرى بينهما اتصالٌ وتعقيب، فكان الموضعُ موضعَ الفاء)). وقرأ(٥)
الحسن وابن سيرين ((آجالهم)) جمعاً.
(١) انظر: إعرابه للآية ٨١ من الأنعام.
(٢) الكشاف ٧٧/٢.
(٣) انظر: البحر ٢٩٣/٤ ونسبه إلى بعضهم.
(٤) الآية ٤٩ من يونس: ((لكل أمة أجل إذا جاء أَجَلُهم فلا يستأخرون ساعة
ولا یستقدمون».
(٥) البحر ٢٩٣/٤.
٣٠٧

- الأعراف -
قوله: ((لا يَسْتَأخرون)): جوابُ ((إذا))، والمضارعُ المنفيُّ بـ((لا)) إذا وقع
جواباً لـ ((إذا)) في الظاهر جاز أن يُتلقَّى بالفاء وأن لا يُتَلَّقَّى بها. قال:
الشيخ(١): ((وينبغي أن يُعْتَقَدَ أنَّ بين الفاء والفعل بعدها اسماً مبتدأ فتصير
الجملةُ اسميةً، ومتى كانت كذلك وَجَبَ أن تُتْلَّقَّى بالفاء أو إذا الفجائية)».
و ((ساعة)) نصبٌ على الظرف وهي مَثَلٌ في قلة الزمان.
قوله: ((ولا يَسْتَقْدِمون)» هذا مستأنفُ، معناه الإِخبار بأنهم لا يَسْبِقون.
أَجَلَهم المضروبَ لهم بل لا بد من استيفائهم إياه، كما أنهم لا يتأخرون عنه.
أقلَّ زمان. وقال الحوفي وغيرُه: ((إنه معطوفٌ على ((لا يستأخرون)) وهذا
لا يجوزُ، لأن ((إذا)) إنما يترتَّب عليها وعلى ما بعدها الأمورُ المستقبلة
لا الماضية، والاستقدامُ بالنسبة إلى مجيء الأجل متقدم عليه فكيف يترتب.
عليه؟ ويصير هذا من باب الإِخبار بالضروريات التي لا يَجْهل أحدٌ معناها،
فيصير نظير قولك: ((إذا قمت فيما يأتي لم يتقدم قيامك فيما مضى)) ومعلوم أن:
قيامَك في المستقبل لم يتقدَّمْ قيامك هذا.
وقال الواحدي: ((إن قيل: ما معنى هذا مع استحالة التقديم على الأجل
وقتَ حضوره؟ وكيف يَحْسُن التقديمُ مع هذا الأجل؟ قيل: هذا على المقاربة
لأنَّ العربَ تقول: (جاء الشيء)) إذا قَرُب وقتُه، ومع مقاربة الأجل يُتَصور
الاستقدامُ، وإن كان لا يتصور مع الانقضاء، والمعنى: لا يستأخرون عن
آجالهم إذا انقضَتْ ولا يَسْتقدمون عليها إذا قاربت الانقضاء)». قلت: هذا بناءً
منه على أنه معطوفٌ على ((لا يستأخرون)) وهو ظاهرُ أقوال المفسرين.
آ. (٣٥) وقوله تعالى: ﴿إِمَّا يأتينُكم﴾: قد تقدَّم نظيره في البقرة(٢).
و ((منكم)) صفةٌ لرسل، وكذلك ((يَقُصُّون)) وقُدِّم الجارُّ على الجملة لأنه أقربُ
(١) البحر ٢٩٣/٤.
(٢) في الآية ٣٨ من البقرة.
٣٠٨

- الأعراف -
إلى المفردِ منها. وقوله ((فَمَنْ)) يُحتمل أن تكون ((مَنْ)) شرطيةً، وأن تكونَ
موصولةً. فإن كان الأولَ كانت هي وجوابُها جواباً للشرطِ الأول، وهي مستقلةٌ
بالجواب دون الجملة التي بعد جوابها، وهي ((والذين كَذَّبوا»، وإن كان الثاني
كانت هي وجوابُها والجملة المشار إليها كلاهما جواباً للشرط، كأنه قَسَّم
جوابَ قوله: ((إمَّا يأتيَنَّكم)) إلى مُتَّقٍ ومُكَذِّب وجزاء كل منهما. وقد تقدَّم
تحقيقُ هذا في البقرة.
وحَذَفَ مفعولَيْ (أَتَّقى وأصلحَ)) اختصاراً للعِلْم بهما أي: اتَّقى ربَّه
وأصلح عمله، أو اقتصاراً أي: فَمَنْ كان من أهل التقوى والصلاح، من غير
نظرٍ إلى مفعول كقوله: ((وأنه هو أغنى وأَقْنى))(١) ولكن لا بد من تقديرِ رابطٍ بين
هذه الجملةِ وبين الجملةِ الشرطية، والتقدير: فَمَنْ اتَّقى منكم والذين كَذَّبوا
منكم.
وقرأ(٢) أُبَيِّ والأعرجُ ((تأتيَنَّكم)) بتاء مثناة من فوق، نظراً إلى معنى
جماعة الرسل، فيكونُ قوله تعالى: ((يَقُصُون)» بالياء من تحت حَمْلاً على
المعنى؛ إذ لو حُمل على اللفظ لقال: ((تَقُصُّ)) بالتأنيث أيضاً.
آ. (٣٧) وقوله تعالى: ﴿مِن الكتاب﴾: في محلّ الحال من
((نصيبهم)) أي: حال كونه مستقراً من الكتاب و«مِنْ)) لابتداء الغاية.
قوله: ((حتى إذا)): ((حتى)) هنا غايةٌ، و((إذا)) وما في حَيِّزها تقدَّم لك
الكلامُ عليها غيرَ مرة: هل هي جارَّةٌ أو حرفُ ابتداء؟ وتقدَّم عبارةُ الزمخشري
فيها. واختلفوا فيها إذا كانت حرفَ ابتداء أيضاً: هل هي حينئذ جارَّةٌ وتتعلَّقْ
بما قبلها تعلُّقَ حروفِ الجر من حيث المعنى لا من حيث اللفظ، والجملة
(١) الآية ٤٨ من النجم.
(٢) البحر ٤ /٢٩٤.
٣٠٩

- الأعراف -
بعدها في محل جر، أو ليست بجارَّةٍ بل هي حرفُ ابتداء فقط، غيرُ جارة وإن
كان معناها الغاية كقوله(١):
٢١٩٠ - سَرَيْتُ بهمْ حتى تَكِلَّ مطيُّهم وحتى الجيادُ ما يُقَدْنَ بأرِسانِ
وقول الآخر(٢):
بدجلةَ حتى ماءُ دجلةَ أَشْكلُ
دماءها
تمج
.. -
٢١٩١- فما زالت القتلى
خلاف. الأولُ قولُ ابن درستويه، والثاني قول الجمهور. وقال صاحب
(التحرير))(٣): ((حتى هنا ليست للغاية بل هي ابتداء وخبره)) وهذا وهمٌ
إذ الغايةُ معنى لا يفارقُها، وقوله: ((بل هي ابتداءً وخبرٌ)) تسامحُ في العبارة، يريد:
بل الجملةُ بعدها. ثم الجملة التي بعدها في هذا المكان ليست ابتداءً وخبراً.
[٣٨٠/أ] بل هي جملةٌ فعلية / وهي: ((قالوا))، و((إذا)) معمولةٌ لها. وممن ذهب إلى
أنها ليست هنا للغاية الواحديُّ فإنه حكى في معنى الآية أقوالاً ثم قال: ((فعلى
هذا القولِ معنى: (حتى)) للانتهاء والغاية، وعلى القَوْلين الأوَّلين ليست ((حتى))
في هذه الآيةِ للغاية بل هي التي يقعُ بعدها الجملُ وينصرف الكلام بعدها
إلى الابتداء كـ ((أمَّا)) و((إذا)). ولا تَعَلَّق لقوله ((حتى إذا)) بما قبله بل هذا ابتداءُ.
خبرٍ، أخبر عنهم، كقوله(٤):
٢١٩٢- فيا عجبا حتى كليبٌ تَسُبُّني
كأنَّ أباها نَهْشَلٌ أو مُجاشعُ
قلت: وهذا غير مَرْضيٍّ منه لمخالفته الجمهور. وقوله: ((لا تعلُّق لها
بما قبلها)» ممنوعٌ على جميع الأقوال التي ذكرها، ولولا خوفُ الإِطالة لأورَدْت
(١) تقدم برقم ١٥٤٦
(٢) تقدم برقم ٦٥٦.
(٣) لعله ((التحرير والتخبير لأقوال أئمة التفسير)) لمحمد بن سليمان المعروف بابن النقيب
المتوفى سنة ٦٩٨. انظر: كشف الظنون ٣٥٨/١.
(٤) تقدم برقم ٧٣٣.
٣١٠

- الأعراف -
ما تَوَهَّمَ كونَه مانعاً مِمَّا ذكر، ولذكرْتُ الانفصال عنه، والظاهر أنها إنما تتعلَّقُ
بقوله («ينالهم نصيبُهم».
وقوله: ((يَتَوَفُّوْنهم)) في محلِّ نصبٍ على الحال. وكُتِبت ((أينما)) متصلةً(١)
وحقُّها الانفصالُ، لأنَّ ((ما)) موصولةٌ لا صلةٌ، إذ التقدير: أين الذين تدعونهم؟
ولذلك كُتِبَ (إنَّ ما توعدون لآت))(٢) منفصلًا و((إنما الله))(٣) متصلاً. وقولهم:
(ضلُّوا)) جواب من حيث المعنى لا من حيث اللفظ، وذلك أن السؤالَ
إنما وقع عن مكان الذين كانوا يَدْعونهم من دون الله، فلو جاء الجوابُ على
نسق السؤال لقيل: هم في المكان الفلاني، وإنما المعنى: ما فَعَل معبودُكم
ومَنْ كنتم تدعونهم؟ فأجابوا بأنهم ضاعوا عنهم وغابوا.
قوله: ((وشهدوا)) يُحتمل أن يكونَ نَسَقاً على ((قالوا)» الذي وقع جواباً
لسؤال الرسل فيكون داخلاً في الجواب أيضاً. ويحتمل أن يكون مستأنفاً
مقتطعاً عَمَّا قبله ليس داخلاً في حيز الجواب. كذا قال الشيخ (٤) وفيه نظر؛
من حيث إنه جَعَل هذه الجملة جواباً لعطفها على قالوا، وقالوا في الحقيقة
ليس هو الجواب، إنما الجواب هو مقول هذا القول وهو ((ضلُّوا عنا))
فـ ((ضَلُّوا عنا)) هو الجوابُ الحقيقي الذي يُسْتفاد منه الكلام. ونظيره أن يقول:
سَأَلْتُ زيداً ما فعل؟ فقال: أطعمتُ وكسوتُ، فنفس أطعمتُ وكسوتُ
هو الجوابُ. وإذا تقرَّر هذا فكان ينبغي أن يقول ((فيكون)) معطوفاً على ((ضلوا
عنا))، ثم لوقال كذلك لكان مُشْكلاً من جهة أخرى: وهو أنه كان يكون
التركيبُ الكلامي: ((ضلُّوا عنا وشهدنا على أنفسنا أنَّا كنَّا))، إلا أَنْ يُقال: حكى
الجواب الثاني على المعنى، فهو محتملٌ على بُعْدٍ بعيد.
(١) وجدتها منفصلة في المصاحف المتداولة.
(٢) الآية ١٣٤ من الأنعام.
(٣) الآية ١٧١ من النساء: ((إنما الله إله واحد)). (٤) البحر ٢٩٥/٤.
٣١١

- الأعراف -
آ. (٣٨) قوله تعالى: ﴿في أمم﴾: يجوز أن يتعلَّق قولُه ((في أمم))
وقوله: ((في النار)) كلاهما بادخلوا فيجيء الاعتراض المشهور: وهو كيف
يتعلَّق حرفا جر متجدا اللفظ والمعنى بعاملٍ واحد؟ فيُجاب بأحد وجهين :.
إمّا أنَّ (في)) الأولى ليست للظرفية بل للمعيَّة، كأنه قيل: ادخلوا مع أممٍ أي:
مصاحبين لهم في الدخول، وقد تأتي ((في)) بمعنى مع كقوله تعالى: ((ونتجاوز
عن سيئاتهم في أصحاب الجنة))(١). وقول الشاعر(٢):
٢١٩٣ - شموسٌ وَدُوْدٌ في حياءٍ وعفةٍ رخيمةُ رَجْع الصوتِ طيبةُ النَّشْرِ
وإمَّا بأنَّ ((في النار)) بدلٌ من قوله ((في أمم)) وهو بدلُ اشتمال كقوله
تعالى: ((أصحابُ الأخدود، النارِ))(٣) فإن ((النارِ)) بدلٌ من ((الأخدود)»، كذلك
(في النار)) بدلٌ من ((أممٍ)) بإعادة العامل بدل اشتمال، وتكونُ الظرفيةُ في
(في)) الأولى مجازاً؛ لأن الأمم ليسوا ظروفاً لهم حقيقة، وإنما المعنى: ادخلوا
في جملةِ أممٍ وغمارهم. ويجوز أن تتعلق ((في أمم)» بمحذوفٍ على أنه حال
أي: كائنين في جملة أمم. و((في النار)) متعلق بخَلَتْ أي: تسبقكم في النار.
ويجوز أن تتعلق بمحذوفٍ على أنه صفةٌ لأمم فتكون ((أمم)) قد وُصِفَتْ
بثلاثة أوصاف، الأول: الجملةُ الفعليةُ وهي قولُه ((قد خَلَتْ))، والثاني: الجار
والمجرور وهو قوله ((من الجن والإنس))، والثالث: قوله ((في النار))، والتقدير:
في أمم خاليةٍ من قبلكم كائنةٍ من الجن والإِنس ومستقرةٍ في النار.
ويجوز أن تتعلَّق ((في النار)) بمحذوفٍ أيضاً لا على الوجه المذكور، بل
على كونِه حالاً مِنْ (أمم))، وجاز ذلك وإن كانَتْ نكرة لتخصُّصها بالوَصْفَيْنَ
(١) الآية ١٦ من الأحقاف.
(٢) لم أقف عليه. والنشر: الرائحة. والشموس: النَّفُور.
(٣) الآية ٤ من البروج.
٣١٢

- الأعراف -
المشارِ إليهما. ويجوز أن يكونَ حالاً من الضمير في (خَلَتْ)) إذ هو ضميرُ
الأمم. وقُدِّمَتْ / الجنُّ على الإِنس لأنهم الأصلُ في الإِغواء.
[٣٨٠/ب]
وقوله ((حتى)) هذه غاية لما قبلها، والمعنى: أنهم يدخلون فوجاً فوجاً
لاعناً(١) بعضُهم لبعض إلى انتهاء تداركهم فيها. والجمهور قرؤوا ((إذا
ادَّاركوا)) بوصل الألف وتشديد الدال، والأصلُ: تداركوا، فلما أريد إدغامُه
فُعِل به ما فُعِل بادَّارَأُتم. وقد تقدَّم تحقيقُ تصريفه في البقرة(٢).
قال مكي(٣): ((ولا يُسْتطاع اللفظُ بوزنها مع ألف الوصل؛ لأنَّك تَرُدُ
الزائد أصلياً فتقول: افَّاعلوا، فتصير تاء تفاعل فاءَ الفعل لإِدغامها في فاء
الفعل، وذلك لا يجوز فإنْ وَزَنْتَها على الأصل فقلت: تَفَاعلوا جاز)». قلت:
هذا الذي ذَكَر مِنْ كونه لا يمكن وزنُه إلا بالأصل وهو تفاعلوا ممنوع. قوله:
((لأنك تَرُدُّ الزائدَ أصلياً) قلنا: لا يلزم ذلك لأنَّا نَزِنُه بلفظِه مع همزة الوصل
ونأتي بتاء التفاعل بلفظها فنقول: وزنُ ادَّاركوا اتْفاعَلوا فُلْفَظُ بالتاءِ اعتباراً
بأصلها لا بما صارت إليه حالَ الإِدغام. وهذه المسألةُ نَصُّوا على نظيرها
وهو أن تاءَ الافتعال إذا أَبْدلت إلى حرف مجانس لما قبلها (٤) ... تُبْدَلُ طاءً
أو دالاً في نحو: اصطبر واضطرب وازدجر وادَّكر، إذا وُزِن ما هي فيه قالوا:
يُلْفَظُ في الوزن بأصل تاء الافتعال، ولا يُلْفَظُ بما صارَتْ إليه من طاء أو دال،
فتقول: وزن اصطبر افتعل لا افطعل، ووزن ازدَجَر افتعل لا افدعل، فكذلك
تقول هنا: وزن ادَّاركوا اتْفاعلوا لا افَّاعلوا، فلا فرقَ بين تاء الافتعال والتفاعل
في ذلك.
(١) الأصل: ((لا عنى)) ولا وجه للقصر.
(٢) انظر: إعرابه للآية ٧٢ من البقرة.
(٣) المشكل ٣١٥/١ وقد اضطربت نسخ ((المشكل)) في ألفاظ هذا النص.
(٤) كلمة لم أتبينها، رسمُها أقرب إلى الفاصلة الكبيرة في ش، ي: کما.
٣١٣

- الأعراف -
وقرأ(١) ابن مسعود والأعمش، ورُوِيت عن أبي عمرو: تداركوا وهي
أصلُ قراءة العامة. وقرأ أبو عمرو: ((إذا إدَّاركوا)) بقطع همزة الوصل. قال
ابن جني(٢): «هذا مُشْكِلٌ، ومثلُ ذلك لا يفعله ارتجالاً، وكأنه وَقَفَ وِقْفة
مستنكرٍ ثم ابتدأ فقطع)). قلت: وهذا الذي يُعْتقد من أبي عمرو، وإلا فكيف
يَقْرأ بما لا يَثْبت إلا في ضرورة الشعر في الأسماء؟ كذا قال ابن جني(٢)، يعني
أَنَّ قَطْع ألف الوصل في الضرورة إنما جاء في الأسماء.
وقرأ حميد ((أُدْرِكوا)) بضم همزة القطع، وسكون الدال وكسر الراء، مثل
(أُخْرِجو)) جعله مبنياً للمفعول بمعنى: أُدْخِلوا في دَرَكاتها أو أدراكها، ونُقِل عِن
مجاهد بن جبر قراءتان: فَرَوى عنه مكي (٣) ((ادِّرَكوا)) بوصل الألف وفتح الدال
مشددة وفتح الراء، وأصلُها ((ادْتَرَكوا)) على افتعلوا مبنياً للفاعل ثم أدغم كما
أدغم ادَّان من الدَّيْن، وروى عنه غيره ((أَدْرَكوا)) بفتح الهمزة مقطوعةً وسكون
الدال وفتح الراء أي أدرك بعضهم بعضاً. وقال أبو البقاء(٤): ((وقرىء: إذا
ادَّاركوا)) بألفٍ واحدة ساكنة بعدها دالٌ مشددة وهو جمعٌ بين ساكنين، وجاز في
المنفصل كما جاز في المتصل، وقد قال بعضهم ((اثنا عشر)) بإثبات الألف
وسكون العين))، قلت: يعني بالمتصل نحو: الضالِّين وجانّ، ومعنى المنفصل
أن ألف ((إذا)) من كلمة، والساكن الثاني من كلمة أخرى. وادَّاركوا بمعنى
تلاحقوا. وتقدَّم تفسيرُ هذه المادة(٥).
و ((جميعاً) حالٌ من فاعل ((ادَّاركوا)). وأُخْراهم وأُولاهم: يحتمل أن تكونَ
(١) البحر ٢٩٦/٤.
(٢) المحتسب ٢٤٧/١ - ٢٤٨.
(٣) لم ترد هذه الرواية في مشكل مكي.
(٤) الإملاء ٢٧٣/١.
(٥) انظر: إعرابه للآية ٧٨ من النساء.
٠٠
٣١٤

- الأعراف -
فُعْلى أنثى أفعل الذي للمفاضلة، والمعنى على هذا كما قال الزمخشري(١):
((أُخْراهم منزلةً، وهم الأتباع والسَّفَلة، لُأولاهم منزلةً وهم السَّادة والرؤساء)»،
ويحتمل أن تكون ((أخرى)) بمعنى آخِرة تأنيث آخِر مقابل لأوَّل، لا تأنيث
(آخَر) الذي للمفاضلة كقوله: ((ولا تَزِرُ وازرةٌ وِزْرَ أُخرى))(٢).
والفرقُ بين أخرى بمعنى آخِرة وبين أخرى تأنيث آخَر بزنة أفعل
للتفضيل أنَّ التي للتفضيل لا تدلُّ على الانتهاء كما لا يَدُلُّ عليه مذكَّرها،
ولذلك يُعْطف أمثالُها عليها في نوعٍ واحد تقول: مررت بامرأةٍ وأخرى
وأخرى، كما تقول: برجل وآخر وآخر، وهذه تدلُّ على الانتهاء كما يدلُّ عليه
مذكّرها ولذلك لا يُعْطَفُ أمثالُها عليها، ولأنَّ الأولى تفيد إفادة ((غير)»، وهذه
لا تفيد إفادةً ((غير)). والظاهرُ في هذه الآية الكريمة أنهما ليستا للتفضيل بل لِما
ذكرت لك /.
[٣٨١/أ]
وقوله: ((الأُولاهم)) اللامُ للتعليل أي لأجل، ولا يجوز أن تكون التي
للتبليغ كهي في قولك: قلت لزيدٍ افعل. قال الزمخشري(٣): ((لأنَّ خطابَهم
مع اللّه لا معهم)) وقد بَسَط القولَ قبله في ذلك الزجاج (٤) فقال: ((والمعنى:
وقالت أخراهم: يا ربَّنا هؤلاء أضلونا، لأولاهم)) فَذَكَرَ نحوه. قلت: وعلى هذا
فاللامُ الثانيةُ في قوله ((أُولاهم لأخراهم)) يجوز أن تكون للتبليغ، لأنَّ خطابَهم
معهم بدليل قوله: ((فما كان لكم علينا مِنْ فضلٍ، فذوقوا بما كنتم تَكْسِبون)).
وقوله ((ضِعْفاً) قال أبو عبيدة(٥): ((الضِّعْفُ: مثلُ الشيء مرةً واحدة)) قال
(١) الكشاف ٧٨/٢.
(٢) الآية ١٨ من فاطر.
(٣) الكشاف ٧٨/٢.
(٤) معاني القرآن ٣٧١/٢.
(٥) مجاز القرآن بعبارة قريبة ٢١٤/١.
٣١٥

- الأعراف -
الأزهري(١): ((وما قاله أبو عبيدة هو ما يَسْتعمله الناس في مجاز كلامهم، وقد
قال الشافعي قريباً منه فقال في رجل أوصى : ((أَعْطوه ضِعْف ما يُصيب ولدي))
قال: ((يُعطَى مثله مرتين)). قال الأزهري(٢): ((الوصايا يُستعمل فيها العُرْف
وما يتفاهمه الناس، وأما كتاب الله فهو عربي مبين، ويُرَدُّ تفسيرُه إلى لغة
العرب وموضوع كلامِها الذي هو صنعةُ ألسنتها. والضِّعْف في كلام العرب
المِثْل إلى ما زاد، ولا يُقتصر به على مِثْلين بل تقول: هذا ضِعْفه أي مِثْلاه
وثلاثةُ أمثاله، لأنَّ الضِّعْفَ في الأصل زيادةٌ غيرُ محصورة، ألا ترى إلى قول
الله تعالى: ((فأولئك لهم جزاءُ الضُّعف))(٣) لم يُرِدْ به مِثْلًا ولا مِثْلين، وَأَوْلِى
الأشياء به أن يُجْعل عشرةَ أمثالِه كقوله تعالى: ((مَنْ جاء بالحسنةِ فله عشرُ.
أمثالِها)»(٤) فأقلُّ الضعف محصورٌ وهو المِثْل وأكثرُه غير محصور)». ومثلُ هذه
المقالةِ قال الزجاج(٥) أيضاً فإنه قال: ((أي عذاباً مضاعفاً لأن الضُّعْفَ في
كلام العرب على ضربين أحدهما: المثل، والآخر: أن يكون في معنى
تضعيف الشيء» أي زاد به إلى ما لا يَتناهَى. وقد تقدم طرفٌ من هذا في
البقرة(٦).
و((ضِعْفاً)) صفةٍ لـ((عذاباً)). و((من النار)) يجوز أن يكون صفة لـ ((عذاباً)).
وأن يكون صفةً لـ((ضِعْفاً))، ويجوز أن يكونَ ضعفاً بدلاً من ((عذاباً)).
وقوله ((لكلِّ)) أي: لكل فريق من الأخرى والأولى. وقوله: ((ولكن
لا تعلمون، قراءةُ العامة بتاء الخطاب: إمَّا خطاباً للسائلين، وإمَّا خطاباً لأهل
(١) تهذيب اللغة ١ /٤٨٠.
(٢) تهذيب اللغة ٤٨٠/١.
(٣) الآية ٣٧ من سبأ.
(٤) الآية ١٦٠ من الأنعام.
(٥) معاني القرآن ٣٧٢/٢.
(٦) انظر: إعرابه للآية ٢٤٥ من البقرة.
٣١٦

- الأعراف -
الدنيا أي: ولكن لا تعلمون ما أعدَّ من العذاب لكل فريق. وقرأ(١) أبو بكر
عن عاصم بالغيبة، وهي تحتمل أن يكون الضميرُ عائداً على الطائفة السائلة
تضعيفَ العذاب أو على الطائفتين أي: لا يعلمون قَدْر ما أَعَدَّ لهم من
العذاب .
آ. (٣٩) قوله تعالى: ﴿فما﴾: هذه الفاءُ عاطفةٌ هذه الجملةَ المنفية
على قول الله تعالى للسَّفلة: ((لكلٍ ضعف)) فقد ثَبَتَ أن لا فضلَ لكم علينا،
وأَنَّا متساوون في استحقاق الضعف فذوقوا. قال الشيخ (٢) - بعد أن حكى
بعضَ كلامِ الزمخشري(٣) -: ((والذي يظهر أن المعنى: انتفاء كون فضلٍ
عليهم من السَّفَلة في الدنيا بسبب اتباعهم إياهم وموافقتهم لهم في الكفر
أي: أَتِّباعُكم إيانا وعدمُ اتَّباعكم سواءً، لأنكم كنتم في الدنيا عندنا أقلّ من
أن يكون لكم علينا فضلّ باتباعكم بل كفرتم اختياراً، لا أنَّا حَمَلْناكم على
الكفر إجباراً، وأن قوله ((فما كان)) جملةٌ معطوفة على جملة محذوفة بعد القول
دَلَّ عليها ما سَبَقَ من الكلام، والتقدير: قالت أولاهم لأخراهم: ما دعاؤكم الله
أنَّا أَضْللناكم وسؤالكم ما سألتم، فما كان لكم علينا من فضلٍ بضلالكم، وأنَّ
قوله: ((فذوقوا)) من كلام الأولى خطاباً للأخرى على سبيل التشفِّي، وأنَّ ذوق
العذاب هو بسبب ما كَسَبْتُمْ لا بأنَّا أُضللناكم. وقيل: فذوقوا من خطاب الله
لهم» .
و ((بما)) الباءسببية، و((ما)) مصدريةٌ أو بمعنى الذي، والعائد محذوف
أي : تکسبونه .
(١) السبعة ٢٨٠؛ الحجة ٢٨١.
(٢) البحر ٤ /٢٩٦.
(٣) الكشاف ٧٨/٢.
٣١٧

- الأعراف -
آ. (٤٠) وقرأ أبو عمرو (١): ﴿لا تُفْتَح): بضم التاء من فوق
والتخفيف. والأخوان بالياء من تحت والتخفيف، والباقون: بالتأنيث
والتشدید. فالتأنيث والتذكير باعتبار الجمع والجماعة، والتخفيف والتضعيفُ باعتبار
التكثير وعدمِه، والتضعيفُ هنا أوضح لكثرة المتعلق. وهو في هذه القراءاتِ
مبنيٌّ للمفعول. وقرأ أبو حيوة وأبو البرهسم ((تَفْتَّح)) بفتح التاءَ مِنْ فوق
[٣٨١/ب] والتضعيف، والأصلُ: / لا تتفتّح بتاءَيْن فحُذِفت إحداهما، وقد تقدَّم في
(تذكَّرون))(٢) ونحوه، فـ ((أبواب)) على قراءة أبي حَيْوة فاعلٌ، وعلى ما تقدم
مفعولٌ لم يُسَمَّ فاعلُه. وقرىء: ((لا تَفْتَحُ)) بالتاء ونصب ((الأبواب)) على أن الفعل
للآيات، وبالياء على أن الفعل الله، ذكره الزمخشري(٣).
وقوله ((في سَمِّ الخِياط)) متعلقٌ بـ ((يَلِجَ)). وسَمُّ الخياط ثقب الإِبرة
وهو الخُرْتُ، وسينُه مثلثةٌ، وكل ثقبٍ ضيقٍ فهو سَمّ. وقيل: كل ثقب في
البدن، وقيل: كل ثقب في أنفٍ أو أذن فهو سَمٌّ، وجمعه سُموم، قال
الفرزدق(٤):
٢١٩٤ - فَنَفَّسْتُ عنْ سَمَّيْهِ حتى تَنَّسَا وقلت له لا تخش شيئاً وراثيا
والسُّمُّ: القاتل سُمِّي بذلك لِلُطُفه وتأثيره في مسام البدن حتى يصل إلى
القلب، وهو في الأصل مصدرٌ ثم أريد به معنى الفاعل لدخولِه باطنَ البدن،
وقد سَمَّه إذا أدخله فيه، ومنه ((السَّامَّة)) للخاصَّة الذين يدخلون في بواطن
(١) السبعة ٢٨٠، الحجة ٢٨٢؛ البحر ٢٩٧/٤.
(٢) انظر: إعرابه للآية ١٥٢ من الأنعام.
(٣) الكشاف ٧٨/٢.
(٤) ليس في ديوانه، وصدره في تهذيب اللغة ٣٢٢/١٢، واللسان: سمم و ((سَمِّيهِ)) هنا أراد
بهما منخريه.
٣١٨

- الأعراف -
الأمور ومَسَامِّها، ولذلك يقال لهم الدُّخْلُلُ. والسَّموم: الريح الحارة لأنها تؤثر
تأثيرَ السُّمَّ القائل. والخِياط والمِخْيَط الآلة التي يُخاط بها فِعال ومِفْعَل كإزار
ومِْزَر ولِحاف ومِلْحَف وقِناع ومِقْنع. ولا يقال للبعير جَمَل إلا إذا بَزَل(١).
وقيل: لا يُقال له ذلك إلا إذا بلغ أربع سنين، وأول ما يخرج ولد الناقة
ولم تُعرف ذكوريتُه أو أنوثتُه يقال له: سَلِيْل، فإن كان ذكراً فهو سَقْبٌ، والأنثى
حائل، ثم هو حُوار إلى الفِطام وبعده فصيل إلى سنة، وفي الثانية ابنُ مَخاض
وبنت مخاض، وفي الثالثة ابن لَبون وبنت ◌َبون، وفي الرابعة حِقُّ وحِقَّة،
وفي الخامسة جَذَع وجَذَعة، وفي السادسة ثَنِيِّ وَثَنَّة، وفي السابعة رَباع
ورَباعِية مخففة، وفي الثامنة سَديس لهما، وقيل: سَديسة للأنثى، وفي
التاسعة بازل وبازلة، وفي العاشرة مُخْلِفٌ ومُخْلِفة، وليس بعد البُزُول والإِخلاف
سِنِّ بل يقال: بازل عام أو عامين ومُخْلِفُ عام أو عامَيْن حتى يَهْرَم فيقال له
فْد.
والوُلوج: الدخول بشدة ولذلك يقال: هو الدخول في مضيق
فهو أخصُّ من الدخول. والوليجة: كلَّ ما يعتمده الإِنسان، والوليجة: الداخلُ
في قومٍ ليس منهم.
والجَمَل قراءة العامة وهو تشبيه في غاية الحسن، وذلك أن الجملَ أعظمُ
حيوانٍ عند العرب وأكبره جثةً حتى قال(٢):
٢١٩٥_
جسمُ الجِمالِ وأحلام العصافير
٠
(١) بزل البعير: طلع نابه وذلك في السنة الثامنة أو التاسعة فهو بازل.
(٢) البيت لحسان، في ديوانه ٢١٩/١؛ والكتاب ٢٥٤/١؛ والبحر ٢٩٧/٤، وصدره:
لا عيبَ بالقومِ مِنْ طُول ولا عظمٍ
٣١٩

- الأعراف -
[وقوله](١):
٢١٩٦ - لقد كُبُر البعيرُ بغير لُبّ
وسُمُّ الإِبرة في غاية الضيق، فلما كان المَثَلُ يُضْرَب بعِظَم هذا وكبره،
وبضيق ذاك حتى قيل: أضيقُ من خُرْتِ الإِبرة، ومنه الخِرِّيْتُ وهو البصير.
بمضايق الطرق قيل: لا يَدْخلون الجنة حتى يتقخَّمَ أعظمُ الأشياء وأكبرها عند
العرب في أضيقِ الأشياءِ وأصغرِها، فكأنه قيل: لا يَدْخلون حتى يُوجدَ هذا
المستحيلُ، ومثلُه في المعنى قولُ الآخر(٢):
٢١٩٧ - إذا شاب الغراب أتَّيْتُ أهلي وصارَ القارُ كاللبنِ الحليب
وقرأ ابن(٣) عباس في رواية ابن حَوْشب ومجاهد وابن يعمر وأبو مجلز
والشعبي ومالك بن الشخير(٤) وابن محيصن وأبو رجاء وأبورزين وأبان عن
عاصم: ((الجُمَّل)) بضم الجيم وفتح الميم مشددة وهو القَلْسُ. والقَلْسُ: حبلٌ
غليظ يُجمع من حبال كثيرة فَيُفْتَل وهو حبلُ السفينة وقيل: الحبل الذي يُصْعَد
به [إلى] النخل، ويروى عن ابن عباس أنه قال: ((إن الله أحسنُ تشبيهاً من أن
يُشَبِّه بالجمل)) كأنه رأى إن صحَّ عنه أن المناسب لسُمّ الإِبرة شيء يناسب
الخيط المسلوك فيها. وقال الكسائي: ((الراوي ذلك عن ابن عباس أعجمي
فشدّد الميم))(٥). وضَعَّف ابن عطية(٦) قول الكسائي بكثرة رواتها عن
(١) عجزه : .
فلم يَسْتَغْنِ بالعظم البعيرُ .
ولم أهتد إلى قائله وهو في الدر اللقيط على حاشية البحر المحيط ٢٩٧/٤، وصدره في
البحر ٢٩٧/٤.
(٢) لم أهتد إلى قائله وهو في تفسير الماوردي ٢٨/٢.
(٣) البحر ٢٩٧/٤؛ الشواذ ٤٣.
(٤) لم أقف على ترجمته.
(٥) أي لعجمته .
(٦) التفسير ٦٠/٧.
٣٢٠